tiktok
Logo

الحكم في لبنان وإشكالية إعادة بناء الدولة:

مقاربة تكاؤُنية في الدولة والشرعية والتنمية

2026-02-17

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الملخّص
يعالج هذا البحث إشكالية الحكم في لبنان من منظور نظري–تحليلي يتجاوز المقاربات التقنية والإصلاحية السائدة، لينطلق من فرضية مفادها أن الأزمة اللبنانية ليست نتاج فشلٍ وظيفي داخل دولة مكتملة، بل نتيجة انهيار مسار تكاؤُن الدولة نفسها. وينطلق البحث من نقد الاستدعاء المتكرر لمرحلة “لبنان الستينات” بوصفها نموذجًا ناجزًا للازدهار، ليبيّن أن تلك المرحلة لم تكن ذروة تشكّل دولتي، بل لحظة ازدهار ظرفي نتجت عن تقاطع عناصر اقتصادية وثقافية وسياسية لم تُؤسَّس مؤسسيًا ولم تتحول إلى عقد اجتماعي مستدام.
يعتمد البحث مقاربة تحليلية–تركيبية تستند إلى الفلسفة السياسية، وعلم الاجتماع التاريخي، والاقتصاد السياسي، مع توظيف مفهوم التكاؤُن بوصفه مفهومًا حاكمًا يفسّر الدولة باعتبارها علاقة تاريخية حيّة تتشكّل عبر تفاعل متبادل بين المجتمع، والاقتصاد، والسلطة، والشرعية. وفي هذا الإطار، يبيّن البحث أن الطائفية السياسية والاقتصاد الريعي شكّلا معًا بنية مضادّة للتكاؤُن عطّلت إنتاج الدولة الحديثة في لبنان، عبر تفكيك المجال العام، وتكريس شرعيات أهلية موازية، وقطع الحلقة التي تربط العمل بالضرائب، والخدمات بالمساءلة.
ومن خلال مقارنة تاريخية مع حالات دولية متعدّدة الانقسام مثل بلجيكا وإسبانيا وماليزيا، يُظهر البحث أن التعدّد الاجتماعي لا يشكّل في ذاته عائقًا أمام بناء الدولة، وأن العامل الحاسم يكمن في كيفية إدارة مسار التكاؤُن بين الجماعات والدولة والاقتصاد. ويخلص البحث إلى أن إعادة بناء الدولة في لبنان لا يمكن أن تتحقق عبر إصلاحات جزئية أو استعادة نماذج ماضوية، بل عبر مشروع تاريخي طويل الأمد يعيد تعريف الحكم بوصفه تنظيمًا للتفاعل، والدولة بوصفها منتجًا للشرعية، والاقتصاد بوصفه أداة تكاؤُن لا ريعًا توزيعيًا.
يقدّم هذا البحث إسهامًا نظريًا يتمثّل في نقل تحليل الدولة من مستوى البنية إلى مستوى العلاقة، وفي اقتراح مفهوم التكاؤُن كأداة تفسيرية صالحة لفهم أزمات الدولة في لبنان وفي السياق العربي الأوسع، مؤكّدًا أن الدولة القابلة للحياة ليست تلك التي تُستعاد كنموذج جاهز، بل تلك التي تنجح في إعادة إنتاج تكاؤُنها عبر الزمن دون أن تنهار.
د.فريد جبور

الحكم في لبنان وإشكالية إعادة بناء الدولة:
مقاربة تكاؤُنية في الدولة والشرعية والتنمية

 

المؤلف: د. فريد جبور

التاريخ: 27 كانون الثاني /  2026

يُطرح سؤال الحكم في لبنان، منذ نهاية الحرب الأهلية على الأقل، بوصفه سؤالًا عن إصلاح نظام، أو تحسين إدارة، أو استعادة نموذجٍ تاريخي يُشار إليه غالبًا بلبنان الستينات. غير أن هذا الطرح، على شيوعه في الخطاب السياسي والأكاديمي، ينطوي على اختزالٍ معرفيّ خطير، لأنه يفترض أن الدولة اللبنانية كانت كينونة ناجزة ثم تعطّلت، وأن ما هو مطلوب اليوم لا يتجاوز إعادة تشغيل آلياتها. إلا أن التحليل التاريخي البنيوي، المدعوم بأدبيات الدولة الحديثة ونقد الدولة في السياق العربي، يوحي بعكس ذلك تمامًا: فالمسألة اللبنانية لا تتعلّق بفشل حكم داخل دولة مكتملة، بل بتعثّر مسار تشكّل الدولة نفسها.
تُظهر الأدبيات الكلاسيكية في علم الاجتماع السياسي أن الدولة الحديثة ليست جهازًا إداريًا محايدًا، بل بناءً تاريخيًا علائقيًا يقوم على احتكار العنف الشرعي، وإنتاج الشرعية، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار عبر الزمن (Weber، المرجع رقم [2]). وفي المقابل، توضّح أدبيات “الدولة الضعيفة” أن المجتمعات قد تطوّر شبكات تضامن ونفوذ تنازع الدولة على التنظيم والموارد، فتتحوّل الدولة إلى ساحة صراع بدل أن تكون إطارًا جامعًا (Migdal، المرجع رقم [3]). وعندما يُقرأ المسار اللبناني في ضوء هذه الأدبيات، يتبيّن أن الدولة لم تنجح تاريخيًا في فرض منطقها المؤسسي على البنى الاجتماعية والسياسية القائمة، بل اضطرت إلى التعايش معها أو الارتهان لها، ما جعل وجودها أقرب إلى “صيغة شكلية” منه إلى سلطة سيادية فاعلة.
يتقاطع هذا التشخيص مع النقد الذي قدّمه الفكر العربي الحديث لمسار تشكّل الدولة العربية عمومًا. فقد بيّن عبد الله العروي أن الدولة في السياق العربي غالبًا ما جاءت بوصفها “صيغة مستوردة” لم تُستبطن تاريخيًا داخل المجتمع، بل فُرضت فوق بنى تقليدية لم تُفكَّك ولم تُعاد صياغتها في إطار حداثي مكتمل (العروي، المرجع رقم [8]). كما أكّد مالك بن نبي أن النهضة لا تتحقق بوجود مؤسسات شكلية، بل بقدرة المجتمع على إنتاج علاقات فعّالة بين الإنسان، والزمن، والتراب، أي بقدرته على التشكل الحضاري العميق (بن نبي، المرجع رقم [9]). في هذا السياق، يبدو لبنان حالة كاشفة لا استثنائية: دولة قائمة قانونيًا، لكنها عاجزة عن إنتاج مواطنتها، واقتصاد منفتح، لكنه غير قادر على التحول إلى مشروع وطني سيادي.
من هنا، تقترح هذه الأطروحة مقاربة مغايرة لسؤال الحكم، قوامها الانتقال من تحليل الدولة بوصفها بنية، إلى تحليلها بوصفها مسارًا تكاؤُنيًا. فالتكاؤُن لا يعني “التكوّن” الخطي أو التطوري، بل يعني تشكّلًا علائقيًا متبادلًا، تتكوّن فيه الدولة والمجتمع والاقتصاد معًا، ومن خلال شبكة علاقات تتضمن الصراع والتسوية، والشرعية والمصلحة، والثقة والمؤسسات. إن ما انهار في لبنان، وفق هذا المنظور، ليس مجرد حكومة أو سياسة عامة، بل شبكة العلاقة المنتِجة للدولة ذاتها: العلاقة بين المواطن والدولة، بين الاقتصاد والسيادة، بين السلطة والشرعية.
وعليه، فإن استدعاء “لبنان الستينات” لا يمكن فهمه بوصفه نموذجًا ناجزًا قابلاً للاستعادة، بل بوصفه لحظة تكاؤُن ظرفي التقت فيها عناصر اقتصادية وثقافية وسياسية مواتية، دون أن تتحول إلى قواعد مؤسسية راسخة. فكما يبيّن Douglass North، لا يتحول النمو إلى تنمية مستدامة ما لم يُترجم إلى مؤسسات وقواعد تضبط السلوك وتقلّل كلفة المعاملات عبر الزمن (North، المرجع رقم [1]). وفي الحالة اللبنانية، سبق الاقتصاد بناء الدولة، وبقي احتكار العنف منقوصًا، واستمرّت الطائفية بوصفها بنية تأسيسية لا مرحلة انتقالية، ما جعل ذلك الازدهار هشًا وقابلًا للانهيار عند تغيّر الشروط.
تتفاقم هذه الهشاشة مع تحوّل الطائفية من إطار لإدارة التعدد إلى نظام حكم كامل، يُجزّئ المجال العام ويُنتج شرعيات موازية عن الدولة، ويستبدل المواطنة بعلاقات ولاء مغلقة (بشارة، المرجع رقم [12]؛ غليون، المرجع رقم [11]). ويأتي الاقتصاد الريعي ليُكمل هذا التفكك، إذ يفكّ الارتباط بين العمل والضرائب والخدمات والمساءلة، ويحوّل الدولة إلى وسيط توزيع لا إلى فاعل تنموي، على نحو ما وصفه سمير أمين في نقده للاقتصادات التابعة (أمين، المرجع رقم [13]). في هذا السياق، يصبح الحكم إدارة تفكك لا إدارة تكاؤُن، وتصبح الأزمة أزمة شرعية قبل أن تكون أزمة موارد.
انطلاقًا من ذلك، تنطلق الأطروحة من سؤال مركزي مفاده: هل تكمن أزمة لبنان في فشل نموذج حكم معيّن، أم في انهيار المسار التكاؤُني الذي تتشكّل عبره الدولة بوصفها علاقة حيّة بين المجتمع والاقتصاد والسلطة؟ وتفترض أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون تقنية أو إجرائية، بل تستدعي إعادة بناء الإطار النظري الذي نحلّل من خلاله الدولة والحكم.
وبناءً عليه، تسعى هذه الأطروحة، عبر تحليل تاريخي بنيوي لمرحلة الستينات، وتشريح معمّق لدور الطائفية والريع في تفكيك المجال العام، ثم تأسيس نظري لمفهوم الدولة بوصفها مسارًا تكاؤُنيًا، إلى تقديم قراءة تفسيرية جديدة لأزمة لبنان، وإلى إعادة تعريف الحكم الرشيد لا كسلطة أو توافق، بل كفعل تنظيم مستمر للعلاقات المنتِجة للشرعية والمؤسسات. وبهذا المعنى، لا تهدف الدراسة إلى استعادة صورة ماضٍ منقضٍ، بل إلى استكشاف شروط إمكان قيام دولة قادرة على الاستمرار، أي دولة تستطيع إعادة إنتاج تكاؤُنها دون أن تنهار.

 المحور الأوّل
لبنان الستينات: ازدهار بلا دولة مكتملة أم تكاؤُن ظرفي غير مؤسَّس؟
1. وهم الازدهار المكتمل: نقد السردية التاريخية السائدة
تُقدَّم مرحلة الستينات في لبنان، في السردية السياسية الشائعة، بوصفها دليلًا على قابلية الدولة اللبنانية للنجاح والازدهار متى توافرت لها الظروف المناسبة. غير أن هذه السردية، حين تُفحص بعيون التحليل التاريخي–البنيوي، تبدو أقرب إلى بناء إيديولوجي منها إلى قراءة علمية لتاريخ الدولة. فهي تفترض أن الازدهار كان تعبيرًا عن دولة فاعلة، في حين أن الوقائع تشير إلى أن الدولة كانت الحلقة الأضعف في تلك المعادلة.
إن هذا الوهم ناتج عن خلطٍ منهجي بين الأداء الاقتصادي الظرفي والقدرة الدولتية. فكما يبيّن Charles Tilly، لا تُقاس قوة الدولة بمعدلات النمو أو الانفتاح، بل بقدرتها على استخراج الموارد، وتنظيم العنف، وبناء شرعية مستقرة (Tilly، المرجع [17]، ص 25–31). وبالقياس إلى هذا المعيار، لم يكن لبنان الستينات دولة قوية، بل فضاءً اقتصاديًا نشطًا يعمل في ظل دولة محدودة السيادة والقدرة.
إن استعادة تلك المرحلة بوصفها “العصر الذهبي” تخفي حقيقة أن الازدهار لم يكن نتاج سياسة عامة أو مشروع دولة، بل نتيجة تقاطع مصالح داخلية وخارجية مؤقتة. ومن هنا، فإن نقد هذه السردية لا يستهدف نفي الازدهار، بل نزع طابعه الدولتي الزائف، وإعادته إلى سياقه الصحيح بوصفه ظاهرة ظرفية غير مؤسَّسة.
2. الاقتصاد قبل الدولة: نمو بلا تحويل مؤسسي
يشكّل الاقتصاد المدخل الأكثر وضوحًا لفهم محدودية تجربة الستينات. فقد شهد لبنان نموًا لافتًا في قطاعات الخدمات، والمصارف، والتجارة، والسياحة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي ومن اضطرابات الإقليم. غير أن هذا النمو، وفق المنطق الذي يقدّمه Douglass North، يبقى هشًا ما لم يتحوّل إلى مؤسسات تضبط التوقعات وتقلّل عدم اليقين وتربط السلوك الاقتصادي بقواعد عامة (North، المرجع [1]، ص 3–12).
في لبنان، لم يحدث هذا التحويل. فالاقتصاد سبق الدولة، وعمل بمعزل عنها، بل أحيانًا على حسابها. لم تتشكّل سياسة صناعية، ولم تُبنَ إدارة ضريبية فعّالة، ولم يُربط النمو الاقتصادي بعقد اجتماعي واضح. وبدل أن يكون الاقتصاد أداة لتعزيز الدولة، تحوّل إلى مجال مستقل تحكمه شبكات خاصة ومصالح عابرة للحدود.
يتقاطع هذا التحليل مع نقد Karl Polanyi لاقتصاد السوق المنفلت، حيث يؤكد أن السوق حين تنفصل عن الإطار السياسي–الاجتماعي تتحول إلى قوة تفكيك لا إلى محرك تنمية (Polanyi، المرجع [16]، ص 76–85). وفي الحالة اللبنانية، تُرك السوق ليعمل بحرية شبه مطلقة، فيما بقيت الدولة عاجزة عن لعب دور “المُضمِّن الاجتماعي” للاقتصاد، ما جعل النمو بلا جذور سياسية.
3. السيادة المنقوصة وغياب احتكار العنف
لا يمكن فهم هشاشة ازدهار الستينات من دون التوقف عند مسألة السيادة. فبحسب Max Weber، يُعدّ احتكار العنف الشرعي شرطًا تأسيسيًا لقيام الدولة الحديثة (Weber، المرجع [2]، ص 78–80). وفي لبنان، لم يتحقق هذا الاحتكار لا بنيويًا ولا عمليًا. فقد قامت الدولة على توازنات طائفية ومناطقية جعلت العنف دائمًا قابلًا للخروج عن سيطرتها، حتى في فترات السلم الظاهري.
هذا الواقع جعل الدولة عاجزة عن حماية المجال الاقتصادي والسياسي من الانفجار. فالازدهار الذي لا يستند إلى سيادة مكتملة يبقى معلقًا على توازنات خارجية وداخلية هشّة. ويبيّن Joel Migdal أن الدول التي تفشل في فرض سلطتها على شبكات المجتمع تتحول إلى “دول تفاوضية” تعيش على تسويات مؤقتة (Migdal، المرجع [3]، ص 34–40).
وعليه، لم يكن ازدهار الستينات محميًا بدولة قادرة على فرض قواعد اللعبة، بل بتوازن قلق سرعان ما انهار. وهذا ما يجعل الحديث عن “استعادة تلك المرحلة” دون معالجة مسألة السيادة تكرارًا للخطأ نفسه.
4. الطائفية كبنية تأسيسية لا كعارض سياسي
من الأخطاء الشائعة اعتبار الطائفية عاملًا طارئًا انفجر لاحقًا وأطاح بدولة كانت تسير في مسار طبيعي. غير أن التحليل البنيوي يُظهر أن الطائفية كانت جزءًا من بنية الدولة منذ نشأتها، لا مجرد خلل لاحق. فقد قامت الدولة اللبنانية على تسويات طائفية جعلت الانتماء الأهلي سابقًا على المواطنة.
يرى Arend Lijphart أن الديمقراطيات التوافقية قد تنجح حين تكون مرحلية وتخضع لتطوّر مؤسسي لاحق (Lijphart، المرجع [4]، ص 42–49). غير أن الحالة اللبنانية تُظهر العكس: التوافق تحوّل إلى بنية دائمة عطّلت إنتاج المجال العام. ويتقاطع هذا مع تحليل عزمي بشارة للطائفية بوصفها “نظام تنظيم سلطة” لا تعبيرًا عن تنوّع ثقافي (بشارة، المرجع [12]، ص 55–63).
في الستينات، كانت الطائفية مُدارة بهدوء، لكنها كانت حاضرة في العمق، تمنع تشكّل دولة مواطنية، وتجعل أي ازدهار مشروطًا بعدم المساس بتوازناتها.
5. الستينات كـ«لحظة تكاؤُن» غير مكتملة
في ضوء ما سبق، يمكن قراءة الستينات بوصفها لحظة تكاؤُن ظرفي لا مرحلة تأسيس ناجحة. فقد تلاقت عناصر متعدّدة—اقتصادية، ثقافية، سياسية—دون أن تنتظم في علاقة مؤسسية مستقرة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد. ووفق فلسفة التكاؤُن، لا يكفي توافر العناصر، بل يجب أن تدخل في علاقة إنتاج متبادل كي تتشكّل الدولة بوصفها مسارًا (Deleuze، المرجع [6]، ص 222–230).
في لبنان، بقيت هذه العناصر متجاورة لا متكاؤِنة. لم تتحوّل الحرية الاقتصادية إلى مواطنة، ولم يتحوّل الانفتاح الثقافي إلى هوية سياسية جامعة، ولم يتحوّل النمو إلى سيادة. وهذا ما يفسّر لماذا لم تكن الحرب الأهلية قطيعة مفاجئة، بل انكشافًا لانهيار تكاؤُن لم يكتمل أصلًا.


يبيّن هذا المحور أن لبنان الستينات لم يكن نموذج دولة ناجحة أُحبط لاحقًا، بل تجربة2 ازدهار بلا دولة متكاملة. لقد كان ازدهارًا قائمًا على تكاؤُن ظرفي هشّ، لم يُترجم إلى مؤسسات، ولا إلى سيادة، ولا إلى مواطنة. ومن هنا، فإن استعادته كنموذج تُضلّل النقاش بدل أن تنيره. فالدرس الحقيقي لتلك المرحلة ليس أن لبنان قادر على الازدهار، بل أن الازدهار بلا دولة متكاؤِنة يتحوّل حتمًا إلى أزمة مؤجَّلة.

المحور الثاني
الطائفية والريع: تفكيك مسار التكاؤُن وإنتاج دولة بلا مجال عام
1. من التعدّد الاجتماعي إلى الطائفية كنظام حكم بنيوي
يُختزل النقاش حول الطائفية في لبنان غالبًا في بُعده الثقافي أو الهويّاتي، وكأن المشكلة تكمن في وجود تعدّد ديني أو مذهبي بحدّ ذاته. غير أن هذا الاختزال يُغفل الحقيقة البنيوية الأهم: الطائفية في لبنان ليست مجرّد انعكاس لتعدّد اجتماعي، بل نظام حكم كامل أعاد تنظيم الدولة والمجتمع والاقتصاد على أساس الانتماء الأهلي لا المواطنة. فالتعدّد، في ذاته، لا يُنتج أزمة دولة؛ إنما تتحوّل الأزمة إلى بنيوية حين يُحوَّل هذا التعدّد إلى قاعدة لتوزيع السلطة والشرعية والموارد.
يُظهر Arend Lijphart أن النظم التوافقية قد تشكّل آلية انتقالية لإدارة الانقسام في مجتمعات متعدّدة، شرط أن تكون خاضعة لمسار تطوّر مؤسسي لاحق يُعيد إنتاج المجال العام (Lijphart، المرجع [4]، ص 31–49). إلا أن الحالة اللبنانية سلكت مسارًا معاكسًا: إذ تحوّل التوافق من أداة مؤقتة إلى بنية دائمة، ما أدّى إلى تجميد الهويات بدل تحويلها، وإلى تعطيل الانتقال من الجماعة إلى المواطن. وهكذا، لم تعد الطائفية وسيلة لتنظيم الاختلاف داخل الدولة، بل أصبحت بديلًا عنها.
يتقاطع هذا التحليل مع أطروحة عزمي بشارة التي تُعرّف الطائفية السياسية بوصفها “آلية تنظيم للسلطة تظهر حين تعجز الدولة عن إنتاج مواطنتها” (بشارة، المرجع [12]، ص 41–58). ففي لبنان، لم تُنتج الدولة مواطنًا متساويًا أمام القانون، بل أنتجت رعايا موزّعين على طوائف، لكل منها زعاماتها وشرعيتها الخاصة. وبذلك، لم يكن فشل الدولة لاحقًا للطائفية، بل كانت الطائفية جزءًا من منطق تشكّل الدولة منذ البداية.
2. تفكيك المجال العام: الطائفية كنفي للسياسة
لا يمكن قيام دولة حديثة من دون مجال عام موحَّد تُدار فيه الخلافات بوصفها خلافات سياسية قابلة للتداول والتسوية. غير أن الطائفية، حين تتحوّل إلى نظام حكم، تعمل على تفكيك المجال العام وتحويله إلى فضاءات مغلقة تتنافس فيها الجماعات لا البرامج، والهويات لا السياسات. وبذلك، لا تكون الطائفية نقيضًا للديمقراطية فقط، بل نقيضًا للسياسة ذاتها.
يرى برهان غليون أن الدولة الحديثة تفترض قطيعة مع العصبيات الأولية، وإعادة تنظيم الخلاف داخل فضاء سياسي مشترك (غليون، المرجع [11]، ص 67–75). في لبنان، لم تتحقق هذه القطيعة، بل جرى العكس تمامًا: أُعيد إدخال العصبيات إلى قلب السياسة، وتحولت الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين الطوائف. وبدل أن تكون المؤسسات أدوات لتجريد السلطة من طابعها الأهلي، أصبحت امتدادًا مباشرًا للجماعات.
من منظور التكاؤُن، يُفترض أن تتكوّن الدولة عبر تفاعل منتج بين الاختلافات داخل إطار جامع. غير أن الطائفية اللبنانية عطّلت هذا المسار لأنها ثبّتت الاختلاف في صيغته المغلقة، ومنعت تحوّله إلى اختلاف سياسي قابل للتسوية. وهكذا، لم تُنتج السياسة شرعية مشتركة، بل أعادت إنتاج الانقسام بوصفه موردًا دائمًا للسلطة.
3. الاقتصاد الريعي: قطع الحلقة التكاؤُنية بين الدولة والمجتمع
إذا كانت الطائفية قد فكّكت المجال السياسي، فإن الاقتصاد الريعي جاء ليُكمل تفكيك العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالاقتصاد الريعي، بخلاف الاقتصاد المنتج، لا يحتاج إلى عقد اجتماعي واضح، لأنه لا يقوم على الضرائب مقابل الخدمات، بل على توزيع موارد مالية أو خارجية بمعزل عن الإنتاج والمساءلة.
يُظهر Peter Evans أن الدولة التنموية لا تُبنى إلا عبر علاقة إنتاجية بين الدولة والمجتمع، حيث تُستخدم السياسات العامة لبناء قاعدة اجتماعية داعمة للشرعية (Evans، المرجع [5]، ص 12–20). في المقابل، يبيّن سمير أمين أن الاقتصادات الريعية والتابعة تُضعف الدولة لأنها تفصلها عن المجتمع المنتج، وتحولها إلى وسيط توزيع يخدم شبكات محدودة (أمين، المرجع [13]، ص 95–104).
في لبنان، أدّى الريع المالي والمصرفي إلى كسر الحلقة الأساسية للتكاؤُن الدولتي:
العمل ← الضرائب ← الخدمات ← المساءلة
وبغياب هذه الحلقة، فقد المواطن موقعه بوصفه شريكًا في الدولة، وتحول إلى زبون لدى زعيم أو طائفة. وهكذا، لم يعد الحكم إدارة مصلحة عامة، بل إدارة توزيع ولاءات، ما عمّق أزمة الشرعية وأفرغ الدولة من مضمونها الاجتماعي.
4. التزاوج البنيوي بين الطائفية والريع: دولة الواجهة وشرعيات متعدّدة
تكمن خصوصية الحالة اللبنانية في التزاوج البنيوي بين الطائفية والريع. فالطائفية توفّر الشرعية الأهلية، والريع يوفّر الموارد اللازمة لإدامتها. ومعًا، يشكّلان بنية مغلقة تُقصي الدولة بوصفها علاقة عامة، وتُبقيها مجرّد واجهة قانونية لإدارة توازنات ما دون دولتيّة.
يُظهر Joel Migdal أن الدول التي تفشل في إخضاع الشبكات الاجتماعية لسلطتها تتحول إلى “دول تفاوضية” تعيش على تسويات مؤقتة (Migdal، المرجع [3]، ص 37–45). في لبنان، تحوّلت هذه التسويات إلى قاعدة حكم دائمة، ما منع تشكّل سيادة موحّدة، وأفشل أي إمكانية لإعادة إنتاج التكاؤُن. فالسياسة لم تعد مجالًا لإنتاج المصلحة العامة، بل أداة لإدارة الانقسام وتقاسم الموارد.
5. المقارنة التاريخية: لماذا نجحت دول منقسمة وفشل لبنان؟
تكتسب أزمة لبنان معناها الكامل حين تُقارن بحالات تاريخية أخرى شهدت انقسامات حادّة لكنها نجحت نسبيًا في إعادة بناء الدولة. ففي بلجيكا، واجهت الدولة انقسامًا لغويًا وثقافيًا عميقًا، غير أنها اختارت مسار فدرلة ديناميكية أعادت تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم ضمن إطار دستوري واحد. يبيّن Lijphart أن نجاح النموذج البلجيكي لا يعود إلى التوافق بحدّ ذاته، بل إلى كونه توافقًا مؤسسيًا قابلًا للتعديل، لم يتحول إلى بنية مغلقة تعيق إنتاج المجال العام (Lijphart، المرجع [4]، ص 82–94). هنا، ظلّت الدولة الإطار الوحيد لإنتاج الشرعية.
في إسبانيا ما بعد فرانكو، واجهت الدولة انقسامات قومية حادّة، لكنها أعادت بناء العقد الدستوري على أساس سيادة واحدة ومواطنة مشتركة، مع منح صلاحيات إقليمية ضمن إطار جامع. يبيّن Charles Tilly أن بقاء الدولة الإسبانية لم يكن نتيجة القمع أو الإنكار، بل نتيجة إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمجتمع (Tilly، المرجع [17]، ص 145–158). ورغم الأزمات، ظل مسار التكاؤُن مفتوحًا.
أما في ماليزيا، وهي دولة متعدّدة إثنيًا، فقد استُخدم الاقتصاد بوصفه أداة لبناء تحالف اجتماعي–سياسي داعم للدولة. يوضح Evans أن الدولة الماليزية نجحت نسبيًا لأنها ربطت التنمية بإعادة إنتاج الشرعية، لا بتوزيع الريع الزبائني (Evans، المرجع [5]، ص 67–74).
في المقابل، تُظهر الحالة اللبنانية مسارًا معاكسًا تمامًا: لم تُدمج الانقسامات في إطار دستوري ديناميكي، ولم يُستخدم الاقتصاد لبناء مواطنة، بل جرى تكريس الطائفية والريع بوصفهما بديلين عن الدولة. وهنا لا يعود الفشل إلى التعدّد، بل إلى فشل إدارة مسار التكاؤُن.
6. الطائفية والريع كعائق بنيوي أمام إعادة إطلاق التكاؤُن
تُظهر المقارنة أن الطائفية والريع في لبنان ليسا مشكلتين تقنيتين قابلة للحل الجزئي، بل بنيتين مولّدتين للأزمة. فأي إصلاح لا يطال منطق إنتاج الشرعية وتوزيع الموارد سيبقى أسير إعادة إنتاج النظام نفسه بأشكال مختلفة. ومن منظور التكاؤُن، لا يمكن إعادة بناء الدولة من دون تفكيك هذه البنية المزدوجة، وإعادة وصل السياسة بالمصلحة العامة، والاقتصاد بالإنتاج، والمواطنة بالحقوق والواجبات.
خلاصة المحور الثاني
يبيّن هذا المحور، في ضوء التحليل المقارن، أن أزمة لبنان ليست استثناءً ثقافيًا ولا قدرًا تاريخيًا، بل نتيجة خيار بنيوي في إدارة التعدّد والاقتصاد. فالطائفية والريع، حين يتزاوجان، يُنتجان دولة بلا مجال عام وبلا شرعية جامعة، ويُعطّلان مسار التكاؤُن الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. ومن دون تفكيك هذه البنية، يبقى أي حديث عن الحكم الرشيد أو الإصلاح المؤسسي مجرّد إعادة تدوير للأزمة.

المحور الثالث : الدولة كمسار تكاؤُني:
( إعادة تعريف الحكم وبناء أفق الدولة الممكنة في لبنان)

1. من الدولة كجهاز إلى الدولة كعلاقة: الأساس النظري للتكاؤُن
ينطلق هذا المحور من قلب الإشكالية التي كشفتها المحاور السابقة: إذا كانت أزمة لبنان ليست خللًا إداريًا ولا فشلًا ظرفيًا، بل انهيارًا في مسار التكاؤُن، فإن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم عبر إصلاحات تقنية معزولة، بل عبر إعادة تعريف الدولة نفسها. فالدولة، في هذا المنظور، ليست جهازًا إداريًا أو بنية قانونية قائمة بذاتها، بل علاقة تاريخية حيّة تتشكّل عبر تفاعل متبادل بين المجتمع، والاقتصاد، والسلطة، والشرعية.
تجد هذه المقاربة جذورها في تقليد فلسفي طويل يرى الكينونة السياسية بوصفها صيرورة لا حالة. فمن هيراقليطس الذي فهم الوجود بوصفه حركة دائمة، إلى هيغل الذي رأى الدولة كتجسيد جدلي للأخلاق الموضوعية في التاريخ (Hegel، المرجع [14]، ص 257–265)، وصولًا إلى برغسون ودلوز اللذين شدّدا على الديمومة والاختلاف بوصفهما شرطَي الخلق السياسي (Deleuze، المرجع [6]، ص 212–230). في هذا الإطار، لا تُفهم الدولة ككيان مكتمل، بل كمسار يتطلّب إدارة مستمرة للتناقضات والصراعات داخل المجتمع.
وعندما يُسقَط هذا التصور على الحالة اللبنانية، يتّضح أن فشل الدولة لم يكن نتيجة “ضعف مؤسساتي” فحسب، بل نتيجة غياب علاقة تكاؤُنية قادرة على تحويل الاختلافات الاجتماعية إلى مادة سياسية منتِجة. فالدولة اللبنانية لم تتشكّل بوصفها مركز إنتاج للشرعية، بل كإطار قانوني هشّ لشرعيات متعدّدة، ما عطّل مسار تكاؤُنها منذ البداية.
2. الحكم الرشيد بوصفه تنظيمًا للتفاعل لا ممارسة للسيطرة
في ضوء مفهوم الدولة كمسار تكاؤُني، يُعاد تعريف الحكم الرشيد بصورة جذرية. فالحكم لا يُختزل في ممارسة السلطة أو فرض القواعد، بل يُفهم بوصفه تنظيمًا مستمرًا للتفاعل بين الفاعلين: الدولة، المجتمع، السوق، والمؤسسات الوسيطة. وهذا ما يميّز الحكم الرشيد عن مجرّد “الحكومة”، ويضعه في أفق الحوكمة بوصفها شبكة علاقات لا هرمًا سلطويًا.
يُظهر R.A.W. Rhodes أن التحوّل من government إلى governance يعكس انتقال الدولة من منطق السيطرة العمودية إلى منطق التنسيق الأفقي (Rhodes، المرجع [7]، ص 47–55). غير أن هذا الانتقال لا يعني إضعاف الدولة، بل إعادة تعريف قوتها بوصفها قدرة على إدارة العلاقات لا احتكار القرار. في هذا السياق، تصبح الشرعية نتاجًا للأداء والتجاوب والثقة، لا قرارًا يُمنح مرة واحدة عبر الانتخابات أو النصوص الدستورية.
في لبنان، يكمن جوهر الأزمة في أن الحكم لم يُمارَس يومًا بوصفه تنظيمًا للتكاؤُن، بل بوصفه إدارة توازنات بين جماعات. فالسلطة لم تُستخدم لبناء مجال عام، بل لتفادي الصدام المؤقت بين الطوائف. ومن هنا، فإن إعادة تعريف الحكم الرشيد تتطلّب الانتقال من منطق “من يحكم؟” إلى منطق “كيف تُدار العلاقة بين الدولة والمجتمع؟”.
3. إعادة بناء الشرعية: من الولاء الأهلي إلى المواطنة التكاؤُنية
لا يمكن قيام دولة حديثة من دون شرعية جامعة. غير أن الشرعية، في المنظور التكاؤُني، ليست معطًى ثابتًا ولا مفهومًا قانونيًا صرفًا، بل عملية اجتماعية–سياسية مستمرة. فالشرعية تُنتَج حين يشعر الأفراد بأن الدولة تعبّر عنهم، وتحمي مصالحهم، وتُخضع الجميع لقواعد مشتركة.
يرى Max Weber أن الشرعية تقوم على أنماط من القبول الاجتماعي، لا على القوة وحدها (Weber، المرجع [2]، ص 78–82). وفي لبنان، لم تتشكّل شرعية وطنية جامعة، لأن الدولة لم تنجح في تحويل الأفراد من أعضاء في جماعات أهلية إلى مواطنين متساوين. بل على العكس، جرى ترسيخ شرعيات طائفية بديلة، جعلت الدولة ثانوية في وعي مواطنيها.
من منظور التكاؤُن، لا يمكن تجاوز هذا المأزق عبر خطاب أخلاقي أو دعوة مجردة إلى “المواطنة”، بل عبر إعادة بناء العلاقة التي تجعل المواطنة خيارًا عقلانيًا ومجديًا. وهذا يقتضي ربط الحقوق بالواجبات، والضرائب بالخدمات، والمشاركة السياسية بالمساءلة. فالمواطنة لا تُفرض، بل تُنتَج عبر مسار تكاؤُني طويل تُعاد فيه صياغة الثقة بين الدولة والأفراد.
4. الدولة والاقتصاد: من الريع إلى الإنتاج بوصفه مسار تكاؤُن
يشكّل الاقتصاد أحد المفاصل الأساسية في إعادة بناء الدولة بوصفها علاقة تكاؤُنية. فالاقتصاد ليس قطاعًا منفصلًا عن السياسة، بل حقلًا تُنتَج فيه الشرعية أو تُدمَّر. وقد أظهر المحور الثاني كيف أدّى الاقتصاد الريعي في لبنان إلى تفكيك العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر تحويل الدولة إلى موزّع موارد لا إلى منظم إنتاج.
في المقابل، تُظهر تجارب الدول التنموية أن الاقتصاد المنتج يُعدّ شرطًا لإعادة بناء الشرعية. يبيّن Peter Evans أن الدولة القادرة على التنمية هي تلك التي تتمتّع بـ“استقلالية متجذّرة”، أي دولة قادرة على التدخل في الاقتصاد دون أن تنفصل عن المجتمع (Evans، المرجع [5]، ص 40–48). وهذا النموذج يتطلب بيروقراطية كفوءة، وسياسات عامة واضحة، وشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين.
في لبنان، لا يمكن الانتقال من الريع إلى الإنتاج دون إعادة بناء الدولة نفسها. فالاقتصاد المنتج يحتاج إلى دولة قادرة على التخطيط، والتنظيم، وتحمّل الصراع الاجتماعي الناتج عن إعادة توزيع الموارد. ومن هنا، يصبح التحول الاقتصادي مسارًا تكاؤُنيًا بامتياز، لا إصلاحًا تقنيًا معزولًا.
5. الدولة والتعدّد: إدارة الاختلاف بوصفه موردًا لا عائقًا
يُظهر التحليل المقارن أن التعدّد لا يشكّل في ذاته عائقًا أمام بناء الدولة، بل قد يكون مصدر غنى إذا أُدير ضمن إطار مؤسسي جامع. غير أن ذلك يتطلّب دولة قادرة على تحويل الاختلافات إلى اختلافات سياسية قابلة للتفاوض، بدل تركها في صيغها الهوياتية المغلقة.
في هذا السياق، يقدّم مفهوم التكاؤُن أفقًا بديلًا عن ثنائية “الاندماج القسري” أو “التفكك الطائفي”. فالتكاؤُن لا يلغي الاختلاف، بل ينظّمه داخل مسار تفاعلي يُنتج مصلحة عامة. وهذا يتطلب إصلاحًا سياسيًا تدريجيًا يُعيد تعريف التمثيل، والقانون الانتخابي، ودور الأحزاب، بما يسمح بانتقال الصراع من مستوى الهويات إلى مستوى السياسات.
في لبنان، يعني ذلك تفكيك الطائفية السياسية بوصفها نظام حكم، لا محاربة التنوّع الاجتماعي. فالدولة التكاؤُنية لا تقوم على إنكار الجماعات، بل على نزع طابعها السيادي وإعادة إدماجها في فضاء مواطني مشترك.
6. أفق إعادة إطلاق التكاؤُن: من الإصلاح الجزئي إلى المشروع التاريخي
تُظهر التجربة اللبنانية أن الإصلاحات الجزئية—سواء كانت قانونية أو اقتصادية—تفشل حين تُطرح خارج مشروع تاريخي شامل لإعادة بناء الدولة. فمن دون إطار نظري يحدّد معنى الدولة والحكم والشرعية، تتحول الإصلاحات إلى أدوات لإدارة الأزمة لا لتجاوزها.
في هذا السياق، تُقترح إعادة بناء الدولة في لبنان بوصفها مشروعًا تكاؤُنيًا طويل الأمد، يتطلب:
إعادة تعريف وظيفة الدولة بوصفها منسّقًا للعلاقات لا موزّعًا للغنائم
إعادة بناء الشرعية عبر الأداء والعدالة والمؤسسات
إعادة ربط الاقتصاد بالإنتاج والمساءلة
إعادة تنظيم التعدّد داخل إطار سياسي جامع
هذه ليست خطوات تقنية، بل مسار تاريخي يتطلّب صراعًا اجتماعيًا مشروعًا، وتسويات، وتراكم ثقة. ووفق فلسفة التكاؤُن، لا تُقاس نجاحات الدولة بالوصول إلى حالة مثالية، بل بقدرتها على الاستمرار في التحوّل دون الانهيار.
خلاصة المحور الثالث
يؤسّس هذا المحور لإطار نظري يُعيد تعريف الدولة والحكم خارج المنطق الإداري أو الأخلاقي، ويضعهما في أفق تكاؤُني يربط السياسة بالاقتصاد، والشرعية بالمواطنة، والاختلاف بالمصلحة العامة. وبهذا المعنى، لا تُطرح إعادة بناء الدولة في لبنان كمهمة تقنية، بل كمشروع تاريخي مفتوح، لا يهدف إلى استعادة ماضٍ منقضٍ، بل إلى بناء دولة قادرة على إعادة إنتاج تكاؤُنها في وجه الأزمات.


الخاتمة:

الدولة اللبنانية بين الانهيار وإمكان إعادة إطلاق مسار التكاؤُن
انطلقت هذه الأطروحة من فرضية مفادها أن أزمة لبنان لا يمكن فهمها أو معالجتها ضمن أطر الإصلاح التقني أو التوصيف الأخلاقي، لأن ما انهار ليس أداء حكومة أو قطاعًا اقتصاديًا بعينه، بل المسار الذي تتكوّن عبره الدولة ذاتها. لقد بيّنت الدراسة، عبر تحليل تاريخي بنيوي ومقارنة نظرية وميدانية، أن الدولة اللبنانية لم تفشل بعد اكتمال تشكّلها، بل تعثّرت في بلوغ مرحلة التكاؤُن المستقر أصلًا. ومن هنا، فإن استعادة صورة “لبنان الستينات” لا تعبّر عن مشروع سياسي قابل للتحقق، بقدر ما تعكس حنينًا إلى لحظة ازدهار ظرفي لم تُؤسَّس مؤسسيًا ولم تُترجَم إلى عقد اجتماعي دائم.
أظهر المحور الأول أن ازدهار الستينات لم يكن نتاج دولة قوية أو سياسة تنموية واعية، بل نتيجة تقاطع مؤقت لعناصر اقتصادية وثقافية وسياسية عملت بجوار الدولة لا من خلالها. فقد سبق الاقتصاد بناء الدولة، وبقيت السيادة منقوصة، ولم يتحقق احتكار العنف الشرعي، ما جعل ذلك الازدهار هشًا بطبيعته وقابلًا للانهيار عند تغيّر الشروط. وبذلك، لم تكن الحرب الأهلية قطيعة مفاجئة مع مسار ناجح، بل لحظة انكشاف لانهيار تكاؤُن لم يكتمل.
وكشف المحور الثاني أن الطائفية والريع شكّلا، معًا، بنية مضادّة للتكاؤُن عطّلت إنتاج الدولة الحديثة. فالطائفية لم تكن تعبيرًا عن تعدّد اجتماعي، بل نظام حكم أعاد تنظيم السياسة والشرعية على أساس الانتماء الأهلي، وفكّك المجال العام، ومنع تشكّل مواطنة جامعة. وجاء الاقتصاد الريعي ليُكمل هذا التفكيك عبر قطع الحلقة التي تربط العمل بالضرائب، والخدمات بالمساءلة، ما حوّل الدولة إلى وسيط توزيع لا إلى فاعل سيادي. وأكّدت المقارنة التاريخية مع حالات مثل بلجيكا وإسبانيا وماليزيا أن التعدّد في ذاته لا يمنع بناء الدولة، وأن العامل الحاسم يكمن في كيفية إدارة مسار التكاؤُن بين الجماعات والدولة والاقتصاد.
أما المحور الثالث، فقد أسّس لإطار نظري بديل يُعيد تعريف الدولة بوصفها علاقة تاريخية حيّة لا جهازًا إداريًا، والحكم بوصفه تنظيمًا مستمرًا للتفاعل لا ممارسة للسيطرة. ومن خلال مفهوم التكاؤُن، أعادت الأطروحة ربط السياسة بالاقتصاد، والشرعية بالمواطنة، والاختلاف بالمصلحة العامة، مبيّنة أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم عبر إصلاحات جزئية معزولة، بل عبر مشروع تاريخي طويل الأمد يعيد إنتاج الثقة والمؤسسات والشرعية في آن واحد.
تتمثّل الإضافة النظرية الأساسية لهذه الأطروحة في نقل تحليل الدولة من مستوى البنية إلى مستوى العلاقة، ومن سؤال “لماذا فشلت الدولة؟” إلى سؤال “كيف انهار مسار تكاؤُنها؟”. بهذا المعنى، لا تُفسَّر الأزمة اللبنانية بوصفها استثناءً ثقافيًا أو قدرًا تاريخيًا، بل بوصفها نتيجة خيارات بنيوية في إدارة التعدّد والاقتصاد والشرعية. كما تقدّم الأطروحة مفهوم التكاؤُن بوصفه أداة تحليلية صالحة لفهم أزمات الدولة في السياق العربي الأوسع، حيث تتكرّر ظاهرة الدول الشكلية التي لم تُنتج مواطنتها ولا سيادتها ولا اقتصادها المنتج.
إن أفق الخروج من الأزمة، وفق ما توصّلت إليه الدراسة، لا يكمن في استعادة نموذج ماضوي ولا في استيراد وصفات جاهزة، بل في إعادة إطلاق مسار تكاؤُن موجَّه يعيد تعريف وظيفة الدولة، ويحوّل الاختلاف من عائق إلى مورد، والاقتصاد من ريع إلى إنتاج، والشرعية من ولاء أهلي إلى مواطنة فاعلة. فالدولة القابلة للحياة ليست تلك التي “تكون” في لحظة تاريخية معيّنة، بل تلك التي تنجح في إعادة إنتاج تكاؤُنها عبر الزمن دون أن تنهار.

 المراجع :
  
 
[1] North, Douglass C. (1990). Institutions, Institutional Change and Economic Performance. Cambridge University Press, pp. 3–12, 54–67.
[2] Weber, Max (1919). Politics as a Vocation. In: From Max Weber: Essays in Sociology, Oxford University Press, pp. 77–82.
[3] Migdal, Joel S. (1988). Strong Societies and Weak States. Princeton University Press, pp. 34–45.
[4] Lijphart, Arend (1977). Democracy in Plural Societies. Yale University Press, pp. 31–49, 82–94.
[5] Evans, Peter (1995). Embedded Autonomy: States and Industrial Transformation. Princeton University Press, pp. 12–20, 40–48, 67–74.
[6] Deleuze, Gilles (1968). Difference and Repetition. Columbia University Press, pp. 212–230.
[7] Rhodes, R.A.W. (1997). Understanding Governance. Open University Press, pp. 47–55.
[8] العروي، عبد الله (1981). مفهوم الدولة. المركز الثقافي العربي، ص 45–62، 103–118.
[9] بن نبي، مالك (1959). شروط النهضة. دار الفكر، ص 71–89.
[10] الصليبي، كمال (1988). بيت بمنازل كثيرة. دار النهار، ص 112–128.
[11] غليون، برهان (1993). نقد السياسة: الدولة والدين. المركز الثقافي العربي، ص 67–75، 141–156.
[12] بشارة، عزمي (2017). الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 41–63، 119–137.
[13] أمين، سمير (1976). التراكم على الصعيد العالمي. دار ابن خلدون، ص 95–109.
[14] Hegel, G.W.F. (1821). Elements of the Philosophy of Right. Cambridge University Press, pp. 257–265.
[15] الجابري، محمد عابد (1990). العقل السياسي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، ص 213–229.
[16] Polanyi, Karl (1944). The Great Transformation. Beacon Press, pp. 76–85.
[17] Tilly, Charles (1992). Coercion, Capital, and European States. Blackwell, pp. 25–31, 145–158.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM