التكاؤُن التفاعلي: نحو فلسفة إنسانية للعلاقة والفعل المشترك
يقترح البحث مفهوم التكاؤُن التفاعلي بوصفه إطارًا فلسفيًا جديدًا لفهم العلاقة الإنسانية
2026-01-24
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
ملخّص البحث (Abstract)
ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن الأزمة التي يعيشها الإنسان المعاصر ليست أزمة أنظمة أو موارد فحسب، بل هي في جوهرها أزمة علاقة. إذ تكشف النماذج السائدة في فهم العلاقة الإنسانية—سواء تلك القائمة على التعايش الشكلي أو تلك التي تؤسّس الصراع بوصفه منطقًا حاكمًا—عن قصور أنطولوجي يتمثّل في افتراض ذاتٍ مكتملة تسبق العلاقة، ما يحوّل الوجود المشترك إمّا إلى توازي هشّ أو إلى تنازع مدمّر.
في مواجهة هذا المأزق، يقترح البحث مفهوم التكاؤُن التفاعلي بوصفه إطارًا فلسفيًا جديدًا لفهم العلاقة الإنسانية، حيث يُعاد تعريف التفاعل لا كحدث عرضي بين ذوات جاهزة، بل كعملية تكوُّن دينامية يتشكّل فيها الإنسان عبر المشاركة الواعية والمتبادلة. ووفق هذا التصوّر، تصبح العلاقة شرط إمكان للوجود والمعنى والفعل، لا نتيجة لاحقة لها، ويُفهم الإنسان بوصفه كائنًا علائقيًا يتكوّن مع الآخرين لا بمعزل عنهم.
يعتمد البحث مقاربة تحليلية–تركيبية، وينتظم في أربعة محاور مترابطة: يبدأ بنقد النماذج الفلسفية والاجتماعية السائدة في فهم العلاقة الإنسانية، ثم يؤسّس أنطولوجيًا لمفهوم التكاؤُن التفاعلي، ويحلّل أبعاده الأخلاقية والمعرفية بوصفه إطارًا لإنتاج المسؤولية والمعنى، قبل أن ينتقل إلى دراسة إمكاناته على المستوى السياسي والاجتماعي، ولا سيّما في المجتمعات التعدّدية. كما يتضمّن البحث ملحقًا تطبيقيًا يعالج السياق اللبناني بوصفه حالة كاشفة لمآلات التعايش غير التفاعلي والصراع الدوري، ومختبرًا فلسفيًا لاختبار إمكانات التكاؤُن التفاعلي وحدوده.
يخلص البحث إلى أن التكاؤُن التفاعلي لا يمثّل مجرّد مفهوم نظري، بل أفقًا فلسفيًا لإعادة بناء العلاقة الإنسانية، يقوم على تحويل الاختلاف من عامل تفكك إلى مورد للتكوُّن، وعلى استعادة الإنسان بوصفه ذاتًا علائقية فاعلة، تتشكّل بالآخرين ومن خلالهم.
د.فريد جبور
التكاؤُن التفاعلي: نحو فلسفة إنسانية للعلاقة والفعل المشترك
بقلم: الدكتور فريد جبور
التاريخ: 22 كانون الثاني / 2026
لم تعد المسألة الإنسانية في الفكر الفلسفي المعاصر مسألة وجودٍ مادي أو انتظامٍ اجتماعي فحسب، بل غدت، في عمقها الأنطولوجي، مسألة علاقة. فالإنسان لا يظهر في العالم بوصفه ذاتًا مكتفية بذاتها، سابقة على غيرها، بل بوصفه كائنًا لا ينكشف وجوده ولا يتشكّل معناه إلا داخل شبكة من العلاقات التي تمثّل شرط إمكان حضوره وفعلِه(1)(2). وقد أظهرت التحوّلات الكبرى في الفلسفة الحديثة والمعاصرة حدود التصوّرات الجوهرانية للذات، تلك التي افترضت وجودًا ثابتًا سابقًا على العالم والآخرين، لصالح مقاربات ترى الوجود الإنساني وجودًا علائقيًا في أساسه(19).
غير أنّ المفارقة التي تميّز الحداثة المتأخرة تكمن في أنّ اتساع فضاءات العيش المشترك وتسارع أنماط التواصل الاجتماعي لم يؤدّيا بالضرورة إلى تعميق العلاقة الإنسانية، بل كثيرًا ما رافقهما تآكل في قدرتها على إنتاج المعنى والتكوُّن(3)(4). فالحضور الكثيف للآخرين لا يعني بالضرورة قيام علاقة بالمعنى الفلسفي، كما أن القرب المكاني أو الوظيفي لا يفضي تلقائيًا إلى تفاعل إنساني مولِّد. ويبدو أن الأزمة لم تعد في غياب العلاقة، بل في كيفية التفكير في وجودها ووظيفتها الأنطولوجية.
لقد انبنت التصوّرات السائدة للعلاقة الإنسانية، في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسية، على نموذجين متقابلين. يقوم الأول على التعايش الشكلي، حيث يُفهم العيش المشترك بوصفه مجرّد تزامن وجودي بين ذوات مستقلة، مكتملة، لكلٍّ منها هويتها وحدودها السابقة على العلاقة، وهو نموذج يجد جذوره في الفردانية الحديثة كما صاغتها الفلسفة الديكارتية والليبرالية الكلاسيكية(5)(6).
أما النموذج الثاني، فيقوم على الصراع، حيث لا يُتصوَّر التفاعل إلا بوصفه مواجهة أو تنازعًا على الاعتراف أو السلطة أو الموارد، كما في بعض القراءات الهيغيلية والمقاربات الصراعية في الفلسفة السياسية المعاصرة(7)(8).
وعلى الرغم من التباين الظاهر بين هذين النموذجين، إلا أنهما يشتركان في افتراض ضمني واحد، هو أن الذات تسبق العلاقة: ففي التعايش تكون الذات متجاورة مع غيرها دون أن تتغيّر، وفي الصراع تكون الذات في مواجهة غيرها سعيًا إلى تثبيت ذاتها أو توسيعها. وفي الحالتين، تغيب مقاربة العلاقة بوصفها بنية تكوينية للوجود الإنساني ذاته(1)(9)(10).
يفضي هذا الافتراض إلى مأزق أنطولوجي ومعرفي وأخلاقي عميق. فإذا كانت الفينومينولوجيا قد بيّنت أن الوعي لا ينكشف إلا داخل عالم مُعاش مشترك، وأن الذات لا تُعطى كجوهر مغلق بل كصيرورة منفتحة على العالم والآخرين(2)(11)(12)، وإذا كانت الفلسفة الحوارية قد أكّدت أن الذات لا تتكوّن إلا في علاقة “أنا–أنت” تقوم على الحضور المتبادل لا على التشييء(13)، وإذا كانت البراغماتية قد ربطت إنتاج المعنى بالفعل المشترك والخبرة الحيّة(14)، فإن الاستمرار في التفكير في العلاقة إمّا بوصفها حيّزًا محايدًا أو ساحة صراع يبدو فلسفيًا غير كافٍ.
من هنا، تنبثق إشكالية هذا الكتاب، التي يمكن صياغتها على النحو الآتي:
كيف يمكن بلورة مفهوم فلسفي للعلاقة الإنسانية يكون فيه التفاعل شرطًا أنطولوجيًا للتكوُّن المشترك، وأساسًا لفعل إنساني خلاّق، يتجاوز منطق الصراع والتعايش السلبي، ويعيد التفكير في الإنسان بوصفه كائنًا علائقيًا فاعلًا؟
استجابةً لهذه الإشكالية، يقترح هذا الكتاب مفهوم التكاؤُن التفاعلي بوصفه إطارًا فلسفيًا جديدًا لفهم العلاقة الإنسانية، لا باعتبارها حالة ساكنة من الوجود المشترك، بل بوصفها عملية دينامية يتكوّن فيها الإنسان عبر التفاعل الواعي، المستمر، والمتبادل(15)(17)(18). فالتكاؤُن التفاعلي لا يعني الذوبان في الآخر ولا إلغاء الاختلاف، بل يفترض تمايزًا علائقيًا تُنتَج فيه المعاني والأفعال عبر المشاركة لا الهيمنة.
ثانيًا: المحور الأول بكثافة مرجعية وتحليل عميق
المحور الأول: من التعايش إلى التفاعل – نقد النماذج السائدة:
1) حدود التعايش السلبي: العيشُ المشترك كـ”توازي” لا كـ”تكوُّن”
يظهر “التعايش” في الخطاب السياسي والثقافي المعاصر بوصفه حلًّا بديهيًا لمعضلة الاختلاف: أن نقبل وجود الآخر وأن نضمن له حيّزًا في المجال العام. غير أن هذه الصيغة، على وجاهتها الأخلاقية الأولية، قد تتحوّل سريعًا إلى ما يمكن تسميته تعايشًا سلبيًا: وجودٌ مشترك بلا فعل مشترك، وقبولٌ متبادل بلا إنتاج للمعنى. هنا لا تقوم العلاقة بوظيفتها الفلسفية بوصفها شرط تكوّن، بل تصبح ترتيبًا إداريًا لتقليل الاحتكاك، أي إدارةً للمسافة بدل بناءٍ للصلة. هذه البنية تُعيد إنتاج افتراضٍ حداثيّ قديم: الذات بوصفها وحدة مكتملة تُضاف إلى غيرها، لا صيرورة تتشكّل بالانفتاح عليهم(5)(6).
من منظور أنطولوجي، التعايش السلبي يثبت الوجود في مستوى “الحضور المتجاور” ويمنع انتقاله إلى مستوى “الحضور المتبادل”. فحيث يغدو الآخر مجرد جارٍ في المكان أو شريكٍ في المؤسسات، تتراجع العلاقة إلى مستوى خارجي لا يمسّ تكوّن الذات ولا يعيد تشكيل حساسيتها. هنا يمكن استحضار نقد الفينومينولوجيا للتصورات التي تفصل الوعي عن العالم المعيش: فالذات لا تُعطى كجوهر منعزل ثم “تختار” علاقة، بل تنكشف داخل عالمٍ مشترك منذ البدء(2)(11)(12). وعندما يُختزل التعايش إلى تجاورٍ صامت، يتحوّل العالم المشترك إلى مسرحٍ لذواتٍ متوازية، لا إلى مجالٍ لتبادل المعنى.
اجتماعيًا، ينتج التعايش السلبي نمطًا من العلاقات يشبه ما وصفه غوفمان ببنية “إدارة الانطباع” حيث تستقر العلاقات على طقوس سطحية تحفظ الوجه وتجنّب الصدام، دون أن تفتح أفقًا لتبادلٍ عميق يُعيد تشكيل المواقف والقيم(21). ومع انتقال المجتمع إلى حداثة “سائلة”، تصبح الروابط أكثر هشاشة ومرونة، فتزداد القدرة على التعايش الشكلي وتضعف القدرة على الالتزام التفاعلي الطويل(3). يظل المجتمع “معًا” لكنه لا يصير “معًا” في المعنى التكويني.
المشكلة الفلسفية الأشدّ في التعايش السلبي أنه يعيد إنتاج وهم الحياد: كأن المجال العام يمكن أن يكون إطارًا محايدًا يحتضن اختلافات متجاورة دون أن يطالبها بشيء سوى عدم العنف. لكنّ الحياد هنا ليس براءة، بل تعطيل للتكوُّن: لأن المعنى لا ينشأ من التوازي بل من الاحتكاك المنظَّم والحوار والاختبار، وهو ما شددت عليه البراغماتية عند ديوي حين جعلت المعنى نتاج الخبرة والفعل المشترك لا التأمل المنعزل(14). كما أن الحقيقة في المجال الإنساني ليست مجرد تطابق ذهني، بل انكشاف داخل ممارسة مشتركة، وهذا ما يجعل التعايش السلبي “فقيرًا معرفيًا” حتى لو بدا “مقبولًا أخلاقيًا”.
والأخطر أن التعايش السلبي، لأنه يراكم المسافات تحت قناع السلم، ينتج هشاشةً سياسية: فعند أول أزمة، يعود المكبوت العلائقي إلى السطح لأن العلاقة لم تُبنَ على تفاعل مُنتِج، بل على توقّفٍ مؤقّت عن الصراع. بهذا المعنى، التعايش السلبي لا يعالج العنف بل يؤجّله، لأنه لم يحوّل الاختلاف إلى موردٍ للمعنى، بل جعله ملفًا مؤجلًا في بنية النظام الاجتماعي(22)(28). ومن هنا، يصبح نقد التعايش السلبي ضرورة تأسيسية للبحث: لأن نموذجًا لا ينتج علاقة، لن ينتج تكوُّنًا، ولن ينتج فعلًا مشتركًا.
خلاصة هذه الفقرة: التعايش السلبي يحفظ “السلم” كغياب للعنف، لكنه لا يبني “العلاقة” كحضور متبادل، لذلك يعجز عن إنتاج معنى أو مسؤولية أو فعل مشترك—وهو ما يبرّر الانتقال إلى نقد
النموذج الثاني:الصراع.
2) الصراع كنموذج مهيمن: عندما يُختزل التفاعل إلى نفيٍ متبادل
إذا كان التعايش السلبي يلغي التفاعل بإبقائه في حدوده الدنيا، فإن النموذج الصراعي يفعل العكس: يُطلق التفاعل لكن بوصفه مواجهةً. في هذا النموذج، لا يُفهم الآخر كشريكٍ في تكوّن المعنى، بل كقوة منافسة أو تهديد. وهنا تُختزل العلاقة إلى معادلة صفريّة: ربحٌ يقابله خسارة، اعترافٌ يقابله إنكار، سيادةٌ تقابلها تبعية. لهذا ظلّت قراءات عديدة للحداثة السياسية تجعل “العداء/الصديق” أو “الاعتراف/الإنكار” قلب الفعل السياسي(31)(7)(8).
فلسفيًا، يمكن رصد جذور هذا المنطق في مركزية الصراع داخل سرديات تشكل الذات عبر السلب والوساطة، حيث تُنتج الذات نفسها عبر نفيٍ ما أو عبر مواجهةٍ ما(7). لكن المشكلة ليست في الاعتراف بوجود توترات، بل في تحويل التوتر إلى “قانون” للعلاقة، أي اعتبار الصراع ليس حالة بل بنية. عند هذه النقطة، يتحول التفاعل إلى شكل من أشكال السيطرة الرمزية والمادية، ويتقاطع ذلك مع تحليلات فوكو للسلطة بوصفها شبكة علاقات تُنتج أجسادًا مطواعة ومعاييرَ ومعارفَ تخدم انتظامًا معيّنًا(26). فالصراع لا يقع فقط على السلطة، بل يُنتج “حقيقة” و”هوية” و”طبيعيًا” يخدم أحد الأطراف.
من منظور علم الاجتماع الرمزي، تتكوّن الهويات داخل صراعات الاعتراف والتمييز، وهو ما تشرحه مدرسة ميد وشوتس في تشكل الذات عبر التوقعات الاجتماعية ومعاني التفاعل(9)(10). لكن حين تصبح الهوية مُؤسسة على العداء، تتحول عملية التكوّن إلى تحصّن: الذات لا تتكوّن بالانفتاح بل بالتقوقع. ويجد هذا التحصّن دعامة نفس-اجتماعية في ديناميات الهوية الجمعية التي تبيّن كيف ينتج الانقسام “نحن/هم” طاقة تعبئة قد تكون سياسية لكنها تُفقر إمكانات التفاعل التكويني(38).
كما أن النموذج الصراعي قد يتغذى من بنى أعمق للعنف الرمزي والمنافسة على المكانة، وهو ما يشرحه بورديو حين يبيّن كيف تُعاد إنتاج الهيمنة عبر العادة والذوق ورأس المال الرمزي، لا عبر القوة العارية فقط(27). في هذه الحال، حتى “الحوار” يمكن أن يصبح امتدادًا للصراع إن لم تتوفر شروط تكافؤ وتحرر من أشكال الإكراه غير المرئي. هنا تظهر أهمية نقد هابرماس للفعل الاستراتيجي (الموجّه للنجاح) وتمييزه عن الفعل التواصلي (الموجّه للتفاهم)(15). فالصراع ليس مجرد اختلاف في الآراء، بل اختلاف في “منطق الفعل” نفسه.
وعندما ينتقل الصراع من السياسة إلى البنية الثقافية، يصبح العنف شبه طقسي: يُعاد إنتاجه عبر سرديات ومخاوف واستعارات، وقد يكتسب بعدًا “مقدّسًا” كما حلله جيرار في علاقة الجماعة بالعنف وبآليات التضحية والعدوى(32). عندها لا يعود الصراع مجرد خلاف على المصالح، بل يصير محركًا للهوية والشرعية، ما يجعل الخروج منه صعبًا لأن إنهاءه يبدو كتهديد للذات الجمعية.
لكن الأخطر أن النموذج الصراعي يُفقِد التفاعل طبيعته التكوينية: فبدل أن يُنتج المعنى، ينتج التبرير؛ وبدل أن يُنتج المسؤولية، ينتج الذنب؛ وبدل أن يُنتج الاعتراف، ينتج الإدانة. هنا يضيء ليفيناس حدود كل علاقة تجعل الآخر موضوعًا أو خصمًا: لأن الآخر، في عمقه الأخلاقي، ليس شيئًا في العالم بل نداء مسؤولية يكسر أنانية الذات(18). ومن دون هذا الانكسار الأخلاقي، يبقى الصراع دائرةً مغلقة مهما تبدّل ميزان القوى.
خلاصة هذه الفقرة: النموذج الصراعي يخلق تفاعلًا كثيفًا لكنه تفاعلٌ “مُعطِّل للتكوّن” لأنه يحوّل الآخر إلى خصم/أداة، ويحوّل العلاقة إلى جهاز لإنتاج الهيمنة والهوية المغلقة، بدل أن يجعلها فضاءً لتكوّن مشترك.
3) الحاجة إلى نموذج ثالث: نحو تجاوز ثنائية “التوازي/التنازع”
بعد نقد التعايش السلبي والصراع، تظهر الحاجة الفلسفية إلى نموذج ثالث لا يساوم على الاختلاف ولا يقدّسه، بل يُعيد بناء العلاقة بحيث يصبح التفاعل شرطًا للتكوّن. فالمشكلة ليست في الاختلاف ذاته، بل في نمط إدارة الاختلاف: إمّا بتجميده (تعايش سلبي) أو بتفجيره (صراع). ولذلك فإن السؤال النظري الذي يفرض نفسه ليس: كيف نمنع الصراع فقط؟ بل: كيف نجعل الاختلاف موردًا لإنتاج معنى وفعل مشترك؟(14)(15)
هذا الانتقال يقتضي تحولًا أنطولوجيًا: من فهم الوجود الإنساني كوجود “فردي أولًا” ثم “اجتماعي ثانيًا”، إلى فهمه كوجود علائقي منذ الأصل. هنا يفيد نانسي في تفكيك وهم “الفرد المكتمل” لصالح تصور الوجود بوصفه “كونًا معًا” (being-with) لا يلحق بالوجود بل يقيم في صميمه(19). كما يفيد هيدغر في إبراز أن الكينونة-مع ليست عرضًا اجتماعيًا، بل بُعدًا تأسيسيًا لوجود الإنسان في العالم(1). ضمن هذا الأفق، يصبح التفاعل ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة أنطولوجية: لأن الذات لا تكتمل إلا عبر أنماط معينة من العلاقة.
غير أن “العلائقية” وحدها لا تكفي، إذ قد تكون العلاقة علائقية وصراعية معًا. لذلك لا بد من إدخال معيار الفعل والمعنى: أي كيف ننتقل من تفاعلٍ استراتيجي إلى تفاعلٍ تواصلي، ومن منافسة على الاعتراف إلى بناء شروط الاعتراف المتبادل. في هذا الإطار تتقاطع ثلاثة خطوط قوية:
(أ) الخط الحواري عند بوبر حيث لا تُختزل العلاقة إلى معرفة أو استخدام، بل إلى حضور متبادل يرفع الآخر من مرتبة “هو” إلى مرتبة “أنت”(13).
(ب) الخط البراغماتي عند ديوي حيث تُبنى الحقيقة والمعنى عبر التجربة المشتركة والعمل، لا عبر تأمل منعزل أو سلطة مفروضة(14).
(ج) الخط التداولي عند هابرماس حيث العقلانية ليست ملكة فردية محضة، بل بنية تواصلية تتجلى في التبرير والحجّة والاعتراف المتبادل داخل أفق التفاهم(15).
إضافة إلى ذلك، يذكّرنا غادامير بأن الفهم ليس امتلاكًا لمعنى جاهز، بل “اندماج آفاق” يحدث عبر حوار تاريخي تفسيري، حيث يتبدّل الطرفان في عملية الفهم نفسها(33). وهذا مهم جدًا لأنه يربط التفاعل بـ”تحوّل الذات”، أي التكوّن، لا بمجرد تبادل معلومات. كما أن ريكور يقدّم صيغة دقيقة: الهوية ليست جوهرًا، بل سردية تتشكّل عبر الاعتراف بالآخر وبالغيرية داخل الذات(17). هنا يصبح التفاعل التكويني مشروعًا للذات: أن تتغير دون أن تُمحى، وأن تعترف دون أن تذوب.
على المستوى السياسي، لا يعني النموذج الثالث إلغاء التنافس أو الخلاف، بل تنظيمه ضمن أفق لا يحوّل الآخر إلى عدو وجودي. وبينما يذكّرنا شميت بأن السياسة تنزلق سريعًا إلى منطق العدو/الصديق(31)، فإن مسارات الليبرالية السياسية عند رولز، أو نقدها عند موف، تفتح سؤالًا حاسمًا: هل يمكن تأسيس اختلافٍ دائم دون تحويله إلى حرب أهلية رمزية؟(29)(30) هذا السؤال بالذات هو ما يجعل “التكاؤُن التفاعلي” ليس فكرة أخلاقية رومانسية، بل استجابة فلسفية لمعضلة واقعية.
ومن هنا تتحدد “الحاجة إلى نموذج ثالث” بوصفها حاجة إلى مفهوم يحقّق ثلاثة شروط معًا:
يحفظ الاختلاف دون تجميده (ضد التعايش السلبي)،
يسمح بالتفاعل دون تحويله إلى نفي متبادل (ضد الصراع)،
يجعل العلاقة منتجة للمعنى والفعل والمسؤولية، أي منتجة للتكوُّن.
وهذا تحديدًا ما يبرّر الانتقال، في المحور التالي، إلى بناء مفهوم التكاؤُن التفاعلي بوصفه فلسفة للعلاقة والفعل المشترك.
فقرة جسر: من نقد النماذج إلى ضرورة المفهوم
يُظهر تحليل التعايش السلبي والنموذج الصراعي أن مأزق العلاقة الإنسانية لا يكمن في غياب العلاقة ولا في كثافة التفاعل، بل في طبيعة التفاعل ذاته. ففي النموذج الأول تُفرَّغ العلاقة من بعدها التكويني عبر تجميد الاختلاف داخل توازي صامت، وفي النموذج الثاني يُفرَّغ التفاعل من إمكانه الخلّاق عبر تحويله إلى نفيٍ متبادل وصراع على الاعتراف أو السيطرة. وفي الحالتين، تفشل العلاقة في أن تكون شرطًا لتكوّن الذات والمعنى والفعل، وتتحوّل إمّا إلى إطار إداري للاستقرار المؤقّت أو إلى جهاز لإنتاج العنف الرمزي والمادي.
يكشف هذا الفشل المزدوج عن حدٍّ نظري لا يمكن تجاوزه دون إعادة بناء المفاهيم نفسها التي نفكّر بها في العلاقة والذات والفعل. فالمشكلة ليست في تطبيقات سياسية أو اجتماعية خاطئة فحسب، بل في التصوّر الأنطولوجي الضمني الذي يفترض ذاتًا سابقة على العلاقة، ويجعل التفاعل إمّا إضافة خارجية أو تهديدًا للهوية. ومن هنا، لا يكفي تعديل نماذج التعايش أو تهذيب الصراع، بل تبرز الحاجة إلى مفهوم فلسفي جديد يُعيد التفكير في العلاقة بوصفها بنية تكوينية، وفي التفاعل بوصفه شرطًا للوجود الإنساني ذاته.
على هذا الأساس، لا يأتي الانتقال إلى المحور الثاني بوصفه إضافة نظرية لاحقة، بل بوصفه ضرورة فلسفية يفرضها انسداد النماذج السائدة. فبعد أن تبيّن أن التوازي لا يُنتج تكوّنًا، وأن التنازع لا يُنتج معنىً مشتركًا، يصبح السؤال المركزي هو: كيف يمكن التفكير في علاقة يكون فيها التفاعل مُنشِئًا لا مُعطِّلًا، ومُكوِّنًا لا مُدمِّرًا؟
هذا السؤال هو ما يفتح أفق بناء مفهوم التكاؤُن التفاعلي، موضوع المحور الثاني.
المحور الثاني: مفهوم التكاؤُن التفاعلي – الأسس الأنطولوجية والنظرية:
1) من الذات الجوهرية إلى الذات العلائقية: التحوّل الأنطولوجي الضروري
لا يمكن بلورة مفهوم التكاؤُن التفاعلي دون مساءلة أنطولوجية جذرية لمفهوم الذات الذي حكم جزءًا كبيرًا من الفلسفة الحديثة. فالنماذج التي جرى نقدها في المحور الأول، على اختلافها، تشترك في افتراضٍ واحد: الذات بوصفها وحدة قائمة بذاتها، مكتملة في جوهرها، تدخل العلاقة من موقع خارجي، سواء أكان هذا الدخول على شكل تعايشٍ محايد أم صراعٍ تنافسي. غير أن هذا الافتراض لم يعد قابلًا للدفاع عنه في ضوء التحوّلات الفلسفية والمعرفية التي أعادت التفكير في الوجود الإنساني بوصفه وجودًا علائقيًا منذ الأصل¹².
لقد بيّنت الأنطولوجيا الوجودية، منذ هيدغر، أن الكينونة الإنسانية ليست جوهرًا معزولًا، بل نمط وجود في العالم ومع الآخرين، وأن “الوجود-مع” ليس خاصية اجتماعية لاحقة، بل بُعد تأسيسي للكينونة نفسها¹. فالإنسان لا يوجد أولًا ثم يدخل في علاقة، بل يوجد دائمًا داخل شبكة من العلاقات التي تمنحه إمكان الفهم والفعل. هذا التحوّل ينسف الأساس الفلسفي للتعايش السلبي، لأنه يُظهر أن التوازي بين ذوات مكتملة هو وهم أنطولوجي، لا وصف دقيقًا للوجود الإنساني.
وتُعمّق الفينومينولوجيا هذا التحوّل حين تبيّن أن الوعي لا ينكشف إلا داخل عالم مُعاش مشترك، وأن الذات لا تُعطى لنفسها كجوهر شفاف، بل كحضور متجسّد ومنفتح على الآخرين²¹¹. فالذات لا تملك معناها مسبقًا، بل تكتسبه عبر التفاعل مع العالم والغيرية. ومن هنا، يصبح التفاعل ليس مجرّد تبادل خارجي، بل شرطًا لتكوّن المعنى ذاته. وهذا ما يجعل كل تصور للعلاقة يتجاهل بعدها التكويني تصورًا ناقصًا في أساسه.
في السياق نفسه، تُظهر الفينومينولوجيا الاجتماعية أن العالم الاجتماعي ليس معطًى موضوعيًا قائمًا بذاته، بل بناءً تفاعليًا يتكوّن عبر أنماط الفهم المشترك والتوقّعات المتبادلة⁹¹⁰. فالذات الاجتماعية لا تتشكّل إلا عبر الاعتراف، واللغة، والرموز، وهي عناصر لا تقوم إلا داخل علاقة حيّة. غير أن هذا التكوّن قد يسلك مسارات مختلفة: فقد يكون تفاعليًا مولِّدًا، وقد يكون صراعيًا أو إقصائيًا. من هنا، لا تكفي العلائقية بوصفها توصيفًا، بل يجب مساءلة كيف تتكوّن العلاقة، وبأي منطق.
هنا تتقاطع الفلسفة الحوارية مع البراغماتية في نقطة حاسمة: فبوبر يرفض اختزال الآخر إلى موضوع معرفة أو أداة فعل، ويؤكّد أن الذات لا تتحقّق إلا في علاقة “أنا–أنت” تقوم على الحضور المتبادل والانفتاح³¹³. وفي المقابل، يربط ديوي المعنى بالفعل المشترك والخبرة الحيّة، معتبرًا أن الحقيقة لا تُستخرج من ذات منعزلة، بل تُنتَج داخل ممارسة جماعية تُعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم¹⁴. في كلا التصوّرين، التفاعل ليس وسيلة لتحقيق غاية خارجية، بل عملية تكوّن في ذاتها.
غير أن هذا البعد التكويني للتفاعل لا يصبح مفهومًا بالكامل إلا مع نظريات الفعل والتواصل، التي تُظهر أن العقلانية ذاتها ليست ملكة فردية محضة، بل بنية تفاعلية تتجلّى في التبرير والحجّة والاعتراف المتبادل¹⁵¹⁶. فحين يُختزل التفاعل إلى استراتيجية للنجاح أو الهيمنة، يفقد طابعه التكويني ويتحوّل إلى أداة صراع. أما حين يُفهم بوصفه فعلًا تواصليًا موجّهًا للتفاهم، فإنه يفتح إمكانًا لتحوّل الذوات داخل العلاقة نفسها.
من هنا، يتحدّد الإطار الأنطولوجي لمفهوم التكاؤُن التفاعلي: الذات ليست جوهرًا سابقًا على العلاقة، ولا العلاقة مجرّد فضاء خارجي للذات، بل كلاهما يتكوّن في عملية واحدة. فالتكاؤُن التفاعلي لا يعني ذوبان الذوات في كلٍّ شمولي، ولا تثبيتها داخل حدود صلبة، بل يفترض تمايزًا علائقيًا، حيث تتشكّل الهوية عبر الانفتاح، ويتكوّن المعنى عبر الفعل المشترك، ويصبح التفاعل شرطًا للوجود الإنساني لا استثناءً له.
بهذا التأسيس، ينتقل البحث من نقد النماذج إلى بناء المفهوم، ومن تفكيك حدود التعايش والصراع إلى بلورة أفق فلسفي جديد، سيتم تعميقه في العناوين التالية من هذا المحور عبر تعريف التكاؤُن التفاعلي، وتمييزه، وتحليل أبعاده الأنطولوجية والأخلاقية والمعرفية.
2) التكاؤُن التفاعلي بوصفه عملية تكوُّن: التعريف والتمييز المفهومي
إذا كان التحوّل الأنطولوجي من الذات الجوهرية إلى الذات العلائقية قد مهّد الأرضية النظرية، فإن الخطوة التالية تقتضي بلورة مفهوم التكاؤُن التفاعلي بوصفه توصيفًا دقيقًا لآلية هذا التكوُّن. فالمسألة هنا لا تتعلّق بمجرد تأكيد أن الإنسان كائن علائقي، بل بتحديد كيف يعمل التفاعل بوصفه عملية تُنتج الذات والمعنى والفعل في آنٍ واحد. من دون هذا التحديد، تبقى العلائقية وصفًا عامًا قابلًا للانزلاق إمّا إلى تعايشٍ شكلي أو إلى صراعٍ مهيمن.
يُقصد بـ التكاؤُن التفاعلي عملية أنطولوجية دينامية يتكوّن فيها الوجود الإنساني عبر التفاعل الواعي والمتبادل بين الذوات، بحيث لا تكون العلاقة نتيجة لاحقة لتكوُّن سابق، بل شرط إمكان هذا التكوُّن نفسه. فالذات لا تدخل العلاقة وهي مكتملة، ولا تخرج منها دون أن تتغيّر، بل تتشكّل داخلها وعبرها. بهذا المعنى، لا يُفهم التفاعل كحدث عرضي يقع بين ذوات جاهزة، بل كبنية زمنية مستمرّة، تُعيد تشكيل الفاعلين في كل لحظة انخراط.
يتيح هذا التعريف تمييز التكاؤُن التفاعلي عن مفاهيم قريبة قد تبدو، للوهلة الأولى، متقاطعة معه. فالتكاؤُن التفاعلي يختلف عن التكاؤُن الوجودي العام الذي يكتفي بالإشارة إلى الوجود المشترك أو التزامن المكاني–الزماني بين الذوات. فالوجود المشترك قد يكون صامتًا، محايدًا، أو حتى متوازيًا دون أن ينتج تحوّلًا في الوعي أو المعنى. أما التكاؤُن التفاعلي فيفترض أن الوجود المشترك لا يرقى إلى مستوى العلاقة إلا عندما يتحوّل إلى فعل متبادل يُنتج أثرًا تكوينيًا في الأطراف المنخرطة.
كما يختلف التكاؤُن التفاعلي عن التفاعل الأداتي الذي تحلّله نظريات الفعل الاستراتيجي، حيث يُختزل التفاعل إلى وسيلة لتحقيق غاية خارجية، سواء أكانت مصلحة مادية أو سيطرة رمزية¹⁵. في هذا النمط من التفاعل، لا يتغيّر الفاعلون إلا بقدر ما تفرضه موازين القوى، ويظلّ الآخر موضوعًا للحساب لا شريكًا في التكوُّن. أما في التكاؤُن التفاعلي، فإن التفاعل لا يُقاس فقط بنتائجه، بل بقدرته على إعادة تشكيل أفق الفهم والمسؤولية لدى الأطراف المعنية.
ويمكن هنا الاستعانة بتمييز هابرماس بين الفعل الموجَّه للنجاح والفعل الموجَّه للتفاهم، مع تجاوز الطابع الإجرائي الخالص لهذا التمييز نحو بعد أنطولوجي أعمق. فالتكاؤُن التفاعلي لا يكتفي بكونه فعلًا تواصليًا ناجحًا، بل يجعله عملية تكوّن للذات ذاتها، حيث لا يكون التفاهم مجرّد اتفاق على المعنى، بل تحوّلًا في موقع الفاعل داخل العالم¹⁵¹⁶. بهذا المعنى، يصبح التفاعل حدثًا وجوديًا، لا مجرّد تبادل لغوي أو تفاوض عقلاني.w
ويتقاطع هذا التصوّر مع الفلسفة الحوارية عند بوبر، التي ترى أن العلاقة “أنا–أنت” ليست حالة نفسية ولا موقفًا أخلاقيًا فحسب، بل نمط وجود، حيث لا يلتقي طرفان مستقلان، بل يتكوّنان داخل اللقاء ذاته¹³. غير أن التكاؤُن التفاعلي يذهب أبعد من الإطار الثنائي الصافي، ليفتح المفهوم على مستويات جماعية ومؤسسية وتاريخية، حيث تتعدّد الذوات وتتداخل الأطر، دون أن يفقد التفاعل طابعه التكويني.
ومن جهة أخرى، تتيح البراغماتية عند ديوي فهمًا ديناميًا لهذا التكوُّن، إذ تربط المعنى بالفعل المشترك والخبرة المتحوّلة. فالتجربة، في هذا الأفق، ليست معطًى ذاتيًا مغلقًا، بل سيرورة اجتماعية يُعاد فيها تشكيل الفاعلين عبر الفعل والعمل والحلّ المشترك للمشكلات¹⁴. ويجد هذا المنظور صدى معاصرًا في العلوم المعرفية المتجسّدة، التي تُظهر أن الإدراك نفسه ينشأ داخل تفاعل جسدي–اجتماعي مع البيئة والآخرين³⁹⁴⁰.
إن ما يميّز التكاؤُن التفاعلي، إذًا، ليس مجرد الاعتراف بالتأثير المتبادل، بل التأكيد على أن التأثير المتبادل هو ما يُنشئ الكينونة الإنسانية ككينونة مفتوحة وزمنية. فالذات لا “تتأثر” بالآخر ثم تعود إلى ذاتها، بل تُعاد صياغتها جزئيًا عبر كل تفاعل ذي معنى. وهنا يلتقي هذا المفهوم مع تصوّر ريكور للهوية السردية، حيث تُفهم الهوية لا كجوهر، بل كحكاية تتشكّل عبر الاعتراف والغيرية والتفاعل المستمر¹⁷.
بهذا المعنى، لا يشكّل التكاؤُن التفاعلي دعوة إلى الانسجام أو الإجماع، ولا إنكارًا للتوتر أو الاختلاف، بل إطارًا فلسفيًا يسمح بفهم كيف يمكن للاختلاف ذاته أن يكون عنصرًا تكوينيًا لا هدّامًا. فالتفاعل التكويني لا يُلغي الصراع بالضرورة، لكنه يمنعه من التحوّل إلى نفيٍ مطلق، لأنه يُبقي العلاقة مفتوحة على التحوّل، لا مغلقة على تثبيت الهوية.
وعليه، يقدّم مفهوم التكاؤُن التفاعلي تمييزًا حاسمًا بين ثلاثة مستويات:
وجود مشترك بلا تأثير (تعايش سلبي)،
تفاعل بلا تكوُّن (صراع أو أداتية)،
وتفاعل مُنشِئ للتكوُّن (تكاؤُن تفاعلي).
هذا التمييز هو ما يمنح المفهوم قيمته النظرية، ويجعله قادرًا على تجاوز النماذج السائدة دون الوقوع في طوباوية أخلاقية أو تجريد فارغ. وفي ضوء هذا التحديد، يصبح الانتقال إلى تحليل الأبعاد الأنطولوجية والأخلاقية والمعرفية للتكاؤُن التفاعلي خطوة منطقية، وهي ما سيتناوله العنوان التالي من هذا المحور.
3) الأبعاد الأنطولوجية للتكاؤُن التفاعلي: الزمن، الصيرورة، والعلائقيّة
لا يمكن فهم التكاؤُن التفاعلي فهمًا كاملًا دون إدخاله في أفق أنطولوجي زمني. فالتكوُّن، بخلاف الوجود الساكن، يفترض الحركة، والتحوّل، وعدم الاكتمال. ومن هنا، فإن التكاؤُن التفاعلي لا يصف حالة من حالات الوجود، بل صيرورة ينفتح فيها الكائن الإنساني على إمكانات لم تكن متحققة قبل التفاعل. فالذات لا “تكون” ثم “تتفاعل”، بل تكون بقدر ما تدخل في علاقات تُعيد تشكيل أفق وجودها.
يُظهر هيدغر أن الكينونة الإنسانية ليست معطًى حاضرًا في الزمن، بل وجودًا زمانيًا منفتحًا على الإمكان، حيث يُفهم الحاضر في ضوء ما كان وما يمكن أن يكون¹. وضمن هذا الأفق، لا يمكن للتفاعل أن يُختزل إلى لحظة آنية أو تبادل وظيفي، بل يجب فهمه بوصفه حدثًا زمانيًا يترك أثره في بنية الوجود ذاته. فكل تفاعل تكويني يعيد ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، لأن الذات الخارجة من التفاعل ليست مطابقة للذات الداخلة فيه.
وتُعمّق الفينومينولوجيا هذا البعد حين تربط الجسد بالزمن والعالم. فميرلو-بونتي يبيّن أن الجسد ليس موضوعًا في العالم، بل وسيلة انفتاح عليه، وأن التجربة الإنسانية متجذّرة في زمنية مُعاشة لا في لحظات معزولة²¹². في هذا السياق، يصبح التفاعل التكويني فعلًا متجسّدًا، لا ذهنيًا خالصًا، حيث تُعاد صياغة العادات، والحساسيات، وأنماط الإدراك عبر الاحتكاك بالآخر. فالتكاؤُن التفاعلي لا يُنتج معرفة فحسب، بل يُعيد تشكيل كيفية الحضور في العالم.
ومن منظور الفينومينولوجيا الاجتماعية، يُفهم الزمن الاجتماعي بوصفه بناءً تفاعليًا، حيث تتشكّل التوقّعات، والالتزامات، والذاكرة الجماعية عبر أفعال مشتركة متراكمة⁹. فالذات لا تحمل زمنها وحدها، بل تشارك في زمنٍ مشترك يتكوّن عبر التفاعل. وهذا ما يجعل التكاؤُن التفاعلي عملية تاريخية بقدر ما هو عملية آنية: فالعلاقات لا تُبنى في فراغ، بل داخل تراث من المعاني والممارسات التي تُعاد قراءتها وتحويرها في كل لقاء.
يكتسب هذا البعد التاريخي أهمية خاصة حين نربطه بتصوّر ريكور للهوية السردية. فالهوية، في هذا الإطار، ليست تطابقًا مع ذات ثابتة، بل قدرة على سرد الذات عبر الزمن، بما يتضمّنه ذلك من انقطاع واستمرارية في آنٍ واحد¹⁷. والتكاؤُن التفاعلي هو أحد المواقع الأساسية التي يُعاد فيها كتابة هذه السردية، لأن اللقاء بالآخر يُدخل عناصر جديدة إلى قصة الذات، ويفرض إعادة تأويل ما كان يُعتبر بديهيًا أو نهائيًا.
غير أن الزمن في التكاؤُن التفاعلي ليس مجرد امتداد تاريخي، بل أفق إمكان. وهنا يلتقي هذا المفهوم مع نانسي، الذي يرى أن الوجود الإنساني هو دائمًا وجود “مع” الآخرين، وأن هذا “المع” ليس إضافة عددية، بل بنية تفتح الوجود على تعدّد لا يمكن اختزاله في وحدة مغلقة¹⁹. فالعلائقيّة هنا لا تعني الذوبان، بل الانكشاف الدائم على إمكانية التحوّل، أي على مستقبل لم يُحسم بعد.
وتتّضح أهمية هذا البعد حين نقارنه بالنماذج التي تفهم العلاقة خارج الزمن، سواء بوصفها عقدًا ثابتًا أو صراعًا دائمًا. ففي هذه النماذج، تُثبَّت الهويات، ويُغلَق أفق التغيير، لأن العلاقة لا تُفهم كعملية بل كحالة. أما في التكاؤُن التفاعلي، فإن العلاقة تبقى مفتوحة، لأن الزمن نفسه جزء من بنيتها: كل تفاعل يحمل إمكانية التعديل، والمراجعة، وإعادة التشكّل.
كما أن هذا الانفتاح الزمني يمنح التكاؤُن التفاعلي بعدًا أخلاقيًا ضمنيًا. فحين يُفهم الآخر بوصفه شريكًا في صيرورة لم تكتمل بعد، لا يعود التعامل معه قائمًا على الحكم النهائي أو التصنيف المغلق، بل على الاعتراف بإمكان تحوّله وتحولي معه. وهنا يتقاطع هذا المنظور مع أخلاق المسؤولية عند ليفيناس، حيث يُفهم اللقاء بالآخر بوصفه نداءً لا يمكن استنفاده أو احتواؤه في تعريف نهائي¹⁸.
وعليه، يمكن القول إن البعد الأنطولوجي للتكاؤُن التفاعلي يتحدّد بثلاث سمات مترابطة:
أولًا، الزمنية: لأن التكوُّن يفترض الامتداد والتحوّل.
ثانيًا، الصيرورة: لأن الذات ليست مكتملة، بل في تشكّل دائم.
ثالثًا، العلائقيّة المفتوحة: لأن العلاقة ليست إطارًا مغلقًا، بل أفق إمكان مشترك.
بهذا الفهم، لا يعود التفاعل مجرّد واقعة اجتماعية، بل يصبح موقعًا أنطولوجيًا يتقاطع فيه الوجود والزمن والمعنى. ومن هنا، تبرز ضرورة الانتقال في العنوان التالي إلى مساءلة البعد الأخلاقي للتكاؤُن التفاعلي، أي إلى السؤال: كيف تتحوّل هذه الصيرورة العلائقية إلى مسؤولية، وكيف يُعاد تأسيس الأخلاق انطلاقًا من التكوُّن لا من الواجب المجرد؟
4) التكاؤُن التفاعلي والمسؤولية: من أخلاق الواجب إلى أخلاق التكوُّن
إذا كان التكاؤُن التفاعلي، في أبعاده الأنطولوجية، قد أعاد تعريف الوجود الإنساني بوصفه صيرورة علائقية زمنية، فإن هذا التحوّل لا يبقى محصورًا في مستوى الوصف الوجودي، بل يفرض بالضرورة إعادة تأسيس السؤال الأخلاقي ذاته. فالأخلاق، كما صيغت في كثير من تقاليدها الحديثة، انطلقت من ذاتٍ مستقلة تُفترض مكتملة، تُخاطَب بالواجب، وتُحمَّل مسؤولية أفعالها انطلاقًا من معايير سابقة على العلاقة. غير أن هذا الإطار الأخلاقي يصبح إشكاليًا حين يُفهم الإنسان بوصفه كائنًا يتكوّن داخل العلاقة لا قبلها.
لقد ارتكزت أخلاق الواجب، منذ كانط، على تصور للذات بوصفها عقلًا تشريعيًا قادرًا على الامتثال لقانون كلي يُفرض من الداخل¹⁶. وعلى الرغم من القيمة التحرّرية لهذا التصور، إلا أنه يفترض ذاتًا مكتفية بذاتها من حيث التحديد الأخلاقي، وتدخل العلاقة بوصفها مجال تطبيق للواجب لا مجالًا لتكوّن المسؤولية نفسها. في هذا الأفق، تُفهم العلاقة مع الآخر بوصفها ظرفًا خارجيًا يُختبر فيه الامتثال للقانون، لا بوصفها موقعًا يُعاد فيه تشكيل الوعي الأخلاقي ذاته.
غير أن التحوّل الأنطولوجي نحو الذات العلائقية يزعزع هذا الأساس. فإذا كانت الذات لا تتكوّن إلا عبر التفاعل، فإن المسؤولية لا يمكن أن تُفهم بوصفها التزامًا مسبقًا مكتمل الصيغة، بل بوصفها استجابة تنشأ داخل العلاقة. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين أخلاق الواجب وأخلاق التكوُّن: الأولى تفترض مسؤولية تُطبَّق، والثانية تفترض مسؤولية تتشكّل.
يقدّم ليفيناس أحد أكثر الانقلابات الجذرية في هذا السياق، حين يجعل اللقاء بالآخر أصل الأخلاق لا نتيجتها. فالآخر، في حضوره الوجهي، لا يُدرك بوصفه موضوعًا للفعل الأخلاقي، بل بوصفه نداءً يسبق كل تشريع، ويكسر مركزية الذات، ويفرض عليها مسؤولية غير قابلة للاختزال¹⁸. غير أن أخلاق ليفيناس، على عمقها، تبقى في كثير من قراءاتها مائلة نحو لا-تماثل أخلاقي راديكالي، حيث تتحمّل الذات مسؤولية غير مشروطة دون أن يُفكَّر بما يكفي في البعد التكويني المتبادل للعلاقة.
هنا يأتي مفهوم التكاؤُن التفاعلي ليقترح أفقًا أخلاقيًا مغايرًا: مسؤولية لا تُفهم بوصفها خضوعًا أحاديًا لنداء الآخر، ولا بوصفها امتثالًا لقانون مجرد، بل بوصفها مسؤولية متبادلة تتكوّن داخل فعل مشترك. فالمسؤولية، في هذا الإطار، ليست معطًى ثابتًا، بل علاقة دينامية تتشكّل بقدر ما ينخرط الأطراف في تفاعل يُعيد تعريف مواقعهم وأدوارهم وتوقّعاتهم.
ويتقاطع هذا التصوّر مع أخلاق الحوار عند بوبر، حيث لا تقوم العلاقة الأخلاقية على واجب مفروض، بل على حضور متبادل يفرض على كل طرف الاعتراف بالآخر كغاية لا كوسيلة¹³. غير أن التكاؤُن التفاعلي يوسّع هذا المنظور ليشمل السياقات الجماعية والمؤسسية، حيث لا يكون “الآخر” شخصًا مفردًا فقط، بل شبكة من الذوات التي يتكوّن معها الفعل والمسؤولية في آنٍ واحد.
كما يلتقي هذا الأفق مع البراغماتية الأخلاقية عند ديوي، التي ترى أن القيم لا تُستمد من مبادئ ثابتة، بل تُختبر وتُعاد صياغتها داخل الممارسة الاجتماعية وحلّ المشكلات المشتركة¹⁴. فالمسؤولية هنا ليست التزامًا مسبقًا، بل نتيجة لتجربة مشتركة تُعيد تحديد ما يُعتبر صوابًا أو خاطئًا في سياق معيّن. ويمنح التكاؤُن التفاعلي هذا التصور عمقًا أنطولوجيًا، حين يجعل من التكوّن ذاته أساسًا للأخلاق، لا مجرد مجال لتطبيقها.
وتتجلّى أهمية هذا التحوّل حين نربطه بنظريات الفعل والتواصل. فهابرماس، في تمييزه بين الفعل الاستراتيجي والفعل التواصلي، يُظهر أن المسؤولية الأخلاقية لا تنشأ من النجاح أو السيطرة، بل من الانخراط في أفق تواصلي يُتيح التبرير المتبادل والاعتراف¹⁵. غير أن التكاؤُن التفاعلي يذهب خطوة أبعد، حين يجعل هذا الأفق التواصلي ليس فقط شرطًا للشرعية الأخلاقية، بل شرطًا لتكوّن الذات المسؤولة نفسها.
في هذا السياق، يمكن الحديث عن أخلاق التكوُّن بوصفها أخلاقًا لا تُحدَّد مسبقًا بقواعد جامدة، ولا تُختزل في نداء غير مشروط، بل تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
أولًا، الاعتراف بأن الذات تتكوّن داخل العلاقة، لا خارجها.
ثانيًا، فهم المسؤولية بوصفها استجابة متبادلة تتشكّل عبر التفاعل.
ثالثًا، إبقاء العلاقة مفتوحة على التحوّل، بحيث لا تُغلَق الهوية الأخلاقية في تعريف نهائي.
تسمح أخلاق التكوُّن هذه بتجاوز ثنائية الفردانية والجماعاتية: فهي لا تذيب الذات في الكلّ، ولا تعزلها عن الآخرين، بل تفهمها كذات مسؤولة بقدر ما تنخرط في علاقات تُنتج معنى مشتركًا. كما أنها تتيح تجاوز الأخلاق الأداتية التي تُخضع الآخر لمنطق المنفعة، دون الوقوع في طوباوية أخلاقية تتجاهل الصراع والتوتر.
وعليه، لا يقدّم التكاؤُن التفاعلي بديلًا أخلاقيًا جاهزًا، بل أفقًا فلسفيًا يُعاد فيه التفكير في المسؤولية بوصفها نتيجة لتكوُّن علائقي مستمر. فالأخلاق، في هذا المنظور، ليست مجموعة أوامر تُطبَّق على علاقة قائمة، بل عملية تتشكّل داخل العلاقة ذاتها، بقدر ما ينفتح الفاعلون على التحوّل المشترك.
بهذا المعنى، يشكّل التكاؤُن التفاعلي انتقالًا من أخلاق الواجب إلى أخلاق التكوُّن، ومن سؤال “ما الذي يجب أن أفعله؟” إلى سؤال أعمق: كيف أتكوّن مع الآخرين بوصفنا ذواتٍ مسؤولة؟
ومن هنا، يتهيّأ الانتقال في المحور التالي إلى تحليل الأبعاد المعرفية والسياسية للتكاؤُن التفاعلي، حيث يتّضح كيف يمكن لهذا الأفق الأخلاقي–الأنطولوجي أن ينعكس في إنتاج المعرفة وتنظيم الفعل الجماعي.
المحور الثالث: التكاؤُن التفاعلي والمعرفة – نحو أنطولوجيا علائقية للمعنى:
1) من المعرفة التمثيلية إلى المعرفة التكوينية: نقد النموذج المعرفي السائد
لطالما هيمن على الفكر الفلسفي الحديث تصور للمعرفة بوصفها علاقة تمثيلية بين ذات عارفة وموضوع معلوم، حيث تُفهم الحقيقة على أنها تطابق بين فكرة ذهنية وواقع خارجي مستقل. وقد أسّس هذا التصور، منذ ديكارت، لنموذج معرفي يفترض ذاتًا شفافة لنفسها، قادرة على إدراك العالم من موقع محايد، سابق على العلاقة، ومتعالٍ على التفاعل⁵. وضمن هذا الإطار، تُختزل المعرفة إلى فعل ذهني فردي، ويُفهم الآخر إمّا كمصدر للمعلومة أو كعائق أمام الوصول إلى الحقيقة.
غير أن هذا النموذج التمثيلي بات موضع مساءلة جذرية في الفلسفة المعاصرة، لا بسبب فشله في تفسير المعرفة العلمية فحسب، بل لعجزه عن فهم المعرفة الإنسانية بوصفها ممارسة علائقية مشروطة بالتاريخ واللغة والتفاعل. فالنقد الفينومينولوجي، منذ هوسرل وميرلو-بونتي، بيّن أن الوعي لا يقف مقابل العالم، بل ينغمس فيه، وأن المعنى لا يُعطى كصورة ذهنية، بل ينكشف داخل تجربة معاشة متجسّدة²¹¹. وبهذا، لم تعد المعرفة انعكاسًا سلبيًا لواقع قائم، بل مشاركة في انكشافه.
في السياق نفسه، يُظهر علم الاجتماع المعرفي أن ما نعدّه “معرفة” لا ينفصل عن الأطر الاجتماعية التي تُنتجها وتمنحها شرعيتها. فبرغر ولوكمان يبيّنان أن الواقع الاجتماعي ذاته يُبنى عبر عمليات تفاعلية من التشييد والتثبيت والتأويل²²، ما يجعل المعرفة نتاجًا علائقيًا لا امتلاكًا فرديًا. وهنا يتقاطع النقد المعرفي مع نقد أنطولوجي أعمق: إذ لا يمكن فصل سؤال الحقيقة عن سؤال العلاقة التي يُنتَج فيها المعنى.
من هذا المنظور، يصبح النموذج المعرفي السائد امتدادًا لنموذج الذات الجوهرية الذي جرى نقده في المحورين السابقين. فكما تفترض أخلاق الواجب ذاتًا مكتملة، تفترض المعرفة التمثيلية عقلًا منفصلًا. وفي الحالتين، يُهمَّش البعد التكويني للعلاقة، ويُغفل أن المعرفة، كالمسؤولية، لا تُعطى مسبقًا، بل تتكوّن داخل التفاعل.
2) المعرفة بوصفها فعلًا تفاعليًا: المعنى بين اللغة والتجربة
إذا جرى تجاوز النموذج التمثيلي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف نفهم المعرفة إذا لم تكن تطابقًا بين ذات وموضوع؟ هنا يفتح مفهوم التكاؤُن التفاعلي أفقًا معرفيًا جديدًا، يُفهم فيه المعنى بوصفه نتيجة لفعل مشترك، لا نتيجة لتأمل فردي. فالمعرفة، في هذا الإطار، ليست امتلاكًا للحقيقة، بل مشاركة في بنائها.
تُظهر البراغماتية عند ديوي أن المعرفة تنشأ داخل التجربة، وأن الأفكار ليست صورًا ذهنية، بل أدوات لفهم العالم والتصرّف فيه¹⁴. فالمعنى يُختبر في العمل، ويُعدَّل في ضوء نتائجه، ما يجعل المعرفة عملية مفتوحة على التصحيح والتحوّل. غير أن هذا التصور يكتسب عمقًا إضافيًا حين يُربط بالتكاؤُن التفاعلي: فالتجربة ليست فردية خالصة، بل مشتركة، تُبنى داخل تفاعل لغوي وعملي مع الآخرين.
ويعزّز هذا المنظور ما قدّمه فيتغنشتاين في تحليله للغة، حين بيّن أن المعنى لا يُستمد من تطابق الكلمات مع أشياء، بل من استعمالها داخل “ألعاب لغوية” تشكّلها الممارسات الاجتماعية³⁴. فالفهم، في هذا السياق، ليس عملية داخلية، بل مهارة علائقية تُكتسب داخل سياق تفاعلي. وبهذا، تصبح اللغة وسيطًا للتكوُّن المعرفي، لا مجرد أداة لنقل أفكار جاهزة.
وتتلاقى هذه الرؤية مع التأويلية الفلسفية عند غادامير، الذي يرى أن الفهم ليس امتلاكًا لمعنى ثابت، بل اندماج آفاق يحدث عبر حوار تاريخي مستمر³³. ففي كل عملية فهم، يتغيّر الفاعلون أنفسهم، لأنهم يدخلون في علاقة تأويلية تُعيد تشكيل أفقهم. وهنا تتجلّى بوضوح الطبيعة التكوينية للمعرفة: فهي لا تنتج معلومة فحسب، بل تُنتج ذاتًا جديدة قادرة على الفهم.
3) الذات العارفة بوصفها ذاتًا متكوِّنة: الهوية والمعرفة
يفترض التصور التكويني للمعرفة إعادة تعريف الذات العارفة. فالذات، في هذا الأفق، ليست نقطة انطلاق محايدة، بل نتاج تاريخي–علائقي يتشكّل عبر اللغة والاعتراف والتفاعل. وقد بيّن ريكور أن الهوية الذاتية ليست تطابقًا مع جوهر ثابت، بل سردية تتشكّل عبر الزمن، في علاقة دائمة بالغيرية¹⁷. والمعرفة هي أحد المواقع الأساسية التي يُعاد فيها بناء هذه السردية.
وتؤكّد الفينومينولوجيا الاجتماعية هذا المعطى حين تبيّن أن الذات تكتسب معانيها من خلال التوقّعات المتبادلة والأدوار الاجتماعية⁹¹⁰. فالذات العارفة لا تعرف من موقع فردي خالص، بل من داخل أفق مشترك من المعاني والرموز. وبهذا، تصبح المعرفة فعل اعتراف بقدر ما هي فعل إدراك: اعتراف بالآخر كشريك في إنتاج المعنى، لا كمصدر خارجي للمعلومة.
وتُظهر العلوم المعرفية المتجسّدة أن الإدراك ذاته ليس عملية عقلية منعزلة، بل نشاط جسدي–اجتماعي يتكوّن عبر التفاعل مع البيئة والآخرين³⁹⁴⁰. وهذا ما يعزّز الطابع الأنطولوجي للتكاؤُن التفاعلي في مجال المعرفة: فالعقل لا “يمتلك” المعرفة، بل يتشكّل عبرها، بقدر ما ينخرط في علاقات حيّة.
4) الحقيقة، الاختلاف، وإمكان الفهم المشترك
قد يُثار اعتراض مفاده أن الفهم التفاعلي للمعرفة يفضي إلى نسبية مفرطة، حيث يغدو المعنى رهين السياق والتفاعل، دون معيار للحقيقة. غير أن هذا الاعتراض يفترض، ضمنيًا، أن الحقيقة لا تكون إلا ثابتة ومتعالية. أما في أفق التكاؤُن التفاعلي، فإن الحقيقة لا تُلغى، بل يُعاد فهمها بوصفها أفقًا مشتركًا يُبنى بالحوار.
يُظهر هابرماس أن المعايير العقلانية تنشأ داخل أفق تواصلي يسمح بالتبرير والنقد والاعتراف المتبادل¹⁵. فالحقيقة، هنا، ليست رأيًا ذاتيًا، ولا حقيقة مفروضة بالقوة، بل نتيجة عملية تفاعلية تُختبر فيها الحجج. ويضيف التكاؤُن التفاعلي إلى هذا التصور بُعدًا أنطولوجيًا، حين يجعل من هذه العملية التفاعلية شرطًا لتكوّن الذوات العارفة نفسها.
بهذا المعنى، لا يُفهم الاختلاف بوصفه تهديدًا للحقيقة، بل شرطًا لإنتاجها. فالتفاعل مع وجهات نظر مختلفة يُوسّع أفق الفهم، ويمنع انغلاق المعرفة داخل يقينيات زائفة. وهنا يتقاطع هذا التصور مع نقد رورتي لفكرة المعرفة بوصفها مرآة للطبيعة، ودعوته إلى فهم الحقيقة ضمن محادثة إنسانية مفتوحة³⁵.
خلاصة المحور الثالث
يبيّن هذا المحور أن المعرفة، في أفق التكاؤُن التفاعلي، ليست تمثيلًا لواقع مستقل، ولا امتلاكًا فرديًا للحقيقة، بل عملية تكوُّن علائقية يُعاد فيها تشكيل المعنى والذات والعالم في آنٍ واحد. فالمعرفة تتكوّن داخل التفاعل، بقدر ما تتكوّن الذوات القادرة على الفهم، والحقيقة تُبنى داخل أفق مشترك مفتوح على النقد والتحوّل.
بهذا، يكتمل الانتقال من الأنطولوجيا إلى الأخلاق إلى المعرفة، ويتهيّأ الأفق النظري للانتقال إلى المحور الرابع، حيث سيُبحث في إمكانات التكاؤُن التفاعلي على مستوى السياسة والمجتمع، أي في الفضاء الذي تتقاطع فيه المعرفة والفعل والمسؤولية داخل مؤسسات ووقائع تاريخية ملموسة.
المحور الثالث: التكاؤُن التفاعلي والمعرفة – نحو أنطولوجيا علائقية للمعنى
1) من المعرفة التمثيلية إلى المعرفة التكوينية: نقد النموذج المعرفي السائد
هيمن على الفكر الفلسفي الحديث تصوّر للمعرفة بوصفها علاقة تمثيلية بين ذاتٍ عارفة وموضوعٍ معلوم، تُفهم فيها الحقيقة على أنها تطابق بين فكرة ذهنية وواقعٍ خارجي مستقل. وقد أسّس هذا التصوّر، منذ ديكارت، لنموذج معرفي يفترض ذاتًا شفافة لنفسها، قادرة على إدراك العالم من موقع محايد، سابق على العلاقة، ومتعالٍ على التفاعل. في هذا الإطار، تُختزل المعرفة إلى فعل ذهني فردي، ويُختزل الآخر إلى مصدرٍ للمعلومة أو إلى عائقٍ أمام بلوغ الحقيقة⁵.
غير أن هذا النموذج التمثيلي بات موضع مساءلة جذرية في الفلسفة المعاصرة، ليس فقط لعجزه عن تفسير المعرفة الإنسانية في بعدها العملي والتاريخي، بل أيضًا لقصوره عن فهم المعرفة بوصفها ممارسة علائقية مشروطة باللغة والتجربة والتفاعل. فقد أظهر النقد الفينومينولوجي أن الوعي لا يقف مقابل العالم بوصفه مرآةً له، بل ينغمس فيه، وأن المعنى لا يُعطى كصورة ذهنية جاهزة، بل ينكشف داخل تجربة معاشة متجسّدة²¹¹. وبذلك، لم تعد المعرفة انعكاسًا سلبيًا لواقع قائم، بل مشاركةً في انكشافه.
يتقاطع هذا النقد مع ما قدّمه علم الاجتماع المعرفي، الذي بيّن أن ما نعدّه “معرفة” لا ينفصل عن الأطر الاجتماعية التي تُنتجه وتُضفي عليه الشرعية. فالواقع الاجتماعي ذاته يُبنى عبر عمليات تفاعلية من التشييد والتثبيت والتأويل، ما يجعل المعرفة نتاجًا علائقيًا لا امتلاكًا فرديًا²². ومن هنا، يتضح أن النموذج التمثيلي ليس مجرد تصور معرفي، بل امتداد أنطولوجي لتصوّر الذات الجوهرية الذي جرى نقده في المحورين السابقين.
2) المعرفة بوصفها فعلًا تفاعليًا: المعنى بين اللغة والتجربة
إذا جرى تجاوز النموذج التمثيلي، فإن السؤال الحاسم يصبح: كيف نفهم المعرفة إذا لم تكن تطابقًا بين ذات وموضوع؟ يقدّم مفهوم التكاؤُن التفاعلي هنا أفقًا معرفيًا بديلًا، تُفهم فيه المعرفة بوصفها فعلًا تفاعليًا يُنتَج فيه المعنى داخل ممارسة مشتركة، لا بوصفها امتلاكًا لحقيقة جاهزة.
تُظهر البراغماتية، ولا سيّما عند ديوي، أن المعرفة تنشأ داخل التجربة، وأن الأفكار ليست صورًا ذهنية، بل أدوات لفهم العالم والتصرّف فيه. فالمعنى يُختبر في الفعل، ويُعدَّل في ضوء نتائجه، ما يجعل المعرفة سيرورة مفتوحة على المراجعة والتحوّل¹⁴. غير أن هذا التصوّر يكتسب عمقًا إضافيًا حين يُربط بالتكاؤُن التفاعلي، إذ تصبح التجربة نفسها تجربة مشتركة، يُعاد فيها تشكيل الفاعلين عبر التفاعل اللغوي والعملي.
ويعزّز هذا المنظور تحليل فيتغنشتاين للغة، حيث يبيّن أن المعنى لا يُستمد من تطابق الكلمات مع الأشياء، بل من استعمالها داخل “ألعاب لغوية” تتشكّلها الممارسات الاجتماعية³⁴. فالفهم ليس حالة ذهنية داخلية، بل قدرة تُكتسب داخل سياق تفاعلي. وبهذا، تغدو اللغة وسيطًا للتكوُّن المعرفي، لا مجرد أداة لنقل معانٍ مكتملة.
كما تلتقي هذه الرؤية مع التأويلية الفلسفية عند غادامير، الذي يرى أن الفهم ليس استحواذًا على معنى ثابت، بل حدثًا تاريخيًا يتمثّل في اندماج آفاق متعدّدة داخل حوار مستمر³³. ففي كل عملية فهم، لا يُعاد إنتاج المعنى فحسب، بل يُعاد تشكيل أفق الفهم لدى المشاركين فيه. وهنا تتجلّى بوضوح الطبيعة التكوينية للمعرفة: فهي لا تُنتج معلومة فقط، بل تُنتج ذاتًا قادرة على الفهم.
3) الذات العارفة بوصفها ذاتًا متكوِّنة: الهوية والمعرفة
يفترض التصوّر التكويني للمعرفة إعادة تعريف الذات العارفة ذاتها. فالذات، في هذا الأفق، ليست نقطة انطلاق محايدة، بل كيانًا تاريخيًا–علائقيًا يتشكّل عبر اللغة والاعتراف والتفاعل. وقد بيّن ريكور أن الهوية الذاتية ليست تطابقًا مع جوهر ثابت، بل سردية تُبنى عبر الزمن في علاقة دائمة بالغيرية¹⁷. والمعرفة تمثّل أحد المواقع الأساسية التي يُعاد فيها تشكيل هذه السردية.
وتؤكّد الفينومينولوجيا الاجتماعية هذا المعطى حين تُظهر أن الذات تكتسب معانيها من خلال التوقّعات المتبادلة والأدوار الاجتماعية. فالذات العارفة لا تعرف من موقع فردي خالص، بل من داخل أفق مشترك من الرموز والمعاني⁹¹⁰. وبهذا، تصبح المعرفة فعل اعتراف بقدر ما هي فعل إدراك، حيث يُفهم الآخر كشريك في إنتاج المعنى، لا كمصدر خارجي للمعلومة.
وتضيف العلوم المعرفية المتجسّدة بعدًا تجريبيًا لهذا التصوّر، حين تُبيّن أن الإدراك ذاته ليس عملية عقلية معزولة، بل نشاط جسدي–اجتماعي يتكوّن عبر التفاعل مع البيئة والآخرين³⁹⁴⁰. وبذلك، يتعزّز الطابع الأنطولوجي للتكاؤُن التفاعلي في مجال المعرفة: فالعقل لا يمتلك المعرفة، بل يتكوّن عبرها، بقدر ما ينخرط في علاقات حيّة.
4) الحقيقة، الاختلاف، وإمكان الفهم المشترك
قد يُعترض على الفهم التفاعلي للمعرفة بحجّة أنه يفضي إلى نسبية مفرطة، حيث يغدو المعنى رهين السياق والتفاعل دون معيار للحقيقة. غير أن هذا الاعتراض يفترض، ضمنيًا، أن الحقيقة لا تكون إلا ثابتة ومتعالية. أما في أفق التكاؤُن التفاعلي، فإن الحقيقة لا تُلغى، بل يُعاد تعريفها بوصفها أفقًا مشتركًا يُبنى بالحوار.
يُظهر هابرماس أن المعايير العقلانية تنشأ داخل أفق تواصلي يسمح بالتبرير والنقد والاعتراف المتبادل، وأن الحقيقة تُختبر داخل عملية حجاجية لا عبر فرضٍ سلطوي¹⁵. ويضيف التكاؤُن التفاعلي إلى هذا التصوّر بعدًا أنطولوجيًا، حين يجعل من هذه العملية التفاعلية شرطًا لتكوّن الذوات العارفة نفسها، لا مجرد أداة لضبط الخطاب.
بهذا المعنى، لا يُفهم الاختلاف بوصفه تهديدًا للحقيقة، بل شرطًا لإنتاجها. فالتفاعل مع وجهات نظر متعدّدة يُوسّع أفق الفهم ويمنع انغلاق المعرفة داخل يقينيات زائفة. ويتقاطع هذا المنظور مع نقد رورتي لفكرة المعرفة بوصفها مرآة للطبيعة، ودعوته إلى فهم الحقيقة ضمن محادثة إنسانية مفتوحة³⁵.
خلاصة المحور الثالث
يبيّن هذا المحور أن المعرفة، في أفق التكاؤُن التفاعلي، ليست تمثيلًا لواقع مستقل، ولا امتلاكًا فرديًا للحقيقة، بل عملية تكوُّن علائقية يُعاد فيها تشكيل المعنى والذات والعالم في آنٍ واحد. فالمعرفة تتكوّن داخل التفاعل، بقدر ما تتكوّن الذوات القادرة على الفهم، والحقيقة تُبنى داخل أفق مشترك مفتوح على النقد والتحوّل.
وبذلك، يكتمل المسار النظري من الأنطولوجيا إلى الأخلاق إلى المعرفة، ويتأهّب البحث للانتقال إلى المحور الرابع، حيث يُبحث في إمكانات التكاؤُن التفاعلي على مستوى السياسة والمجتمع، أي في الفضاء الذي تتقاطع فيه المعرفة والفعل والمسؤولية داخل مؤسسات ووقائع تاريخية ملموسة.
المحور الرابع: التكاؤُن التفاعلي في السياسة والمجتمع – من أنطولوجيا العلاقة إلى بنية الفعل المشترك
1) من السياسة التمثيلية إلى السياسة التفاعلية: إعادة تأسيس المجال العام
انطلقت التصوّرات السياسية الحديثة، في معظم نماذجها، من فهمٍ للسياسة بوصفها تنظيمًا لعلاقات بين ذوات تُفترض مكتملة سلفًا، تسعى إلى حماية مصالحها أو التعبير عن إرادتها عبر آليات التمثيل. وفي هذا الإطار، غدا المجال العام فضاءً لتجميع الإرادات الفردية أو للتوفيق بينها، لا فضاءً لتكوُّن هذه الإرادات ذاتها. وقد أسّس هذا التصوّر لما يمكن تسميته السياسة التمثيلية، حيث يُختزل الفعل السياسي في الاختيار، والتفويض، والتوازن بين قوى قائمة.
غير أن هذا النموذج يعاني من مأزق بنيوي، يتمثّل في افتراضه ذاتًا سياسية جاهزة تدخل المجال العام بما هي عليه، دون أن تتغيّر فيه إلا على مستوى المصالح أو المواقع. فالتمثيل، مهما بلغت دقّته الإجرائية، لا ينتج علاقة، بل يُدير علاقة مفترضة سلفًا. ومن هنا، يتكرّر في السياسة ما سبق رصده في المعرفة والأخلاق: علاقة بلا تكوُّن، وتفاعل بلا تحوّل. وقد أشار هابرماس إلى هذا القصور حين بيّن أن اختزال السياسة في آليات التمثيل يُفرغها من بعدها التواصلي، ويحوّلها إلى إدارة تقنية للسلطة بدل أن تكون ممارسة عقلانية مشتركة¹⁵.
في المقابل، يتيح مفهوم التكاؤُن التفاعلي إعادة التفكير في السياسة من أساسها، لا بوصفها مجال صراع مصالح أو مجرّد تنسيق إجرائي، بل بوصفها فضاءً لتكوُّن الفاعلين السياسيين أنفسهم. فالسياسة، في هذا الأفق، ليست فقط ما نفعله معًا، بل ما نصبحه معًا من خلال الفعل. وبهذا، لا يُفهم المجال العام كحيّز محايد يحتضن ذوات مستقلة، بل كمساحة علائقية تُعاد فيها صياغة الهويات، والتوقّعات، ومعايير الشرعية.
تتّضح أهمية هذا التحوّل إذا ما قورن بالتصوّرات الصراعية للسياسة، التي تجعل العداء أو التنازع جوهر الفعل السياسي. فبينما يذكّر شميت بأن السياسة تنزلق دائمًا نحو تمييز العدو والصديق، ويجعل من هذا التمييز معيارها النهائي³¹، فإن هذا المنظور يُغلق أفق التكوُّن المشترك، لأنه يثبّت الهويات داخل منطق النفي المتبادل. وحتى المقاربات التي تحاول تهذيب الصراع، كما في بعض نظريات التعدّدية التنافسية، تبقى أسيرة افتراض ذاتٍ سياسية مكتملة لا تتغيّر إلا في مواقعها.
يقدّم التكاؤُن التفاعلي بديلًا عن هذا الانغلاق، دون الوقوع في وهم الإجماع أو إنكار التوتر. فهو لا ينفي الاختلاف، بل يعيد إدخاله في أفق تفاعلي يجعل منه عنصرًا تكوينيًا للفعل السياسي، لا ذريعة لإلغائه. ففي السياسة التفاعلية، لا يكون الخلاف عائقًا أمام الفعل المشترك، بل شرطًا لبلورته، شرط أن يُدار ضمن علاقة تسمح بالتحوّل المتبادل لا بالتثبيت الهوياتي.
هنا تتقاطع السياسة التفاعلية مع الفعل التواصلي عند هابرماس، حيث تُفهم الشرعية السياسية بوصفها ناتجة عن مشاركة المتأثرين بالقرار في عملية تبريره¹⁵. غير أن التكاؤُن التفاعلي يوسّع هذا التصوّر، حين يجعل المشاركة ليست فقط شرطًا للشرعية، بل شرطًا لتكوُّن الذات السياسية ذاتها. فالمواطن لا يُفهم كفاعل سياسي مكتمل يمارس حقه، بل كذات تتشكّل سياسياً عبر الانخراط في فضاءات تفاعلية تُنتج معنى الانتماء والمسؤولية.
كما يلتقي هذا المنظور مع تحليلات أرندت للفعل السياسي، حيث يُفهم الفعل لا بوصفه تنفيذًا لغاية، بل ظهورًا في فضاء مشترك، يُفصح فيه الإنسان عن ذاته عبر المبادرة والكلام¹⁶. غير أن التكاؤُن التفاعلي يُدخل على هذا الفهم بعدًا تكوينيًا أوضح: فالظهور السياسي لا يكشف ذاتًا جاهزة، بل يُسهم في تكوينها، لأن الفعل المشترك يعيد تشكيل ما يمكن قوله وفعله وتوقّعه داخل المجال العام.
من هذا المنظور، لا يعود السؤال السياسي المركزي: من يحكم؟ أو من يُمثّل من؟ بل يصبح: كيف يتكوّن الفاعلون السياسيون داخل علاقاتهم؟ وكيف يمكن للمجال العام أن يكون فضاءً يُنتج المسؤولية والمعنى، لا مجرّد ساحة صراع أو إدارة؟ إن هذا التحوّل في طرح السؤال هو ما يجعل السياسة التفاعلية انتقالًا أنطولوجيًا، لا إصلاحًا إجرائيًا.
وعليه، يمكن القول إن التكاؤُن التفاعلي يعيد تأسيس المجال العام على ثلاثة أسس مترابطة:
أولًا، بوصفه فضاءً علائقيًا لا محايدًا.
ثانيًا، بوصفه موقعًا لتكوُّن الذوات السياسية لا مجرد تمثيلها.
ثالثًا، بوصفه أفقًا مفتوحًا للتحوّل، لا بنية مغلقة لتثبيت الهويات.
بهذا التأسيس، يُمهّد هذا العنوان للانتقال إلى مساءلة البنى الاجتماعية والمؤسسية التي إمّا تُعزّز هذا التكوُّن التفاعلي أو تُعيقه، وهو ما سيتناوله العنوان التالي عبر تحليل المجتمع التعدّدي، والاختلاف، وإمكان تحويله من عامل تفجير إلى مورد للفعل المشترك.
2) المجتمع التعدّدي بين إدارة الاختلاف وتكوُّنه: من المحاصصة إلى الفعل المشترك
يُعدّ المجتمع التعدّدي أحد أكثر التحدّيات تعقيدًا في الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر، لا بسبب وجود الاختلاف في حدّ ذاته، بل بسبب كيفية التفكير فيه وتنظيمه. فقد انقسمت المقاربات السائدة، في هذا المجال، بين اتجاهين رئيسيين: اتجاه يسعى إلى إدارة الاختلاف عبر آليات قانونية ومؤسسية تُبقي الجماعات متجاورة ضمن توازنات دقيقة، واتجاه آخر ينظر إلى الاختلاف بوصفه مصدرًا دائمًا للصراع، لا يمكن احتواؤه إلا عبر القوة أو الهيمنة الرمزية. وفي كلا الاتجاهين، يُفهم الاختلاف بوصفه مشكلة يجب ضبطها، لا بوصفه إمكانًا للتكوُّن المشترك.
في النموذج الأول، الذي يتجلّى في أنماط مختلفة من التعدّدية التنظيمية أو المحاصصة، يُختزل المجتمع إلى مجموع جماعات متمايزة تُمنح حصصًا في السلطة والتمثيل، بما يضمن استقرارًا هشًّا قائمًا على التوازن لا على العلاقة. ورغم أن هذا النموذج قد ينجح مؤقّتًا في منع الانفجار، إلا أنه يُبقي الاختلاف في مستوى التوازي المؤسسي، ويمنع تحوّله إلى تفاعل فعلي يُنتج معنى أو هوية مشتركة. هنا لا يتكوّن المجتمع بوصفه “نحن”، بل يُدار بوصفه “هم” متجاورون، لكلٍّ منهم منطقه ومجاله وروايته.
من منظور فلسفي، يعيد هذا النموذج إنتاج ما سبق نقده بوصفه تعايشًا سلبيًا على مستوى المجتمع ككل. فالاختلاف لا يُنكر، لكنه يُجمَّد داخل صيغ تمثيلية تُحوّله إلى عنصر حسابي، لا إلى مورد تفاعلي. وقد أشار رولز، في دفاعه عن الليبرالية السياسية، إلى ضرورة إيجاد إطار مؤسسي يسمح بتعايش “عقائد شاملة” مختلفة دون فرض تصور واحد للخير²⁹. غير أن هذا الإطار، على أهميته، يبقى محدودًا إذا لم يُدعَّم بفضاءات تفاعلية تُعيد إنتاج الثقة والمعنى المشتركين، لا مجرد القبول المتبادل.
في المقابل، تنطلق المقاربات الصراعية من افتراض أن التعدّدية تحمل في ذاتها توترًا لا يمكن تجاوزه، وأن السياسة ليست سوى تنظيم لهذا التوتر أو توجيهه. وتُذكّرنا قراءات شميت وموف بأن الاختلاف قد يتحوّل إلى خصومة وجودية، وأن تجاهل هذا البعد قد يُفضي إلى إنكار سياسي خطير³¹³⁰. غير أن تحويل الصراع إلى جوهر دائم للعلاقة الاجتماعية يُغلق أفق التكوُّن، لأنه يثبّت الهويات داخل منطق العداء، ويجعل الفعل المشترك مستحيلًا إلا بوصفه تحالفًا ظرفيًا ضد خصم.
يقدّم مفهوم التكاؤُن التفاعلي هنا مخرجًا نظريًا من هذا المأزق، من خلال إعادة تعريف التعدّدية لا بوصفها تجاورًا مؤسسيًا ولا صراعًا دائمًا، بل بوصفها فضاءً علائقيًا مفتوحًا، يتكوّن فيه المجتمع عبر تفاعل مستمر بين اختلافات لا تُلغى ولا تُقدَّس. فالتعدّدية، في هذا الأفق، ليست معطًى نهائيًا، بل عملية تكوُّن، حيث تُعاد صياغة الانتماءات والحدود والهويات عبر الفعل المشترك.
يتقاطع هذا التصوّر مع ما يقدّمه تايلور في تحليله لسياسات الاعتراف، حيث لا يُفهم الاعتراف بوصفه مجرّد إقرار قانوني بالاختلاف، بل شرطًا لتكوّن الهوية ذاتها داخل أفق تفاعلي²⁰. فالهوية لا تتبلور في العزلة، بل في علاقة اعتراف متبادل تسمح بتحوّل الذات دون محوها. ويُضيف التكاؤُن التفاعلي إلى هذا المنظور بُعدًا ديناميًا، حين يجعل الاعتراف ليس لحظة إقرار، بل مسارًا مستمرًا يتجدّد مع كل فعل مشترك.
كما يمكن الاستعانة بتحليلات دوركهايم وسيميل لفهم كيف يتكوّن الرابط الاجتماعي لا عبر التشابه وحده، بل عبر اختلاف منظَّم يُنتج أشكالًا جديدة من التضامن²⁴²⁵. غير أن هذا التضامن لا ينشأ تلقائيًا، بل يحتاج إلى بنى تفاعلية تُحوّل الاختلاف من عامل تفكك إلى عنصر إنتاج. وهنا يظهر قصور المقاربات التي تكتفي بالقانون أو بالتوازنات، دون الاستثمار في الفضاءات التي يتكوّن فيها الفعل المشترك.
على المستوى العملي–الفلسفي، يعني الانتقال من إدارة الاختلاف إلى تكوُّنه إعادة التفكير في المؤسسات، لا بوصفها أدوات توزيع للسلطة فحسب، بل بوصفها فضاءات تفاعلية تُعيد تشكيل العلاقة بين الجماعات. فالمؤسسة، في أفق التكاؤُن التفاعلي، لا تكون ناجحة بقدر ما تمثّل الجميع، بل بقدر ما تخلق شروط تفاعل يُنتج معنى مشتركًا ومسؤولية متبادلة. وهذا ما يجعل الديمقراطية، في هذا الإطار، ممارسة مستمرة لا صيغة دستورية مكتملة.
وعليه، لا يطرح التكاؤُن التفاعلي نموذجًا جاهزًا لإدارة التعدّدية، بل أفقًا فلسفيًا يُعيد طرح السؤال من جذوره: كيف يمكن للاختلاف أن يكون مصدرًا للتكوُّن لا للتفكك؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يتشكّل بوصفه علاقة حيّة، لا مجرّد تجاور جماعات أو ساحة صراع؟ إن هذا التحوّل في طرح السؤال هو ما يفتح المجال للانتقال، في العنوان التالي، إلى تحليل دور المؤسسات والتربية والفضاء العام في ترسيخ أو تعطيل هذا التكوُّن التفاعلي.
3) المؤسسات، التربية، والفضاء العام: شروط إمكان التكاؤُن التفاعلي
إذا كان التكاؤُن التفاعلي يفترض علاقة تُنتج التكوُّن عبر التفاعل، فإن السؤال الحاسم على المستوى الاجتماعي–السياسي يصبح: أين يتجسّد هذا التفاعل؟ وكيف يمكن تحويله من إمكان فلسفي إلى ممارسة مستقرّة داخل المجتمع؟ هنا تبرز أهمية المؤسسات، والتربية، والفضاء العام بوصفها شروط إمكان بنيوية للتكاؤُن التفاعلي، لا بوصفها مجرّد أدوات تنفيذ أو تنظيم.
لقد جرى التفكير في المؤسسات، في كثير من المقاربات السياسية، بوصفها آليات لضبط السلوك، أو لتوزيع السلطة، أو لإدارة المصالح المتعارضة. وفي هذا الإطار، تُقاس فاعلية المؤسسة بقدرتها على فرض الامتثال أو ضمان الاستقرار. غير أن هذا التصوّر يغفل بعدًا أساسيًا: فالمؤسسات لا تنظّم الأفعال فحسب، بل تُنتج أنماطًا من العلاقة، وتُعيد تشكيل توقعات الفاعلين وهوياتهم ومعاييرهم. وبذلك، تكون المؤسسة إمّا حاضنة لتكوُّن تفاعلي، أو معطِّلة له.
من منظور أنطولوجي، لا تكون المؤسسة محايدة تجاه العلاقة الإنسانية. فالمؤسسة التي تقوم على التراتبية الصلبة، أو على الفصل الصارم بين الفاعلين، أو على منطق الامتثال الأحادي، تُعيد إنتاج ذاتٍ مطيعة أو متقوقعة، وتمنع نشوء فضاء تفاعلي حقيقي. في المقابل، تتيح المؤسسات التي تُشجّع المشاركة، والتداول، والمساءلة، إمكان تشكّل ذوات قادرة على الفعل المشترك. وهنا يتقاطع التحليل المؤسسي مع نقد فوكو لبنى السلطة التي تُنتج الذوات بقدر ما تنظّم الأجساد، ومع تحليل بورديو للعادات المؤسسية التي تُعيد إنتاج أنماط الهيمنة أو تكسرها²⁶²⁷.
غير أن المؤسسة، مهما بلغت درجة انفتاحها، لا تستطيع وحدها إنتاج التكاؤُن التفاعلي إن لم تُدعَّم ببنية تربوية تُعيد تشكيل العلاقة منذ مراحل التكوّن الأولى. فالتربية ليست مجرّد نقل للمعرفة أو تدريب على المهارات، بل عملية أنطولوجية–علائقية تُحدّد كيفية حضور الفرد في العالم ومع الآخرين. وقد بيّن ديوي أن التربية، حين تُفصل عن التجربة المشتركة، تتحوّل إلى تلقين، وتفقد قدرتها على إنتاج مواطنين فاعلين¹⁴.
في أفق التكاؤُن التفاعلي، تقوم التربية على الحوار، والعمل الجماعي، والتعلّم التشاركي، بوصفها ممارسات تُدرِّب الفرد على الدخول في علاقة تُنتج المعنى والمسؤولية. فالمتعلّم لا يُفهم كذات تستقبل المعرفة، بل كفاعل يتكوّن عبر التفاعل مع الآخرين داخل فضاء تعليمي مشترك. وهنا يصبح الصفّ، أو الجامعة، أو أي فضاء تربوي، مختبرًا مصغّرًا للتكاؤُن التفاعلي، حيث يتعلّم الفرد كيف يختلف دون أن يُقصي، وكيف يشارك دون أن يذوب.
ويتّصل هذا البعد التربوي اتصالًا وثيقًا بمفهوم الفضاء العام. فالفضاء العام، كما حلّلته أرندت وهابرماس، ليس مجرّد مكان للتعبير، بل مجال لظهور الفعل والكلام، حيث يُختبر الانتماء والمسؤولية والمعنى المشترك¹⁶¹⁵. غير أن الفضاء العام لا يكون تفاعليًا بالضرورة؛ فقد يتحوّل إلى مسرح استقطاب، أو إلى ساحة ضجيج، أو إلى فضاء عرض بلا حوار. وعندها يفقد وظيفته التكوينية، ويتحوّل إلى امتداد للصراع أو للتوازي الاجتماعي.
في أفق التكاؤُن التفاعلي، يُعاد تعريف الفضاء العام بوصفه فضاء علاقة، لا فضاء تعبير فردي فقط. فالكلام في المجال العام لا يُقاس بجرأته أو انتشاره، بل بقدرته على فتح أفق تفاعل يُغيّر مواقع الفاعلين أنفسهم. وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع نظرية الفعل التواصلي، التي ترى أن العقلانية العامة لا تتكوّن إلا داخل فضاء يسمح بالتبرير، والإنصات، والاعتراف المتبادل¹⁵. غير أن التكاؤُن التفاعلي يُضيف بُعدًا وجوديًا، حين يجعل من هذا الفضاء شرطًا لتكوّن الذات السياسية ذاتها.
إن العلاقة بين المؤسسة، والتربية، والفضاء العام ليست علاقة تجاور، بل دائرة تكوينية: فالمؤسسات تُشكّل أطر التربية، والتربية تُنتج فاعلين قادرين على شغل الفضاء العام، والفضاء العام يُعيد الضغط على المؤسسات لتتحوّل أو تتصلّب. وفي هذه الدائرة، إمّا أن يُعاد إنتاج نماذج التعايش السلبي والصراع، أو أن يُفتح أفق لتكوُّن تفاعلي مستمر.
وعليه، لا يمكن الحديث عن التكاؤُن التفاعلي بوصفه خيارًا أخلاقيًا أو تصورًا نظريًا فحسب، بل بوصفه مشروعًا مؤسّسيًا–تربويًا–عموميًا، يتطلّب إعادة تصميم الفضاءات التي تتكوّن فيها العلاقة الإنسانية. فحيث تُبنى مؤسسات بلا مشاركة، وتربية بلا حوار، وفضاء عام بلا إنصات، يستحيل التكوُّن التفاعلي. وحيث تُفتح هذه الفضاءات على التفاعل، يصبح الاختلاف موردًا، والمعرفة ممارسة، والسياسة فعلًا مشتركًا.
بهذا التحليل، يكتمل المحور الرابع في مستواه النظري، ويتّضح أن التكاؤُن التفاعلي ليس فكرة معلّقة في التجريد، بل أفقًا فلسفيًا يمكن اختباره في الواقع الاجتماعي والتاريخي. ومن هنا، يصبح الانتقال إلى الملحق التطبيقي—الذي يعالج السياق اللبناني—انتقالًا مبرّرًا، لا إضافة خارجية، لأنه يُظهر كيف تتجلّى هذه الإشكاليات حين تُفكَّر داخل مجتمع تعدّدي مأزوم.
ملحق: التكاؤُن التفاعلي وإشكالية العيش المشترك في السياق اللبناني
ملحق تابع للمحور الرابع:
لبنان بوصفه مختبرًا علائقيًا
لا يَرِدُ السياق اللبناني في هذا الكتاب بوصفه حالة سياسية استثنائية أو نموذجًا جاهزًا للتفسير، بل بوصفه مختبرًا علائقيًا كثيفًا، تتكشّف فيه، على نحو حاد، حدود النماذج السائدة في فهم العلاقة الإنسانية والعيش المشترك. فلبنان، بما يحمله من تعدّدية دينية وثقافية وتاريخية، لا يعاني فقط من أزمات حكم أو اقتصاد، بل من أزمة علاقة بالمعنى الأنطولوجي العميق الذي عالجه هذا الكتاب.
إنّ إدراج هذا الملحق لا يهدف إلى “تطبيق” نظرية على واقع، بل إلى إظهار كيف يكشف واقعٌ معيّن حدود النماذج النظرية، ويُبرز الحاجة إلى أفق مفهومي بديل. ومن هذا المنطلق، يُقارب الوضع اللبناني بوصفه حالة تُظهِر بوضوح مأزق التعايش السلبي ومآلات النموذج الصراعي، وتُبرز الحاجة إلى تصور تكويني للعلاقة من نمط التكاؤُن التفاعلي.
أولًا: العيش المشترك في لبنان بين التوازي والتجميد
يُقدَّم لبنان، في خطابه الدستوري والسياسي والثقافي، بوصفه “وطن العيش المشترك”. غير أن هذا الشعار، على أهميته الرمزية، غالبًا ما يُختزل في صيغة توازي اجتماعي–طائفي، حيث تتعايش الجماعات داخل فضاء واحد دون أن تدخل في علاقة تفاعلية مُنتِجة للمعنى. فالطوائف، في بنيتها المؤسسية والثقافية، لا تُفهم كذوات في صيرورة مشتركة، بل ككيانات مكتملة، متجاورة، لكلٍّ منها تاريخها وسرديتها ونظامها الرمزي الخاص.
بهذا المعنى، يتجلّى في الحالة اللبنانية ما وصفه هذا الكتاب بـ التعايش السلبي: وجود مشترك بلا تكوُّن مشترك. فالعلاقة بين الجماعات لا تُبنى على التفاعل، بل على إدارة المسافة، وضبط التوازن، ومنع الاحتكاك. ويؤدي هذا النمط من العيش المشترك إلى تجميد الاختلاف بدل تحويله إلى مورد، وإلى تثبيت الهويات بدل فتحها على التحوّل.
من منظور أنطولوجي، يُنتج هذا التوازي ذواتًا جماعية مغلقة نسبيًا، تُعرِّف نفسها عبر الانتماء لا عبر العلاقة، وعبر الذاكرة الخاصة لا عبر الخبرة المشتركة. وهنا، لا يكون “الآخر” شريكًا في التكوُّن، بل عنصرًا يجب أخذه في الحسبان ضمن معادلة الاستقرار. وبهذا، يغيب البعد التفاعلي للعلاقة، ويُختزل العيش المشترك في حدّه الأدنى: غياب العنف المباشر.
ثانيًا: من التعايش المجمَّد إلى الصراع الدوري
تكمن خطورة التعايش السلبي في أنه لا يلغي الصراع، بل يؤجّله. فحين تتعرّض التوازنات الهشّة لأي اختلال—سياسي، اقتصادي، أو أمني—يعود الصراع إلى السطح، لا بوصفه اختلافًا قابلًا للإدارة، بل بوصفه انفجارًا علائقيًا. وفي السياق اللبناني، يتّخذ هذا الصراع غالبًا شكل إعادة تفعيل للهويات المغلقة، حيث يُعاد تعريف الذات الجماعية في مقابل “آخر” مُهدِّد.
من هذا المنظور، لا يمكن فهم الصراعات اللبنانية المتكرّرة بوصفها أحداثًا طارئة، بل بوصفها نتيجة بنيوية لغياب التفاعل التكويني. فحين لا تُبنى العلاقة على خبرة مشتركة، ولا يُنتج المجال العام سردية مشتركة، يصبح الصراع اللغة الوحيدة المتاحة لإعادة تثبيت الحدود والهويات.
وهنا يتجلّى بوضوح مأزق النموذج الصراعي الذي نُقد سابقًا: فالصراع، حين يصبح بنية للعلاقة، يمنع أي إمكان للتحوّل المتبادل. فالآخر لا يُدرَك كشريك محتمل، بل كتهديد وجودي، وتُفهم السياسة بوصفها صراع بقاء لا فضاء فعل مشترك. وفي هذا السياق، تتحوّل الدولة والمؤسسات إلى ساحات صراع، لا إلى فضاءات تكوُّن.
ثالثًا: المحاصصة بوصفها إدارة للاختلاف لا تكوُّنًا له
تمثّل المحاصصة، في التجربة اللبنانية، محاولة لإدارة التعدّدية عبر توزيع السلطة والتمثيل بين الجماعات. غير أن هذه الآلية، على الرغم من دورها في منع الإقصاء الكامل، تُكرّس منطق التقسيم بدل التفاعل. فالجماعات لا تُستدعى إلى إنتاج قرار مشترك، بل إلى حماية حصتها داخل بنية قائمة.
من منظور التكاؤُن التفاعلي، تكمن إشكالية المحاصصة في أنها تفترض جماعات مكتملة الهوية، وتتعامل معها بوصفها وحدات تفاوض، لا ذواتًا في صيرورة. وهنا، لا يكون الفعل السياسي فعلًا تكوينيًا، بل عملية مساومة دائمة تُعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه. كما أن المواطن يُختزل في انتمائه، ويُحرَم من إمكان التكوّن كذات سياسية علائقية تتجاوز حدود الجماعة.
رابعًا: التكاؤُن التفاعلي كأفق بديل للعيش المشترك
لا يقدّم مفهوم التكاؤُن التفاعلي حلًا تقنيًا للأزمة اللبنانية، ولا يدّعي القدرة على تجاوز التعقيدات التاريخية والسياسية. لكنه يفتح أفقًا فلسفيًا لإعادة طرح سؤال العيش المشترك من جذوره: لا بوصفه مشكلة إدارة اختلاف، بل بوصفه سؤال تكوُّن علاقة.
في هذا الأفق، لا تُلغى الخصوصيات الطائفية أو الثقافية، ولا يُطلب ذوبانها في هوية جامعة قسرية. بل يُفترض أن هذه الخصوصيات نفسها لا تكتمل إلا داخل فضاء تفاعلي يسمح بتحوّلها. فالتكاؤُن التفاعلي لا يسعى إلى إنتاج وحدة صلبة، بل إلى بناء علاقة حيّة تُنتج معنى مشتركًا دون محو الاختلاف.
ويعني ذلك الانتقال من سؤال: “كيف نمنع الصراع؟” إلى سؤال أعمق: “كيف نُنتج خبرة مشتركة تُعيد تشكيل العلاقة بين الجماعات؟”
هذا التحوّل لا يبدأ بالدستور وحده، ولا بالمؤسسات فقط، بل بالتربية، والفضاء العام، والخطاب الثقافي، أي بكل ما يُنتج أنماط العلاقة اليومية بين الأفراد والجماعات.
خامسًا: دلالات تربوية ومؤسّسية
إن تفعيل أفق التكاؤُن التفاعلي في السياق اللبناني يقتضي إعادة التفكير في:
التربية: بوصفها فضاءً لتعلّم الاختلاف عبر الحوار والعمل المشترك، لا عبر التلقين الهوياتي.
المؤسسات: بوصفها فضاءات تفاعل لا مجرد آليات توزيع.
الفضاء العام: بوصفه مجال علاقة وإنصات وتحوّل، لا ساحة استقطاب أو عرض رمزي.
فحيث تُبنى هذه الفضاءات على منطق الفصل والتوازن الصامت، يستحيل التكوُّن التفاعلي. وحيث تُفتح على التفاعل، يصبح الاختلاف موردًا، لا عبئًا.
خاتمة الملحق
يُظهر السياق اللبناني، في حدّته وتعقيده، أن أزمة العيش المشترك ليست أزمة نماذج حكم فحسب، بل أزمة تصوّر العلاقة الإنسانية. ومن هنا، لا يُدرَج هذا الملحق بوصفه دراسة حالة، بل بوصفه مرآة تُظهر ما يحدث حين يغيب التفاعل التكويني عن بنية المجتمع.
بهذا المعنى، لا يخصّ التكاؤُن التفاعلي لبنان وحده، بل يقدّم أفقًا فلسفيًا لكل مجتمع تعدّدي مأزوم، يسعى إلى تجاوز التوازي والصراع نحو علاقة تُنتج الإنسان بوصفه كائنًا علائقيًا فاعلًا.
خاتمة:
انطلق هذا الكتاب من سؤال بدا، في ظاهره، سؤالًا عن العلاقة الإنسانية، لكنه انكشف، في عمقه، بوصفه سؤالًا عن نمط الوجود الإنساني ذاته. فالمأزق الذي تعانيه المجتمعات المعاصرة—من تفكك، واستقطاب، وعنف رمزي ومادي—لا يعود فقط إلى فشل أنظمة سياسية أو اقتصادية، بل إلى قصورٍ أعمق في كيفية التفكير في العلاقة: هل هي مجرّد إطار خارجي للذات؟ أم ساحة صراع؟ أم شرط تكوّن؟
لقد بيّن التحليل أن النماذج السائدة، سواء تلك التي تكتفي بالتعايش الشكلي أو تلك التي تُطلق الصراع بوصفه قانونًا للعلاقة، تشترك في افتراض أن الذات تسبق العلاقة، وأن التفاعل إمّا إضافة خارجية أو تهديد وجودي. وفي كلا الحالين، تفشل العلاقة في أداء وظيفتها التكوينية، ويتحوّل العيش المشترك إلى توازي هشّ أو تنازع دائم.خاتمة:
في مواجهة هذا المأزق، اقترح الكتاب مفهوم التكاؤُن التفاعلي بوصفه أفقًا فلسفيًا بديلًا، لا يُضاف إلى النماذج القائمة، بل يعيد بناء أساسها الأنطولوجي. فالتكاؤُن التفاعلي لا يفهم العلاقة بوصفها حالة، بل بوصفها عملية؛ ولا يفهم التفاعل بوصفه تبادلًا أو مواجهة، بل بوصفه حدثًا تكوينيًا يتشكّل فيه الإنسان عبر المشاركة الواعية والمتبادلة. هنا، لا تكون الذات معطًى ثابتًا يدخل العلاقة، بل صيرورة تتكوّن داخلها.
وقد أظهر المسار النظري للكتاب أن هذا التحوّل لا يطال مستوى واحدًا من التجربة الإنسانية، بل يعيد تشكيل بنيتها بكاملها. فعلى المستوى الأنطولوجي، أعاد التكاؤُن التفاعلي تعريف الوجود الإنساني بوصفه وجودًا علائقيًا زمنيًا منفتحًا على الإمكان. وعلى المستوى الأخلاقي، نقل السؤال من منطق الواجب المسبق إلى منطق المسؤولية المتكوّنة داخل العلاقة. وعلى المستوى المعرفي، تجاوز نموذج المعرفة التمثيلية نحو فهم للمعنى بوصفه نتاجًا لفعل تفاعلي مشترك. أما على المستوى السياسي والاجتماعي، فقد فتح أفقًا لإعادة التفكير في المجال العام، والمؤسسات، والتعدّدية، لا بوصفها آليات إدارة، بل فضاءات تكوُّن.
لم يكن الهدف من هذا المسار بناء نسق مغلق، ولا تقديم وصفة جاهزة للفعل، بل إعادة توجيه السؤال الفلسفي من نتائجه إلى شروطه. فبدل السؤال عمّا يجب فعله داخل علاقة مفترضة، طرح الكتاب سؤالًا أعمق: كيف تتكوّن العلاقة نفسها؟ وكيف يمكن أن تكون العلاقة فضاءً للخلق لا للصراع، وللمعنى لا للتجميد؟
ويكشف الملحق اللبناني، بوصفه اختبارًا علائقيًا كثيفًا، أن هذه الأسئلة ليست تجريدية، بل تمسّ صميم التجربة الإنسانية في مجتمعات متعدّدة مأزومة. فحين يُختزل العيش المشترك إلى إدارة اختلاف أو إلى صراع هووي، يغيب التكوُّن، ويعود العنف بأشكاله المختلفة. وحين يُفتح المجال أمام التفاعل التكويني—ولو جزئيًا—تظهر إمكانات جديدة للفعل والمعنى.
إن التكاؤُن التفاعلي، في هذا المعنى، ليس مشروع مصالحة ولا خطاب انسجام، بل رهان فلسفي على أن الإنسان لا يستعيد إنسانيته إلا بوصفه كائنًا علائقيًا فاعلًا، وأن العلاقة ليست عبئًا على الوجود، بل شرط إمكانه. وهو رهان لا يعدُ بإلغاء التوتر أو الاختلاف، بل بتحويلهما من مصدر تفكك إلى مورد تكوّن.
بهذا، لا يُقفل هذا الكتاب على إجابات نهائية، بل يفتح أفقًا للتفكير والممارسة، حيث يُفهم الفعل الإنساني لا بوصفه تحقيقًا لغاية معزولة، بل مشاركة في عملية تكوّن لا تنتهي. وفي هذا الأفق، يصبح السؤال الفلسفي المركزي—اليوم وغدًا—ليس فقط: من نحن؟ أو كيف نعيش معًا؟
بل السؤال الأعمق: كيف نتكوّن معًا؟
لائحة المراجع :
أولًا: المراجع الفلسفية والأنطولوجية الأساسية
(1) Heidegger, Martin. Being and Time. Translated by John Macquarrie and Edward Robinson.
New York: Harper & Row, 1962, pp. 149–155.
(2) Merleau-Ponty, Maurice. Phenomenology of Perception. Translated by Colin Smith.
London: Routledge, 1962, pp. 7–15.
(3) Merleau-Ponty, Maurice. The Visible and the Invisible. Translated by Alphonso Lingis.
Evanston: Northwestern University Press, 1968, pp. 130–138.
(4) Husserl, Edmund. Cartesian Meditations. Translated by Dorion Cairns.
The Hague: Martinus Nijhoff, 1960, pp. 89–96.
(5) Nancy, Jean-Luc. Being Singular Plural. Translated by Robert D. Richardson and Anne E. O’Byrne.
Stanford: Stanford University Press, 2000, pp. 28–36.
ثانيًا: الفلسفة الحوارية، العلائقية، والاعتراف:
(6) Buber, Martin. I and Thou. Translated by Walter Kaufmann.
New York: Scribner, 1970, pp. 54–62.
(7) Levinas, Emmanuel. Otherwise than Being or Beyond Essence. Translated by Alphonso Lingis.
Pittsburgh: Duquesne University Press, 1998, pp. 99–107.
(8) Ricoeur, Paul. Oneself as Another. Translated by Kathleen Blamey.
Chicago: University of Chicago Press, 1992, pp. 21–30.
(9) Taylor, Charles. Sources of the Self.
Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989, pp. 25–34.
(10) Taylor, Charles. The Ethics of Authenticity.
Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991, pp. 65–72.
ثالثًا: المعرفة، الفعل، والتفاعل
(11) Dewey, John. Experience and Nature.
New York: Dover Publications, 1958, pp. 138–146.
(12) Wittgenstein, Ludwig. Philosophical Investigations. Translated by G. E. M. Anscombe.
Oxford: Blackwell, 1953, §§241–242 (pp. 88–89 تقريبًا).
(13) Gadamer, Hans-Georg. Truth and Method.
2nd rev. ed. Translated by Joel Weinsheimer and Donald G. Marshall.
New York: Continuum, 2004, pp. 268–276.
(14) Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature.
Princeton: Princeton University Press, 1979, pp. 170–180.
رابعًا: الفينومينولوجيا الاجتماعية وعلم الاجتماع:
(15) Schutz, Alfred. The Phenomenology of the Social World.
Evanston: Northwestern University Press, 1967, pp. 3–12.
(16) Mead, George Herbert. Mind, Self, and Society.
Chicago: University of Chicago Press, 1934, pp. 135–144.
(17) Berger, Peter L., and Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality.
New York: Anchor Books, 1967, pp. 33–42.
(18) Goffman, Erving. The Presentation of Self in Everyday Life.
New York: Anchor Books, 1959, pp. 13–22.
(19) Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity.
Cambridge: Polity Press, 2000, pp. 8–14.
خامسًا: السياسة، المجتمع، والديمقراطية
(20) Habermas, Jürgen. The Theory of Communicative Action. Vol. 1.
Translated by Thomas McCarthy. Boston: Beacon Press, 1984, pp. 85–101.
(21) Arendt, Hannah. The Human Condition.
Chicago: University of Chicago Press, 1958, pp. 175–183.
(22) Rawls, John. Political Liberalism.
New York: Columbia University Press, 1993, pp. 133–140.
(23) Mouffe, Chantal. The Democratic Paradox.
London: Verso, 2000, pp. 80–90.
(24) Schmitt, Carl. The Concept of the Political. Translated by George Schwab.
Chicago: University of Chicago Press, 1996, pp. 26–37.
سادسًا: العلوم المعرفية والتجسّد (داعم نظريًا)
(25) Varela, Francisco J., Evan Thompson, and Eleanor Rosch. The Embodied Mind.
Cambridge, MA: MIT Press, 1991, pp. 172–180.
(26) Tomasello, Michael. The Cultural Origins of Human Cognition.
Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999, pp. 5–17.
سابعًا: مراجع عربية :
(27) ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة.
تحقيق: علي عبد الواحد وافي. القاهرة: دار نهضة مصر، د.ت.، ص 41–60.
↳ الاجتماع الإنساني بوصفه شرط الوجود والعمران.
(28) طه عبد الرحمن. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة.
الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000، ص 25–40.
↳ الأخلاق بوصفها علاقة ومسؤولية لا مجرّد واجب.
(29) طه عبد الرحمن. روح الحداثة.
الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006، ص 55–72.
↳ نقد الفردانية والعقل الأداتي.
(30) عبد الله العروي. مفهوم العقل.
الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996، ص 90–105.
↳ العقل بوصفه بناءً تاريخيًا–اجتماعيًا.
(31) ناصيف نصّار. نظرية المعرفة عند ابن خلدون.
بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 112–125.
↳ المعرفة كنتاج اجتماعي.
(32) محمد عابد الجابري. بنية العقل العربي.
بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص 15–28.
↳ تشكّل العقل داخل نسق ثقافي–علائقي.
(33) علي حرب. نقد الحقيقة.
بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ص 60–75.
↳ تفكيك الحقيقة الأحادية لصالح التفاعل التأويلي
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
لبنان في زمن عدم الاستقرار الدولي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية
الدكتور هشام الأعور
التكاؤُن التفاعلي: نحو فلسفة إنسانية للعلاقة والفعل المشترك
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
القواسم المشتركة بين اللبنانيين
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
: التكاؤُن: استعادة الإنسان والقيم في عالم ما بعد القيم
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لبنان والتكاؤُن الرقمي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مشروع قانون التعافي المالي في لبنان:
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
اليوبيلَ ليس وقفةَ حنينٍ إلى ماضٍ اندثر
البروفسور الأب جورج جبيقه الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس
التكاؤن والدينامية التحريرية لتأسيس الـ«نحن» الوطنية الكيانية.
المكتب الإعلامي لجمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM