tiktok
Logo

خطيب... ما زال مستمراً!

خطيب قدير، ومعلّم عتيق، وقطب سياسي بارز

2025-12-19

البروفسور جهاد نعمان

خطيب قدير، ومعلّم عتيق، وقطب سياسي بارز، حين يخطب، تخاله السيل ينحدر من عل (ضمة على اللام) فيقتلع، في سيلانه، الشجر والحجر، ليلقيهما في قاع البحر. وفي سياق كلامه الهادر الدفّاق والمدوي، تعترضه جملة جموح، ألمّ بها وباء عضال فتقطّعت منه الأوصال، فيخفت صوته، كأنه شجيّ بالشجا، فغصّ به، أكان ذياك الشجا، شظية عظمة، أم شوكة، أم جرعة حزن. ماذا دهى خطيبنا حتى انتقل فجأة، من صياغة الدرر، إلى الهذيان، إلى الهذر؟ انها جملة فضحت الأمر: «مدفوعين من كل الناس من كل الفرقاء الخارجين عن الشرعية».

 
 

ان «مدفوعين من كل الناس» تتضمن تناقضا فاضحا، فاسم المفعول هو في منزلة الفعل المجهول فاعله. ان الخطيب المذكور، يعرف أو لا يعرف، الذين دفعوا وهم «من كل الناس» وهذا خطأ فادح. والجمع «فرقاء»، هو مزوّر، يجب إبداله بواحد من الجموع الثلاثة الصحيحة التالية: أفرقاء (نغم أصدقاء) وأفرقة (نغم أرغفة)، وفروق (نغم دموع). و«الخارجين عن الشرعية»، خطأ، والصواب: الخارجين على الشرعية. وكان لله في عون الخطيب وكل الخطباء! و«ما زال (الخطيب ) مستمرا»... خطأ فادح، يتردد عبر الإذاعات والتلفزة وسواهما. إني سمعته وقرأته. فالفعل «ما زال»، يفيد الاستمرار، وتصبح معه اللفظة «مستمرا» حشوا كريها، يجب الاستغناء عنه. والحشو على أنواع ثلاثة:
أولها: الحشو الرديء كقولهم: ما زال مستمرا، أو كقولهم: صداع الرأس. ومعلوم ان الصداع، لا يصيب إلّا الرأس. إذا، كلمة الرأس، حشو لا مبرر له هنا.
وثانيها: الحشو المستغنى عنه، ولكن لا بأس به، في موضعه، كما في قول النابغة:
 لعمري، وما عمري عليّ بهيّن،
لقد نطقت بطلا على الاقارع
فالجملة الاعتراضية: «وما عمري عليّ بهيّن»، حشو، لان كل إنسان يغلو عنده عمره، وهذا لا يحتاج إلى برهان. وإنما ذكره هنا، يفيد تفخيم الكلام ويؤكده، ويشحن هذا الكلام بطاقة من الحيوية.
وثالثها: الحشو الأحسن، وهو أيضا مستغنى عنه، ولكنه يحسن في موقعه، كقول الشاعر:
ان الثمانين، وبلغتها، قد
أحوجت سمعي إلى ترجمان
فالجملة الاعتراضية: «وبلغتها» حشو يستغنى عنه، ولكنه هنا، يشبه حشو اللوزينج، وهو نوع من الحلوى، حشوه خير من خبزته!

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM