tiktok
Logo

# *رئاسة الجمهورية بين التحكيم الدستوري ومنطق الصلاحيات*

المطلوب ليس رئيسًا أقوى بالمعنى السياسي، ولا حكومة أضعف، ولا مجلسًا محاصرًا، بل *دولة تستقيم فيها المواقع وفق الدستور*

2026-02-15

القاضية ميسم النويري

ما يلي *إعادة صياغة كاملة* للنص بصيغة *مقال صحافي-دستوري*، بلغة منضبطة، صالحة للنشر، مع الحفاظ على جوهر الفكرة وتنقيتها من الالتباس والانفعال:

---

### *رئاسة الجمهورية بين التحكيم الدستوري ومنطق الصلاحيات*

بوصفي لبنانية مارست الشأن العام، وعاينت عن قرب ما يعتريه من إهمال مزمن في مقاربته المؤسسية، أثارت لديّ مقابلة رئيس الجمهورية الأخيرة جملة ملاحظات دستورية تستحق النقاش الهادئ والمسؤول.

من حيث المبدأ، يفترض برئيس الجمهورية أن يقتنع بأنه *ليس طرفًا* في مواجهة مجلس الوزراء الذي يمثّل السلطة التنفيذية، ولا في مواجهة مجلس النواب الذي يمثّل السلطة التشريعية. فموقع رئاسة الجمهورية، وفق منطق الدستور، ليس موقع خصومة بين السلطات، بل موقع *تحكيمي أعلى*، يتسم بدرجة أكبر من الموضوعية والاستقرار، ويُفترض أن يشكّل عنصر توازن وضمانة انتظام للمؤسسات.

ومن هذا المنطلق، لا يجوز اختزال موقع الرئاسة في حكم شخصي تجاه رئيس مجلس النواب بوصفه “مسؤولًا عن الطائفة الشيعية”، ولا تجاه رئيس مجلس الوزراء بوصفه “مسؤولًا عن الطائفة السنية”. فهذا التصنيف، وإن كان رائجًا في الخطاب السياسي، يبقى *خاطئًا دستوريًا*، ويعبّر عن إرادة واعية لدى الزعامات الطائفية في تكريس أعراف تتناقض مع طبيعة الدولة ومؤسساتها.

يُنتخب رئيس الجمهورية لولاية ثابتة مدتها ست سنوات، على خلاف رئيس مجلس الوزراء الذي لا يتمتع بأي استقرار فعلي في موقعه، وعلى خلاف رئيس مجلس النواب الذي يستند إلى موازين سياسية متحركة. هذا الاستقرار الزمني والمؤسسي يمنح رئاسة الجمهورية موقعًا مميزًا، لا من حيث الصلاحيات النصية فحسب، بل من حيث القدرة الواقعية على التأثير في القضايا الوطنية الكبرى.

غير أن الإشكالية تبرز حين يُطرَح مطلب “توسيع الصلاحيات” من دون تحديد دقيق لمضمونه. فما المقصود بصلاحيات أوضح وأوسع؟ وهل الخلل فعليًا في النصوص الدستورية، أم في طريقة ممارستها، أم في الأعراف التي نشأت بفعل ممارسات سياسية تراكمية؟

فالواقع يُظهر أن رئيس الجمهورية، حتى ضمن الصلاحيات القائمة، استطاع في محطات متعددة أن يمارس دورًا يفوق في تأثيره دور رئيس مجلس الوزراء، بل ويتقدّم أحيانًا على رئيس مجلس النواب، ولا سيّما في القضايا المصيرية ذات البعد الوطني. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الصلاحيات، كما هي، تسمح بهذا القدر من التأثير، فهل المشكلة في ضيقها أم في الوجهة التي تُمارس بها؟

ثم إن التمسّك بالأصول الدستورية، والانتماء الوطني الذي يُفترض أن يسمو على أي انتماء آخر، يقتضيان مقاربة متوازنة لمسألة الصلاحيات. فإذا كان من المشروع المطالبة بتوضيح دور رئيس الجمهورية بوصفه رئيسًا حكمًا ومسؤولًا عن انتظام عمل المؤسسات، فمن المنطقي، ومن الزاوية الدستورية نفسها، المطالبة أيضًا بتعزيز موقع رئيس مجلس الوزراء بوصفه رأس السلطة التنفيذية، لا سيّما في ظل غياب الاستقرار البنيوي الذي يعانيه هذا الموقع.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في النقاش حول الصلاحيات بحد ذاته، بل في *تحويل هذا النقاش إلى أداة صراع بين المواقع* بدل أن يكون مدخلًا لإعادة تصويب التوازن المؤسسي، وتحرير الرئاسات من الأدوار الطائفية غير المعلنة التي أُلحقت بها قسرًا.

في المحصّلة، المطلوب ليس رئيسًا أقوى بالمعنى السياسي، ولا حكومة أضعف، ولا مجلسًا محاصرًا، بل *دولة تستقيم فيها المواقع وفق الدستور*، وتُمارس فيها الصلاحيات ضمن منطق التحكيم والمسؤولية العامة، لا ضمن منطق الغلبة أو التمثيل الفئوي المقنّع.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM