tiktok
Logo

العدالة الاجتماعية

اشتراكية عند المسيح، والعدالة الاجتماعية عند النبي محمد ﷺ، والاشتراكية عند كارل ماركس

2025-12-27

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

 

اشتراكية عند المسيح، والعدالة الاجتماعية عند النبي محمد ﷺ، والاشتراكية عند كارل ماركس
ونقد الليبرالية الرأسمالية:

دراسة مقارنة في أزمة الاقتصاد الحديث وأفق ما بعد النماذج الكبرى

بقلم: الدكتور فريد جبور
 31 كانون الأوّل /2025

 

مقدمة 

يشهد العالم المعاصر أزمة اقتصادية–اجتماعية شاملة لم تعد قابلة للاختزال في اختلالات تقنية أو دورات مالية ظرفية، بل باتت تعبّر عن أزمة بنيوية ومعيارية عميقة تطال الأسس الفلسفية والأخلاقية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الحديث. فقد أفضت التحولات التي رافقت صعود الليبرالية الرأسمالية، ولا سيما في صيغتها النيوليبرالية، إلى إعادة تشكيل المجتمعات وفق منطق السوق، حيث أُخضعت الدولة، والعمل، والمعرفة، وحتى العلاقات الإنسانية، لمعيار الكفاءة والربح¹.
في هذا السياق، لم يعد سؤال «كيف ننتج أكثر؟» هو السؤال المركزي، بل حلّ محلّه سؤال أكثر جذرية: لماذا ننتج؟ ولأجل من؟. لقد جرى اختزال الإنسان إلى فاعل اقتصادي عقلاني يسعى إلى تعظيم المنفعة، وتحويله إلى ما يُسمّى «رأسمالًا بشريًا»، تُقاس قيمته بقدرته على الإنتاج والاستهلاك، لا بكرامته أو إنسانيته². ونتج عن ذلك تعميق اللامساواة، وتفكيك التضامن الاجتماعي، وظهور أنماط جديدة من الإقصاء والإذلال الاقتصادي.
في مواجهة هذا الواقع، تستعيد الدراسات النقدية المعاصرة ثلاث مرجعيات كبرى شكّلت، في تاريخ الفكر الإنساني، محطات حاسمة في نقد الظلم الاقتصادي والاجتماعي: الاشتراكية الأخلاقية عند المسيح، والعدالة الاجتماعية التشريعية عند النبي محمد ﷺ، والاشتراكية البنيوية عند كارل ماركس. ورغم التباين الجذري في منطلقاتها—لاهوتية أخلاقية، دينية تشريعية، مادية تاريخية—فإن هذه المرجعيات تلتقي في رفضها لتشييء الإنسان، وتحويله إلى وسيلة داخل منظومة المال والسلطة.
غير أن هذه النماذج، على عمقها النقدي وقوة حضورها التاريخي، لم تنجح—كلٌّ بمفردها—في بناء اقتصاد عصري أخلاقي عادل داخل مجتمعات حديثة معقّدة. فاشتراكية المسيح امتلكت ضميرًا أخلاقيًا راديكاليًا، لكنها افتقرت إلى أدوات مؤسسية وتنظيمية؛ والعدالة الاجتماعية في التجربة النبوية قدّمت نموذجًا متكاملًا أخلاقيًا وتشريعيًا، لكنها لم تتحوّل تاريخيًا إلى نظام عالمي مستدام؛ أما الاشتراكية الماركسية فقد قدّمت تحليلًا بنيويًا جريئًا للاستغلال، لكنها همّشت البعد الأخلاقي والمعياري، ما أفضى في التطبيق إلى أشكال جديدة من القهر باسم التحرّر³.
من هنا، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن أزمة الاقتصاد الحديث ليست أزمة غياب النماذج، بل أزمة اختزال الإنسان داخل هذه النماذج. وعليه، يسعى البحث إلى مقاربة نقدية–مقارنة–تركيبية تستعين بالفلسفة الاجتماعية، وعلم الاجتماع الاقتصادي، والاقتصاد السياسي النقدي، ونظريات العدالة المعاصرة، بهدف استشراف أفق ما بعد النماذج الكبرى وبناء تصور لاقتصاد أخلاقي يعيد للإنسان كرامته ومعناه.

الفصل الأول:

 الاشتراكية الأخلاقية عند المسيح
نقد جذري لاقتصاد الإذلال وحدوده البنيوية

أولًا: السياق التاريخي–الاجتماعي لرسالة المسيح
تشكّلت رسالة المسيح في سياق اجتماعي–اقتصادي اتّسم بتركّز الثروة، وهيمنة النخب الدينية–الاقتصادية، واتساع رقعة الفقر والتهميش في ظل الإمبراطورية الرومانية. وقد جاء الخطاب المسيحي موجَّهًا أساسًا إلى الفقراء والمستضعفين، لا بوصفهم موضوع شفقة، بل بوصفهم حملة الحقيقة الأخلاقية. ففي هذا الخطاب، تُقلب الهرمية الاجتماعية، ويُعاد تعريف الغنى والفقر خارج منطق الامتلاك والسلطة⁴.
من منظور علم الاجتماع الديني، يمثّل خطاب المسيح نموذجًا لما وصفه ماكس فيبر بـ «الأخلاق النبوية الاحتجاجية»، أي الأخلاق التي لا تكتفي بتبرير النظام الاجتماعي القائم، بل تُدين بنيته القيمية وتكشف تناقضاته الداخلية⁵. فالمسيح لا يناقش تفاصيل السوق أو آليات التبادل، بل يطعن في الشرعية الأخلاقية لنظام اقتصادي يُنتج الإقصاء والإذلال.
ثانيًا: المال كسلطة قيمية – نقد التشييء والاغتراب القيمي
يحتل المال موقعًا مركزيًا في خطاب المسيح، لا بوصفه أداة محايدة، بل بوصفه قوة قيمية منافسة تهدّد العلاقة الإنسانية ذاتها. فقوله: «لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» لا يحمل دلالة لاهوتية فحسب، بل ينطوي على تشخيص مبكر لتحوّل المال إلى معيار أعلى للقيمة.
ويتقاطع هذا النقد مع تحليلات الفلسفة الاجتماعية الحديثة، ولا سيما مفهوم التشييء عند جورج لوكاتش، حيث تُختزل العلاقات الإنسانية إلى علاقات نفعية وسلعية، ومع نقد كارل بولاني لتحرير السوق من ضوابطه الاجتماعية، ما يؤدّي إلى إخضاع الإنسان والطبيعة لمنطق الربح المجرد⁶. ومن هنا، يمكن النظر إلى اشتراكية المسيح بوصفها نقدًا استباقيًا لاقتصاد التشييء قبل تشكّل الرأسمالية الصناعية الحديثة.

ثالثًا: الاشتراكية الأخلاقية – المشاركة والتكافل بدل التراكم

تتجسّد الاشتراكية عند المسيح في منظومة قيمية تقوم على:
المشاركة بدل الاحتكار
التكافل بدل المنافسة
الكفاية بدل التراكم
الإنسان كغاية لا كوسيلة
وقد انعكست هذه القيم في الممارسات الجماعية الأولى للمسيحية، حيث «كان كل شيء مشتركًا بينهم». غير أن هذه التجربة بقيت أخلاق جماعة إيمانية محدودة السياق، ولم تُصَغ كنظام اقتصادي عام قادر على تنظيم السوق والعمل والملكية في مجتمعات واسعة ومعقّدة.
ومن منظور الاقتصاد الأخلاقي، تعبّر هذه الاشتراكية عن رفض جذري لمنطق تعظيم الربح، لكنها تفتقر إلى أدوات التنظيم المؤسسي، وهو ما يجعلها غير قابلة للتعميم في مجتمعات حديثة تعتمد على تقسيم العمل والأسواق الواسعة⁷.

رابعًا: الكرامة الإنسانية ونظرية الاعتراف
تُعدّ الكرامة الإنسانية حجر الزاوية في اشتراكية المسيح. فالإنسان لا تُستمد قيمته من إنتاجه أو موقعه الاجتماعي، بل من كونه إنسانًا. ويتقاطع هذا التصور بعمق مع نظرية الاعتراف عند أكسل هونيث، التي ترى أن الظلم لا يقتصر على الحرمان المادي، بل يشمل الاحتقار الاجتماعي وإنكار القيمة والاعتراف⁸.
في هذا الإطار، يُعاد تعريف الفقر لا بوصفه نقصًا في الموارد فحسب، بل بوصفه حالة إذلال بنيوي تُقصي الإنسان من الاعتراف الاجتماعي، وهو ما يجعل اشتراكية المسيح نقدًا جذريًا لما يمكن تسميته «اقتصاد الإذلال».

خامسًا: حدود اشتراكية المسيح – الغياب البنيوي والمؤسسي
على الرغم من قوتها الأخلاقية، تعاني اشتراكية المسيح من حدود بنيوية واضحة:
غياب تصور مؤسسي للاقتصاد
عدم معالجة الملكية بوصفها مسألة قانونية–اجتماعية
التعويل على التحوّل الأخلاقي الفردي
العجز عن تنظيم سوق معولم ومعقّد
ومن منظور علم الاجتماع البنيوي، فإن الأخلاق التي لا تتحوّل إلى مؤسسات وقوانين تبقى عرضة للاحتواء داخل أنظمة اقتصادية قائمة على القوة والتراكم

 

الفصل الثاني: العدالة الاجتماعية عند النبي محمد ﷺ
من الأخلاق إلى الفقه إلى المؤسسة
قراءة أصولية–اقتصادية في ضوء النص القرآني وتراث الإمام علي بن أبي طالب**
تمهيد منهجي
إذا كانت الاشتراكية الأخلاقية عند المسيح قد مثّلت ذروة النقد المعياري لاقتصاد الإذلال، فإن التجربة النبوية في الإسلام تمثّل انتقالًا نوعيًا من الأخلاق إلى التشريع إلى التنظيم المؤسسي. فالإسلام لا يكتفي بإدانة الظلم الاقتصادي، بل يؤسّس منظومة متكاملة تُخضع المال والملكية والعمل لمقاصد العدالة والكرامة الإنسانية. ومن هنا، لا يمكن فهم العدالة الاجتماعية في الإسلام إلا من خلال تكامل النص القرآني، والسنة النبوية، والفقه، وأصوله، والتطبيق السياسي–الأخلاقي كما تجلّى خصوصًا في تراث الإمام علي بن أبي طالب.
أولًا: المال في الرؤية القرآنية – من الملكية إلى الاستخلاف
ينطلق التصور الاقتصادي الإسلامي من أصل قرآني حاسم مفاده أن الملكية المطلقة لله، وأن الإنسان مستخلف لا مالك بالمعنى الليبرالي الحديث. يقول تعالى:
وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33)¹

ويقول أيضًا:
﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)²
من منظور أصول الفقه، تُعدّ هذه النصوص نصوص تأسيسية تُقيّد مفهوم الملكية الفردية، وتجعلها خاضعة لوظيفتها الاجتماعية. فالمال ليس حقًا ذاتيًا مطلقًا، بل أمانة مرتبطة بالمصلحة العامة. وقد قرّر الأصوليون أن:
*«الأصل في التصرفات المالية رعاية المقاصد لا مجرد الصور»*³
وبذلك، يختلف التصور الإسلامي جذريًا عن الرأسمالية الليبرالية التي تُقدّس الملكية الفردية، وعن الاشتراكية الماركسية التي تسعى إلى إلغائها.

ثانيًا: الزكاة في القرآن والفقه – من العبادة إلى النظام الاقتصادي
تمثّل الزكاة الركن المركزي في العدالة الاجتماعية الإسلامية، وهي ليست صدقة تطوعية، بل فريضة مالية ذات وظيفة اقتصادية واضحة. يقول تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103)⁴
كما يحدّد القرآن مصارفها بدقة:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ...﴾ (التوبة: 60)⁵
من منظور فقهي–اقتصادي، تؤدي الزكاة وظائف متعددة:
إعادة توزيع الثروة
منع التراكم الاحتكاري
ضمان حد أدنى من الكفاية
إدماج الفقير في الدورة الاقتصادية
وقد اعتبر فقهاء المقاصد (الشاطبي، ابن عاشور) أن الزكاة تُجسّد مقصد حفظ المال مقرونًا بمقصد حفظ الكرامة الإنسانية⁶. وبذلك، يمكن النظر إلى الزكاة

 

 
 
 
 

وقد اعتبر فقهاء المقاصد (الشاطبي، ابن عاشور) أن الزكاة تُجسّد مقصد حفظ المال مقرونًا بمقصد حفظ الكرامة الإنسانية⁶. وبذلك، يمكن النظر إلى الزكاة بوصفها نواة دولة رعاية اجتماعية مبكرة تسبق نظريات الضمان الاجتماعي الحديثة.
ثالثًا: تحريم الربا والاحتكار – تحليل أصولي للاقتصاد غير العادل
يشكّل تحريم الربا أحد أكثر الأحكام الاقتصادية الإسلامية جذرية. يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 278)⁷
من منظور أصول الفقه، يُعدّ هذا الحكم معلَّلًا بعلة الاستغلال والإضرار، لا مجرد تعبد محض. فالربا:
يُنتج ثروة بلا عمل
يُحوّل الزمن إلى سلعة
يُكرّس تبعية الفقير للغني
وينسجم هذا التحليل مع النقد المعاصر للرأسمالية المالية، التي تُنتج ما يسمّى «اقتصاد الدين البنيوي». وينطبق الأمر نفسه على تحريم الاحتكار، الذي يندرج تحت قاعدة سدّ الذرائع لما يؤدّي إليه من إخلال بالعدالة السوقية⁸.
رابعًا: العمل والكرامة الإنسانية – فقه العمل في الإسلام
يربط الإسلام الكرامة الإنسانية بالعمل، لكنه يرفض استغلال العامل. يقول تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)⁹
وفي السنة النبوية:
«أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»¹⁰
وقد قرّر الفقهاء:
وجوب الأجر العادل
تحريم تأخير الأجر
بطلان العقود الجائرة
وبذلك، يقدّم الإسلام تصورًا لعدالة العمل يتجاوز الرأسمالية (التي تقدّس العقد ولو كان ظالمًا) والماركسية (التي تختزل العامل في طبقته).

خامسًا: الإمام علي بن أبي طالب والعدالة الاقتصادية – السياسة بوصفها أخلاقًا مؤسسية
يبلغ التصور الإسلامي للعدالة الاجتماعية ذروته التطبيقية في فكر وممارسة الإمام علي بن أبي طالب، ولا سيما في عهده لمالك الأشتر، الذي يُعد من أعمق النصوص السياسية–الاقتصادية في التراث الإسلامي. يقول فيه:
«اللهَ اللهَ في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم… فإنّ في هذه الطبقة قانعًا ومعتَرًّا»¹¹
ويقول أيضًا:
«ما جاع فقيرٌ إلا بما مُتِّع به غني»¹²
من منظور الفلسفة السياسية، تعبّر هذه الأقوال عن ربط مباشر بين اللامساواة الاقتصادية والمسؤولية الأخلاقية والسياسية للسلطة. فالظلم ليس قدرًا، بل نتيجة اختلال في توزيع الثروة والسلطة. كما شدّد الإمام علي على منع تكديس المال العام، ومحاسبة الولاة، وربط الحكم بالعدل لا بالغلبة.
سادسًا: حدود النموذج الإسلامي تاريخيًا – قراءة نقدية
على الرغم من اكتماله الأخلاقي والفقهي والمؤسسي، لم يتحوّل النموذج الإسلامي إلى نظام اقتصادي عالمي مستدام، لا بسبب قصور نصّي أو فقهي، بل بسبب:
تفكك الدولة سياسيًا
غياب التراكم المؤسسي الحديث
الهيمنة الاستعمارية والنموذج الرأسمالي
ومن هنا، يبقى النموذج الإسلامي إمكانًا معياريًا حيًا قابلًا لإعادة القراءة والتفعيل في إطار اقتصاد أخلاقي معاصر.

يُظهر هذا الفصل أن العدالة الاجتماعية عند النبي محمد ﷺ تمثّل نموذجًا فريدًا يجمع بين النص القرآني، والفقه، والمؤسسة، والسياسة الأخلاقية، وأن تراث الإمام علي بن أبي طالب يقدّم تجسيدًا تطبيقيًا متقدّمًا لهذا النموذج. غير أن هذا الاكتمال المعياري لم يمنع تعثّره التاريخي.
ومن هنا، تتكشّف ضرورة الانتقال إلى الفصل الثالث، حيث يُناقَش نقد الليبرالية الرأسمالية والاشتراكية الماركسية، وبناء أفق تركيبي معاصر يتجاوز اختزالات هذه النماذج، مستفيدًا من الضمير الأخلاقي المسيحي، والتكامل الفقهي الإسلامي، والتحليل البنيوي الماركسي.

الفصل الثالث:

اشتراكية كارل ماركس، نقد الليبرالية الرأسمالية،
وأفق ما بعد الرأسمالية والحداثة
نحو اقتصاد أخلاقي تركيبي يتجاوز اختزالات العصر الحديث
تمهيد تركيبي
كشف الفصلان السابقان أن الاشتراكية الأخلاقية عند المسيح، والعدالة الاجتماعية التشريعية عند النبي محمد ﷺ، تمثّلان نقدين عميقين لاقتصاد الإذلال، لكنهما يختلفان في مستوى التجسيد المؤسسي. ويأتي هذا الفصل ليعالج المرجعية الثالثة: الاشتراكية الماركسية بوصفها أعمق محاولة حديثة لتفكيك الرأسمالية من الداخل، ثم ليتجاوزها، مع الرأسمالية نفسها، نحو أفق تركيبي ما بعد رأسمالي وما بعد حداثي يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

أولًا: كارل ماركس والقطيعة البنيوية مع الاقتصاد الأخلاقي التقليدي
يمثّل فكر كارل ماركس لحظة قطيعة حاسمة في تاريخ الفكر الاقتصادي، إذ نقل نقد الظلم الاجتماعي من مستوى الوعظ الأخلاقي إلى مستوى التحليل البنيوي العلمي. فالفقر، في نظر ماركس، ليس خللًا أخلاقيًا، بل نتيجة حتمية لعلاقات إنتاج تقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتراكم فائض القيمة¹.
ويُعدّ مفهوم فائض القيمة حجر الزاوية في هذا التحليل، حيث يُنتزع الفائض الناتج عن عمل العامل لصالح الرأسمالي، ضمن علاقة تبدو قانونية لكنها غير متكافئة جوهريًا. وبذلك، نزع ماركس الطابع «الطبيعي» عن السوق، وفضح وهم الحياد الليبرالي.
غير أن هذا التحليل، على عمقه التفسيري، قام على استبعاد المنظور الأخلاقي المعياري، معتبرًا الأخلاق انعكاسًا أيديولوجيًا للبنية الاقتصادية. وهنا تبدأ مفارقة الماركسية: إذ سعت إلى تحرير الإنسان من الاستغلال، لكنها جرّدته من المرجعية الأخلاقية المستقلة.
ثانيًا: الاغتراب – من نقد الرأسمالية إلى مأزق الماركسية
يُعدّ مفهوم الاغتراب من أعمق إسهامات ماركس الفلسفية، إذ بيّن أن العامل في الرأسمالية:
مغترب عن نتاج عمله
مغترب عن فعل العمل ذاته
مغترب عن ذاته الإنسانية
مغترب عن الآخرين²
غير أن المأزق يظهر حين تتحوّل الاشتراكية نفسها، في تطبيقاتها التاريخية، إلى بنية تُعيد إنتاج الاغتراب باسم الجماعة أو الدولة. وقد نبّهت مدرسة فرانكفورت، ولا سيما هوركهايمر وأدورنو، إلى أن العقل الأداتي لا يزول بتغيير الملكية وحدها، بل قد يستمر داخل أنظمة اشتراكية مركزية³.
وهنا يلتقي النقد الماركسي المتأخر مع النقد الأخلاقي الذي غاب عن الماركسية الكلاسيكية.

ثالثًا: الدولة، العنف، وفشل المشروع التحرّري
افترض ماركس أن الدولة أداة طبقية ستضمحل بعد زوال الصراع الطبقي. غير أن التجربة التاريخية أثبتت العكس: فقد تحوّلت الدولة الاشتراكية في كثير من الحالات إلى بيروقراطية قسرية أعادت إنتاج القهر باسم التحرّر.
وقد قدّمت هانا أرندت نقدًا حاسمًا لهذا المسار، مبيّنة أن اختزال السياسة في الصراع والعنف يُفضي إلى نفي الحرية بدل تحقيقها⁴. وبذلك، يتبيّن أن التحرّر الذي يُضحّي بالكرامة الفردية باسم التاريخ ينقلب إلى شكل جديد من الإذلال.

رابعًا: الليبرالية الرأسمالية – من وعد الحداثة إلى أزمة المعنى
قدّمت الليبرالية الرأسمالية نفسها بوصفها ثمرة الحداثة العقلانية، قائمة على:
حرية السوق
العقد الطوعي
حياد الدولة
غير أن التحليل النقدي المعاصر يُظهر أن هذه الحيادية المزعومة تخفي علاقات قوة غير متكافئة. فقد بيّن كارل بولاني أن السوق ليس نظامًا طبيعيًا، بل بناءً تاريخيًا جرى فصله قسرًا عن المجتمع، ما حوّله إلى قوة تدميرية تُخضع الإنسان والطبيعة لمنطق الربح⁵.
كما أظهر يورغن هابرماس أن الحداثة الاقتصادية أدّت إلى استعمار عالم الحياة، حيث تغلغلت معايير السوق في مجالات المعنى، والعلاقات الاجتماعية، والسياسة⁶.

خامسًا: الحداثة الاقتصادية وأزمة الإنسان
تكمن أزمة الرأسمالية الحديثة في كونها ليست مجرد نظام إنتاج، بل نمط حضاري شامل يعيد تعريف الإنسان بوصفه:
منتجًا
مستهلكًا
رأسمالًا بشريًا
وقد أدّى هذا الاختزال إلى ما تصفه نانسي فريزر بـ الظلم المركّب: اقتصادي (توزيع)، وثقافي (اعتراف)، وسياسي (تمثيل)⁷. وهكذا، يتبيّن أن الرأسمالية والحداثة الليبرالية فشلتا في تحقيق الوعد الإنساني للتحرّر.

سادسًا: أفق ما بعد الرأسمالية – من القطيعة إلى التحوّل
لا تعني ما بعد الرأسمالية قطيعة فجائية أو يوتوبيا مغلقة، بل مسارًا تحوليًا تدريجيًا يعيد تنظيم الاقتصاد حول الإنسان. وقد اقترحت الأدبيات المعاصرة عدة مداخل:
مقاربة القدرات (أمارتيا سن):
حيث تُقاس العدالة بقدرة الإنسان على عيش حياة ذات قيمة، لا بحجم الناتج المحلي⁸.
نظرية الاعتراف (أكسل هونيث):
التي تؤكّد أن العدالة لا تكتمل دون الاعتراف بالكرامة والذاتية⁹.
الاقتصاد التعاوني والمشاعات (إلينور أوستروم):
الذي يتجاوز ثنائية السوق/الدولة عبر ملكية جماعية ديمقراطية¹⁰.
ما بعد الرأسمالية الرقمية (بول ميسون، سرنيتشك وويليامز):
حيث تفتح التكنولوجيا إمكانات لتقليص العمل القسري وفصل الدخل عن الأجر¹¹.

سابعًا: النموذج التركيبي المقترح في البحث
انطلاقًا من التحليل المقارن، يقترح هذا البحث نموذجًا تركيبيًا يقوم على:
الضمير الأخلاقي (من المسيح)
التكامل التشريعي والمؤسسي (من التجربة النبوية)
التحليل البنيوي (من ماركس)
العدالة التعددية (من النظريات المعاصرة)
وهو نموذج:
لا يقدّس السوق
لا يؤلّه الدولة
لا يختزل الإنسان في بعد واحد

يُظهر هذا الفصل أن الرأسمالية والاشتراكية الماركسية، بوصفهما منتجين للحداثة الاقتصادية، فشلتا في بناء اقتصاد أخلاقي عادل، لأنهما اشتركتا—رغم اختلافهما—في اختزال الإنسان. ومن هنا، فإن أفق المستقبل لا يكمن في استبدال نموذج بآخر، بل في تجاوز الحداثة الاقتصادية ذاتها نحو اقتصاد أخلاقي إنساني يعيد للكرامة معناها، وللاقتصاد غايته.

الخاتمة 
 
سعى هذا البحث، في بنيته المقارنة والتحليلية والتركيبية، إلى تفكيك ثلاث مرجعيات كبرى شكّلت محطات حاسمة في تاريخ نقد الظلم الاقتصادي والاجتماعي: الاشتراكية الأخلاقية عند المسيح، والعدالة الاجتماعية التشريعية عند النبي محمد ﷺ، والاشتراكية البنيوية عند كارل ماركس، وذلك في مواجهة الليبرالية الرأسمالية الحديثة بوصفها النظام الاقتصادي السائد الذي ادّعى الحياد والعقلانية والقدرة على تحقيق العدالة عبر السوق والدولة الحديثة.
وقد انطلق البحث من فرضية مركزية مفادها أن أزمة الاقتصاد المعاصر ليست أزمة أدوات أو سياسات جزئية، بل أزمة إنسان ومعنى وغاية. فالحداثة الاقتصادية، في صيغتيها الرأسمالية والاشتراكية الماركسية، اشتركت—رغم تعارضهما الظاهري—في اختزال الإنسان داخل بعد واحد: مرة بوصفه فاعلًا نفعيًا في السوق، ومرة بوصفه عنصرًا في بنية تاريخية أو طبقية. ومن هنا، تحوّل الاقتصاد من وسيلة لخدمة الإنسان إلى قوة تُخضع الإنسان لها.

أظهر الفصل الأول أن اشتراكية المسيح تمثّل ذروة النقد الأخلاقي لاقتصاد الإذلال، حيث تُعاد الكرامة الإنسانية إلى موقعها المركزي، ويُدان المال بوصفه سلطة قيمية تُشيّئ الإنسان. غير أن هذا النقد، على عمقه المعياري، بقي غير متجسّد في مؤسسات وتشريعات قادرة على تنظيم السوق والعمل والملكية في مجتمعات حديثة معقّدة. وبذلك، كشفت الاشتراكية المسيحية عن حدود الأخلاق حين تنفصل عن البنية والمؤسسة.

أما الفصل الثاني، فقد بيّن أن العدالة الاجتماعية عند النبي محمد ﷺ تقدّم نموذجًا فريدًا في تاريخ الفكر الاجتماعي، يقوم على تكامل النص القرآني، والفقه، وأصوله، والمؤسسة، والسياسة الأخلاقية. فالمال في الإسلام ليس ملكية مطلقة، بل أمانة واستخلاف؛ والزكاة ليست إحسانًا تطوعيًا، بل نظامًا ماليًا ملزمًا لإعادة توزيع الثروة؛ وتحريم الربا والاحتكار ليس حكمًا تعبديًا معزولًا، بل تشريعًا معلَّلًا يستهدف منع الاستغلال البنيوي. وقد بلغ هذا التصور ذروته التطبيقية في فكر وممارسة الإمام علي بن أبي طالب، حيث ارتبط الحكم بالعدل، والثروة بالمسؤولية، والفقر بالمساءلة السياسية. غير أن تعثّر هذا النموذج تاريخيًا لم يكن نتيجة قصور معياري أو فقهي، بل نتاج تفكك الدولة، وغياب التراكم المؤسسي، وهيمنة النماذج الاقتصادية الحديثة.

وفي الفصل الثالث، تبيّن أن اشتراكية كارل ماركس شكّلت أعظم محاولة حديثة لتفكيك الرأسمالية من الداخل، عبر كشف الطابع البنيوي للاستغلال وفائض القيمة والاغتراب. غير أن الماركسية، في صيغتها الكلاسيكية وتطبيقاتها التاريخية، همّشت البعد الأخلاقي والمعياري، واختزلت الإنسان في موقعه الطبقي، ما أفضى إلى مفارقة تاريخية تمثّلت في إنتاج أشكال جديدة من القهر باسم التحرّر. وفي المقابل، كشفت الليبرالية الرأسمالية، ولا سيما في صورتها النيوليبرالية، عن فشلها في تحقيق العدالة والكرامة، إذ أدّت إلى تعميق اللامساواة، وتسليع الحياة، واستعمار عالم المعنى، وتحويل الدولة إلى خادم لمنطق السوق.
انطلاقًا من هذا التشخيص، خلص البحث إلى أن فشل النماذج الكبرى لا يكمن في غياب النقد، بل في غياب التكامل: أخلاق بلا مؤسسات، أو مؤسسات بلا أخلاق، أو كفاءة بلا كرامة. ومن هنا، لا يكون أفق المستقبل في العودة إلى أحد هذه النماذج أو استبدال نموذج بآخر، بل في تجاوز نقدي تركيبي يستفيد من إسهاماتها دون الارتهان لحدودها.

وفي هذا الإطار، اقترح البحث أفقًا نظريًا وعمليًا يتمثّل في اقتصاد أخلاقي ما بعد رأسمالي وما بعد حداثي، يقوم على:
إعادة توطين الاقتصاد داخل المجتمع والقيم،
جعل الكرامة الإنسانية غاية الاقتصاد لا نتيجته العرضية،
دمقرطة الملكية والعمل عبر الاقتصاد التعاوني والمشاعات،
توسيع مفهوم العدالة ليشمل التوزيع والاعتراف والتمثيل،
تجاوز ثنائية السوق والدولة نحو نماذج مؤسسية تعددية.

ختامًا، يؤكّد هذا البحث أن بناء اقتصاد أخلاقي عادل في العصر الحديث ليس مهمة تقنية، بل مشروع حضاري وإنساني، يتطلّب إعادة التفكير في معنى العمل، والملكية، والعدالة، والحرية، والإنسان ذاته. وهو أفق لا يدّعي الكمال، لكنه يضع الإنسان—لا الربح، ولا التاريخ، ولا السوق—في قلب المشروع الاقتصادي والاجتماعي.

المراجع 

1-القرآن الكريم.
2-ابن ماجه، السنن.
3-الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في 4-أصول الشريعة.
ابن عاشور، محمد 5-الطاهر. مقاصد الشريعة الإسلامية.
6-القرافي، شهاب الدين. الفروق.
نهج البلاغة، جمع 7-الشريف الرضي.
8-Küng, Hans. Christianity: Essence, History, and Future. London: Continuum, 1995.
9-Weber, Max. Economy and Society. Berkeley: University of California Press, 1978.
10-Lukács, Georg. History and Class Consciousness. Cambridge, MA: MIT Press, 1971.
11-Marx, Karl. Capital: A Critique of Political Economy, Vol. I. London: Penguin, 1976.
12-Marx, Karl. Economic and Philosophical Manuscripts of 1844. Moscow: Progress Publishers, 1959.
13-Horkheimer, Max & Adorno, Theodor. Dialectic of Enlightenment. Stanford: Stanford University Press, 2002.
14-Polanyi, Karl. The Great Transformation. Boston: Beacon Press, 1944.
15-Arendt, Hannah. On Violence. New York: Harcourt, Brace & World, 1970.
16-Habermas, Jürgen. The Theory of Communicative Action, Vols. I–II. Boston: Beacon Press, 1984–1987.
17-Fraser, Nancy. Scales of Justice. New York: Columbia University Press, 2008.

18-Sen, Amartya. Development as Freedom. Oxford: Oxford University Press, 1999.
19-Honneth, Axel. The Struggle for Recognition. Cambridge: Polity Press, 1995.
20-Ostrom, Elinor. Governing the Commons. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
21-Harvey, David. A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press, 2005.
22-Stiglitz, Joseph. The Price of Inequality. New York: W. W. Norton, 2012.
23-Mason, Paul. PostCapitalism: A Guide to Our Future. London: Allen Lane, 2015.
24-Srnicek, Nick & Williams, Alex. Inventing the Future. London: Verso, 2015.
25-Chapra, M. Umer. Islam and the Economic Challenge. Leicester: The Islamic Foundation, 1992.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM