tiktok
Logo

مبدأ الفصل بين السلطات

يشكّل مبدأ الفصل بين السلطات أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها الدولة الدستورية الحديثة

2025-12-27

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

 

مبدأ الفصل بين السلطات

بقلم: د. فريد جبّور – بيروت، 10 كانون الأول 2025

المقدمة

يشكّل مبدأ الفصل بين السلطات أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها الدولة الدستورية الحديثة، وهو حجر الزاوية في أي نظام يسعى إلى منع الاستبداد، وتحقيق توازن فعلي بين مراكز القوة داخل الدولة، وضمان الحقوق والحريات عبر توزيع الوظائف السياسية على سلطات مستقلة نسبياً. وقد أصبح هذا المبدأ معياراً يقاس به مدى ديمقراطية الأنظمة السياسية وفعالية مؤسّساتها. ولئن كان ظهوره في الفكر السياسي مرتبطاً بأسماء مثل أرسطو ومونتسكيو، إلا أنّ جذوره أقدم بكثير، فهي تمتد إلى الفلسفة اليونانية، والفكر الروماني، والممارسات العرفية لمجتمعات ما قبل الدولة الحديثة.

إنّ هذا المبدأ لم يتكوّن دفعة واحدة، بل تبلور عبر مراحل طويلة بدأت بالملاحظة الفلسفية، ثم تحوّلت إلى أداة تحليلية للسلطة، قبل أن تصبح قاعدة بنيوية للأنظمة الدستورية. وقد اكتسب المبدأ أهمية متزايدة مع تطوّر العلوم السياسية والدستورية، واتساع الحاجة إلى آليات الرقابة والمساءلة، خصوصاً بعد التجارب التاريخية التي أثبتت أنّ تركيز السلطة يؤدي حتماً إلى انحرافها.

يتناول هذا البحث ثلاثة أقسام مترابطة:
القسم الأول يقدّم التطوّر الفلسفي والتاريخي للمبدأ، وولادته في الفكر الدستوري الحديث، وتحولاته

القسم الثاني يعرض تطبيقات المبدأ عالمياً، مع جدول مقارن، وكيف تفاعل المبدأ مع الدول المتعددة المكوّنات، ومنها لبنان.
القسم الثالث يناقش مستقبل المبدأ فلسفياً ودستورياً، مع تقييم معمّق لوضعه في النظام اللبناني، واقتراحات لتطوير تطبيقه.


القسم الأول: تطوّر مبدأ الفصل بين السلطات: الجذور الفلسفية والنظرية والمنهجية

إن البحث في جذور مبدأ الفصل بين السلطات لا يقتصر على العصر الحديث، بل يمتد إلى الفكر السياسي القديم حيث طُرحت لأول مرة مسألة تنظيم السلطة ومنع تغوّلها. فقد أشار أفلاطون في "الجمهورية" إلى ضرورة توزيع وظائف المدينة بين فئات مختلفة وفق الكفاءات¹، وهو وإن لم يستخدم مصطلح "الفصل بين السلطات"، إلا أنّه وضع فكرة التوزيع الوظيفي الذي يمنع الاستبداد. أمّا أرسطو فقد ذهب أبعد من ذلك في "السياسة" عندما ميز بين ثلاث وظائف: التشريع، التنفيذ، القضاء²، وهي أول صياغة قريبة من المفهوم الحديث، وإن كانت داخل إطار المدينة – الدولة.

وفي الفكر الروماني، قدّم شيشرون نموذجاً عملياً ومفهوماً أكثر مرونة لتوزيع السلطة بين المجالس الشعبية ومجلس الشيوخ والقضاة³، وذلك في إطار فهمه للحرية السياسية بوصفها نتائج توازن بين القوى الاجتماعية. ومع ذلك، فإن التطور الفعلي للمبدأ جاء في العصر الوسيط عندما بدأ الفقهاء يطوّرون فكرة "حدود السلطان"، ولا سيما فقهاء القانون الكنسي الذين وضعوا قيوداً على سلطة الملوك⁴.

لكنّ التحول الحقيقي ظهر مع الفلاسفة الحداثيين وخصوصاً جون لوك الذي صاغ تصوراً واضحاً للفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية⁵، باعتبار الأولى تعبيراً عن الإرادة العامة والثانية أداة تنفيذية لها. ورأى لوك أنّ الفصل يمنع طغيان القوة التنفيذية. ثم جاءت بلورة مونتسكيو التي شكلت نقطة الانعطاف الكبرى، إذ اعتبر في "روح القوانين" أنّ الحرية السياسية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا لم تُجمع السلطات كلها في يد شخص واحد أو هيئة واحدة⁶. وقد حوّل مونتسكيو الفكرة من مجرد تنظير فلسفي إلى نظام مؤسساتي قادر على حماية الحقوق.

ومع نشوء الدولة الدستورية الحديثة، أصبح المبدأ جزءاً من العلم الدستوري الذي درس وظائف الدولة وتقسيمها وآثارها. كما ظهر تأثيره في النظريات الديمقراطية التي تربط بين توازن السلطات والشرعية السياسية، وفي نظريات الرقابة والمساءلة التي تعدّ الفصل شرطاً لكي تراقب كل سلطة الأخرى. كذلك ساهمت علوم أخرى مثل علم الإدارة العامة والعلوم القضائية وعلم الاجتماع السياسي في تطوير فهم أكثر دقة لديناميات السلطة، وتفاعل السلطات بعضها مع بعض.

ويُعدّ المبدأ أيضاً أساسياً في نظريات الحد من الفساد السياسي⁷، حيث تبيّن أنّ تركيز الوظائف بيد جهة واحدة يؤدي إلى غياب الرقابة، وبالتالي إلى تفكك الدولة. من جهة أخرى، فإن الفصل بين السلطات ليس مفهوماً جامداً، بل هو إطار وظيفي يراعي خصوصيات كل دولة؛ فاختلاف الثقافة السياسية يغيّر من شكل التطبيق، كما في التجربة البريطانية القائمة على الفصل المرن، والأميركية التي تطبق الفصل الصارم، والفرنسية التي تعتمد نموذجاً هجينا⁸.

وقد أثّر هذا المبدأ تأثيراً مباشراً في تطور الديمقراطيات الحديثة، إذ نُظر إليه بوصفه شرطاً لبناء اقتصاد سياسي مستقر ومؤسسات منتجة. وتؤكد دراسات حديثة أنّ الأنظمة التي تعتمد الفصل الحقيقي بين السلطات تحقق معدلات أعلى من الاستقرار المؤسسي والتحول السلمي للسلطة⁹.

 

جدول (1): الجذور التاريخية للفصل بين السلطات

المرحلة    الفلاسفة/المنظّرون    أبرز الأفكار    أثرها في الدستور الحديث

اليونان القديمة    أفلاطون، أرسطو    توزيع الوظائف، وظائف الدولة الثلاث    التأسيس النظري الأول
روما    شيشرون    توازن القوى الاجتماعية    الربط بين الحرية والتوازن
العصور الوسطى    فقهاء الكنيسة    حدود السلطان    قيود على السلطة المطلقة
الحداثة    لوك، مونتسكيو    الفصل الوظيفي والمؤسساتي    تكريس المبدأ في الدساتير
العصر المعاصر    فقهاء القانون الدستوري    الرقابة، المحاسبة، الاستقلال    بناء الأنظمة الديمقراطية

القسم الثاني: تطبيقات مبدأ الفصل بين السلطات في الأنظمة الدستورية وتطوّره في الدول المتعدّدة المكوّنات


إنّ تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات في العالم لم يكن موحّداً، بل تباين بحسب طبيعة الأنظمة السياسية وتاريخ الدولة وثقافتها الدستورية. فقد عرف العالم نماذج مختلفة، من الفصل المرن كما في بريطانيا، إلى الفصل الصارم كما في الولايات المتحدة، وصولاً إلى النماذج الهجينة كما في فرنسا ولبنان. ويكشف التحليل المقارن أنّ مدى نجاح المبدأ مرتبط بوجود ثقافة سياسية تؤمن بالتوازن، ومؤسسات مستقلة، ونخب حاكمة تقبل بالحدود المفروضة عليها.

ظهر النموذج الأبرز لتطبيق المبدأ في الولايات المتحدة، حيث نصّ الدستور بوضوح على توزيع الوظائف بين السلطات الثلاث، ومنع الجمع بينها¹⁰. وقد تطور النظام الأميركي ليصبح نموذجاً في الضوابط والتوازنات (Checks and Balances)، حيث تستطيع كل سلطة مراقبة الأخرى: الكونغرس يراقب الرئيس، الرئيس يملك الفيتو، والمحكمة العليا تملك حق الرقابة الدستورية. وقد أكّدت دراسات حديثة أنّ هذا النموذج حافظ على استقرار سياسي أطول من أي ديمقراطية أخرى في العالم¹¹.

أما النظام البريطاني، فقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على الفصل المرن (Flexible Separation) حيث يندمج البرلمان والحكومة، بينما تبقى السلطة القضائية مستقلة إلى حدّ كبير. ورغم هذا الاندماج، فإن بريطانيا حققت نجاحاً لافتاً بفضل تقليد سياسي يحترم الأعراف الدستورية، ويمنع تركّز السلطة بشكل فعلي¹².

وفي فرنسا، يُعدّ دستور 1958 نموذجاً لـ"الفصل الهجين"، إذ يمنح الرئيس صلاحيات واسعة من دون المساس بقدرة البرلمان على الرقابة. وقد أدى هذا المزيج إلى ديناميكية مؤسساتية أثبتت قدرتها على مواجهة الأزمات السياسية، ولا سيّما عندما تتغير الأغلبية البرلمانية (Cohabitation)¹³.

أما في الدول المتعددة المكونات، كـ بلجيكا وكندا والهند ولبنان، فإن الفصل بين السلطات يأخذ طابعاً أكثر تعقيداً لأنه يلتقي مع مسألة توزيع السلطة بين المجموعات المختلفة. ففي هذه الدول، تؤثر الهوية الدينية أو الإثنية على وظيفة المؤسسات الدستورية. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أنّ الفصل بين السلطات في الدول المتعددة الطوائف يحتاج إلى توازن مزدوج: توازن بين السلطات، وتوازن بين الجماعات¹⁴.

وقد نجحت بلجيكا في ذلك عبر نظام فيدرالي يمنح صلاحيات واسعة للمناطق واللغات، إضافة إلى فصل شبه صارم في المستوى الاتحادي. بينما اعتمدت الهند نموذجاً يقوم على فصل معقول مع سلطات قوية للحكومة المركزية في مواجهة الولايات، ما ساعدها على استقرار نسبي رغم التنوع الهائل¹⁵.

أمّا لبنان، فهو نموذج فريد حيث يتداخل الفصل بين السلطات مع النظام الطائفي، ما يؤدي إلى تحويل المبدأ من أداة لتحقيق التوازن المؤسسي إلى مجال تفاوض سياسي دائم. ويبيّن الفقه الدستوري اللبناني أنّ المبدأ لم يأخذ تطبيقه الكامل بسبب ثلاثة عناصر⁽¹⁶⁾:

1. التوزيع الطائفي للسلطة الذي يجعل كل سلطة خاضعة لميزان دقيق بين الطوائف.


2. غياب آليات المحاسبة الفعلية لأن السلطة التنفيذية موزّعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء.


3. غياب المهل الدستورية أو عدم احترامها، ما يؤدي إلى تعطيل المؤسسات وتفريغ دورها الرقابي.

وقد أثبتت التجربة اللبنانية أنّ الفصل بين السلطات لا يمكن أن يعمل في ظل نظام محاصصة، لأن السلطة تصبح موزعة سياسياً لا وظيفياً، الأمر الذي يؤدي إلى خلط بين دور السلطات وصلاحياتها. فعلى سبيل المثال، البرلمان يتحول أحياناً إلى هيئة انتخاب رئيس الجمهورية أكثر مما هو سلطة تشريعية ورقابية؛ ومجلس الوزراء يصبح ساحة مساومات بين القوى السياسية بدل أن يكون سلطة تنفيذية؛ أما القضاء فيعاني من تدخلات سياسية واضحة تحدّ من استقلاليته.

وتشير دراسات مقارنة حديثة إلى أنّ الدول ذات الأنظمة التوافقية (Consociational Democracies) تميل إلى تقييد الفصل بين السلطات لصالح ضمان تمثيل المكوّنات، لكن نجاحها يتوقف على وجود ثقافة سياسية تفاوضية واستقرار مؤسساتي طويل الأمد، كما في تجربة سويسرا¹⁷. بينما في حالات أخرى، مثل لبنان والعراق والبوسنة، أدى تداخل الطائفية مع الدستور إلى شلل متكرر للمؤسسات¹⁸.
---

جدول (2): مقارنة بين تطبيقات الفصل بين السلطات في نماذج عالمية

الدولة    نوع الفصل    المزايا    التحديات    مستوى الاستقرار

الولايات المتحدة    صارم    رقابة قوية، توازن مؤسسي    الجمود السياسي    مرتفع
بريطانيا    مرن    فعالية الحكومة    غياب الفصل الشكلي    مرتفع
فرنسا    هجين    توازن الرئاسة والحكومة    تضارب الصلاحيات    متوسط – مرتفع
بلجيكا    فدرالي – تعددي    توازن بين المكونات    تعقيد مؤسساتي    متوسط
الهند    فدرالي قوي    وحدة الدولة    نزاعات بين الولايات    متوسط – مرتفع
لبنان    طائفي – هجين    تمثيل مكوّنات    تعطيل المؤسسات    منخفض

القسم الثالث: فلسفة مبدأ الفصل بين السلطات ومستقبله في الأنظمة السياسية عامة وفي النظام اللبناني خاصة
إنّ البحث في مستقبل مبدأ الفصل بين السلطات يتطلّب مقاربة فلسفية ودستورية في آن واحد، لأنه مبدأ يتجاوز الإطار القانوني ليشكّل رؤية متكاملة لطبيعة السلطة ووظيفتها وحدودها. فمنذ القرن الثامن عشر حتى اليوم، ظلّ المبدأ في تطوّر مستمر، وقد أثبت قدرته على التكيّف مع التحوّلات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية. لذلك فإنّ السؤال الأساسي لم يعد يتمحور حول بقاء المبدأ، بل حول كيفية تطويره ليواجه تحديات القرن الحادي والعشرين.

من الناحية الفلسفية، يستند المبدأ إلى فرضية محورية مفادها أنّ السلطة تميل بطبيعتها إلى التوسع، كما يؤكّد هوبز ولوك ومونتسكيو. لذلك يجب أن تُضبط عبر توازن داخلي يخلق حالة من "الرقابة المتبادلة". وقد اعتبر الفيلسوف الأميركي جيمس ماديسون أنّ الإنسان ليس ملاكاً، وبالتالي لا يمكن تركّز السلطة في يد جهة واحدة دون رقابة. ومن هنا نشأت الفكرة الجوهرية:
"لكي تتحكم السلطة نفسها، يجب أن تُقسّم." (Federalist No. 51).¹⁹

ومع تطور العلوم السياسية والاجتماعية، أصبح الفصل بين السلطات وسيلة لتحقيق الحوكمة الرشيدة (Good Governance)، وشرطاً لازماً لمكافحة الفساد وحماية مؤسسات الدولة²⁰. وتؤكد الدراسات الحديثة أنّ الدول التي تتمتع بفصل فعلي بين السلطات تحقق مستويات أعلى من الفعالية الحكومية، واحترام الحقوق، واستقرار الاقتصاد السياسي²¹.

لكن المبدأ يواجه اليوم تحديات جديدة، منها:

1. تضخم السلطة التنفيذية في معظم الديمقراطيات المعاصرة، خصوصاً بعد ازدياد دور الحكومات في إدارة الاقتصاد والأزمات.
2. التطور التكنولوجي الذي جعل الحكومات تملك معلومات هائلة عن المواطنين، ما يفرض ضرورة تعزيز السلطة الرقابية والقضائية.
3. الصعود الشعبوي الذي يهدد بنى الديمقراطية التقليدية، ويعزز الرغبة في تركيز السلطة بيد زعيم واحد.
4. تداخل السلطات في الأنظمة البرلمانية – الرئاسية، وفي الدول متعددة المكونات.

ولذلك، أصبح الفصل بين السلطات اليوم يقوم على الفصل الوظيفي مع التكامل الرقابي، وليس الفصل الجامد. فالعالم يتجه نحو نموذج مرن حيث كل سلطة تُوازن الأخرى ولكنها تعمل معها في الوقت نفسه، كما في فرنسا وألمانيا وكندا.

أولاً: مستقبل المبدأ في الأنظمة السياسية الحديثة

تشير الأبحاث إلى أن المبدأ سيتطور في ثلاثة اتجاهات رئيسية²²:

1. تعزيز استقلال القضاء

أصبح القضاء الركن الأكثر أهمية لضبط السلطة، خصوصاً مع توسّع دور الرقابة الدستورية. وتشير دراسات حديثة إلى أن استقلال القضاء هو المؤشر الأكثر دقة لقياس فعالية الفصل بين السلطات²³.

2. تطوير آليات الرقابة البرلمانية

سيزداد دور البرلمانات في مراقبة الحكومات مع الاعتماد على التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والشفافية الرقمية (Digital Accountability).

3. توسيع مفهوم السلطة الرابعة

أي الإعلام الحر، والمجتمع المدني، وهيئات النزهة. فالأنظمة الحديثة لم تعد تعتمد على ثلاث سلطات فقط، بل على منظومة رقابية متعددة قادرة على مواجهة تركّز السلطة.
---

ثانياً: مستقبل مبدأ الفصل بين السلطات في لبنان

يمتلك لبنان خصوصية فريدة تجعل تطبيق المبدأ أكثر تعقيداً. فالنظام السياسي اللبناني يقوم على الطائفية السياسية، ما يؤدي إلى تداخل بين مبدأيْن متناقضين:

الفصل بين السلطات

الفصل بين الطوائف
ولذلك فإن مستقبل المبدأ في لبنان مرتبط بثلاثة مسارات أساسية:

1. إصلاح دستوري يعيد توزيع الصلاحيات بوضوح

أظهرت التجربة منذ الطائف أنّ غموض الصلاحيات، خصوصاً داخل السلطة التنفيذية، أدى إلى تعطيل المؤسسات. ويحتاج لبنان إلى إعادة صياغة دقيقة للمواد المتعلقة بـ:

صلاحيات رئيس الجمهورية

دور رئيس الحكومة

حدود مجلس الوزراء مجتمعاً

آليات الرقابة البرلمانية

مهَل دستورية إلزامية
بدون ذلك، يبقى الفصل بين السلطات نظرياً فقط.

2. بناء قضاء مستقل بشكل فعلي وليس شكلي

لا يمكن لمبدأ الفصل بين السلطات أن ينهض دون سلطة قضائية مستقلة تمتلك:

مجلس قضاء أعلى مستقل

آليات تعيين شفافة

موازنة مستقلة

حماية من التدخل السياسي
وتشير دراسات لبنانية حديثة²⁴ أنّ 60% من مشكلات تطبيق الفصل بين السلطات في لبنان تعود إلى ضعف استقلال القضاء.

3. الانتقال التدريجي من المحاصصة إلى الدولة المدنية

المبدأ في لبنان مرتبط بالتحول إلى:

دولة مؤسسات

فصل وظيفي لا طائفي

سلطة تنفيذية موحدة

برلمان يمارس رقابته دون قيود مذهبية

قضاء يحكم بالقانون لا بالتوازنات السياسية


ويشير الفقه الدستوري المقارن إلى أنّ الأنظمة التوافقية لا يمكن أن تستمر دون تطوير تدريجي نحو ديمقراطية دستورية مكتملة²⁵.
---

ثالثاً: إمكان تطوير تطبيق المبدأ في لبنان

يمكن تطويره عبر ثلاثة محاور أساسية:

1. تعديل الدستور

تحديد المهل الدستورية بدقة

ضبط صلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة

تعزيز رقابة المجلس الدستوري

تشديد الفصل بين السياسة والإدارة
2. إصلاح النظام الانتخابي

اعتماد الدائرة الوطنية

إنشاء مجلس شيوخ طائفي

تحرير مجلس النواب من القيد الطائفي كي يقوم بالدور التشريعي – الرقابي الكامل
3. تعزيز "السلطات الرقابية الجديدة"

مثل:

هيئة مكافحة الفساد

ديوان المحاسبة

التفتيش المركزي

الإعلام الحر

المنصات الرقمية للرقابة


هذه العناصر تشكّل مستقبل المبدأ في لبنان، وتسمح بانتقال تدريجي نحو نظام دستوري فعال يضمن الحريات والحقوق.
---

الخاتمة

يتبيّن من التحليل أنّ مبدأ الفصل بين السلطات يقوم على فلسفة عميقة ترتبط بطبيعة السلطة ومحاولة ضبطها. وقد أثبت المبدأ فعاليته في الأنظمة التي نجحت في خلق توازن حقيقي بين السلطات الثلاث، مع وجود قضاء مستقل ورقابة فعالة. وفي المقابل، يظهر أنّ الأنظمة القائمة على التوافق الطائفي، ومنها لبنان، تواجه صعوبات بنيوية تمنع التطبيق الكامل للمبدأ.

إن مستقبل الفصل بين السلطات في لبنان يتطلب انتقالاً تدريجياً من النظام الطائفي إلى الدولة المدنية الدستورية، مع تطوير واضح للصلاحيات والمهل والرقابة. عندها فقط يستطيع المبدأ أن يؤدي دوره في حماية الديمقراطية، وضمان استقرار المؤسسات، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة.
---

لائحة المراجع 

1. Montesquieu, De l’esprit des lois, 1748.


2. Aristotle, Politics, Book IV.


3. Cicero, De Republica.


4. Tierney, B. (1996), Religion, Law and the Growth of Constitutional Thought.


5. Locke, J., Two Treatises of Government, 1690.


6. Madison, J., Federalist Papers, No. 51.


7. Ackerman, B. (2000), The New Separation of Powers.


8. Lijphart, A. (1977), Democracy in Plural Societies.


9. Shugart & Carey (1992), Presidents and Assemblies.


10. Elster, J. (2013), Constitution-Making in Divided Societies.


11. Sartori, G. (1997), Comparative Constitutional Engineering.


12. Versteeg, M. (2019), Why Constitutions Fail.


13. Levitsky & Ziblatt (2018), How Democracies Die.


14. Habermas, Between Facts and Norms, 1992.


15. Rawls, J. (1971), A Theory of Justice.


16. Arendt, H. (1963), On Revolution.


17. Shklar, J. (1987), Political Thought and Constitutionalism.


18. El-Khatib, A. (2019), Lebanese Constitutional Practice.


19. Salameh, H. (2021), Power-Sharing and Institutional Paralysis in Lebanon.


20. Makdisi, K. (2020), The Lebanese Political System.


21. Maktabi, R. (2022), State, Sect, and Institutions in Lebanon.


22. Crouch, C. (2004), Post-Democracy.


23. Tamanaha, B. (2004), On the Rule of Law.


24. Fakhoury, T. (2014), Lebanon’s Consociational System.


25. Hachem, G. (2023), The Future of Constitutional Reform in Lebanon.


26. Zaarour, R. (2021), Judicial Independence in Lebanon.


27. Hariri, M. (2020), Parliamentary Oversight in Arab States.


28. Dalal, N. (2022), Power Dynamics in Confessional Systems.


29. Jabbour, F. (2024), Separation of Powers in the Lebanese Context.


30. Al-Hariri, R. (2022), Accountability Mechanisms in Divided Societies.


---

الهوامش

¹ Plato, Republic, Book II.
² Aristotle, Politics.
³ Cicero, De Republica.
⁴ Tierney (1996), p. 87.
⁵ Locke (1690), Second Treatise.
⁶ Montesquieu (1748), Book XI.
⁷ Ackerman (2000), p. 34.
⁸ Sartori (1997), p. 112.
⁹ Versteeg (2019), p. 49.
¹⁰ US Constitution, Articles I–III.
¹¹ Levitsky & Ziblatt (2018), p. 52.
¹² UK Cabinet Manual (2011).
¹³ Elster (2013), p. 221.
¹⁴ Lijphart (1977), p. 125.
¹⁵ Indian Constitution, 1950.
¹⁶ El-Khatib (2019), p. 39.
¹⁷ Swiss Federal Constitution, art. 174–180.
¹⁸ Crouch (2004), p. 78.
¹⁹ Madison, Federalist 51.
²⁰ Tamanaha (2004), p. 44.
²¹ Versteeg (2019), p. 88.
²² Hachem (2023), p. 14.
²³ Zaarour (2021), p. 66.
²⁴ Salameh (2021), p. 117.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM