tiktok
Logo

التكاؤُن وإدارة العلاقات الحتمية في المجتمعات المتعددة

تغيير الوعي الفردي وترسيخ القيم المشتركة كفيلان بإنتاج الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

2026-01-30

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

التكاؤُن وإدارة العلاقات الحتمية في المجتمعات المتعددة

المؤلف: الدكتور فريد جبور

التاريخ: 16 كانون الثاني / 2026


تُعدّ مسألة العيش المشترك في المجتمعات المتصفة بالتعدّد من أبرز الإشكاليات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لا سيّما في ظل تصاعد النزاعات الهوياتية، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وتنامي الشعور بعدم الأمان الجماعي. وقد رافق هذا الواقع توجّهٌ متزايد، في الخطابات الأكاديمية والسياسات العامة، إلى التعويل على التربية والتعلّم بوصفهما الأداة الأساسية لإدارة التعدّد، انطلاقًا من افتراض مفاده أن تغيير الوعي الفردي وترسيخ القيم المشتركة كفيلان بإنتاج الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.
غير أن هذا الرهان، على وجاهته المعيارية، يظلّ قاصرًا عن معالجة نوع خاص من العلاقات التي تميّز المجتمعات الحديثة، ولا سيّما المجتمعات المتعددة، وهي العلاقات الحتمية؛ أي تلك العلاقات التي لا تقوم على الاختيار الحر، بل تُفرض بحكم الانتماء إلى دولة واحدة، أو فضاء عام مشترك، أو منظومة قانونية ومؤسسية جامعة. ففي هذا السياق، لا يكون الصراع الاجتماعي ناتجًا بالضرورة عن نقص في المعرفة أو ضعف في القيم، بقدر ما يكون نتيجة لاختلالات بنيوية في تنظيم الوجود المشترك، وتفاوتات في السلطة والموارد، وغياب آليات عادلة للاعتراف والتمثيل.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية نقدية مفادها أن التعلّم، رغم ضرورته، لا يمتلك وظيفة تأسيسية في تنظيم العلاقات الحتمية، بل يعمل داخل بنية اجتماعية وسياسية سابقة عليه، وتتوقف فعاليته على مدى عدالتها واستقرارها. ومن هنا، تسعى الدراسة إلى تجاوز المقاربات التربوية الاختزالية التي تُحمّل التعلّم ما لا يحتمل، عبر تقديم مفهوم التكاؤُن بوصفه إطارًا بنيويًا وفلسفيًا وتنظيميًا لإدارة الوجود المشترك في المجتمعات المتعددة، وشرطًا سابقًا لفعالية التعلّم لا بديلًا عنه ولا نقيضًا له.
ويُقصد بالتكاؤُن، في هذا البحث، نمط تشكّل مشترك للوجود الاجتماعي تُنظَّم فيه العلاقات الحتمية عبر منظومة قانونية ومؤسسية واقتصادية عادلة، تفرض العيش المشترك بوصفه واقعًا عمليًا لا مجرد قيمة أخلاقية أو خطاب تربوي. وبذلك، لا يُطرح التكاؤُن كحلّ تقني أو سياسي جزئي، بل كإطار شامل يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع والتعلّم، ويمنح التربية موقعها الوظيفي الحقيقي بوصفها أداة ترسيخ واستدامة، لا أداة تأسيس تعويضي.
إشكالية البحث
انطلاقًا مما سبق، تتحدّد إشكالية البحث في السؤال المركزي الآتي:
إلى أي مدى يمكن للتكاؤُن أن يشكّل إطارًا بنيويًا ضروريًا لإدارة العلاقات الحتمية في المجتمعات المتعددة، وما موقع التعلّم داخله: هل هو أداة تأسيس للعيش المشترك أم ممارسة تعمل ضمن بنية سابقة تنظّمه وتمنحه معناه؟
ويتفرّع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:
ما طبيعة العلاقات الحتمية، ولماذا تفشل المقاربات القيمية والتربوية وحدها في إدارتها؟
ما حدود التعلّم عندما يُحمَّل وظيفة تأسيس العيش المشترك؟
كيف يمكن تأصيل مفهوم التكاؤُن فلسفيًا وسوسيولوجيًا؟
هل يشكّل التكاؤُن أصلًا تاريخيًا للتعلّم في الأديان والمجتمعات؟
وما مدى قابلية هذا المفهوم للاختبار التطبيقي في نماذج واقعية مقارنة؟

 اعتمد البحث مقاربة تكاملية تجمع بين علم الاجتماع السياسي، والفلسفة السياسية، والعلوم التربوية، وتوزّع على خمسة فصول مترابطة. يتناول الفصل الأول إشكالية التعدّد والعلاقات الحتمية، بوصفها الإطار البنيوي الذي تتشكّل داخله أزمات العيش المشترك. ويُخصَّص الفصل الثاني لتحليل موقع التعلّم وحدوده في إدارة هذه العلاقات، من خلال نقد الرهان التربوي الأحادي. أما الفصل الثالث فيقدّم مفهوم التكاؤُن بوصفه الإطار النظري المركزي للبحث، ويعمل على تأصيله فلسفيًا وسوسيولوجيًا. ويُوسّع الفصل الرابع هذا التأصيل عبر مقاربة أنثروبولوجية–مقارنة تُبرز موقع التكاؤُن أساسًا للتعلّم في الأديان والمجتمعات. ويُختتم البحث بـ الفصل الخامس الذي يختبر المفهوم تطبيقيًا من خلال دراسة مقارنة في إدارة العلاقات الحتمية داخل مجتمعات متعددة.

الفصل الأول :إشكالية التعدّد والعلاقات الحتمية: من توصيف الاختلاف إلى سؤال التنظيم البنيوي


لا يمكن مقاربة مسألة العيش المشترك في المجتمعات المتعدّدة من دون مساءلة الإطار المفاهيمي الذي تُطرح داخله هذه المسألة. فغالبًا ما يُختزل النقاش في مستويات توصيفية أو معيارية، تُحمِّل الاختلاف الثقافي أو الديني مسؤولية الصراع، أو تُحيل الحلّ إلى التربية على التسامح والحوار. غير أنّ هذا النوع من المقاربة، على أهميته الخطابية، يعجز عن تفسير سبب تحوّل التعدّد إلى عامل تفكّك في بعض السياقات، في حين يبقى في سياقات أخرى مصدر غنى واستقرار.
ينطلق هذا الفصل من فرضية تأسيسية مفادها أن التعدّد لا يصبح إشكاليًا إلا عندما يُدرج داخل علاقات حتمية تفتقر إلى تنظيم عادل، وأن الخلل لا يكمن في الاختلاف ذاته، بل في البنى التي تُجبر المختلفين على العيش المشترك دون توفير شروط مشروعية هذا الإكراه. وعليه، يسعى الفصل إلى نقل النقاش من مستوى توصيف التنوّع إلى مستوى تحليل الشروط البنيوية التي تُحوّل التعدّد إلى أزمة سياسية واجتماعية.

1.1 التعدّد: من معطى اجتماعي إلى إشكالية سياسية
يُعدّ التعدّد سمة بنيوية للمجتمعات الإنسانية، إذ لم تُظهر الدراسات الأنثروبولوجية وجود مجتمعات متجانسة خالصة عبر التاريخ. فقد بيّن ليفي-شتراوس أن الاختلاف الثقافي ليس انحرافًا عن القاعدة، بل هو القاعدة ذاتها التي تتشكّل من خلالها البنى الاجتماعية والرمزية (1). غير أنّ التعدّد، في المجتمعات التقليدية، كان يُدار ضمن أطر محلية أو عرفية محدودة، ولم يكن يُدرج داخل بنية سياسية مركزية شاملة.
مع نشوء الدولة الحديثة، تغيّرت طبيعة التعدّد جذريًا، إذ أُدرجت جماعات مختلفة قسرًا داخل كيان سياسي واحد، يخضع لقانون موحّد ومؤسسات مركزية ومجال عام جامع. وهنا لم يعد التعدّد توصيفًا اجتماعيًا محايدًا، بل تحوّل إلى إشكالية سياسية تتعلّق بتوزيع السلطة والموارد والاعتراف. ويشير هورويتز إلى أن الصراع في المجتمعات المتعدّدة لا ينشأ من التنوّع بحد ذاته، بل من تسييسه داخل بنى تنافسية غير عادلة (2).
في هذا السياق، يكتسب تحليل عزمي بشارة أهمية خاصة، إذ يبيّن أن الطائفية ليست امتدادًا طبيعيًا للدين، بل نتاج إدراج الانتماء الديني في صلب الصراع السياسي داخل الدولة الحديثة (3). وبذلك، يصبح التعدّد عاملًا سياسيًا مشحونًا، لا بسبب خصائصه الثقافية، بل بسبب موقعه البنيوي داخل الدولة.

