الأدب بين المبنى والمعنى!
عسى ان يعود لبنان منجب العباقرة الملهمين، والشرفاء العقلاء على العموم؟؟
2026-01-30
البروفسور جهاد نعمان
الأدب بين المبنى والمعنى!
لا يصعب قطع المسافات اليوم، بعد ان أسرجت العقول الرياح، وراحت أحصنة المحركات تصهل في طبقات الفضاء، وتنقلنا قواها في سرعة البرق من قارة إلى قارة، وكأننا على جناحي نعامة.
الأدب كما قرأته حتى في مكتبات بلاد العم سام، قيمته بنوعه لا بكمه، فكم من أديب خلف عشرات المؤلفات، فكانت أكفانا لذكره، وغيره ترك اثرا واحداً، فكان سببا لخلود اسمه. وقد يحيا الشاعر في قصيدة يصوغها، والكاتب في مقال ينسجه، ويموت غيرهما في دواوين وافرة ومجلدات كثيرة!
ان بيتا من الشعر ينبض فيه عرق الحياة لافضل من ألف بيت، شأنها شأن كومة من الحطب. ولو عرضنا كل ما قيل منذ الإنسان الأول، لما ظفر منه بالبقاء سوى اليسير الذي توارثته الاجيال حتى الساعة. اما الكثير فهو السخيف المهمل الذي يشبه الموميا اليابسة.
مني الأدب العربي بعد سقوط بغداد وانهيار دولة بني الأحمر في غرناطه بوهن لزمه حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد قيض لوطن الارز ان يكون مبعث النهضة الأدبية والعلمية في الشرق العربي، ورائد الشعر المتحرر من الأغراض القديمة. وما اطل القرن العشرون، حتى ظهر فيه سرب من الشعراء خرج على النظم التقليدي، فجمع بين الفن اللفظي والصور العاطفية. وكان في طليعة هذا السرب، بشاره عبدالله الخوري الملقب بالأخطل الصغير. ولسنا نغلو إذا دعونا النصف الأول من ذلك القرن بعصر الاخطل الصغير!…
لم يكن شعراؤنا مجددين بغمغمات لا تفهم ورمزية لا تدرك، وما أعوزتهم التشابيه، كما لم يلجأوا إلى تشابيه قد تكون جميلة ايام قيلت ولكنها سخيفة مبتذلة في عصرهم. وسخافتها ليست في معناها بالضرورة وإنما في ترديدها.
نحن لا نطالب الشاعر بابتكار موهوم، فالأفكار شبه مشتركة ويظن الكثيرون انهم ابتدعوها فيما سبقهم اليها كثر ممن كتبوا وأجادوا وتبحروا! والشعراء الأصيلون والمجددون معا يتباينون بتباين الصور، ولا نقول لاحدهم انه فتق معاني ما خطرت في مخيلة بشري، لأننا نعلم ان المعاني تقريبا كالالفاظ يستعملها الناس سواء، وإنما يختلفون إخراجا وذوقا.
هذه ألفاظ اللغة مشاع لكل طالب عبر المعاجم والتكنولوجيا الحديثة، فعلام نرى هذا الكاتب يختار حسانها ويؤلف منها كلاما سائغا، ونرى غيره مهما اجتهد لا يحسن وصف جملة فصيحة، فالفرق إذا في حسن التأليف والحذق في الاختيار. والمعاني والصور قد تراود خواطر الكثيرين من الشعراء، ولكن، ليس في طاقة كل شاعر ان يبرزها في شكل رائع. وفي هذا سر التباين والتفاضل بين شاعر وآخر، في هذا سر تفرد الشاعر الملهم.
نقع على بيت من الشعر فكرته بديعة، ولكن صورته هزيلة، فلا يعلق بذهننا ولا يهز مشاعرنا، ثم نقع على الفكرة عينها، وإنما في صورة فتانة ابتدعتها مخيلة تعرف كيف تولد فتسحرنا، حتى نحسبها طريفة لا عهد لنا بها.
الام تعبث الفوضى بمعظم شعر اليوم؟ إلام يرهقه الابتذال؟. إلام نقع على حطام مبعثر، وعلى أناس مفتونين وحدهم بأشعارهم ؟ إلام يركن بعضهم إلى المديح حول الموائد يحدوهم التملق والتصنع، فيجيء نسيجه واهي الخيوط، ناصل الألوان، مفكك الأوصال، حظه من الحياة دقائق معدودة ثم يطوى؟ اين "المسؤولون" عن عقولنا يرعون كبار الأدباء، عسى ان يعود لبنان منجب العباقرة الملهمين، والشرفاء العقلاء على العموم؟؟!
د.جهاد نعمان، جبيل
استاذ في المعهد العالي للدكتوراه
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
بحث في أنطولوجيا العلاقة، والدين، وإنسانية الإنسان
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
في العلاقة بين الأخلاق والمعارف المستجدّة
البروفسور جهاد نعمان
ماهية الحرية
البروفسور جهاد نعمان
لن توأد لغتنا وأدبنا الحيّ
البروفسور جهاد نعمان
ابحث عن الحكمة
البروفسور جهاد نعمان
بين الارض والسماء(٢)
البروفسور جهاد نعمان
بين الارض والسماء (١)
البروفسور جهاد نعمان
لماذا الثقافة الاميركية؟
البروفسور جهاد نعمان
الأدب بين المبنى والمعنى!
البروفسور جهاد نعمان
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM