قراءة نقدية في ضوء فلسفة التكاؤُن
من التشخيص إلى الفاعلية
2026-02-12
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
تعليق على المفكر الدكتور جوزف مورفي من زاوية فلسفة التكاؤن
من التشخيص إلى الفاعلية
قراءة نقدية في ضوء فلسفة التكاؤُن
المقدّمة
يقدّم النص موضوع النقاش تشخيصًا نفسيًا–ثقافيًا لواقع الأزمة اللبنانية، منطلقًا من فرضية أن التكرار اللغوي والسلوكي، حين يقترن بالانفعال والقبول الضمني، يتحول من أداة وصف إلى آلية إنتاج للواقع. يستند هذا التشخيص إلى أطروحات جوزيف مورفي حول اللاوعي بوصفه مجالًا قابلًا للبرمجة عبر التكرار (Murphy 1963)، ويتقاطع مع مقاربات سوسيولوجية ترى أن البنى الاجتماعية تُعاد إنتاجها من خلال الممارسة اليومية غير الواعية (Bourdieu 1972).
غير أن هذا النوع من التشخيص، على أهميته، يطرح سؤالًا مركزيًا يتجاوز النص نفسه: كيف ننتقل من وعي كاشف للاختلال إلى فاعلية قادرة على كسره؟
هنا تكتسب فلسفة التكاؤُن قيمتها النظرية، بوصفها إطارًا يتجاوز منطق التشخيص الدائري نحو بناء علاقة تكوينية بين الوعي، الفعل، والبنية.
أولًا: حدود التشخيص النفسي–الثقافي
يقع النص ضمن ما يمكن تسميته “نقد الوعي اليومي”، أي ذلك المستوى التحليلي الذي يكشف التناقض بين الخطاب والممارسة، ويُظهر كيف يتحول النقد نفسه إلى جزء من النظام القائم. هذه المقاربة تلتقي مع ما وصفه أدورنو بالنقد السلبي، الذي يفضح التناقضات دون أن يقترح تركيبًا بديلًا (Adorno 1966).
غير أن الاقتصار على هذا المستوى يُنتج ثلاث نواقص أساسية:
نقص الانتقال إلى مستوى الفعل
إذ يبقى الوعي النقدي محصورًا في دائرة الشرح، ما يجعله عرضة للتحول إلى خطاب مكتفٍ بذاته، وهو ما حذّر منه هابرماس حين ميّز بين الفهم والتواصل المنتج للفعل (Habermas 1981).
تعميم ثقافي غير مضبوط
فالنص يميل إلى تحميل “السلوك الجمعي” مسؤولية الاختلال، دون تمييز كافٍ بين الفعل بوصفه خيارًا حرًا، والفعل بوصفه استجابة قسرية لشروط بنيوية، كما نبّه غرامشي في تحليله للهيمنة (Gramsci 1971).
مفارقة الأداء النقدي
حيث يتحول النص النقدي ذاته إلى ممارسة رمزية بديلة عن الفعل، بما يعيد إنتاج ما يسميه ماركوزه “الرضا الزائف” الناتج عن وعي نقدي غير فعّال (Marcuse 1964).
ثانيًا: التكاؤُن بوصفه تجاوزًا للتشخيص
تقوم فلسفة التكاؤُن على فرضية مغايرة:
أن الإنسان لا يوجد بوصفه ذاتًا منفصلة عن الآخر أو عن البنية، بل بوصفه كائنًا علائقيًا يتكوّن عبر شبكة تفاعلات مستمرة.
وبذلك، فإن التكاؤُن ليس قيمة أخلاقية ولا توصيفًا اجتماعيًا، بل مبدأ بنيوي مولّد للفعل.
يمكن صياغة هذا المبدأ على النحو الآتي:
التكاؤُن = ذات + آخر + علاقة فاعلة تُنتج أثرًا واقعيًا
في هذا الإطار، لا يُختزل الوعي في الإدراك، بل يُقاس بقدرته على التحول إلى ممارسة. ويتقاطع هذا التصور مع فلسفة الفعل عند هانا آرنت، التي ربطت السياسة بالفعل المشترك لا بالنيّة أو الخطاب (Arendt 1958)، كما يلتقي مع تصور بورديو عن الممارسة بوصفها موقع التقاء بين البنية والفاعل (Bourdieu 1990).
ثالثًا: إعادة قراءة النص في ضوء التكاؤُن
عند قراءة النص موضوع النقاش من منظور تكاؤني، يتبيّن أن مكمن ضعفه لا يكمن في تشخيصه، بل في انقطاعه عن شرط العلاقة الفاعلة. فهو يكشف كيف يُعاد إنتاج الفوضى عبر التكرار، لكنه لا ينتقل إلى مساءلة العلاقة بين الأفراد ولا إلى بناء حدّ أدنى من الفعل المشترك.
في المنظور التكاؤني، لا يكفي تفكيك آليات اللاوعي الجمعي، بل يجب الانتقال إلى:
إعادة تأسيس العلاقة بين الفرد والآخر على أساس المسؤولية المتبادلة؛
تحويل اللغة من أداة شكوى إلى أداة التزام؛
كسر الحلقة الدائرية بين القول والفعل عبر ممارسة يومية صغيرة لكنها متراكمة.
وهنا يمكن الاستفادة من تحليل ميشال دو سرتو، الذي رأى في الممارسات اليومية إمكانات مقاومة كامنة، شرط أن تُقرأ بوصفها أفعالًا لا مجرد تكيفات (de Certeau 1984).
رابعًا: من الوعي الناقد إلى الفاعلية التكاؤنية
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن النص يؤدي وظيفة ضرورية على مستوى الهدم المعرفي، لكنه يحتاج، كي يكتمل، إلى إدماجه ضمن أفق تكاؤني يربط بين:
الوعي ↔ العلاقة ↔ الفعل
الفرد ↔ الجماعة ↔ البنية
التشخيص ↔ الالتزام ↔ التحول
فالتكاؤُن لا يُلغي النقد، بل يستوعبه ويعيد توجيهه نحو الفعل. وهو بذلك يشكّل تجاوزًا للنقد الذي يكتفي بفضح الخلل، نحو نقد تأسيسي يضع شروط إمكان التغيير.
الخلاصة
إن النص موضوع النقاش يمثّل تشخيصًا ذكيًا ومهمًا لآليات إعادة إنتاج الاختلال في الواقع اللبناني، لكنه يظل أسير منطق الوعي الكاشف غير المتحوّل إلى ممارسة. ومن هنا، فإن إدماجه ضمن إطار نظري تكاؤني لا يُعدّ تفنيدًا له، بل استكمالًا له، عبر نقله من مستوى الشرح إلى مستوى الفاعلية.
فالسؤال الحاسم لم يعد: لماذا لا يعمل النظام؟
بل: كيف يمكن لعلاقة تكاؤنية واعية أن تُنتج فعلًا يكسر منطق التكرار؟
لائحة المراجع (Chicago – Author–Date)
Adorno, Theodor W. 1966. Negative Dialectics. New York: Continuum.
Arendt, Hannah. 1958. The Human Condition. Chicago: University of Chicago Press.
Bourdieu, Pierre. 1972. Esquisse d’une théorie de la pratique. Geneva: Droz.
Bourdieu, Pierre. 1990. The Logic of Practice. Stanford: Stanford University Press.
de Certeau, Michel. 1984. The Practice of Everyday Life. Berkeley: University of California Press.
Gramsci, Antonio. 1971. Selections from the Prison Notebooks. New York: International Publishers.
Habermas, Jürgen. 1981. The Theory of Communicative Action. Boston: Beacon Press.
Marcuse, Herbert. 1964. One-Dimensional Man. Boston: Beacon Press.
Murphy, Joseph. 1963. The Power of Your Subconscious Mind. New York: Bantam.
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
Lecture critique du malaise libanais à la lumière de la philosophie du Takaoun
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
قراءة نقدية في ضوء فلسفة التكاؤُن
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
إشكاليات اللغة العربية الحديثة
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
بحث في أنطولوجيا العلاقة، والدين، وإنسانية الإنسان
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
في العلاقة بين الأخلاق والمعارف المستجدّة
البروفسور جهاد نعمان
ماهية الحرية
البروفسور جهاد نعمان
لن توأد لغتنا وأدبنا الحيّ
البروفسور جهاد نعمان
ابحث عن الحكمة
البروفسور جهاد نعمان
بين الارض والسماء(٢)
البروفسور جهاد نعمان
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM