tiktok
Logo

القواسم المشتركة بين اللبنانيين

هذه القواسم نشأت أساسًا بصورة عفوية بفعل الضغط التاريخي وتكرار الأزمات، وأسهمت في تعزيز الصمود الاجتماعي في حالات الصعاب،

2026-01-20

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

القواسم المشتركة بين اللبنانيين

تتناول هذه الدراسة القواسم المشتركة بين اللبنانيين بوصفها ظاهرة بنيوية تتشكّل في ظل التنوّع الاجتماعي والانقسام السياسي، وفي سياق ضعف الدولة كدولة قانون. تعتمد الدراسة مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين علم الاجتماع السياسي، وعلم النفس الاجتماعي، والأنثروبولوجيا الثقافية، لتحليل مصادر هذه القواسم، ولا سيما اللغة المشتركة، والعادات والتقاليد، والتسامح الاجتماعي، والتفاهم الديني–الدنيوي، والانفتاح البنيوي في الشخصية اللبنانية. وتُظهر الدراسة أن هذه القواسم نشأت أساسًا بصورة عفوية بفعل الضغط التاريخي وتكرار الأزمات، وأسهمت في تعزيز الصمود الاجتماعي في حالات الصعاب، من دون أن تُشكّل بديلًا مستدامًا عن دولة القانون.
الكلمات المفتاحية: لبنان؛ القواسم المشتركة؛ دولة القانون؛ الصمود الاجتماعي؛ رأس المال الاجتماعي؛ التكيّف الجمعي.
المنهجية
تعتمد هذه الدراسة منهجًا نوعيًا تحليليًا يقوم على قراءة نظرية مقارنة للأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة في مجال الدولة الهشّة، ورأس المال الاجتماعي، والتكيّف الجمعي، مع اعتماد الحالة اللبنانية بوصفها دراسة حالة تحليلية. ويجري الربط بين المستويات الثقافية والنفسية والاجتماعية والمؤسسية عبر منهج تركيبي يهدف إلى تفسير الظاهرة لا قياسها كميًا.
القسم الأول: القواسم الثقافية والاجتماعية المشتركة
اللغة الواحدة كإطار جامع
تُشكّل اللغة العربية، بلهجتها اللبنانية، أحد أهم القواسم المشتركة بين اللبنانيين، ليس فقط بوصفها أداة تواصل، بل بوصفها حاملاً للمعنى والذاكرة والرمز. فاللغة، وفق مقاربة فردينان دو سوسير، لا تنقل الواقع فحسب، بل تُنتج نظامًا مشتركًا للفهم والتأويل (Saussure, 1983, p. 42). وفي السياق اللبناني، أسهم هذا الإطار اللغوي المشترك في تخفيف حدّة الانقسامات العقائدية عبر تحويل الاختلاف إلى قابل للحوار اليومي.
العادات والتقاليد وأنماط العيش
تشترك الجماعات اللبنانية المختلفة في منظومة واسعة من العادات الاجتماعية، مثل طقوس الضيافة، وشبكات القرابة، والتكافل في المناسبات الاجتماعية. ويُشير إميل دوركهايم إلى أن هذه الممارسات تؤدي وظيفة اندماجية تحفظ تماسك المجتمع خارج الأطر القانونية الرسمية (Durkheim, 1997, p. 117). وفي لبنان، تؤدي هذه العادات دورًا تعويضيًا عن ضعف المؤسسات.
التسامح الاجتماعي والتفاهم الديني–الدنيوي
رغم التعدّد الديني، طوّر اللبنانيون نمطًا من «التسامح العملي» القائم على التعايش اليومي لا على الاتفاق العقائدي. ويُلاحظ غسان سلامة أن هذا النمط يُدار ببراغماتية اجتماعية تُقدّم الاستقرار على الصراع القيمي المباشر (سلامة، 1998، ص 88)، ما أتاح استمرار العيش المشترك رغم الانقسامات السياسية.

القسم الثاني: الأسباب النفسية والاجتماعية والبنيوية
التكيّف الجمعي مع الأزمات
تُظهر دراسات علم النفس الاجتماعي أن المجتمعات التي تواجه أزمات متكررة تطوّر آليات تكيّف جماعي تُعمِّم التجربة وتُنتج شعورًا بالمصير المشترك (Tajfel, 1981, p. 203). وفي الحالة اللبنانية، أدّى هذا التكيّف إلى تعزيز التضامن الأفقي، مقابل تراجع الثقة العمودية بالدولة.
الانفتاح البنيوي في الشخصية اللبنانية
يُرجع كمال الصليبي الطابع المنفتح في الشخصية اللبنانية إلى تاريخ طويل من الهجرة، والتجارة، والتفاعل مع الخارج، ما أسهم في إنتاج مرونة ثقافية وقدرة عالية على التكيّف (Salibi, 1988, p. 61). وقد انعكس هذا الانفتاح في تقبّل التنوّع بوصفه واقعًا اعتياديًا لا مصدر تهديد دائم.
غياب الدولة كعامل مُولِّد للتقارب
يرى جويل ميغدال أن ضعف الدولة يدفع المجتمعات إلى بناء أنماط تنظيم ذاتي وشبكات ثقة بديلة (Migdal, 2001, p. 149). وفي لبنان، أدّى هذا الواقع إلى نشوء قواسم مشتركة قائمة على الحاجة المتبادلة والتعاون العملي، لا على الانتماء الطائفي وحده.
القسم الثالث: النتائج الإيجابية وحدودها
الصمود الاجتماعي
أسهمت القواسم المشتركة في تعزيز الصمود الاجتماعي ومنع الانهيار الشامل، من خلال المبادرات الأهلية، وشبكات الدعم، والتفاهمات غير الرسمية. وتُشير دراسات الصمود المجتمعي إلى أن هذه الآليات تُخفّف من آثار الصدمات في المجتمعات الهشّة (Norris et al., 2008, p. 276).
الأعراف البديلة عن القانون
في غياب دولة القانون، نشأت أعراف اجتماعية تنظّم السلوك اليومي، وهو ما تصفه سالي مور بـ«القانون بوصفه عملية اجتماعية» لا نصًا جامدًا (Moore, 1978, p. 34). ورغم هشاشتها، أدّت هذه الأعراف دورًا وظيفيًا مؤقتًا.
حدود الإيجابيات
يحذّر فرانسيس فوكوياما من أن الاعتماد المفرط على البدائل غير الرسمية قد يُطَبِّع غياب الدولة ويُضعف المطالبة بالإصلاح البنيوي (Fukuyama, 2004, p. 112). وعليه، تبقى هذه القواسم طاقة اجتماعية غير مكتملة سياسيًا.
خاتمة
تُبيّن هذه الدراسة أن القواسم المشتركة بين اللبنانيين ظاهرة بنيوية عفوية تشكّلت تحت ضغط الأزمات وضعف دولة القانون، وأسهمت في حفظ حدٍّ أدنى من التماسك والصمود. غير أنّ تحويل هذه القواسم من آليات بقاء إلى رافعة لبناء دولة عادلة يتطلّب إدماجها في عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للقانون بوصفه الرابط الأعلى بين المواطنين.

المراجع

Durkheim, É. (1997). The Division of Labor in Society. Free Press.
Fukuyama, F. (2004). State-Building. Cornell University Press.
Migdal, J. (2001). Strong Societies and Weak States. Princeton University Press.
Moore, S. (1978). Law as Process. Routledge.
Norris, F., et al. (2008). “Community Resilience.” American Journal of Community Psychology.
Salibi, K. (1988). A House of Many Mansions. I.B. Tauris.
Saussure, F. (1983). Course in General Linguistics. Routledge.
سلامة، غسان. (1998). المجتمع والدولة في المشرق العربي. دار النهار.
Tajfel, H. (1981). Social Identity and Intergroup Relations. Cambridge University Press.

بقلم: الدكتور جبور
١٦/١/٢٠٢٦

 
 
 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM