tiktok
Logo

اليوبيلَ ليس وقفةَ حنينٍ إلى ماضٍ اندثر

كلمةُ الأب البروفسور جورج حبيقة في كتاب أصالةٌ شرقيّةٌ وتوثّبٌ خلّاق - تاربخ الرهبانية الأنطونية

2026-01-16

البروفسور الأب جورج جبيقه الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس

في الجامعة الأنطونيّة بعبدا في 13 كانون الثاني 2026

استهلالاً، دعوني أتوجّهُ بأسمى آيات الشّكر والامتنان إلى الصّديق الحكيم العارف والثّقيف قدسِ الأب العام جوزيف بو رعد، الرئيسِ العام للرَّهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة السامي الاحترام، على الدعوة الكريمة إلى وليمة الكلمة هذه، ضمن النّدوات والنّشاطات والاحتفالات بيوبيل الثلاثمئةٍ وخمسةٍ وعشرينَ عامًا على تأسيس هذه الرَّهبانيّة الشقيقةِ والعريقة. ويمتدُّ شكري، بالفرح عينه، إلى الأب المؤرخ العزيز والصّدوق الدكتور سركيس الطّبر الجزيل الاحترام، على ما بذله من جهد وتنسيق وتحضير لمشاركتي في هذه النّدوة. ويُسعدني، بل يُشرّفني، أن أجالسَ مؤرّخَينِ كبيرين، كـرّسا حياتَهما للتنقيب في الماضي وكشف مكنوناته وتحليلِ تناسلِ الأحداث التي أسّست لحاضرنا، الدكتور الياس القطّار والدكتورة دعد بو ملهب عطالله، إلى جانب باحثٍ مُجلٍّ في العلوم السّياسيّة، الدكتور جورج شرف. إنهم بحقٍّ مدعاةُ اعتزازِنا البحثي والجامعي.

إنّ اليوبيلَ ليس وقفةَ حنينٍ إلى ماضٍ اندثر، بل زمنُ تمييزٍ روحيٍّ وتاريخي، تُستعادُ فيه نجاحاتُ الماضي فخارًا، وتُكشفُ إخفاقاتُه حياءً، ليُعاشَ الحاضرُ منفتحًا على انطلاقةٍ جديدة في أمانةٍ خلاّقة للاستمراريّة.

في هذا الصّدد، تُلقي كلماتُ مار أوغسطينوس، في الكتاب الحادي عشر من "اعترافاته"، ضياءً كاشفًا على الترابط المحكم بين الماضي والحاضر والمستقبل، كمقياسٍ باطنيٍّ في وِجدان الانسان وليس كحقيقة خارجيّة: "الأزمنةُ ثلاثةٌ: حاضرُ الماضي وهو الذّاكرة، وحاضرُ الحاضرِ وهو الانتباهُ أو الحدْسُ المباشِر، وحاضرُ المستقبلِ وهو الانتظار". هذا الثالوثُ الزمنيُّ لا يُجزّأ؛ فالذّاكرةُ تُحرّك الانتباهَ أو الحدْسَ المباشِر، وهما معًا يستقبلانِ الآتي من الزّمن ليتحوّلَ إلى حاضرِ الحاضرِ ثمّ إلى حاضرِ الماضي. وفي الحاضرِ تلتقي الأزمنةُ الثّلاثةُ وتتواثقُ في عُرىً لا تُنقَض؛ ومن هذا التّلاقي تنبثقُ وحدةُ الزمن، عصيّةً على الانشطار. إنَّ النظرَ إلى الماضي ليس ارتدادًا إلى الوراء، بل شرطٌ للتقدّم إلى الأمام. وبناءً على ذلك، فإن ما أنجزه الرُّهبانُ من أعمالٍ روحيّة ودنيويّة عظيمة يتمدّدُ إلى الحاضر قوةً دافعةً نحو مزيدٍ من الارتقاء في آفاق الروح؛ وما أخفقوا فيه لا يطويه النِسيان، بل، على شاكلة الاحتباسِ الحراريّ، يرتدُّ أثرُه على الأجيال الرُّهبانيّة اللاّحقة كافة، ويوقظُ صحوةً روحيّة، ويدفعُ بالتّالي الرُّهبانَ إلى النزول عن منصة الاعتزاز والإقامة في دائرة التواضع، ساعين إلى إقلاعٍ جديد نحو الأعالي، بخفرٍ ورعدة. إنّ المدَّ والجزرَ في الحياة الرُّهبانية بين النجاحِ والفشل يُصقلُ شخصيةَ الرّاهب، كما يُنعّمُ الموجُ البحصَ الخشنَ حتى يُصيِّرَه حصًى ناعمًا برّاقًا.

وما ذهب إلى قوله قدسُ الأب العام الأباتي جوزيف بو رعد في توطئة الكتاب "أصالةٌ شرقيّةٌ وتوثُّبٌ خلاّق، دراساتٌ في تاريخ الرَّهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة"، يصلحُ أن يكونَ أمثولةً بليغة في صرامة الموضوعيّة وجرأة المقاربة. فهو يقولُ ما حرفيّتُه: "في تاريخنا – كما في كلِّ تاريخ – أمورٌ هي مدعاةٌ للفخر والاعتزاز، وسقطاتٌ شوّهت تكرّسَنا ورسالتَنا". هذا هو فعلا تاريخُ البشر. مزيجٌ من العظمة والهشاشة. خليطٌ من القوّة والضَّعف. فالمسيحيّةُ تكشفُ بجلاءٍ طبيعةَ الانسانِ التناقضيّةَ وتمزّقَه الأدبيَّ الدّاخلي. وهذا الأمرُ ينعكسُ على قراراتِنا والتزاماتِنا وتكرّسِنا. لذا نرى مار بولس يُصرّحُ بدون وجل ولا خجل: "لستُ أعرِفُ ما أعملُ، فما أريدُ، إيّاهُ لا أفعل، بل ما أكرهُ، إيّاهُ أصنع" (رومانيين 7، 15). وفي رسالته إلى الغلاطيّين، يُشدِّدُ مار بولس على الصّراع المحتدمِ في داخلنا بين منطقِ الجسدِ ومنطقِ الرّوح، قائلا: "لأنَّ الجسدَ يشتهي ما يُضادُّ الرّوح، والرّوحَ ما يُضادُّ الجسد. فكلٌّ منهما يُضادُّ الآخرَ، حتّى إنّكم لا تعملونَ ما تريدونَ" (غلاطيين 5: 17). ويتابعُ في السّياق عينِه، "فمن يظنُّ أنّه واقفٌ بثبات، فليحذرِ السّقوط" (١ كورنتوس 10: 12). ويتوِّجُ مار بولس تظهيرَه البارعَ لهشاشة طبيعتِنا البشريّة في الآية التّالية: "ولكننا نحملُ هذا الكنزَ في أوانٍ من خزف" (2 كورنتس 4: 7). كيف لخزفيّة طبيعتِنا أن تحمِلَ سموَّ بشارةِ الربِّ وتعاليمِه؟ من هنا المسيرةُ الرُّهبانيّة في شقّيها الدّيريّ-النّسكيّ والرّسوليّ التّعليميّ إنما هي بالفعل مسيرةُ تعثّرٍ وتخبُّطٍ حتى الكمال والقداسة. كم من مرةٍ رقدت القدّيسةُ تريزيا الطفلُ يسوع فاقدةَ الإيمان، وفي أحسن الأحوال في نشوفة روحيّة خانقة، وهي التي لم تعش إلا أربعًا وعشرينَ سنةً! غير أنها لم تستسلم وبقيت تناضلُ ببسالة المتصوِّفين حتى غدت معلِّمةً للكنيسةِ ومن عظام قدّيسيها.

إن عظمةَ الحياةِ الرُّهبانيةِ كتسبيقٍ للزّمن الآتي وانتفاضةٍ على التّراخي في جذريّة التكرّسِ لنشر الخبرِ السّعيد، إنما هي أقوى برهانٍ على وجود الله، لأنه لولا اللهُ لما شقَّ هذا الجنونُ الرُّهبانيّ طريقَه إلى الوجود ولا دخل حيِّزَ الواقع. إنّنا الليلةَ مجتمعون لنُحيِّيَ انتفاضةَ الرَّهبانيّةِ الأنطونيّةِ المارونيّةِ مع شقيقاتٍ لها في الكنيسة المارونيّة، على معادلة الانسان الوجوديّة.

 من جبال قورش مع الكاهن النّاسك مارون إلى جبال لبنان، مرورًا بدير مار مارون على ضفاف نهر العاصي، نهر التمرُّد على قوانين الطبيعة، ترحالٌ روحيٌّ متشعّبٌ وواحد. الحياةُ الرُّهبانيّةُ والنّسكيّة التي خطّها مار مارون، تقوم على الانقطاع عن العالم والموت عنه، وفي الوقت عينه، على إعادة التواصل معه وإلهابِ شعلةِ الروحِ فيه، وتصويبِ اتجاهِه صوب أورشليمَ الجديدة. وهكذا كـرّس مار مارون نسكَه القاسي، الذي كان يلامسُ الأسطورة، للِقاءِ الناس، وتخفيفِ معاناتِهم من أمراضهم النفسيّة والجسديّة، وإرشادِهم وتحفيزِهم وإسنادِهم. وبالطريقة عينِها، حافظت رَهبانيّاتُنا المارونيّةُ، المبصرةُ النور على يد البطريرك الملفانِ والقدّيسِ اسطفان الدّويهي، على هذا الإرث الثمين والخاصِ بها، مستمرةً في نشرِ دعوةِ القداسةِ والخدمةِ والنِّسكِ على حدٍّ سواء.

بهذا النهجِ الروحيّ، كانت رَهبانيّاتُنا على خُطى المسيح المصلّي والصّائم في القفر والمائت عن العالم، من جهة، والمعلِّمِ والمبشّرِ بالملكوتِ والشّافي المرضى ومحيي المائتين في المدن والقرى وعلى ضفاف النهرِ والبحيرة، من جهة أخرى. مدٌّ وجزرٌ بين الصّحراء والعالم، بين هدأة الدير والصّومعة وصخب المجتمع. فالرَّهبانيّةُ الأنطونيّةُ المارونيّة تجلّت في هذا المسار الرُّهباني وتألقت في تفعيل دورِها في مساحاتِ الحياة الديريّة والنُّسكيّة والتأمّليّة والانقطاع إلى محاولة عيشِ الزّمنِ الآتي، من ناحية، والتزامِها بتلبية حاجاتِ شعبِ اللهِ للنموّ والتقدّم في المعرفة والحياة حتى ملءِ قامةِ المسيح، من ناحية أخرى. وبهذا، رفضت الرَّهبانيّةُ الأنطونيّة، شأنُها شأنُ شقيقاتِها في الكنيسة المارونيّة، أن تحصرَ نفسَها في إطارٍ محدّدٍ لدعوتها، سواءٌ أكانت ديريةً تأمُّليّة أم تبشيريّةً تعليميّة.

إن مواهبَ الروح تخترقُ القيودَ التّنظيميّةَ الخانقةَ والمجفّفةَ للعفويّاتِ المبدعة والنّاشطة. من هنا كانت رَهبانيّاتُنا حاضنةً لجميع الدَّعوات الرُّهبانيّة. إنها تتحرّكُ حيث تدعو الحاجةُ وتُرسَلُ حيث تُنادي الرّسالة. ففي الرَّهبانيّة الواحدة، نرى رهبانًا ديريين، يتفرّغون للصّلاة والعمل في الأرض؛ ورهبانًا يتنسّكون وينقطعون عن العالم وله؛ ورهبانًا يخدمون الرّعايا ويجعلونها رائدةً، كرعيّة مار الياس إنطلياس؛ ورهبانًا يكرّسون ذواتَهم للبحث والتعليم، ويديرون مدارسَ وجامعات؛ ورهبانًا ينخرطون في قطاعات المجتمع كافّة، السّياسيّةِ منها والاقتصاديّة، دعمًا لرسوليّةِ الكيانِ اللبنانيّ وعظمتِه في شرقٍ دأب على تهميش الآخرِ المختلفِ وإلغائه. في المحصّلة، لا يسعُ الرهبانَ الموارنةَ أن يبقَوا على الحِياد إزاء أيِّ شيءٍ يـمَسُّ الكنيسةَ أو الشعبَ اللبنانيّ وتنوّعَه وسببَ وجودِه. بدون أيِّ مغالاة، إنهم الشُّعلةُ المقدّسةُ في الكنيسة المارونيّة ذاتِ الطابِع الرُّهباني النّسكي، وحراسُ لبنانَ القضيّةِ والرّسالة.

في وجيز الكلام، كلُّ رَهبانيّةٍ مارونيّة هي مجسّمٌ صغير لرهبانيّات متعدّدة في واحدة. دعوتُنا أن نكونَ كلَّ شيء، في مواهبيّةٍ روحيّةٍ مشرّعةٍ ومفتوحةٍ على آفاقٍ لا حدَّ لها. وهذه الخاصيّةُ المارونيّةُ الـمُنَظَّمةُ في اللاّتنظيم أنجبت راهبًا ناسكًا قدّيسًا عظيمًا "اجتاح" العالمَ بصمته وتذويب ذاتِه في الذّات الإلهيّة، مار شربل، وراهبًا ديريًّا ومعلِّمًا، مار نعمة الله الحرديني، وراهبًا مصلّيًا وخادمًا وعاملا في الأرض مار اسطفان، وراهبةً مصلّية وعاملة في الدّير والتّعليم، ومسمَّرة إراديًّا على صليب الجلجلة، القدّيسة رفقا، والعديدَ العديدَ غيرَهم.

 

بعد هذا العرضِ المقتضب، اسمحوا لي أن أتوقّف - ولو بإيجاز - عند أمرين جوهريَّين يُجسِّدان، ببلاغةٍ ساطعة، تجلّياتِ الرَّهبانيّةِ الأنطونيّةِ المارونيّةِ الجليلة: «وثيقة عامّيّة إنطلياس» والأب بولس الأشقر الأنطوني.
فَالّذي جرى على مذبحِ مار إلياس إنطلياس، في السابع من حزيران سنة ألفٍ وثمانمائة وأربعين، شكَّلَ استباقًا لِتظهيرِ الهُوِيّةِ اللبنانيّةِ المركّبة، ولِوحدةِ الشَّعبِ اللبنانيّ في إطارِ تمايُزاتِ التعدّديّة. وعند قراءة تلك الوثيقة - بلغتها العربيّة البسيطة وغيرِ المصقولة، القريبةِ من اللغةِ المحكيّة - يستوقفُنا، من ناحيةٍ، ذلك الوعيُ المُبكِّرُ للـ«نحنُ» اللبنانيّةِ الجامعة، تحت تعبيرِ: "بوجهِ العموم"؛ ويشدُّنا، من ناحيةٍ أخرى، ذلك الحرصُ البيّنُ على صونِ الذاتيّاتِ المتعدّدة المُكوِّنة لهذه الـ"نحن"، في التعابيرِ الآتية: «ونحنُ جمهورَ الدّروز، وجمهورَ النّصارى، وجمهورَ المتاولة، وجمهورَ الإسلام" أي السُنّة. ومن رحمِ هذه الهُوِيّات المتعدّدةِ تنبثقُ المواطنةُ اللبنانيّةُ المتمايزة؛ وهكذا، قبلَ أن يقترحَ مستشارُ النمسا ووزيرُ خارجيتِها، فون مترنيخ، في اجتماعِ الآستانة سنةَ 1842، تمثيلَ الطوائفِ المكوِّنةِ للشعبِ اللبنانيِّ التعدُّدي، وقبلَ أن تُكرِّسَ الدولةُ العثمانيّة، على يدِ وزيرِ خارجيتِها شكيب أفندي سنةَ 1845، تمثيلَ الطوائفِ الستِّ في مجلسي القائمقاميتين، ثم في مجلس الإدارة في نظام المتصرّفية في جبل لبنان 1861–1915، كانت الصّيغةُ اللبنانيّةُ قد أبصرتِ النورَ على مذبحِ مار إلياس إنطلياس، لدى الرَّهبانيّةِ الأنطونيّةِ المارونيّة، في السّابعِ من حزيران سنةَ 1840، وذلك بحضورِ وإشرافِ وتحريرِ الأب إسبيريدون عرموني الأنطوني.

أما في ما يتعلقُ بمساهمات الرَّهبانيّةِ الأنطونيّة المارونيّة في حقل الموسيقى الكنسيّة، فيكفي أن نذكـرَ بإجلال الموسيقي العبقري ومعلمَ الأجيال الأب بولس الأشقر. كيف لنا، نحن أبناءَ الرَّهبانيّةِ اللبنانيّةِ المارونيّة، أن ننسى دورَه الرياديّ في تنشئة رهباننا من كلّ الفئات العمرية على الألحان الكنسيّة المبدعة التي تجمع ببراعة أنغامَ التّراثِ إلى تحديثاتِ العصر في جملٍ موسيقيّة أخّاذة وحالمةٍ ومصلّيةٍ وخاشعة؟ هذه النهضةُ التي أطلقها الأب بولس الأشقر في رَهبانيّتنا تبرعمت بظهور مواهبَ كبيرةٍ ونادرة طبعت كنيستَنا المارونيّة وكنائسَ المشرق. نذكـرُ منهم على سبيل المثال الأب المحترم يوسف الخوري وألحانَه الخالدة، ومساهماتِه الموسيقيةَ العظيمة على صعيد لبنانَ ككل عبر ترأسُّه للكونسرفتوار الوطنيّ؛ والأب يوسف الأشقر وصوتَه الخلاّبَ وألحانَه البديعةَ والشجيّة؛ والأب البروفسور لويس الحاج، الباحثَ الأوّلَ في الألحان السّريانيّة المارونيّة، والعالـِمَ الأوّل في الموسيقى musicologue)) في العالم العربي والذي انتُخب لثلاثِ ولاياتٍ متتاليةٍ حتى مماته رئيسًا لِلَجنة الموسيقى المقدّسة في الفاتيكان من قبل كبار علماء الموسيقى الكاثوليك في العالم. في كلِّ ما تقدَّم، إنَّ إرثَ القامةِ والرائدِ الأب بولس الأشقر الأنطوني في المزامير الملحّنة لن يخضعَ للحتّ الزمنيّ. ستظلُّ ألحانُه تصدحُ في كنائسنا تمجيدًا للآب الخالق والربِّ الفادي والروحِ المعزّي والـمُتمِّم.

وهنا اسمحوا لي أن أرويَ على مسامعكم ما جرى معنا في التحضيرات للقدّاس الحبريّ لتطويب الأخت رفقا في بازليك مار بطرس في الفاتيكان. أثناء التمارين، في 16 ت2 1985، كانت جوقةُ جامعة الروح القدس الكسليك، بقيادة الراحل الكبير الأب لويس الحاج، تُنشدُ مزمور " كما يشتاقُ الأيّلُ" للأب بولس الأشقر الأنطوني، مع الفواصل الموسيقيّة (سيلاه) كاملةً. كلّنا يعرفُ جماليّةَ هذا اللَّحنِ الآسرة على مقام البياتي، مع انتقالاتٍ مقاميّة إلى الراست والحجاز. عندما انتهينا من إنشادهِ، ما كان من جوقةِ كابيلا سيستينا (Chapelle Sixtine) إلا أنِ اندفعت في تصفيقٍ حارٍّ غيرِ مألوف، وطالبتنا بإعادته. نعم، أيها السّادة، عندما نكون ذواتَنا، يصفّقُ لنا العالم. وعندما نُبدعُ في تراثنا، يصفّقُ لنا العالم. وعندما نحافظُ بحدقة العين على مخزونِنا الجماليّ، يُصفِّق لنا العالم. ولكن عندما نسأمُ من تراث أجدادِنا ومجتمعِنا ونهجرُه، ونتبنّى صنوفًا فنّيّةً غريبةً وهجينة، حينئذٍ يحزَنُ علينا العالمُ ويندُبُنا.

مهما يكن من أمر، يبقى أعمقَ تحليلٍ ما قاله في هذا السّياق تلميذُ الأب بولس الأشقر، الموسيقارُ الذي عملقَ لبنانَ في هذا الشرق، عاصي الرحباني في حفلٍ تأبينيٍّ سنة 1963، وفي اللغة اللبنانيّة المحكيّة: "ألحان بونا بولس بتنبع من التراث. ألحان بونا بولس بتنبع من مناخ بلادو. أخدا من الثقافة ومن التراث ومن الطقوس، وْشَحَنا بإحساسو الخاص، حتى صارت تعبّر عن مشاعر ناس بلادنا، وشوقن لتمجيد الحق والجمال والمحبة.  وِتْطلّعت العيون أكتر صوب السما". إنَّ هذا العرضَ الوجيز ليس إلا غيضًا من فيضِ مساهماتِ الرَّهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة الكبرى في خدمة الكنيسة وفي خدمة لبنان.

في خاتمةِ كلمتي في هذه النّدوة، حولَ كتابٍ نفيسٍ زاخرٍ بموضوعاتٍ متنوِّعةٍ، متداخلةِ الأبعادِ، متكاملةِ الرؤى، خطَّه أهلُ درايةٍ وثقة، عُرفوا بصرامةِ بحثهم وسَعةِ معارفهم؛ يطيبُ لي أن أرفعَ إلى الرَّهبانيّةِ الأنطونيّةِ المارونيّةِ الشّقيقة، الجليلةِ القدرِ العليَّةِ الـمَقام، رئيسًا عامًا ومدبّرينَ ومسؤولينَ عامّينَ ورؤساءَ وكهنةً ورهبانًا، أحرَّ التّهاني وأعطرَ الأماني، تقديرًا لعطائها الفكريّ والرّوحيّ، وإجلالًا لدورها الرصين في خدمة الإنسان والكنيسة والوطن. وإنّي لَمُتَوَسِّلٌ إلى مَن أخلى ذاتَه ودخلَ في زمنِنا البشريّ، ووهَبنا نعمةَ الولادةِ الثانية بخلعِ الإنسانِ العتيق والتوشُّحِ بالمسيح، آدمَ الجديد، أن يرافقَ هذه الرَّهبانيّةَ الشقيقةَ والعزيزة في ترحالها الراسخ الوطيد إلى ديارِ أورشليمَ الجديدة، وأن يُزخِّمها بالتجدّدِ الرّوحيّ المستدام، لتبقى أمينةً على وديعةِ الخبرِ السّعيد وكلمةِ الحياة.

وشكرًا لإصغائكم.

 

التعليقات

الأب ميشال روحانا الأنطوني

2026-01-16

ألف شكر لوريث نبوغ السماعنة - الحصارنة - الذين أسّسوا لمقولة "نابغة كماروني"

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM