في العلاقة بين الأخلاق والمعارف المستجدّة
لاتقدم في المعارف البشرية بلا تقدم في الأخلاق الأدبية.
2026-01-31
في العلاقة بين الأخلاق والمعارف المستجدّة
المحاضر الدكتور جهاد نعمان
لاتقدم في المعارف البشرية بلا تقدم في الأخلاق الأدبية.
عصر تطوّر موصول هو عصرنا السائر شطرَ تقدم المعارف والتكنولوجيا. على ان الرقي البشري رقيّان، رقي مادي، وهو تكمل المحسوسات، ورقي أخلاقي، وهو الرقي البشري الحقيقي. وهذان الرقيان مستندان الى طبيعة الانسان المركب من المادة والروح. الا ان بينهما تفاوتًا لا مندوحة من وجوده، لكون النفس اشرف الجسد على نقيض ما يقول نيتشه. لذا، مهما علا التقدم المادي وسما، فهو ادنى من ان يرقي الى درجة التقدم الاول والأهم في حياة الإنسان، لأن التقدم الأمثل هو التقدم البشري، اي تكمل البشرية، من حيث هي بشرية، وبصفتها البشرية، وبأعمالها البشرية. وهذا لا يغرُب عن ذي نهية.
في معزل عن ترقي الماديات، يتوق البشر الى ترقيات اعلى وأشرف، هي له منزلة العلة للمعلول. ذلك ان الترقي المادي انما مصدره التقدم العقلي، حتى انه كما قدِر الإنسان ان يرقي في مادياته، بالإختراعات الباهرة، والاكتشافات الخطيرة، لو لم يتوصل الى ترقية معارفه المنتجة هذه العجائب والغرائب، التي لم تَدُر في خَلد اسلافنا، وهي عائدة بالفائدة الكبرى علينا وعلى اخلافنا. ففوق هذا الرقي المادي هناك ترقٍّ طالما تاق اليه الإنسان في كل عصره وقد نجح فيه غاية النجح في عصرنا هذا المدعو عصر المعارف والتكنولوجيا.
اما المعارف فيمكن حصرها في ثلاثة ضروب: المعارف النظرية، والمعارف الفنية والمعارف الاجتماعية. فكما قلنا في شأن التقدم المادي، يخلق بنا القول في شأن المعارف، اي ليس من ترقٍّ حقيقي فيها ولا فائدة تجنى منها، لا بل لا ينجم عنها سوى المضار والإنحطاط للبشرية، إن لم تكن مقرونة بالترقي الأخلاقي، اعني الصلاح في الأخلاق. وعليه نبسط هذه القضية التي غاية الخطبة اثباتها وهي: لاتقدم في المعارف البشرية بلا تقدم في الأخلاق الأدبية. هل العكس ضرورة لازمة ؟ هل العالم ضرورة اسمى اخلاقًا من تجاهل المغَّفل ؟ نقسم الموضوع الى ثلاثة ابواب نسبة الى انواع المعارف الثلاثة.
- الأخلاق والمعارف النظرية:1
اول رقي يتوق اليه الإنسان السوي، فوق الرقي المادي، هو الرقي العقلي، لأن العقل نور للإنسان، ولذلك وجب ان يتقدم نبراسه امام المرء، ليتمكن من السير في سبيل الرقي الحقيقي. وبما ان العقل – بما فيه من العلم – نور, فمن شأنه ان يدل صاحبه على مصيره، والغاية المتوخاة من حياته، ويعبّد امامه الطرق المؤدية الى غيره من التقدمات. بلا تقدم اخلاقي ليس من تقدم حقيقي في العلم. التقدم العقلي سير في سبيل الحق، والتقدم الأخلاقي هو السير في سبيل الخير. والحال ان مَن شاء ان يقطع شوطًا شاسعًا في طريق الحق، تحتم عليه ان يبلغ حدًّا قصيًّا في جادة الخير. من شأن العقل ان لا يتّحد بالحق اتحادًا متينًا إلّا اذا كانت الارادة متصلة بالخير اتصالًا محكمًا. وكلما ازداد في النفس البشرية تسلط الضلال والشر، تضاء ل نور الحق وتلاشت قوى الخير. ومتى زالت الاستقامة من الأعمال، بادت الاصابة في احكام العقل. لا يستطيع الانسان ان يكون عالمًا حقيقيًّا، إن لم يكن فاضلًا تقيًّا. والسبب في ذلك ان العلم الكامل قائم على اركان معرفة الحق ومحبة الخير. لا ندعي ان الرجل الخالي من الفضل عاجز عن ادراك ادنى شيء. ولكنه عندها يكتسب حقائق محض مادية، مشتتة، لا رابط يربطها. هناك علم متجسّد فيه روح الشر. صانع الشر يبغض النور ولا لذة له إلّا في إخفاء الحق تحت ظلمات الضلال المداهمة. هكذا لا تعود العلوم محجة هداية بل بيداء غواية. الفلسفة، علم الحق، تستخدم وسيلة للشك والانكار؛ درس الطبيعة يمحو درس النفس. علم الماديات يخفق علم الروحيات. التاريخ عينه، سجل الحق ومقرره، يمسي آلة للكذب كما هي الحال عندنا. لذا, العياذ بالله من علماء خالين من الفضيلة, او فلاسفة عادمي الذمة, لأن الشرير الجاهل لا يكون إلّا شريرًا؛ اما الشرير العالم فهو ضربة، بل نقمة على البشرية ؛ وهو عدو الحق, بل هو قوة شديدة لنشر الضلال.
2- الاخلاق والمعارف الفنية:
الفن من مظاهر الإنسانية؛ به يسمو الفنان ويتوق الى تحقيق المثال الاعلى الساطعة اشعته على قريحته يهذب الذوق ويعزّز ايضًا القيم ويوسّع وعي القضايا الاجتماعية ويلهم السلوكيات الايجابية. والفن من عناصر الرقي يولد في النفس اشواقًا تحلّق بها في فضاء الكمال. ولكن، بلا ترقٍّ اخلاقي يتوقف الترقي الفني بل يتدهور في دركات الانحطاط. غاية الفن إظهار الجمال، والجمال موضوع الحب على ما جاء به افلاطون. فالحب اذًا من اهم الامور للفنان في مزاولة اعمال فنه. ومن البديهي ان يحب الرسّام المثال الذي يقصد تحقيقه، والجمال الذي ينوي اظهاره. يتطلب الفن قلبًا مغرمًا فضلا عن القريحة الوقادة والنظر النافذ. ولكي يٌشغَف المحب بالجمال الحقيقي يتحتم ان يكون حبه حبًّا مشروعًا، حبًّا ذا نقاء وعفاف، حبًّا موافقًا لمبادئ الفضل والصلاح. الفضيلة والفن رفيقان لا يفترقان؛ والرذيلة والفن ضدّان لا يجتمعان، لان الفضيلة نظام، والرذيلة اختلال في الحب.
من فلسفة الفنون نستنتج ان التقدم في الفن متعذر بلا تقدم في الاخلاق الفاضلة. لا اعني بذلك ان الانسان الخالي من الفضل عاجز كل العجز عن وجود الجمال في الاشياء وتحقيقه في مصنوعاته، لانه كما ان الرجل الشرير ليس بمحروم من كل معرفة للحق، فالرجل الفاسد ليس بعارٍ من كل قوة لادراك الجمال في الفن. ولكن، ما من عصر نشأ فيه اضطراب اخلاقي في الالفة، إلّا وشوهد فيه قباحة الاخلاق وقباحة الفنون سائرتين كتفًا لكتف.
الثابت انه كلما توصل فساد الاخلاق الى مخالفة شرائع الخير الخالدة في الحياة الاخلاقية وحتى المدنية، توصل فساد الذوق، في ميدان الفنون، الى مناقضة سنن الجمال الامثل. لذا، نلاحظ ان الرذائل المتأصلة في نفوس اهل الفن لا بد من ان تٌبقي لها في الآداب اللغوية، وفي الرسم والنقش والموسيقى، اثرًا فاسدًا يشوّه كل ما فيها من جمال وبهاء وكمال. وعليه، ليس من شيء، من حيث الاصول الفنية، اجمل من العبقرية المتجلية في عقل الانسان مع تجلّي النقاء في قلبه الذي لم تصبه الرذيلة بأذى على الرغم من معاناته الاسرية او الاجتماعية بل بفصلها احيانًا.
العلم، مهما كان بليغًا في البشر، لا يصل إلّا الى الخاصة، اما الفن فيدرك العامة. وان كان القادرون على تمحيصه قليلين, فالمتأثرون بمفاعيله هم جماهير. واذا كان الفنان الفاسد في عصر فاسد ترى الجماهير تعجب بمصنوعاته، كما هي الحال عندنا اليوم، فتكلل هامته باكليل المجد والفخار. دونكم رجلًا آنس في فساد عصره وسيلة للنجاح، فقصد اثارة كامن الاهواء ليس إلّا وعمد الى تأليف رواية. فتجيء الرواية آية في التصنيف، لكنها اتون نيران الغرائز، فتروَّج رواجًا واي رواج، وتكسب مؤلفها صيتًا بعيدًا، وترفعه في عيون اهل التفاهة والابتذال، فيصبح شهيدًا بعد ان كان معدمًا. فما يا ترى كسبت الالفة الاجتماعية ؟ اضطراب هائل وتشويش مريع نشأ في عقول وقلوب الوف من الشبان والشابات.
في فنوننا المختلطة والمستوردة، فن الازياء مثلًا، يقضي، بحسب الاصول العصرية, بالتشمير عن السيقان وكشف النحور والصدور وجزّ الشعور والتضمّخ بالاصباغ والعطور، الى غير ذلك مما يتصوره القوم عنوانًا للتقدم والتمدن، وما هو في الحقيقة سوى مدعاة للفساد، ومجلبة للخراب والدمار الادبي والاجتماعي والديني.
قصارى الكلام، ما من شيء يحط من قدر البشرية، ويقهقرها، تحت تسميات باهرة كالعولمة، مثل الفنون الجميلة اذا اصبحت قبيحة، باعتساف اربابها عن سبيل الآداب الصالحة. وما من فئة اشد ضررًا بالمجتمع من فئة الفنانين الخالين من الحشمة, والرسامين العادمي الفضيلة. لذا، انهم خليقون بان تُغلَّ ايديهم المشؤومة، وتكسر آلاتهم الممقوتة، ويقطعوا من جسم الالفة، ويقصوا عن الاوطان، بل ينفوا من الاقطار المتمدنة الى البراري المقفرة، لينجو الورى من شرهم الوبيل، نحن نريد ان يكون الفن حرًّا، وانما ايضًا ان يكون ذا مغزى وقيمة انسانية واخلاقية باعتباره رسالة مسؤولة.
3- الاخلاق والمعارف الاجتماعية:
الرقي الاجتماعي سير المجتمع نحو الكمال بوضع الدساتير والشرائع المقصود منها تدبير شؤون البشر على كونهم مؤلفين جماعةً. هذا التقدم ايضًا لا يبلغ الغاية منه إلا بتقدم النظام الاخلاقي. والثابت ان اصلاح الشرائع وترقية الدساتير, بلا اصلاح افراد الامة، امر مستحيل. اصلاح النفوس اذًا قبل النصوص !
الاصلاح الحقيقي ليس ببادئ في المجتمع بل في الافراد، وليس خارج الانسان، بل في صميم الانسان، ولا بابادة بلايا الأجساد وحدها، بل باستئصال رذائل النفس قبلها. عليك نفسك فتش عن معايبها. اجل ان الدساتير والشرائع لا تخلو من فائدة لتقويم أود البشر، لانها تؤثر في الاخلاق والعادات. لذا لزم ان تكون متاخمة للكمال، متجددة. الاشرار عاجزون عن ان يسنوا شرائع صالحة، لان الاناء ينضح بما فيه والشجرة الصالحة تثمر ثمرًا صالحًا، والشجرة الرديئة تثمر ثمرًا رديئًا فلم يسعون لابتداع الانسان الآلي او الانسان المتآله, ويشرعنون زواج المثليين مع تبني الاولاد وكذلك الاجهاض والاستنساخ والموت الرحيم. هل يريدون تفكيك الاسر خصوصًا وتاليًا تدمير الالفة في المحتمع ؟
كل ما تقدم يعزز الاستلاب والعبودية ولو بلباس قشيب. الحرية المطلقة تقيّد المجتمعات كما فقدان الحرية، وتتسبب بمختلف الخضات والحروب الاهلية تحت اوهام الثورة والتجديد ولا ثورة ولا تجديد في دنيا العرب كما جاء في كتابي بعنوان " فلسفات الثورة ".
زبدة القول ان التقدم الحقيقي لا يقوم في توسع العلم والتكنولوجيا الاشكالي وحده، ولا في تكمّل الفنون بمفردها، ولا في ترقي الاجتماعات لا غيرها، بل مع ذلك وفوق كل ذلك في تكامل الانسان من حيث هو انسان.
ارى انكم على جانب من الاستقامة والحلم والشجاعة والصبر والعفة والمحبة. لذا, يمكنكم ان تكونوا فلاسفة وفنانين واداريين حقيقين بما وهبه لكم الله من ذكاء وعبقرية تنتقل شيئًا فشيئًا من القوة الى الفعل كما يذهب اليه جدنا ارسطو. ليس لأن هذه الفضائل من ذاتها تهب العلم بهذا كله، بل لأنها تساعد على اكتسابه واتقانه. وما الترقي الادبي او الاخلاقي سوى استئصال شأفة ما في طبيعتنا من الشطط، وتجميل نفوسنا واخلاقنا، بمختلف الفضائل الانسانية المتكاملة بالضرورة. من اصلح نفسه وزينها بمكارم الشمائل كان النجح حليفًا لأعماله، ورفيقًا لحياته العلمية والفنية والاجتماعية. الخلاصة اذًا هي: الاخلاق الحميدة اساس المعارف القديمة والجديدة. ولكن, بقدر ما تتقدّم معارفك تزداد مسؤوليتك الأخلاقية. انها لحقيقة بديهية يجب ان يعيها ويمليها اصحاب الفكر والرأي على أصحاب النفوذ. وفي هذا اشارة مجدية الى تقدّم الملوك الفلاسفة او الفلاسفة الملوك على سواهم !
الاخلاق حلّة دونها كل حُلَل الدنيا، وسِتر لا يُغني عنه ايُّ ستر. فعلى القيمين على العقل عندنا ان يقتنعوا بضرورة التربية، عليهم التربية الاخلاقية النظرية والعملية ويلجأوا الى مفكّر نيّر حتى اذا تجلّى مع الحقيقة مناهضًا لضلال المجموع كما فعل ارسطو ذات يوم بازاء استاذه افلاطون واتباعه الكثر!
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.