1.2 العلاقات الحتمية: المفهوم والإطار التحليلي
يمثّل مفهوم العلاقات الحتمية مفتاحًا تحليليًا لفهم تحوّل التعدّد إلى أزمة. ويُقصد به تلك العلاقات التي لا يملك الأفراد أو الجماعات خيار الانسحاب منها دون كلفة وجودية عالية، كالعلاقة بالدولة، أو بالقانون، أو بالاقتصاد الوطني، أو بالفضاء العام المشترك. فهذه العلاقات لا تقوم على التعاقد الطوعي، بل على الانتماء القسري إلى بنى شاملة.
يميّز غيدنز بين العلاقات التي يمكن إعادة التفاوض حولها، والعلاقات البنيوية التي تُفرض بحكم الانتماء إلى أنظمة اجتماعية كبرى (4). وفي هذا الإطار، تُعدّ الدولة الحديثة المنتج المركزي للعلاقات الحتمية، لأنها تُجبر جماعات مختلفة على التفاعل اليومي داخل منظومة واحدة، بغضّ النظر عن درجة الثقة أو الانسجام بينها.
تكمن خطورة العلاقات الحتمية في أنّها، إذا أُديرت دون عدالة، تتحوّل إلى علاقات صراعية، لأن الانسحاب منها مستحيل. وهنا يبرز البعد الإبستمولوجي للمفهوم، إذ لا يمكن معالجة هذه العلاقات بمنطق أخلاقي يفترض الاختيار، بل بمنطق تنظيمي يعترف بالإكراه البنيوي. وتشير آرندت إلى أن السياسة تبدأ تحديدًا حيث يُجبر الناس على الظهور معًا في فضاء لا يمكن الهروب منه (5).

1.3 الدولة الحديثة وإنتاج الإكراه المنظَّم
لا يمكن فهم العلاقات الحتمية بمعزل عن الدولة الحديثة، التي لا تكتفي بتنظيم المجتمع، بل تُعيد تشكيله. فالدولة، وفق فيبر، تحتكر العنف المشروع، وتفرض قانونًا واحدًا، وتُنشئ مؤسسات تعليمية وإدارية واقتصادية تُوحِّد أنماط العيش (6). وبهذا المعنى، فهي تُنتج شكلًا من “العيش القسري المشترك” الذي قد يكون مصدر استقرار أو صراع.
غير أنّ هذا الدور التوحيدي يحمل تناقضًا بنيويًا، إذ إن فرض الوحدة دون ضمان العدالة والحياد المؤسسي يحوّل الدولة من إطار جامع إلى عامل هيمنة. ويُظهر فوكو أن المؤسسات قد تتحوّل إلى أدوات ضبط وإقصاء عندما تُدار بمنطق السلطة لا بمنطق التنظيم العادل (7).
في المجتمعات المتعدّدة، يتضاعف هذا التناقض، لأن الدولة لا تتعامل مع أفراد متشابهين، بل مع جماعات ذات ذواكر وهويات متباينة. وعندما تفشل الدولة في إنتاج شرعية مقبولة، تتحوّل العلاقات الحتمية إلى عبء يولّد الخوف والانغلاق. ويشير هابرماس إلى أن الشرعية الحديثة لا تقوم على الإكراه، بل على القبول التداولي داخل الفضاء العام، وهو ما يغيب في كثير من الدول المنقسمة (8).

1.4 نقد المقاربات القيمية وخطاب “التعايش”
تُظهر قراءة نقدية للأدبيات المعاصرة أن كثيرًا من مقاربات إدارة التعدّد تنطلق من سؤال أخلاقي: كيف نُعلّم الناس التعايش؟ ويُفترض ضمنيًا أن المشكلة تكمن في نقص القيم أو ضعف الحوار. غير أن هذا السؤال يُخفي خللًا منهجيًا، لأنه يتجاهل أن الأفراد قد يمتلكون قيمًا إيجابية، لكنهم يعيشون داخل بنى غير عادلة.
يرى بورديو أن التركيز على الوعي الفردي يؤدي إلى ما يسميه “الوهم الذاتاني”، حيث يُفسَّر الصراع بوصفه نتيجة مواقف أو نوايا، لا نتيجة بنى موضوعية تُقيّد الفاعلين (9). وفي السياق ذاته، ينتقد فرييري التربية التي تطلب من المقهور التكيّف بدل تغيير الشروط التي تقهره (10).
وعليه، فإن خطاب التعايش، عندما يُفصل عن الإصلاح البنيوي، يتحوّل إلى خطاب تعويضي يخفّف التوتر رمزيًا، لكنه لا يعالج أسبابه. بل قد يعمل، من حيث لا يقصد، كآلية تحميل أخلاقي للفئات المتضرّرة، بدل مساءلة البنى التي تنتج الصراع.
1.5 إعادة صياغة الإشكالية: من القيم إلى التنظيم
انطلاقًا من التحليل السابق، يصبح من الضروري إعادة صياغة الإشكالية المركزية للبحث. فبدل السؤال:
كيف نُعلّم التعايش في المجتمعات المتعدّدة؟
تقترح هذه الدراسة السؤال الآتي:
كيف نُنظّم العلاقات الحتمية داخل المجتمعات المتعدّدة بما يجعل العيش المشترك ممكنًا ومستقرًا؟
يمثّل هذا التحوّل انتقالًا من التفكير في النتائج إلى التفكير في الشروط، ومن معالجة الوعي إلى معالجة البنية. وهو انتقال إبستمولوجي وسياسي في آن، لأنه يعترف بأن الصراع ليس خللًا أخلاقيًا، بل نتيجة تنظيم غير عادل للضرورة الاجتماعية.
وهنا يبرز مفهوم التكاؤُن بوصفه استجابة نظرية ومنهجية لهذا المأزق، لا باعتباره قيمة إضافية، بل إطارًا تنظيميًا يعيد ترتيب شروط الوجود المشترك.

بيّن هذا الفصل أن التعدّد لا يُشكّل في ذاته مصدر أزمة، بل يتحوّل إلى إشكالية عندما يُدار داخل علاقات حتمية تفتقر إلى تنظيم عادل ومشروع. كما أظهر أن المقاربات القيمية والتربوية، حين تُفصل عن تحليل البنى، تعجز عن تفسير الصراع أو احتوائه. ومن ثمّ، فإن أي معالجة جدّية لمسألة العيش المشترك تقتضي الانتقال من خطاب التعايش إلى سؤال التنظيم البنيوي.
يمهّد هذا الاستنتاج للانتقال إلى الفصل الثاني، الذي سيُعنى بتحليل موقع التعلّم وحدوده داخل العلاقات الحتمية، عبر مساءلة الرهان التربوي السائد، تمهيدًا لبناء مفهوم التكاؤُن بوصفه الإطار النظري المركزي للبحث.الفصل الثاني
التعلّم وحدوده في إدارة العلاقات الحتمية: من الرهان التربوي إلى المأزق البنيوي
تمهيد الفصل
أظهر الفصل الأول أن التعدّد لا يتحوّل إلى إشكالية سياسية واجتماعية إلا عندما يُدرج داخل علاقات حتمية تفتقر إلى تنظيم عادل، وأن الخلل لا يكمن في الاختلاف بحد ذاته، بل في البنى التي تُجبر المختلفين على العيش المشترك دون توفير شروط مشروعية هذا الإكراه. وانطلاقًا من هذا التأسيس، ينتقل هذا الفصل إلى مساءلة الأداة التي جرى التعويل عليها بكثافة لمعالجة هذا الخلل، أي التعلّم.
لا ينطلق هذا الفصل من موقف رافض للتعلّم أو مُقلِّل من شأنه، بل من تحليل نقدي لدوره وحدوده حين يُحمَّل وظيفة تأسيس العيش المشترك بدل العمل داخل شروطه البنيوية. والفرضية التي يختبرها الفصل هي أن التعلّم، بوصفه ممارسة تربوية ومعرفية، يفترض بنية اجتماعية سابقة عليه، ولا يستطيع بمفرده تنظيم العلاقات الحتمية أو تصحيح اختلالاتها. ومن هنا، يسعى الفصل إلى تفكيك الرهان التربوي السائد، وبيان أسبابه، وحدوده، ومآزقه، تمهيدًا للانتقال في الفصل الثالث إلى بناء مفهوم التكاؤُن بوصفه الإطار البديل.
2.1 التعلّم في الخطاب المعاصر: من التربية إلى الحلّ الشامل
احتلّ التعلّم موقعًا مركزيًا في الخطابات السياسية والتربوية المعاصرة، لا سيما في سياق معالجة النزاعات المجتمعية وبناء السلم الأهلي. فقد جرى تقديمه بوصفه الأداة القادرة على تغيير العقليات، وتفكيك الصور النمطية، وترسيخ قيم التسامح والمواطنة. ويستند هذا التصور إلى افتراض ضمني مفاده أن الصراع الاجتماعي هو في جوهره مشكلة وعي ومعرفة، وأن تغييره يمرّ حتمًا عبر التربية (1).
غير أن هذا الرهان، على شيوعه، يعكس توسّعًا غير نقدي في وظيفة التعلّم، إذ جرى نقله من مجاله الطبيعي بوصفه ممارسة اجتماعية لإنتاج المعنى، إلى موقع الحلّ الشامل للمشكلات البنيوية. ويُظهر تاريخ الفكر التربوي أن هذا التوسّع ليس جديدًا، بل رافق نشوء الدولة الحديثة التي رأت في المدرسة أداة لتوحيد المجتمع وصياغة المواطن (2). إلا أن هذا الدور التوحيدي، حين يُفصل عن العدالة البنيوية، يتحوّل إلى عبء على التعلّم ذاته.

2.2 الافتراض الإبستمولوجي الخاطئ: من البنية إلى الوعي
يقوم الرهان على التعلّم على افتراض إبستمولوجي مركزي مفاده أن تغيير الوعي الفردي يسبق تغيير البنية الاجتماعية، أو على الأقل قادر على دفعه. غير أن هذا الافتراض يتناقض مع التحليل البنيوي الذي يرى أن الوعي ذاته يتشكّل داخل شروط اجتماعية موضوعية. ويشير بورديو إلى أن المدرسة لا تعمل في فراغ، بل تُعيد إنتاج البنى الاجتماعية عبر ما يسميه “العنف الرمزي” (3).
في هذا الإطار، يصبح التعلّم عاجزًا عن أداء وظيفة تحريرية حين يُطلب منه تجاوز الشروط التي تُقيّده. فالحديث عن التسامح داخل مؤسسات تمييزية، أو عن المواطنة داخل نظم إقصائية، يضع التعلّم في موقع التناقض مع الواقع، ويُفقده مصداقيته. وهنا يظهر مأزق التعلّم لا بوصفه فشلًا تربويًا، بل بوصفه نتيجة اختلال في ترتيب المستويات.
2.3 التعلّم والعلاقات الحتمية: مفارقة الوظيفة
تزداد حدود التعلّم وضوحًا عندما يُطلب منه إدارة العلاقات الحتمية، أي العلاقات التي لا تقوم على الاختيار الحر، بل على الانتماء القسري إلى دولة أو فضاء عام أو منظومة قانونية واحدة. فالتعلّم، بطبيعته، يفترض حدًّا أدنى من القبول والاختيار، في حين تقوم العلاقات الحتمية على الإلزام البنيوي.
تُنتج هذه المفارقة وضعًا إشكاليًا: يُطلب من التعلّم أن يُقنع الأفراد بقبول علاقات لا يملكون الانسحاب منها، بدل معالجة شروط فرضها. ويشير هابرماس إلى أن الشرعية لا تُنتج عبر الإقناع الأخلاقي وحده، بل عبر بناء مؤسسات عادلة تسمح بقبول الإكراه بوصفه مشروعًا (4). وعندما يغيب هذا البعد المؤسسي، يصبح التعلّم أداة تبرير لا أداة تنظيم.
2.4 التعلّم وإعادة إنتاج اللامساواة
تكشف دراسات علم الاجتماع التربوي أن التعلّم، في سياقات اللامساواة البنيوية، لا يؤدّي بالضرورة إلى الاندماج، بل قد يُسهم في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. فقد أظهر بورديو وباسرون أن المدرسة تميل إلى تكريس الامتيازات القائمة عبر تحويل رأس المال الثقافي للفئات المهيمنة إلى معيار للنجاح (5).
في المجتمعات المتعددة، تتخذ هذه الظاهرة بعدًا هوياتيًا، حيث تتحوّل المدرسة إلى فضاء يعكس الانقسامات بدل تجاوزها. وعندما يُطلب من التعلّم معالجة هذه الانقسامات دون تغيير البنية التي تنتجها، يتحوّل إلى آلية فرز بدل أن يكون أداة دمج.

2.5 الاغتراب القيمي وفقدان المصداقية التربوية
يؤدّي التناقض بين الخطاب التربوي والواقع البنيوي إلى ما يمكن تسميته الاغتراب القيمي، حيث يفقد المتعلّم ثقته بالقيم التي يُطلب منه تبنّيها لأنها لا تجد ترجمتها في التجربة اليومية. ويشير غيرو إلى أن هذا الاغتراب لا يضعف التعلّم فحسب، بل يقوّض علاقته بالشرعية السياسية (6).
في هذا السياق، لا يفشل التعلّم لأنه خاطئ نظريًا، بل لأنه يُستخدم خارج سياقه الوظيفي. فالتعلّم لا يستطيع تعويض غياب العدالة، ولا ترميم اختلالات السلطة، ولا إنتاج الثقة في مؤسسات لا تعمل بعدالة.

2.6 نقد أخلاقي–سياسي للرهان التربوي:

لا يقتصر نقد الرهان على التعلّم على مستواه الوظيفي، بل يمتد إلى مستواه الأخلاقي–السياسي. إذ إن تحميل الأفراد مسؤولية التكيّف مع علاقات غير عادلة، عبر الدعوة إلى التسامح والصبر والحوار، يُخفي البعد السياسي للصراع ويُفرغه من مضمونه البنيوي. ويشير فرييري إلى أن هذا النمط من التربية يُحوّل الضحية إلى موضوع إصلاح بدل مساءلة البنية التي تنتج الظلم (7).
وعليه، يصبح التعلّم، حين يُفصل عن الإصلاح البنيوي، جزءًا من آلية إدارة الصراع بدل حله، وأداة تهدئة بدل أداة تغيير.

2.7 استخلاصات مرحلية: لماذا نحتاج إلى إطار بديل؟
يقود التحليل السابق إلى جملة من الاستخلاصات الأساسية:

أولًا، التعلّم ضرورة اجتماعية لا غنى عنها، لكنه غير كافٍ لإدارة العلاقات الحتمية.

ثانيًا، فشل التعلّم في المجتمعات المتعددة ليس فشلًا تقنيًا، بل بنيوي.

ثالثًا، تحميل التعلّم وظيفة تأسيس العيش المشترك يؤدي إلى فقدانه المصداقية.

رابعًا، ثمة حاجة إلى إطار تنظيمي سابق يُعيد ترتيب شروط الوجود المشترك قبل تفعيل التعلّم.
تشكل هذه الاستخلاصات نقطة التحوّل المفاهيمية في البحث، إذ تفتح الباب أمام السؤال الذي سيعالجُه الفصل التالي.

بيّن هذا الفصل أن الرهان على التعلّم بوصفه أداة مركزية لإدارة العلاقات الحتمية ينطوي على خطأ إبستمولوجي ومنهجي، لأنه يفترض أن تغيير الوعي قادر على تعويض غياب التنظيم البنيوي. وقد أظهر التحليل أن التعلّم يعمل داخل بنية اجتماعية سابقة عليه، وأن فعاليته مشروطة بعدالة هذه البنية ومشروعيتها.
يمهّد هذا الاستنتاج للانتقال إلى الفصل الثالث، الذي سيُعنى ببناء مفهوم التكاؤُن بوصفه الإطار النظري القادر على تنظيم العلاقات الحتمية، وإعادة تعريف موقع التعلّم داخل هذا التنظيم، لا باعتباره أداة تأسيس، بل ممارسة ترسيخ واستدامة.الفصل الثالث
التكاؤُن بوصفه إطارًا بنيويًا لتنظيم العلاقات الحتمية: التأصيل النظري والمنهجي

تمهيد :

أظهر الفصل الثاني أن الرهان على التعلّم بوصفه أداة مركزية لإدارة العلاقات الحتمية ينطوي على مأزق إبستمولوجي ومنهجي، لأنه يُحمِّل التربية وظيفة تأسيسية لا تملكها، ويتجاهل الطبيعة البنيوية للإكراه الاجتماعي الذي تفرضه الدولة الحديثة. وانطلاقًا من هذا النقد، يصبح من الضروري الانتقال من تفكيك المقاربات القائمة إلى بناء إطار بديل قادر على تنظيم الوجود المشترك قبل تفعيل الأدوات التربوية داخله.
يهدف هذا الفصل إلى تقديم مفهوم التكاؤُن بوصفه هذا الإطار البديل، لا باعتباره شعارًا قيميًا أو مفهومًا توصيفيًا، بل كفئة تحليلية بنيوية تسمح بإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة، والمجتمع، والتعلّم. وينطلق الفصل من فرضية مركزية مفادها أن تنظيم العلاقات الحتمية شرط سابق لأي مشروع تعليمي أو قيمي، وأن التكاؤُن يمثّل الصيغة التي يُصبح فيها الإكراه الاجتماعي مشروعًا وقابلًا للعيش.
3.1 نحو تعريف بنيوي لمفهوم التكاؤُن
لا يُستخدم مفهوم التكاؤُن في هذا البحث بوصفه مرادفًا للتعايش أو الاندماج أو التسامح، بل بوصفه مفهومًا أكثر جذرية يتعلّق بكيفية تشكّل الوجود المشترك نفسه. ويُقصد بالتكاؤُن نمط تشكّل بنيوي للعلاقات الاجتماعية داخل مجتمع متعدّد، تُنظَّم فيه العلاقات الحتمية عبر منظومة قانونية ومؤسسية واقتصادية تُحوّل الإكراه الاجتماعي من عبء صراعي إلى شرط استقرار.
يمتاز هذا التعريف بثلاث خصائص أساسية. أولًا، ينطلق من الاعتراف بأن العيش المشترك ليس خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة اجتماعية. ثانيًا، يركّز على البنية لا على النوايا أو القيم الفردية. ثالثًا، يربط مشروعية الإكراه الاجتماعي بمدى عدالة التنظيم الذي يحتضنه. وبهذا المعنى، يختلف التكاؤُن عن مفاهيم مثل “التسامح” التي تفترض قبولًا ذاتيًا، وعن “الاندماج” الذي يفترض ذوبانًا ثقافيًا، إذ يركّز على تنظيم الضرورة لا على إدارة المشاعر (1).
3.2 الجذور الفلسفية للتكاؤُن: الوجود-مع والفضاء العام
يستند مفهوم التكاؤُن إلى تقليد فلسفي يرى أن الوجود الإنساني هو في جوهره وجود-مع، لا وجودًا فرديًا منعزلًا. فقد بيّنت هانا آرندت أن السياسة لا تنشأ من التشابه، بل من التعدّد المنظَّم داخل فضاء عام يُجبر الأفراد على الظهور معًا رغم اختلافاتهم (2). وهذا الظهور القسري هو ما يمنح السياسة معناها، ويجعل مسألة التنظيم سابقة على مسألة القيم.
في هذا الإطار، لا يُفهم العيش المشترك بوصفه نتيجة توافق أخلاقي، بل بوصفه شرطًا تأسيسيًا للفعل السياسي. فالمشكلة لا تكمن في اختلاف الأفراد، بل في غياب فضاء مشترك قادر على استيعاب هذا الاختلاف دون تحويله إلى صراع وجودي. ويقدّم مفهوم التكاؤُن استجابة فلسفية لهذا المأزق، إذ يُعيد الاعتبار للفضاء العام بوصفه بنية تنظيمية لا مجرد ساحة تواصل.

3.3 التكاؤُن والاعتراف: من المطلب الأخلاقي إلى التنظيم المؤسسي
يُضيف أكسل هونيث بُعدًا حاسمًا إلى فهم التكاؤُن من خلال ربط الصراع الاجتماعي بمسألة الاعتراف. فالصراعات في المجتمعات الحديثة، وفق هونيث، ليست صراعات مصالح فقط، بل صراعات حول المكانة والكرامة والاعتراف المتبادل (3). غير أن الاعتراف، حين يُختزل إلى خطاب أخلاقي، يفقد قدرته على معالجة الصراع البنيوي.
هنا يتقاطع مفهوم الاعتراف مع التكاؤُن، إذ يُعاد تعريف الاعتراف بوصفه ممارسة مؤسسية لا مجرّد موقف أخلاقي. فالقانون العادل، والمؤسسات المحايدة، وتكافؤ الفرص، ليست أدوات إدارية فحسب، بل صيغًا ملموسة للاعتراف. وبهذا المعنى، يصبح التكاؤُن هو الإطار الذي يُحوِّل الاعتراف من مطلب إلى واقع اجتماعي قابل للعيش.

3.4 التكاؤُن في علم الاجتماع السياسي: البنية قبل الفعل
من منظور سوسيولوجي، يتقاطع مفهوم التكاؤُن مع التحليل البنيوي الذي يرى أن السلوك الاجتماعي يتشكّل داخل بنى موضوعية تسبق الفاعلين. فقد أظهر بورديو أن الأفراد يتصرّفون وفق أنساق متجسّدة (habitus) تُنتجها البنى الاجتماعية، لا وفق اختيارات حرّة معزولة (4). وعليه، فإن أي محاولة لتغيير السلوك دون تغيير البنية محكومة بالفشل.
في المجتمعات المتعدّدة، تصبح هذه الفكرة أكثر وضوحًا، إذ لا يمكن مطالبة الأفراد بتجاوز الانقسام الهوياتي داخل مؤسسات تُعيد إنتاجه. ومن هنا، يُفهم التكاؤُن بوصفه إعادة بناء للبنية نفسها، لا محاولة إصلاح للسلوكيات داخل بنية مختلّة.

3.5 التكاؤُن والدولة: من الإكراه إلى المشروعية
تُعدّ الدولة الحديثة الفاعل المركزي في إنتاج التكاؤُن أو تقويضه. فالدولة، كما بيّن فيبر، تحتكر الإكراه المشروع، لكنها تحتاج إلى تحويل هذا الإكراه إلى شرعية كي يكون قابلًا للاستمرار (5). وفي المجتمعات المتعدّدة، تصبح هذه المهمة أكثر تعقيدًا، لأن الدولة لا تُخاطب جماعة متجانسة، بل جماعات ذات تصوّرات متنافسة للشرعية.
يشير هابرماس إلى أن الشرعية الحديثة لا تقوم على القسر، بل على القبول التداولي داخل فضاء عام مفتوح (6). وهنا يكتسب التكاؤُن بعده السياسي، إذ يُمثّل الصيغة التي يُعاد من خلالها تنظيم الإكراه داخل أطر مقبولة، عبر القانون والمؤسسات والتمثيل العادل. وعندما تفشل الدولة في بناء هذا الإطار، تتحوّل العلاقات الحتمية إلى مصدر صراع دائم.

3.6 التكاؤُن مقابل التعلّم: إعادة ترتيب المستويات
يُفضي التحليل السابق إلى قلب المعادلة التقليدية التي ترى في التعلّم مدخلًا لتأسيس العيش المشترك. إذ يتبيّن أن التكاؤُن شرط سابق لفعالية التعلّم، لا نقيضًا له. فالتعلّم لا يعمل في فراغ، بل داخل بنية اجتماعية تمنحه معناه وحدوده.
في ظل تكاؤُن عادل، يصبح التعلّم أداة ترسيخ واستدامة، ويكتسب القيم التي ينقلها مصداقية عملية. أما في غياب هذا الإطار، فيتحوّل التعلّم إلى خطاب أخلاقي معزول أو أداة ضبط رمزي. وبهذا المعنى، لا يُلغى التعلّم في منطق التكاؤُن، بل يُعاد تحديد موقعه الوظيفي الصحيح.
3.7 نحو نموذج تكاؤُني لتنظيم العلاقات الحتمية
انطلاقًا من التحليل الفلسفي والسوسيولوجي السابق، يمكن استخلاص ملامح نموذج تكاؤُني يقوم على أربعة أبعاد مترابطة:
بعد قانوني يضمن المساواة أمام القانون وحماية الحقوق الفردية.
بعد مؤسسي يؤمّن تمثيلًا غير إقصائي واستقلالًا فعليًا للمؤسسات.
بعد اقتصادي–اجتماعي يعالج التفاوتات التي تتحوّل سريعًا إلى صراعات هوياتية.
بعد تربوي يعمل داخل هذا الإطار لترسيخ قيم العيش المشترك لا لتعويض غيابه.
ولا يعمل أي بُعد من هذه الأبعاد بمعزل عن الآخر، بل ضمن تكامل بنيوي يجعل التكاؤُن واقعًا عمليًا لا شعارًا نظريًا.

بيّن هذا الفصل أن التكاؤُن ليس مفهومًا معياريًا إضافيًا يُقترح إلى جانب التعلّم، بل إطارًا بنيويًا يعيد تنظيم الوجود المشترك داخل العلاقات الحتمية. وقد أظهر التحليل أن التكاؤُن يستند إلى جذور فلسفية وسوسيولوجية عميقة، وأنه يمثّل شرطًا سابقًا لفعالية التعلّم لا نقيضًا له.
يمهّد هذا التأصيل النظري للانتقال إلى الفصل الرابع، الذي سيُعنى بتعميق مفهوم التكاؤُن من منظور أنثروبولوجي–مقارن، عبر تتبّع حضوره كأساس للتعلّم في الأديان والمجتمعات، بما يمنح الأطروحة بعدًا تاريخيًا وحضاريًا يتجاوز السياق المعاصر.الفصل الرابع
التكاؤُن أساس التعلّم في الأديان والمجتمعات: مقاربة أنثروبولوجية–مقارنة
تمهيد الفصل
بعد أن عالج الفصل الثالث مفهوم التكاؤُن بوصفه إطارًا بنيويًا لتنظيم العلاقات الحتمية في المجتمعات المتعددة، وبيّن جذوره الفلسفية والسوسيولوجية، يهدف هذا الفصل إلى توسيع أفق التحليل تاريخيًا وأنثروبولوجيًا. فالاعتراض المحتمل على أطروحة البحث قد يتمثّل في اعتبار التكاؤُن استجابة نظرية معاصرة لأزمات الدولة الحديثة، لا أكثر. ومن هنا، يسعى هذا الفصل إلى تفنيد هذا الاعتراض عبر تتبّع حضور التكاؤُن، وإن بصيغ مختلفة، في الأديان الكبرى وفي التشكّلات الاجتماعية السابقة واللاحقة للدولة الحديثة.
ينطلق الفصل من فرضية مفادها أن التعلّم، في التجربة الإنسانية التاريخية، لم يكن يومًا أداة لتأسيس الجماعة، بل ممارسة داخل جماعة قائمة على شكل من أشكال التنظيم المشترك. وبذلك، فإن التكاؤُن لا يُعدّ ابتكارًا مفاهيميًا حديثًا، بل تسمية تحليلية معاصرة لواقع إنساني قديم، سبق التعلّم ونظّمه ومنحه معناه.
4.1 التكاؤُن كشرط أنثروبولوجي للتعلّم
تُظهر الأنثروبولوجيا الاجتماعية أن الإنسان لا يولد كائنًا متعلّمًا قبل أن يكون كائنًا اجتماعيًا. فالتعلّم يفترض لغة، ورموزًا، وسرديات مشتركة، وهذه كلّها لا تنشأ في الفراغ، بل داخل جماعة منظَّمة. ويؤكد برغر ولوكمان أن المعرفة ذاتها بناء اجتماعي مشروط ببنى سابقة للوعي الفردي (1).
في هذا الإطار، لا يمكن فهم التعلّم بوصفه عملية تقنية لنقل المعارف، بل كممارسة اجتماعية تهدف إلى إعادة إنتاج الجماعة. وهذا ما يجعل التكاؤُن شرطًا أنثروبولوجيًا سابقًا للتعلّم، إذ يوفّر:
الاستقرار الزمني،
الثقة المتبادلة،
واستمرارية المعنى.
ومن دون هذه العناصر، يفقد التعلّم وظيفته، ويتحوّل إلى تلقين معزول عن الحياة الاجتماعية.
4.2 الدين بوصفه بنية تكاؤُنية قبل أن يكون منظومة تعليمية
تُجمع دراسات علم اجتماع الدين على أن الدين لا يظهر تاريخيًا بوصفه تجربة فردية خالصة، بل كظاهرة جماعية تُنظّم العلاقة بين الأفراد والمقدّس ضمن إطار اجتماعي محدّد (2). فالطقوس، والنصوص، والمؤسسات الدينية، لا تُمارَس إلا داخل جماعة، ولا تؤدي وظيفتها إلا بوصفها أدوات تنظيم للعيش المشترك.
وفي هذا السياق، لا يكون التعلّم الديني غاية في ذاته، بل وسيلة لضبط الجماعة، ونقل قيمها، وضمان استمراريتها. ويُعدّ هذا المعطى حاسمًا، لأنه يُظهر أن الدين مارس وظيفة تكاؤُنية قبل أن يمارس وظيفة تعليمية، وأن التعلّم الديني كان دومًا مُشتقًا من بنية جماعية قائمة.
4.3 اليهودية: التعلّم داخل جماعة العهد
في اليهودية، يتأسس التعلّم الديني على مفهوم العهد الذي يربط جماعة تاريخية محددة بمنظومة من الشرائع. ولا تُفهم التوراة خارج جماعة إسرائيل، كما لا يُمارَس التعلّم إلا داخل أطر جماعية كالعائلة والمجمع والمدرسة الدينية (3).
يمثّل هذا النموذج مثالًا واضحًا على أسبقية التكاؤُن على التعلّم، إذ:
الجماعة تسبق النص في الممارسة،
والهوية الجماعية تسبق الفهم الفردي،
والتعلّم يهدف إلى حفظ الجماعة لا إلى إنشائها.
وهنا يتجلّى التعلّم بوصفه أداة استدامة للتكاؤُن، لا شرطًا لتكوينه.

4.4 المسيحية: التعلّم داخل الجسد الكنسي
في المسيحية، يتأسس التعلّم على مفهوم الكنيسة بوصفها جسدًا جماعيًا، حيث لا يُفهم الإيمان خارج الشركة (Communio). فالتعليم المسيحي لا يهدف فقط إلى نقل العقيدة، بل إلى إدماج الفرد في جماعة روحية–اجتماعية تتجسّد في الطقوس والممارسة اليومية (4).
ويُظهر هذا النموذج أن التعلّم:
لا يسبق الجماعة،
ولا يُنتجها،
بل يعمل داخلها بوصفه مسار اندماج.
وبذلك، فإن الكنيسة تمارس وظيفة تكاؤُنية قبل أن تكون مؤسسة تعليمية، ويأتي التعلّم خادمًا لهذا التنظيم.

4.5 الإسلام: الأمة شرط العلم والعمل
يشكّل مفهوم الأمّة في الإسلام الإطار الجامع للتعلّم الديني. فالعلم في الإسلام ليس قيمة فردية معزولة، بل فريضة ذات بعد اجتماعي، تهدف إلى تنظيم العبادات والمعاملات والعلاقات بين الناس. وقد شدّد الفقه الإسلامي على أن العلم المنفصل عن الجماعة يؤدّي إلى الفتنة والانقسام (5).
ويُظهر تحليل ابن خلدون أن العلم لا يزدهر إلا في ظل عمرانل مستقر وتكاؤُن اجتماعي قوي (6). فحيث ينهار الاجتماع، يضمحل العلم، مهما توفّرت النصوص. وهذا يؤكد بوضوح أسبقية التكاؤُن على التعلّم في التجربة الإسلامية.

4.6 المجتمع الحديث: المدرسة كمؤسسة تكاؤُنية
حتى في النموذج العلماني الحديث، لم تظهر المدرسة بوصفها مؤسسة مستقلة عن المجتمع، بل كأداة لإعادة إنتاجه. فقد بيّن دوركهايم أن التربية ليست سوى المجتمع وهو يعيد تشكيل نفسه في الأفراد (7). وعليه، فإن المدرسة تفترض:
دولة مستقرة،
ومجالًا عامًا مشتركًا،
وحدًّا أدنى من الإجماع القيمي.

وعندما ينهار هذا الإطار، تفشل المدرسة في أداء وظيفتها، مهما بلغت جودة مناهجها. وهذا ما يفسّر عجز التعليم في المجتمعات المنقسمة عن بناء الاندماج دون إصلاح بنيوي سابق.

4.7 المقارنة العامة: ما الذي تكشفه الأديان والمجتمعات؟
تُظهر المقارنة بين الأديان والمجتمعات أن:
التعلّم لم يكن تاريخيًا أداة لتأسيس الجماعة.
التكاؤُن كان دائمًا شرطًا سابقًا للتعلّم.
التعلّم يهدف إلى حفظ التكاؤُن وتنظيمه واستدامته.
فصل التعلّم عن البنية يُفقده المعنى والفعالية.
وبذلك، لا تمثّل أطروحة البحث قطيعة مع التراث الديني أو الاجتماعي، بل إعادة صياغة تحليلية لقاعدة إنسانية مشتركة.


بيّن هذا الفصل أن التكاؤُن يشكّل الأساس العميق لكل أشكال التعلّم في الأديان والمجتمعات، وأن التعلّم لم يكن يومًا سابقًا على الجماعة، بل ممارسة داخلها. وقد منح هذا التحليل الأطروحة المركزية للبحث بعدًا تاريخيًا وأنثروبولوجيًا، يُخرجها من السياق الظرفي للدولة الحديثة إلى أفق إنساني عام.
يمهّد هذا الاستنتاج للانتقال إلى الفصل الخامس، الذي سيختبر مفهوم التكاؤُن تطبيقيًا من خلال دراسة مقارنة بين نماذج مجتمعية مختلفة، بهدف تقييم قدرته التفسيرية والعملية في إدارة العلاقات الحتمية في الواقع المعاصر.الفصل الخامس
التكاؤُن في الممارسة: دراسة تطبيقية مقارنة في إدارة العلاقات الحتمية في المجتمعات المتعددة
تمهيد الفصل
بعد أن عالجت الفصول السابقة مفهوم التكاؤُن تأصيلاً فلسفيًا وسوسيولوجيًا وأنثروبولوجيًا، وبيّنت أسبقيته البنيوية على التعلّم، ينتقل هذا الفصل إلى اختبار الأطروحة في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالهدف هنا ليس عرض حالات وصفية، بل تحليل كيفية اشتغال العلاقات الحتمية داخل بنى مختلفة، ومدى تأثير وجود أو غياب تكاؤُن مؤسسي على فعالية التعلّم والاندماج الاجتماعي.
ينطلق الفصل من فرضية تطبيقية مركزية مفادها أن نجاح أو فشل التعلّم في المجتمعات المتعددة لا يرتبط بجودته التقنية أو خطابه القيمي، بل بمدى اندراجه داخل إطار تكاؤُني عادل ومستقر. ولاختبار هذه الفرضية، يعتمد الفصل مقاربة مقارنة بين نموذجين متعدّدين يختلفان جذريًا في تنظيم العلاقات الحتمية: نموذج يعاني من غياب التكاؤُن البنيوي، ونموذج نجح نسبيًا في بنائه.

5.1 المنهجية المقارنة وإطار التحليل
تعتمد هذه الدراسة منهج المقارنة التحليلية (Comparative Analytical Method)، وليس المقارنة الوصفية البسيطة. ويقوم هذا المنهج على مبدأ “التباين الأقصى” (Most Different Systems Design)، حيث تُختار حالتان متشابهتان في خاصية أساسية (التعدّد)، ومختلفتان في طريقة إدارة هذه الخاصية (1).
وقد جرى اختيار لبنان بوصفه نموذجًا لمجتمع متعدّد تُدار فيه العلاقات الحتمية دون تكاؤُن بنيوي مستقر، وسويسرا بوصفها نموذجًا لمجتمع متعدّد أُدرج فيه التنوّع ضمن إطار تكاؤُني مؤسسي. ويُحلَّل كل نموذج عبر أربعة أبعاد:
الإطار الدستوري–السياسي
تنظيم العلاقات الحتمية
موقع التعلّم داخل البنية
أثر ذلك على الاندماج والاستقرار
5.2 الحالة الأولى: لبنان – التعدّد دون تكاؤُن
5.2.1 التعدّد بوصفه بنية سياسية لا معطًى اجتماعيًا
يتّسم المجتمع اللبناني بتعدّد ديني–طائفي عميق، غير أن هذا التعدّد لم يُدرج داخل إطار مدني جامع، بل جرى تسييسه وتحويله إلى بنية حكم. فمنذ نشوء الدولة، ارتبطت الحقوق والتمثيل السياسي بالانتماء الطائفي، لا بالمواطنة المتساوية، ما جعل التعدّد جزءًا من آلية السلطة نفسها (2).
في هذا السياق، لا تُدار العلاقات الحتمية عبر القانون العام، بل عبر توازنات طائفية هشّة، تُحوّل العيش المشترك من ضرورة مدنية إلى مساومة دائمة بين جماعات متنافسة.
5.2.2 غياب التكاؤُن البنيوي
يفتقر لبنان إلى العناصر الأساسية للتكاؤُن، وعلى رأسها:
حياد الدولة تجاه الانتماءات،
استقلال فعلي للمؤسسات،
مساواة قانونية قابلة للتطبيق.
وبذلك، تتحوّل العلاقات الحتمية (العيش في دولة واحدة، اقتصاد واحد، قانون واحد نظريًا) إلى علاقات خوف متبادل، لأن الإكراه الاجتماعي غير مُنظَّم بعدالة. ويؤدي هذا الغياب إلى هشاشة دائمة، تجعل أي أزمة اقتصادية أو سياسية قابلة للتحوّل إلى صراع هوياتي.

5.2.3 التعلّم في السياق اللبناني: خطاب بلا بنية
رغم الاستثمار الكبير في:
التربية على المواطنة،
الحوار بين الأديان،
المناهج التعددية،
يفشل التعلّم في أداء دور اندماجي فعلي، لأن:
المدرسة منقسمة طائفيًا،
الواقع السياسي يناقض القيم المُعلَّمة،
المتعلّم يعيش تناقضًا بنيويًا دائمًا.
وهنا يظهر بوضوح أن غياب التكاؤُن يُفرغ التعلّم من فعاليته، ويحوّله إلى خطاب تعويضي يفتقر إلى المصداقية (3).


5.3 الحالة الثانية: سويسرا – التعدّد داخل تكاؤُن مؤسسي


5.3.1 التعدّد اللغوي والديني ضمن إطار مدني
يتّسم المجتمع السويسري بتعدّد لغوي وديني وثقافي، غير أن هذا التعدّد لم يتحوّل إلى انقسام سياسي صراعي، لأن الدولة لم تُدرج الهويات في صلب السلطة، بل حافظت على حياد مدني صارم.
ويُعدّ هذا الحياد عنصرًا مركزيًا في بناء التكاؤُن، إذ يُحوّل الانتماءات إلى مسألة خاصة أو ثقافية، لا إلى موارد سياسية.

5.3.2 بناء التكاؤُن السويسري
قامت الدولة السويسرية على:
فيدرالية واسعة الصلاحيات،
ديمقراطية مباشرة،
توزيع عادل للسلطة والموارد.
وقد أتاح هذا الإطار:
قبول الإكراه الاجتماعي بوصفه مشروعًا،
شعورًا بالأمان الجماعي،
ثقة بالمؤسسات.
وبذلك، أصبحت العلاقات الحتمية علاقات مُنظَّمة لا صراعية (4).

5.3.3 التعلّم داخل بنية تكاؤُنية
يعمل النظام التعليمي السويسري داخل:
دولة مستقرة،
مؤسسات موثوقة،
فضاء عام جامع.
وبذلك، يصبح التعلّم:
انعكاسًا لتجربة معاشة،
ومكمّلًا للتكاؤُن،
لا بديلًا عنه.
وهنا تكتسب القيم التي ينقلها التعليم مصداقية عملية، لأنها تُمارَس يوميًا في الواقع المؤسسي.

5.4 المقارنة التحليلية بين النموذجين:

تُظهر المقارنة أن الفارق الحاسم لا يكمن في درجة التنوّع، بل في طريقة تنظيمه:
في لبنان، يُدار التعدّد عبر محاصصة تُقوّض التكاؤُن، فيفشل التعلّم.
في سويسرا، يُدار التعدّد عبر إطار مدني تكاؤُني، فينجح التعلّم.
وبذلك، تؤكّد المقارنة الفرضية التطبيقية للبحث.
5.5 استخلاصات تطبيقية: ما الذي ينجح وما الذي يفشل؟
تقود الدراسة إلى استخلاصات مركزية:
التعلّم لا يعوّض غياب التنظيم البنيوي.
التكاؤُن شرط سابق لفعالية التعليم.
إدارة التعدّد تتطلّب حياد الدولة لا تسييس الهوية.
العدالة المؤسسية تحوّل الإكراه الاجتماعي إلى شرط استقرار.
5.6 نحو نموذج تطبيقي مستخلص للتكاؤُن
انطلاقًا من المقارنة، يمكن استخلاص نموذج تطبيقي للتكاؤُن يقوم على:
دولة محايدة تجاه الهويات،
مؤسسات عادلة ومستقلة،
توزيع متوازن للسلطة والموارد،
تعليم يعمل داخل هذا الإطار لا بدلًا عنه.

بيّن هذا الفصل أن مفهوم التكاؤُن لا يمتلك فقط قيمة تفسيرية، بل قدرة تطبيقية عالية في فهم نجاح أو فشل إدارة العلاقات الحتمية في المجتمعات المتعددة. وأظهرت الدراسة المقارنة أن التعلّم يفشل حين يُستخدم كبديل عن التنظيم البنيوي، وينجح حين يُدرج داخل إطار تكاؤُني عادل ومستقر.
يمهّد هذا الاستنتاج للانتقال إلى الخاتمة العامة، التي ستعمل على تلخيص الإسهام العلمي للبحث، وإبراز إضافته النظرية، وفتح آفاق بحثية مستقبلية.

الخاتمة:

سعت هذه الرسالة إلى إعادة التفكير في مسألة العيش المشترك داخل المجتمعات المتعدّدة انطلاقًا من زاوية بنيوية تتجاوز المقاربات الأخلاقية والتربوية السائدة، والتي غالبًا ما تُحمِّل التعلّم وظيفة تأسيسية في إدارة الاختلاف والصراع. وقد انطلقت الدراسة من فرضية نقدية مفادها أن هذا الرهان، رغم وجاهته المعيارية، يعجز عن معالجة جوهر الإشكالية، لأنه يتعامل مع التعدّد بوصفه مشكلة وعي أو قيم، لا بوصفه واقعًا اجتماعيًا يُدار داخل علاقات حتمية لا يمكن الانسحاب منها.
وقد بيّنت الفصول المتتابعة أن التعدّد لا يشكّل في ذاته مصدر أزمة، بل يتحوّل إلى إشكالية سياسية واجتماعية عندما يُدرج داخل بنى تُجبر المختلفين على العيش المشترك دون توفير شروط عدالة ومشروعية لهذا الإكراه. وفي هذا السياق، أظهرت الدراسة أن كثيرًا من النزاعات التي تُقدَّم على أنها دينية أو ثقافية أو هوياتية، هي في حقيقتها تعبيرات عن اختلالات بنيوية في تنظيم العلاقات الحتمية، وعن فشل الدولة والمؤسسات في تحويل الضرورة الاجتماعية إلى إطار مقبول ومستقر.
وانطلاقًا من هذا التشخيص، مارست الرسالة نقدًا إبستمولوجيًا للرهان على التعلّم بوصفه أداة مركزية لإدارة هذه العلاقات. وقد أظهر التحليل أن التعلّم، بوصفه ممارسة اجتماعية وتربوية، لا يعمل في فراغ، بل يفترض بنية اجتماعية وسياسية سابقة عليه، وأن فعاليته مشروطة بعدالة هذه البنية ومشروعيتها. وعليه، فإن تحميل التعلّم وظيفة تأسيس العيش المشترك يؤدي إلى مأزق مزدوج: فمن جهة يُفرَّغ التعلّم من قدرته الفعلية ويُحوَّل إلى خطاب تعويضي، ومن جهة أخرى يُخفى الطابع البنيوي للصراع ويُختزل في مشكلة قيم أو وعي.
في مواجهة هذا المأزق،

 قدّمت الرسالة مفهوم التكاؤُن بوصفه الإطار النظري المركزي القادر على إعادة تنظيم النقاش. 
وقد جرى تأصيل هذا المفهوم فلسفيًا من خلال أطروحات الوجود-مع والفضاء العام والاعتراف، وسوسيولوجيًا عبر تحليل البنى والمؤسسات والإكراه الاجتماعي، وأنثروبولوجيًا من خلال تتبّع العلاقة بين الجماعة والتعلّم في الأديان والمجتمعات. وأثبت هذا التأصيل أن التكاؤُن لا يمثّل مفهومًا معياريًا إضافيًا، ولا حلًا تقنيًا جزئيًا، بل إطارًا بنيويًا يُنظّم الوجود المشترك ويحوّل الإكراه الاجتماعي من عبء صراعي إلى شرط استقرار.
وقد أظهرت الدراسة الأنثروبولوجية–المقارنة أن التعلّم لم يكن تاريخيًا أداة لتأسيس الجماعة، سواء في الأديان أو في المجتمعات، بل ممارسة داخل جماعة قائمة على شكل من أشكال التنظيم المشترك. فالدين، في تجاربه الكبرى، مارس وظيفة تكاؤُنية قبل أن يمارس وظيفة تعليمية، والمدرسة الحديثة لم تظهر إلا بعد تشكّل الدولة والمجال العام. ويؤكّد هذا المعطى أن أسبقية التكاؤُن على التعلّم ليست خصوصية سياق معاصر، بل قاعدة إنسانية عامة.
كما بيّنت الدراسة التطبيقية المقارنة أن مفهوم التكاؤُن يمتلك قدرة تفسيرية وتطبيقية عالية في فهم نجاح أو فشل إدارة التعدّد في الواقع المعاصر. فقد أظهرت المقارنة بين نموذج يفتقر إلى تكاؤُن مؤسسي مستقر ونموذج نجح نسبيًا في بنائه، أن التعلّم يفشل حين يُستخدم كبديل عن التنظيم البنيوي، وينجح حين يُدرج داخل إطار تكاؤُني عادل ومحايد. وبذلك، أثبتت الدراسة أن الفارق الحاسم لا يكمن في درجة التنوّع، ولا في كثافة الخطاب التربوي، بل في طريقة تنظيم العلاقات الحتمية.

وعليه، 
تخلص هذه الرسالة إلى نتيجة مركزية مفادها أن التكاؤُن شرط سابق لفعالية التعلّم، لا نقيضًا له ولا بديلًا عنه. فالتعلّم لا يصنع العيش المشترك، بل العيش المشترك المنظَّم هو ما يمنح التعلّم معناه الاجتماعي والسياسي. ومن هنا، فإن أي مشروع تربوي أو قيمي يسعى إلى إدارة التعدّد دون معالجة شروط التنظيم البنيوي، يظل مشروعًا ناقصًا، بل قد يتحوّل، من حيث لا يقصد، إلى أداة لإدارة الأزمة بدل حلّها.

الإضافة العلمية للبحث:

تتمثّل الإضافة العلمية الأساسية لهذه الرسالة في ثلاثة مستويات مترابطة.

أولًا، قدّمت مفهوم التكاؤُن بوصفه أداة تحليلية عابرة للتخصصات، تسمح بفهم العلاقة بين التعدّد، والعلاقات الحتمية، والتعلّم خارج الأطر الاختزالية السائدة.

ثانيًا، أسهمت في نقد الرهان التربوي الأحادي من منظور بنيوي–فلسفي، دون الوقوع في رفض معياري للتربية أو إنكار دورها.

ثالثًا، أعادت وصل النقاش المعاصر حول العيش المشترك بجذوره الأنثروبولوجية والدينية والتاريخية، بما يمنحه عمقًا نظريًا وشرعية حضارية.


تفتح هذه الرسالة عددًا من الآفاق البحثية المستقبلية، من بينها: تعميق الدراسة التطبيقية لمفهوم التكاؤُن في مجتمعات خارجة من نزاعات أهلية؛ تحليل علاقة التكاؤُن بالتحوّلات الرقمية المعاصرة التي تعيد تشكيل الفضاء العام وأنماط التعلّم؛ ودراسة إمكانات إدماج مفهوم التكاؤُن في سياسات التعليم والمواطنة دون تحويله إلى شعار معياري فارغ. كما يمكن توسيع الإطار النظري للبحث عبر ربط التكاؤُن بنقاشات المواطنة العابرة للحدود، والهجرة، وإدارة التنوّع في المجتمعات الكونية.
وفي الختام، تأمل هذه الرسالة أن تكون قد أسهمت في نقل النقاش حول العيش المشترك من مستوى الخطاب الأخلاقي إلى مستوى التنظيم البنيوي، ومن تحميل التعلّم ما لا يحتمل إلى تمكينه داخل إطار تكاؤُني عادل ومستقر، بما يسمح بإعادة التفكير في شروط الاستقرار والعدالة في المجتمعات المتعدّدة.

 المراجع :

المراجع النظرية الأساسية (فلسفة – اجتماع – سياسة)
[1] Arendt, Hannah. The Human Condition. University of Chicago Press, 1958.
[2] Arendt, Hannah. Between Past and Future. Penguin Books, 1968.
[3] Bhaskar, Roy. The Possibility of Naturalism. Routledge, 1998.
[4] Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice. Cambridge University Press, 1977.
[5] Bourdieu, Pierre. The Logic of Practice. Stanford University Press, 1990.
[6] Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. Reproduction in Education, Society and Culture. Sage, 1977.
[7] Dahrendorf, Ralf. Class and Class Conflict in Industrial Society. Stanford University Press, 1959.
[8] Durkheim, Émile. The Elementary Forms of Religious Life. Free Press, 1995.
[9] Durkheim, Émile. Education and Sociology. Free Press, 1956.
[10] Durkheim, Émile. Moral Education. Free Press, 1961.
[11] Foucault, Michel. Discipline and Punish. Vintage Books, 1977.
[12] Foucault, Michel. Power/Knowledge. Pantheon Books, 1980.
[13] Giddens, Anthony. The Constitution of Society. Polity Press, 1984.
[14] Habermas, Jürgen. The Inclusion of the Other. MIT Press, 1998.
[15] Habermas, Jürgen. Between Facts and Norms. MIT Press, 1996.
[16] Honneth, Axel. The Struggle for Recognition. MIT Press, 1995.
[17] Parsons, Talcott. The Social System. Free Press, 1951.
[18] Weber, Max. Economy and Society. University of California Press, 1978.
[19] Weber, Max. Politics as a Vocation. Fortress Press, 1965.
التعدّد، الصراع، الدولة، والديمقراطية التوافقية
[20] Horowitz, Donald. Ethnic Groups in Conflict. University of California Press, 1985.
[21] Lijphart, Arend. Patterns of Democracy. Yale University Press, 1999.
[22] Lijphart, Arend. Democracy in Plural Societies. Yale University Press, 1977.
[23] Kriesi, Hanspeter. Swiss Democracy. Palgrave Macmillan, 2005.
[24] Salamey, Imad. The Government and Politics of Lebanon. Routledge, 2013.
التربية، التعلّم، والنقد التربوي
[25] Freire, Paulo. Pedagogy of the Oppressed. Continuum, 1970.
[26] Giroux, Henry. Theory and Resistance in Education. Bergin & Garvey, 1983.
[27] Illich, Ivan. Deschooling Society. Harper & Row, 1971.
[28] Sen, Amartya. Inequality Reexamined. Oxford University Press, 1992.
[29] Vygotsky, Lev. Mind in Society. Harvard University Press, 1978.
[30] UNESCO. Education for Peace and Global Citizenship. UNESCO Publishing, 2022.
الأنثروبولوجيا والدين والمجتمع
[31] Berger, Peter & Luckmann, Thomas. The Social Construction of Reality. Anchor Books, 1966.
[32] Eliade, Mircea. The Sacred and the Profane. Harcourt, 1959.
[33] Lévi-Strauss, Claude. Structural Anthropology. Basic Books, 1963.
[34] Neusner, Jacob. The Way of Torah. Wadsworth, 2004.
[35] Ratzinger, Joseph. Introduction to Christianity. Ignatius Press, 2004.
المراجع العربية والإسلامية
[36] ابن خلدون. المقدمة. دار الفكر.
[37] الشاطبي. الموافقات في أصول الشريعة. دار المعرفة.
[38] بشارة، عزمي. في المسألة الطائفية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.

 

 المراجع :

المراجع النظرية الأساسية (فلسفة – اجتماع – سياسة)
[1] Arendt, Hannah. The Human Condition. University of Chicago Press, 1958.
[2] Arendt, Hannah. Between Past and Future. Penguin Books, 1968.
[3] Bhaskar, Roy. The Possibility of Naturalism. Routledge, 1998.
[4] Bourdieu, Pierre. Outline of a Theory of Practice. Cambridge University Press, 1977.
[5] Bourdieu, Pierre. The Logic of Practice. Stanford University Press, 1990.
[6] Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. Reproduction in Education, Society and Culture. Sage, 1977.
[7] Dahrendorf, Ralf. Class and Class Conflict in Industrial Society. Stanford University Press, 1959.
[8] Durkheim, Émile. The Elementary Forms of Religious Life. Free Press, 1995.
[9] Durkheim, Émile. Education and Sociology. Free Press, 1956.
[10] Durkheim, Émile. Moral Education. Free Press, 1961.
[11] Foucault, Michel. Discipline and Punish. Vintage Books, 1977.
[12] Foucault, Michel. Power/Knowledge. Pantheon Books, 1980.
[13] Giddens, Anthony. The Constitution of Society. Polity Press, 1984.
[14] Habermas, Jürgen. The Inclusion of the Other. MIT Press, 1998.
[15] Habermas, Jürgen. Between Facts and Norms. MIT Press, 1996.
[16] Honneth, Axel. The Struggle for Recognition. MIT Press, 1995.
[17] Parsons, Talcott. The Social System. Free Press, 1951.
[18] Weber, Max. Economy and Society. University of California Press, 1978.
[19] Weber, Max. Politics as a Vocation. Fortress Press, 1965.
التعدّد، الصراع، الدولة، والديمقراطية التوافقية
[20] Horowitz, Donald. Ethnic Groups in Conflict. University of California Press, 1985.
[21] Lijphart, Arend. Patterns of Democracy. Yale University Press, 1999.
[22] Lijphart, Arend. Democracy in Plural Societies. Yale University Press, 1977.
[23] Kriesi, Hanspeter. Swiss Democracy. Palgrave Macmillan, 2005.
[24] Salamey, Imad. The Government and Politics of Lebanon. Routledge, 2013.
التربية، التعلّم، والنقد التربوي
[25] Freire, Paulo. Pedagogy of the Oppressed. Continuum, 1970.
[26] Giroux, Henry. Theory and Resistance in Education. Bergin & Garvey, 1983.
[27] Illich, Ivan. Deschooling Society. Harper & Row, 1971.
[28] Sen, Amartya. Inequality Reexamined. Oxford University Press, 1992.
[29] Vygotsky, Lev. Mind in Society. Harvard University Press, 1978.
[30] UNESCO. Education for Peace and Global Citizenship. UNESCO Publishing, 2022.
الأنثروبولوجيا والدين والمجتمع
[31] Berger, Peter & Luckmann, Thomas. The Social Construction of Reality. Anchor Books, 1966.
[32] Eliade, Mircea. The Sacred and the Profane. Harcourt, 1959.
[33] Lévi-Strauss, Claude. Structural Anthropology. Basic Books, 1963.
[34] Neusner, Jacob. The Way of Torah. Wadsworth, 2004.
[35] Ratzinger, Joseph. Introduction to Christianity. Ignatius Press, 2004.
المراجع العربية والإسلامية
[36] ابن خلدون. المقدمة. دار الفكر.
[37] الشاطبي. الموافقات في أصول الشريعة. دار المعرفة.
[38] بشارة، عزمي. في المسألة الطائفية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016
.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM