tiktok
Logo

لن توأد لغتنا وأدبنا الحيّ

ني على ثقة تامة، ان للغة الضاد ربّا يباركها ويرعاها، وأنها ستبقى صلة وثيقة، ولو مترجمة، وجسرا قائما بين مغتربينا العرب، ووطنهم الأول.

2026-01-31

البروفسور جهاد نعمان

لن توأد لغتنا وأدبنا الحيّ

في مطلع كل يوم، يأتيني أحد الأصدقاء، وعلى وجهه كآبة اقرأ سطورها قبل أن يعلنها هو، فقد اعتدت أن افاجأ يوميا بنبأ غير سار «بفضل» رجال ليسوا فعلا كالرجال. وأقابل تلك المفاجآت غير المستحبة بهدوء المؤمن بصعوبة حمل الرسالة الأدبية على الخصوص، والعارف بما يتعرّض له صاحبها من نكسات تطيح به إذا هو لم يثبت أمامها ويذللها بإيمانه الوطيد بالله، وبثقته القوية بان العاملين المخلصين في ميدان الواجب، لا يخذلون، بل يظلون كأشجار السنديان، تمرّ بها العواصف الهوج فتهزّها في عنف، ولكنها لا تستطيع اقتلاعها من جذورها.

قلت لوحيدي منذ أيام: أنت يا ولدي ابني الأوحد، واللغة الأم أختك البكر الوحيدة، عرفتها قبل أن أعرف أمك، وتعهدتها بالمحبة والرعاية الأبوية قبل أن أتعهدك وأرعاك، وبذلت من أجلها ذوب الفؤاد، وعصير الدماغ، وضياء المقلتين، ومعظم ما كنت أجنيه من كدّ اليمين، وعرق الجبين. فعلت كل هذا وأنت في ضمير الغيب. وعندما أطللت علينا، كنت أستاذاً انتقل من جامعة إلى جامعة، سعيا وراء ما يقوم بأود الأدب وأودك. وكنت أحيانا أحرمك الطيبات، لأرضي نهم المطابع، ولأنهض بواجباتي الإعلامية المتنقلة هي أيضا، على الوجه الذي يرضي لله والعروبة الحضارية وهذا التراب اللبناني الغالي.

انني أعلم يا بني، ان عمر الإنسان إلى زوال، كثرت أعوامه أو قصرت. أما ما يقدّمه إلى أمته من خير، فهو باقٍ، وبه يقاس مقامه بين مواكب الأحياء، وفي سجلات التاريخ. وإنني أوكد لك ولقرّائي الأحباء، ان قلمي بقي منذ عام ١٩٦٨، عفيفا نظيفا لم ينحرف إلى الباطل، ولم يمالئ غنيا لغناه، ولا شعوبيا لجرّ مغنم، ولم يماشِ تلك الطغمة المتنكرة لتراثنا وأصالتنا وللساننا العربي المبين...

لن أخنق الكلمات وأنا حيّ يرزق، ولن اضن عليها بآخر قرش أملكه.

إني على ثقة تامة، ان للغة الضاد ربّا يباركها ويرعاها، وأنها ستبقى صلة وثيقة، ولو مترجمة، وجسرا قائما بين مغتربينا العرب، ووطنهم الأول.

وصيتي الوحيدة، يا وحيدي، أن تحرص أنت ووردتيك الفواحتين الواعدتين، على وديعتي الأدبية والفكرية التي تعادل عندي خزانة ملك، وأن تخلصوا لها كما أخلصت للّه ولأمتي وللوطن العربي الكبير.

د. جهاد نعمان، جبيل

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM