tiktok
Logo

إشكاليات اللغة العربية الحديثة

تُعدّ اللغة العربية واحدة من الحالات النادرة في تاريخ اللغات، إذ جمعت بين الامتداد الزمني الطويل، والاتساع الجغرافي، والتنوّع الاجتماعي، دون أن تفقد وحدتها المعيارية الأساسية.

2026-02-11

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

إشكاليات اللغة العربية الحديثة

من الجذور التاريخية إلى التحوّل القرآني وإمكانات الإصلاح الحضاري


بقلم: الدكتور فريد جبور

التاريخ: 30 كانون الأوّل 2025

مقدمة 

تُعدّ اللغة العربية واحدة من الحالات النادرة في تاريخ اللغات، إذ جمعت بين الامتداد الزمني الطويل، والاتساع الجغرافي، والتنوّع الاجتماعي، دون أن تفقد وحدتها المعيارية الأساسية. غير أنّ هذا المعطى التاريخي لا يحجب واقعًا معاصرًا إشكاليًا يتمثّل في التراجع الوظيفي للعربية الفصحى في مجالات الحياة اليومية، والعلم، والاقتصاد، والتواصل العالمي، على الرغم من بقائها لغةً رسمية، ودينية، وثقافية عالية المكانة.
وتُظهر دراسات اللسانيات الاجتماعية وتخطيط اللغة أن أزمات اللغات لا تنبع من بنيتها الداخلية، بل من موقعها داخل النظام الاجتماعي–الاقتصادي الذي تُستعمل فيه، إذ لا تزدهر لغة لأنها عريقة أو جميلة، بل لأنها تؤدّي وظائف مركزية في المعرفة والإنتاج والسلطة الرمزية (1).
وينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن العربية لم تفقد قدرتها البنيوية أو التعبيرية، بل فُصلت تاريخيًا عن وظائفها الطبيعية. ولإثبات ذلك، يعالج البحث ثلاث مراحل مترابطة: الجذور الاجتماعية التي حافظت على العربية قبل الإسلام، ثم التحوّل القرآني الذي نقلها إلى لغة معيار وعلم، وأخيرًا إشكاليات العربية الحديثة مع اقتراح مسار إصلاحي عملي قائم على النظريات العلمية المعاصرة.

المحور الأوّل: الجذور التاريخية والاجتماعية لتماسك العربية قبل الإسلام

تُظهر العربية قبل الإسلام نموذجًا متقدّمًا لما يُعرف في اللسانيات الحديثة بالازدواجية اللغوية الوظيفية المستقرة، حيث وُجد تمايز واعٍ بين لهجات محلية تُستعمل في الحياة اليومية، ولغة فصحى مشتركة تُستعمل في المقامات العامة العابرة للقبائل، دون أن يؤدّي ذلك إلى تفكك لغوي أو صراع هوياتي (2). وقد أتاح هذا النظام الجمع بين المرونة التداولية والوحدة المعيارية.
وأدّى الشعر الجاهلي وظيفةً لغوية مركزية، تجاوزت التعبير الجمالي إلى كونه مؤسسة معيارية جامعة. فالشعر كان المرجع الأعلى للفصاحة، والميزان الذي يُحتكم إليه في معرفة صحيح العربية من فاسدها، كما قرّر ذلك ابن سلام الجمحي بوضوح (3). وقد ساعد الوزن والقافية على تثبيت الصيغ اللغوية ومنع التحريف، في مجتمع شفوي يعتمد الذاكرة الجمعية.
كما شكّل الرواة جهاز النقل والرقابة اللغوية، ضمن نظام صارم يقوم على التمحيص، والتصحيح، ورفض الروايات المعيبة لغويًا. وأسهمت الأسواق الأدبية الكبرى – كسوق عكاظ ومجنة وذي المجاز – في خلق فضاء تداول لغوي عام، تُختبر فيه الصيغ، ويُنتخب المشترك، وتُقصى الخصوصيات الضيقة.
أما القبيلة، فقد أدّت دور جهاز رقابة لغوية غير مكتوب، ربط الفصاحة بالشرف، واللحن بالعار، ما جعل الانحراف اللغوي مكلفًا اجتماعيًا، وأسهم في حماية الفصحى المشتركة.
وتُظهر المقارنة مع لغات شفوية أخرى – كاللاتينية أو اليونانية القديمة – أن غياب فضاءات التوحيد التداولي أو احتكار اللغة ضمن طبقة ضيقة أدّى إلى التفكك أو الانغلاق، بينما نجحت العربية في الحفاظ على وحدة مرنة بفعل بنيتها الاجتماعية اللغوية (4).

المحور الثاني: التحوّل القرآني وتقعيد العربية وبناؤها لغة علم

شكّل نزول القرآن الكريم حدثًا لغويًا–حضاريًا فارقًا، إذ نقل العربية من وضع الشفوية المنظَّمة إلى وضع اللغة المعيارية المرجعية، حيث أصبحت سلامة اللفظ شرطًا لسلامة المعنى، وصحة التركيب أساسًا لصحة الاعتقاد والحكم (5). وقد أدّى ذلك إلى نشوء علوم العربية بوصفها علومًا وظيفية قبل أن تكون نظرية.
جاء التنقيط والشكل لحماية المعنى لا للزينة، وجمع القراءات بوصفه إدارة واعية للتنوّع ضمن نظام مضبوط، بينما تحوّل الإعراب إلى أداة دلالية مركزية. ونشأ علم النحو استجابة لاتساع الجماعة الإسلامية واحتكاك الألسن، فانتقل من تقويم الأداء إلى بناء النظرية. وقد مثّلت مدرسة البصرة اتجاهًا استقرائيًا–قياسيًا، بينما مثّلت مدرسة الكوفة اتجاهًا سماعيًا أوسع، وأسهم التفاعل بينهما في بناء عقل نحوي مرن (6).
أما البلاغة، فقد نشأت من سؤال الإعجاز، وبلغت ذروتها مع عبد القاهر الجرجاني الذي أسّس نظرية النظم، حيث المعنى نتاج العلاقات التركيبية والسياقية لا المفردات المعزولة، وهو ما يلتقي مع نظريات الدلالة والتداولية الحديثة (7). وأسهم المعجم العربي في بناء خزان دلالي موثّق بالشواهد، ربط اللفظ بسياقه التاريخي والاستعمالي، ووسّع قدرة العربية على التوليد المفهومي (8).
وبذلك، لم يحفظ التحوّل القرآني العربية فحسب، بل هيّأها لتكون لغة علم وفلسفة، وهو ما سيتجلّى لاحقًا في الذروة العباسية.

المحور الثالث: إشكاليات العربية الحديثة وإمكانات الإصلاح العملي

تتمثّل الإشكالية المركزية للعربية الحديثة في الانفصال الوظيفي بين الفصحى والحياة اليومية. فقد حُوصرت الفصحى في المدرسة والخطاب الرسمي، بينما أُوكلت الحياة العملية والاقتصاد والتقنية إلى العاميات أو اللغات الأجنبية، ما أدّى إلى ضعف الكفاءة التداولية وقلق لغوي عام (9).
وتؤكّد نظريات تخطيط اللغة أن الإصلاح لا ينجح بالخطاب الهوياتي أو الإلزام القسري، بل بإعادة ربط اللغة بالمنفعة اليومية. ومن هنا يقوم الإصلاح المقترح على:
إصلاح تعليم العربية بوصفها كفاءة تواصلية لا مادة قواعدية فقط؛
إعادة إدماج الفصحى في الإعلام بلغة طبيعية غير متكلّفة؛
تمكين العربية اقتصاديًا وإداريًا؛
الاستثمار في التقنية اللغوية والفضاء الرقمي؛
وتفعيل دور المؤسسات اللغوية بوصفها مراكز تخطيط وبحث لا أجهزة وصاية (10).
وتُظهر تجارب لغوية عالمية أن اللغات التي استعادت فاعليتها فعلت ذلك عبر قرارات وظيفية عملية، لا عبر الرمزية وحدها (11).

خاتمة 

يخلص هذا البحث إلى أن أزمة اللغة العربية الحديثة ليست أزمة لغة، بل أزمة نظام اجتماعي–وظيفي. فالعربية أثبتت تاريخيًا قدرتها على التماسك، والتقعيد، والتحوّل إلى لغة علم، حين توفّرت لها شروط الاستعمال الفعلي. واستعادة العربية اليوم لا تكون بالحنين أو القداسة وحدها، بل بإعادة بناء الشروط التي صنعت قوتها: التداول، والمنفعة، والمؤسسة، والفضاء العام. فإذا أُعيد ربط العربية بالحياة اليومية والاقتصاد والتقنية، فإنها قادرة – كما كانت – على أن تكون لغة حيّة فاعلة بين لغات العالم.

المراجع 

1. Ferguson, C. (1959). Diglossia. Word, 15, pp. 325–340.
2. Fishman, J. (1991). Reversing Language Shift. Multilingual Matters.
3. ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود شاكر، دار المدني، القاهرة، 1974.
4. Havelock, E. (1986). The Muse Learns to Write. Yale University Press.
5. الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1998.
6. سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988.
7. عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، دار المدني، القاهرة، 1992.
8. ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1990.
9. Bourdieu, P. (1991). Language and Symbolic Power. Harvard University Press.
10. Spolsky, B. (2004). Language Policy. Cambridge University Press.
11. Haugen, E. (1983). The Ecology of Language. Stanford University Press.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM