سياسة المهل في الحروب الممتدة: من إدارة الصراع إلى هندسة نتائجه في الشرق الأوسط
كسب الوقت حتى تتغير الظروف الدولية
2026-03-27
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
سياسة المهل في الحروب الممتدة: من إدارة الصراع إلى هندسة نتائجه في الشرق الأوسط
المؤلف: د. فريد جبور
التاريخ: 27 آذار 2026
لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُدار بمنطق الحسم السريع أو المواجهة المباشرة التي تنتهي بانتصار واضح لأحد الأطراف، بل دخلت في طور جديد يمكن تسميته بـ “زمن المهل الاستراتيجية”، حيث تتحول المهلة الزمنية ذاتها إلى أداة من أدوات الحرب، لا مجرد عنصر خارجي لتنظيمها. في هذا السياق، تكتسب السياسة التي يعتمدها دونالد ترامب أهمية تحليلية خاصة، إذ يقوم على تكرار منح المهل، تمديدها، وإعادة ضبطها، في تزامن لافت مع تصعيد ميداني متواصل، لا مع تهدئة حقيقية.
هذه المفارقة الظاهرية بين “إعطاء الوقت” و”تسريع الحرب” ليست تناقضاً، بل هي تعبير عن تحول عميق في بنية الصراع: من حرب تهدف إلى الحسم، إلى حرب تهدف إلى إعادة تشكيل الوقائع تدريجياً. وفي هذا الإطار، لا تُستخدم المهلة لإيقاف الحرب، بل لإعادة توزيع عناصرها، وتغيير إيقاعها، وإعادة ترتيب موازين القوى داخلها.
الإشكالية التي يطرحها هذا البحث تنبثق من هذا التحول:
هل تعكس سياسة المهل عجزاً عن الحسم، أم أنها تعبير عن استراتيجية جديدة تقوم على إدارة الحرب كعملية مفتوحة لإنتاج نتائج تراكمية؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما موقع لبنان في هذه الاستراتيجية؟ وهل يتحول إلى ساحة استثمار زمني لتعويض تعثر الحسم في ساحات أخرى؟
ينطلق البحث من فرضية أن الحرب الدائرة حالياً ليست حرب مواجهة تقليدية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بل هي حرب متعددة المستويات: عسكرية، زمنية، إدراكية، واقتصادية، وأن “المهلة” فيها تؤدي وظيفة مركزية في إدارة هذه المستويات مجتمعة.
وعليه، يتوزع البحث على ثلاثة محاور مترابطة:
أولاً: تأصيل مفهوم “المهلة الاستراتيجية” في الحروب المعاصرة.
ثانياً: تطبيق هذا المفهوم على الحرب الحالية، وتحليل سلوك الأطراف الفاعلة.
ثالثاً: موقع لبنان في هذه المعادلة، واحتمالات المستقبل والحلول الممكنة.
أولاً: المهلة كأداة استراتيجية في الحروب الحديثة
لم يعد الزمن في الحروب مجرد إطار محايد، بل أصبح أداة فاعلة في إنتاج القوة. ففي النظريات الحديثة، ولا سيما ضمن دراسات الاستراتيجية المعاصرة، يُنظر إلى الحرب بوصفها عملية ديناميكية تُدار عبر ثلاثة عناصر: القوة، المعلومات، والزمن.
في هذا السياق، تتحول المهلة إلى أداة لتحقيق أربع وظائف أساسية:
1. إعادة توزيع القوة:
الوقت يسمح بإعادة التموضع العسكري، إدخال قوات، أو إعادة ترتيب التحالفات.
2. إدارة الإدراك:
إعطاء مهلة يوحي بالرغبة في التفاوض، حتى في ظل تصعيد فعلي، ما يخفف الضغط الدولي ويكسب شرعية مؤقتة.
3. اختبار الخصم:
المهلة ليست استراحة، بل اختبار لرد فعل الطرف الآخر: هل يتراجع؟ هل يصعّد؟ هل ينقسم داخلياً؟
4. تراكم الإنجازات الميدانية:
في الحروب غير الحاسمة، يتحول الزمن إلى وسيلة لتحقيق مكاسب تدريجية بدل الانتصار الكلي.
وهنا يظهر مفهوم “الحرب التراكمية”، حيث لا يُقاس النصر بضربة واحدة، بل بسلسلة من التغيرات الصغيرة التي تتحول مع الزمن إلى واقع استراتيجي جديد.
ثانياً: تطبيق النموذج على الحرب الراهنة
1. الاستراتيجية الأميركية: بين الردع والتجنب
تعتمد الولايات المتحدة على معادلة دقيقة:
منع انتصار إيران
منع هزيمة إسرائيل
تجنب الانخراط في حرب برية شاملة
لذلك، تستخدم سياسة المهل كوسيلة لتحقيق توازن بين هذه الأهداف المتناقضة. فهي لا تريد الحسم السريع لأنه مكلف، ولا تريد التراجع لأنه يضعف هيبتها، فتختار إدارة الصراع بدل إنهائه.
2. الاستراتيجية الإيرانية: الصمود وإطالة النفس
من جهتها، تعتمد إيران على استراتيجية معاكسة تقوم على:
امتصاص الضربات
تفكيك الضغط عبر تعدد الجبهات
كسب الوقت حتى تتغير الظروف الدولية
وهنا تلتقي الاستراتيجيتان الأميركية والإيرانية في نقطة paradoxية:
كلاهما يستثمر في الزمن، لكن لأهداف متعاكسة.
3. الاستراتيجية الإسرائيلية: تحويل الزمن إلى جغرافيا
أما إسرائيل، فتتبنى منطقاً مختلفاً:
استثمار الوقت لفرض وقائع ميدانية
التقدم التدريجي في الجنوب اللبناني
محاولة إنشاء واقع أمني دائم (منطقة عازلة)
وهنا يصبح الزمن أداة لتحويل السيطرة المؤقتة إلى سيطرة دائمة.
ثالثاً: لبنان كساحة زمنية للحرب
لبنان ليس طرفاً كاملاً في هذه الحرب، لكنه ليس خارجها. إنه ساحة تُستثمر فيها نتائج الزمن.
1. منطق التقدم البطيء
التوغل الإسرائيلي في الجنوب لا يهدف بالضرورة إلى حسم سريع، بل إلى:
استنزاف المقاومة
اختبار ردود الفعل الدولية
تثبيت مواقع تدريجية
2. غياب الحسم الدولي
رغم تحركات الأمم المتحدة وطلب روسيا عقد اجتماعات، يبقى التأثير محدوداً، لأن:
القرار الدولي منقسم
القوى الكبرى منخرطة بشكل غير مباشر في الصراع
الأدوات التنفيذية ضعيفة
3. خطر تحويل لبنان إلى “تعويض استراتيجي”
إذا تعذر الحسم ضد إيران، قد تتحول الساحة اللبنانية إلى:
مجال لتحقيق إنجاز بديل
منصة لفرض شروط تفاوضية لاحقة
أو ساحة مفتوحة لاستمرار الحرب بأشكال مختلفة
رابعاً: الحلول الممكنة
(أ) الحل العام – على مستوى الإقليم
وقف متزامن للحرب يشمل جميع الجبهات دون استثناء
ربط التفاوض بالزمن المحدد لمنع التلاعب بالمهل
منع تغيير الوقائع بالقوة خلال فترات التفاوض
إدخال أطراف متعددة في الوساطة لكسر الاحتكار السياسي
(ب) الحل الخاص بلبنان
توحيد القرار السياسي الداخلي
رفض تحويل الجنوب إلى منطقة تفاوض غير مباشر
الضغط لوقف فوري لأي تقدم عسكري إسرائيلي
ربط أي هدنة بانسحاب واضح ومحدد زمنياً
تعزيز الحضور الدولي التنفيذي لا الرمزي
خاتمة تركيبية
تكشف الحرب الراهنة أن الزمن لم يعد مجرد عامل في الحرب، بل أصبح ميداناً قائماً بذاته. ومن هنا، فإن سياسة المهل التي يعتمدها دونالد ترامب ليست دليلاً بسيطاً على التردد أو العجز، بل هي تعبير عن انتقال الحرب إلى مستوى جديد، حيث تُدار لا بهدف إنهائها، بل بهدف إعادة تشكيل نتائجها تدريجياً.
غير أن هذا التحول يحمل خطراً خاصاً على لبنان، لأنه يجعله ساحة مفتوحة لامتصاص فائض الصراع الإقليمي. فحين تعجز القوى الكبرى عن الحسم، تميل إلى نقل ثقل الحرب إلى الأطراف الأضعف.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس فقط وقف الحرب، بل منع تحوله إلى نتيجة دائمة لها.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن السؤال لم يعد: متى تنتهي الحرب؟
بل أصبح: أين ستُختتم، وعلى حساب من؟
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
سياسة المهل في الحروب الممتدة: من إدارة الصراع إلى هندسة نتائجه في الشرق الأوسط
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
وطن الأرز
بقلم لميس شقير ( كاتبة ومنتجة )
حكاية وطنٍ
الدكتور هشام الأعور
الأم في الديانات والحضارات: قراءة تكاؤنية في أصل الوجود ومعناه
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
إهداء إلى العلامة إميل يعقوب بمناسبة تكريمه من الحركة الثقافية أنطلياس
الأب ميخائيل روحانا الأنطوني
هّمة الرجال تقلع الجبال
البروفسور جهاد نعمان
أنطولوجيا الأمومة والتكاؤن الإنساني
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
إعادة بناء الدولة اللبنانية
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لبنان بين أسر الماضي وتحوّلات الحاضر: نحو مشروع وطني إصلاحي جامع
الدكتور هشام الأعور
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM