tiktok
Logo

الفجوة المالية

قراءة قانونية–اقتصادية في المسؤولية، توزيع الخسائر، وانهيار العقد الاجتماعي

2025-12-28

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الفجوة المالية
 الظلم وانتهاء العدالة في الخطة الحكومية 

قراءة قانونية–اقتصادية في المسؤولية، توزيع الخسائر، وانهيار العقد الاجتماعي

بقلم: الدكتور فريد جبور

2025/12/28

المقدمة 

يشكّل الانهيار المالي الذي أصاب لبنان منذ عام 2019 لحظة تاريخية كاشفة، لا بوصفه أزمة نقدية أو مصرفية فحسب، بل بوصفه انهيارًا لمنظومة العدالة الاقتصادية والاجتماعية التي يفترض أن تضبط علاقة الدولة بالمجتمع¹. فقد ترافقت الأزمة مع تدهور غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، وتبخّر واسع للودائع، وتآكل الأجور، وارتفاع معدلات الفقر، ما وضع غالبية اللبنانيين أمام تهديد مباشر لكرامتهم المعيشية وحقوقهم الأساسية².
غير أن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في نتائجها، بل في الطريقة التي اختارت بها السلطة السياسية إدارتها. فقد جاءت الخطة الحكومية لمعالجة ما أُطلق عليه «الفجوة المالية» لتشكّل الإطار الرسمي لهذا التدبير، لكنها سرعان ما كشفت عن إشكالية جوهرية: الانتقال من منطق الإصلاح القائم على العدالة والمساءلة، إلى منطق إدارة الخسائر عبر تحميلها للفئات الأضعف، مع تغييب شبه كامل للمسؤولية السياسية والمؤسسية عن الانهيار³.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الخطة الحكومية اللبنانية لا تعاني فقط من قصور تقني أو ضعف في الأدوات، بل من خلل معياري بنيوي يتمثّل في فصل الخسارة عن المسؤولية، وفصل الاستقرار المالي عن العدالة الاجتماعية، وفصل الاقتصاد عن الإنسان⁴. 
فحين تُختزل الأزمة في أرقام محاسبية، وتُقدَّم الفجوة المالية بوصفها واقعًا موضوعيًا لا تاريخ له ولا فاعلين، يُصار عمليًا إلى إلغاء البعد الأخلاقي والقانوني للأزمة، وتحويل الظلم إلى إجراء إداري «ضروري»⁵.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية بمعزل عن نموذج الحكم القائم على تداخل السلطة السياسية بالقطاع المصرفي، وعلى تحويل المال العام إلى أداة لإدامة الزبائنية والريع⁶. كما لا يمكن مقاربة الخطة الحكومية من دون استحضار مبادئ العدالة التوزيعية في الفقه الاقتصادي والقانوني، والتي تشترط أن تُحمَّل الأعباء وفق القدرة على التحمل، وأن تُربط الخسائر بالقرارات التي أنتجتها⁷.
**المحور الأول:
الفجوة المالية بين المفهوم التقني ومبدأ العدالة

1. الفجوة المالية: من توصيف محاسبي إلى قضية سياسية
تُقدَّم الفجوة المالية في الخطاب الحكومي اللبناني بوصفها فرقًا حسابيًا بين التزامات الدولة والقطاع المالي من جهة، وقدرتهما الفعلية على الوفاء بهذه الالتزامات من جهة أخرى⁸. ويُفترض، وفق هذا التوصيف، أن معالجة الفجوة هي مسألة تقنية تستدعي «توزيع الخسائر» بطريقة واقعية.
غير أن هذا الفهم يُخفي البعد الأهم للأزمة، إذ يتجاهل أن هذه الفجوة لم تنشأ فجأة، ولم تكن نتيجة صدمة خارجية عابرة، بل هي حصيلة مسار طويل من السياسات العامة الخاطئة⁹. فقد اعتمدت الدولة، لعقود، نموذجًا اقتصاديًا ريعيًا قائمًا على الاستدانة، وتثبيت سعر الصرف دون قاعدة إنتاجية، وتمويل العجز العام عبر القطاع المصرفي، في ظل غياب الرقابة والمساءلة¹⁰.
وعليه، فإن الفجوة المالية ليست حدثًا تقنيًا محايدًا، بل نتيجة خيارات سياسية محدّدة. ومعالجة هذه الفجوة لا يمكن أن تكون عادلة إذا لم تبدأ بتفكيك هذا المسار، وتحديد الجهات التي استفادت منه، وربط الخسائر بمسؤولياتها¹¹.

2. الفجوة المالية ومبدأ المساواة أمام الأعباء العامة
في الفقه الدستوري والمالي، يُعدّ مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة من المبادئ الأساسية للعدالة، ويقضي بعدم تحميل فئة من المجتمع أعباءً استثنائية لمعالجة أزمة عامة، ما لم يكن ذلك مبرّرًا قانونيًا ومتناسبًا مع قدرتها على التحمل¹².
غير أن الخطة الحكومية اللبنانية تنحرف عن هذا المبدأ، إذ تتعامل مع المجتمع بوصفه كتلة واحدة تتحمّل نتائج الانهيار، من دون تمييز بين من ساهم في إنتاج الأزمة ومن كان ضحيتها. وبهذا، تتحوّل الفجوة المالية من مشكلة عامة تتطلّب توزيعًا عادلًا للأعباء، إلى أداة لإعادة توزيع الخسائر على أساس القوة والضعف
¹³.
 

3. تغييب المسؤولية وتحويل الأزمة إلى «قدر جماعي»
أخطر ما في مقاربة الفجوة المالية هو تغييب المسؤولية السياسية والمؤسسية. فالخطة لا تُسمّي من اتخذ القرارات التي أدّت إلى الانهيار، ولا تُحدّد أدوار الحكومات المتعاقبة، ولا مسؤوليات الهيئات الرقابية، ولا طبيعة العلاقة البنيوية بين الدولة والمصارف¹⁴.
هذا التغييب لا يُعدّ تفصيلًا إجرائيًا، بل يمثّل تحويلًا للأزمة من مسألة مساءلة إلى «قدر جماعي». وحين تُلغى المسؤولية، تُلغى العدالة تلقائيًا، لأن العدالة تفترض دائمًا وجود فاعل يُسأل عن أفعاله¹⁵.

 

4. من العدالة إلى الإدارة: تحوّل وظيفة الدولة
تكشف مقاربة الفجوة المالية عن تحوّل خطير في وظيفة الدولة. فبدل أن تكون الدولة إطارًا لتحقيق العدالة وتنظيم التوازن بين المصالح، تتحوّل إلى جهاز لإدارة الخسائر وحماية النظام الذي أنتجها¹⁶. وبذلك، لا تعود الخطة أداة إصلاح، بل تصبح جزءًا من الأزمة نفسها.

 

المحور الثاني:

تحميل الضحايا كلفة الانهيار وانتهاء العدالة الاقتصادية

1. من توزيع الخسائر إلى إعادة توزيع الظلم
تقوم الخطة الحكومية اللبنانية لمعالجة الفجوة المالية، في جوهرها العملي، على منطق «توزيع الخسائر». غير أن هذا التوصيف يُخفي حقيقة أعمق: ما يجري ليس توزيعًا محايدًا للأعباء، بل إعادة توزيع غير عادلة للظلم، حيث تُنقل كلفة الانهيار من مراكز النفوذ المالي والسياسي إلى الفئات الأضعف اجتماعيًا واقتصاديًا¹⁷.
فبدل أن تُحمَّل الخسائر لمن استفاد من السياسات النقدية والمالية السابقة، يجري تحميلها لصغار ومتوسطي المودعين، وأصحاب الأجور، والمتقاعدين، عبر تآكل الودائع، وانهيار القوة الشرائية، وتقليص الإنفاق الاجتماعي. ويُعدّ هذا النهج مثالًا واضحًا لما يصفه الاقتصاد السياسي النقدي بـ إعادة التوزيع العكسي للخسائر، حيث يُستخدم الإصلاح المالي أداة لإدامة اختلالات القوة بدل تصحيحها¹³.

2. صغار المودعين: من حقّ مكتسب إلى «خسارة محتومة»
تُظهر الخطة الحكومية تعاملًا إشكاليًا مع الودائع المصرفية، إذ تُقدَّم ودائع صغار ومتوسطي المودعين وكأنها جزء من المشكلة لا ضحية لها. ويجري تبرير المساس بها باسم «الواقعية المالية» و«محدودية الموارد»، من دون تمييز بين المودع الذي ادّخر أجره طوال حياته، وبين المستثمر الذي استفاد من معدلات الفائدة المرتفعة والهندسات المالية¹⁸.
من منظور قانوني وحقوقي، تُعدّ الودائع حقًا مكتسبًا، والمسّ بها من دون مساءلة المسؤولين عن ضياعها يُشكّل انتهاكًا لمبدأ الأمن القانوني، ويقوّض الثقة بالنظام المصرفي والدولة على حدّ سواء¹⁹. كما أن تحميل المودعين الصغار كلفة الانهيار يُحوّلهم من أصحاب حق إلى متلقّي خسارة، وهو ما يمثّل شكلًا من أشكال الإذلال الاقتصادي.

3. العدالة التوزيعية وحدود «الواقعية المالية»
تستند الخطة الحكومية ضمنيًا إلى خطاب «الضرورة» و«الواقعية»، حيث يُقدَّم المساس بحقوق الفئات الأضعف بوصفه الخيار الوحيد الممكن. غير أن هذا الخطاب يتجاهل مبادئ العدالة التوزيعية التي تشكّل أساس أي نظام اقتصادي مشروع.
وفقًا لنظرية جون راولز، لا يكون أي ترتيب اقتصادي عادلًا إذا أدّى إلى تدهور أوضاع الفئات الأضعف مقارنة بوضعها السابق، أو إذا فرض عليها أعباء غير متناسبة مع قدرتها على التحمل⁹. وبناءً عليه، فإن أي خطة تعافٍ تُحمّل الفئات الهشّة العبء الأكبر للتصحيح المالي، مع حماية الثروات الكبرى، تفقد مشروعيتها الأخلاقية حتى لو كانت «ناجحة» تقنيًا.
4. الدولة بين الحماية والتخلّي: تحوّل الدور الاجتماعي
تكشف الخطة الحكومية عن تحوّل جوهري في وظيفة الدولة. فبدل أن تكون الدولة أداة لحماية المجتمع من تقلبات السوق والأزمات، تتحوّل إلى وسيط ينقل منطق السوق إلى المجال الاجتماعي، ويطلب من المواطنين تحمّل الخسائر باسم الاستقرار المالي²⁰.
وقد نبّهت الفلسفة الاجتماعية المعاصرة إلى مخاطر هذا التحوّل، حيث يُؤدّي إخضاع السياسة لمنطق الاقتصاد إلى ما سمّاه يورغن هابرماس «استعمار عالم الحياة»، أي إخضاع العلاقات الاجتماعية والقيم الإنسانية لمعايير الكفاءة والربح²¹. وفي السياق اللبناني، يظهر هذا الاستعمار في تفكيك تدريجي لشبكات الأمان الاجتماعي، وتآكل دور الدولة بوصفها ضامنًا للعدالة.

5. الظلم البنيوي والكرامة الإنسانية
لا يقتصر الظلم الناتج عن الخطة الحكومية على التوزيع غير العادل للخسائر، بل يمتد إلى المستوى الرمزي والمعنوي. فحين يُطلب من المواطن تحمّل نتائج قرارات لم يشارك في اتخاذها، ويُلام ضمنيًا على «العيش فوق الإمكانات»، يتحوّل الظلم إلى إهانة للكرامة الإنسانية²².
وتُبرز نظرية الاعتراف أن العدالة لا تتحقق فقط عبر التوزيع المادي، بل عبر الاعتراف بالإنسان بوصفه فاعلًا ذا قيمة وحقوق. ومن هذا المنظور، فإن السياسات التي تُقصي المواطنين عن القرار وتحملهم الكلفة، تُنتج اغترابًا سياسيًا واجتماعيًا يهدّد العقد الاجتماعي ذاته¹¹.
6. من الظلم الاجتماعي إلى أزمة شرعية سياسية
يُفضي تحميل الضحايا كلفة الانهيار إلى نتائج تتجاوز الاقتصاد، لتطال الشرعية السياسية للدولة. فحين يشعر المواطن أن الدولة لا تحميه بل تُطالبه بالتضحية المستمرة، تتآكل الثقة بالمؤسسات، ويتحوّل الاستقرار السياسي إلى حالة هشّة قائمة على القسر لا على الرضا²³.
وبذلك، لا يكون الظلم في الخطة الحكومية مجرّد خلل أخلاقي، بل عاملًا مباشرًا في تعميق الأزمة السياسية والاجتماعية، وإعادة إنتاج شروط الانهيار مستقبلًا

يُظهر هذا المحور أن الخطة الحكومية اللبنانية لمعالجة الفجوة المالية لا تعاني فقط من غياب العدالة التوزيعية، بل تُكرّس ظلمًا بنيويًا يقوم على تحميل الضحايا كلفة الانهيار، وتحييد المسؤوليات، وتفريغ الدولة من دورها الاجتماعي. ومن هنا، يتّضح أن الأزمة ليست أزمة موارد، بل أزمة خيارات ومعايير.
ويستدعي هذا الواقع الانتقال إلى المحور الثالث، حيث تُقارن التجربة اللبنانية بتجارب دولية واجهت أزمات مشابهة، من أجل إبراز أن مسارات التعافي ليست حتمية، وأن العدالة والمحاسبة ليستا عائقًا أمام الاستقرار، بل شرطًا له.

المحور الثالث:

المقارنة الدولية وأفق العدالة في التعافي المالي
بين التقشّف، إعادة الهيكلة، والمحاسبة

1. المقارنة الدولية كأداة نقدية لا كنموذج جاهز

لا تهدف المقارنة الدولية في هذا البحث إلى استيراد نماذج جاهزة أو إسقاط تجارب خارجية على الواقع اللبناني بصورة ميكانيكية، بل إلى استخدام التجارب المقارنة كأداة نقدية تُظهر أن مسارات التعافي ليست حتمية اقتصاديًا، بل نتاج خيارات سياسية ومعيارية. فالأزمات المالية، رغم تشابه مظاهرها، تختلف نتائجها باختلاف كيفية توزيع الخسائر، وتحديد المسؤوليات، وحماية المجتمع²⁴.
ومن هذا المنطلق، تُقارن التجربة اللبنانية بثلاث حالات بارزة: اليونان، الأرجنتين، وآيسلندا، بوصفها نماذج مختلفة في العلاقة بين العدالة والاستقرار.

2. اليونان: التقشّف كبديل عن العدالة
بعد أزمة الديون التي انفجرت عام 2010، خضعت اليونان لبرامج تقشّف صارمة بإشراف مؤسسات مالية دولية. وقد انطلقت هذه البرامج من فرضية مفادها أن استعادة التوازن المالي شرطٌ مسبق لأي تعافٍ اقتصادي، حتى لو جاء ذلك على حساب الأجور، والمعاشات التقاعدية، والخدمات العامة¹⁰.
ورغم تحقيق استقرار مالي نسبي على المدى المتوسط، جاءت الكلفة الاجتماعية والسياسية مرتفعة للغاية: ارتفاع معدلات البطالة، تفكك شبكات الأمان الاجتماعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. وقد أدّت هذه السياسات إلى أزمة شرعية طويلة الأمد، ما يبيّن أن التقشّف غير العادل قد ينجح محاسبيًا ويفشل اجتماعيًا²⁵.

بالنسبة إلى لبنان، تُظهر التجربة اليونانية أن تحميل المجتمع كلفة التصحيح دون مساءلة المتسبّبين بالأزمة يُنتج استقرارًا هشًّا، ويحوّل الإصلاح إلى مصدر غضب اجتماعي بدل أن يكون مدخلًا للثقة.

3. الأرجنتين: إعادة الهيكلة وحدود الحل التقني
في الأرجنتين، جرى التعامل مع الأزمات المالية المتكررة عبر إعادة هيكلة الديون، والتخلّف عن السداد، وفرض خسائر على الدائنين، مع اعتماد سياسات حماية اجتماعية جزئية. وقد شكّل هذا المسار محاولة لتخفيف العبء عن الدولة والمجتمع مقارنة بالنموذج التقشّفي الخالص¹⁰.
غير أن التجربة الأرجنتينية كشفت أن إعادة الهيكلة، حين لا تُرفَق بإصلاح مؤسسي عميق، تبقى حلًا مؤقتًا. فاستمرار ضعف الحوكمة، وتداخل السياسة بالمصالح الاقتصادية، أدّيا إلى تكرار الأزمات، ما يبرز أن توزيع الخسائر وحده لا يكفي إذا لم يُعالج الخلل البنيوي الذي أنتجها²⁶.
ويقدّم هذا النموذج درسًا للبنان مفاده أن أي إعادة هيكلة للقطاع المصرفي أو الدين العام، إن لم تُقترن بمحاسبة وإصلاح بنيوي، قد تؤجّل الانهيار بدل إنهائه.
4. آيسلندا: المحاسبة بوصفها شرطًا للتعافي
تُعدّ تجربة آيسلندا بعد أزمة 2008 من أبرز النماذج التي تُظهر إمكانية الجمع بين التعافي المالي والعدالة الاجتماعية. فقد اختارت الدولة الآيسلندية مسارًا مغايرًا للنماذج التقشّفية، تمثّل في:
تحميل المصارف كلفة الانهيار بدل تحميلها للمجتمع،
حماية المودعين الصغار وأصحاب الدخل المحدود،
ملاحقة عدد من المسؤولين الماليين والقائمين على المصارف قضائيًا،
الحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعي وعدم تفكيك الدولة الاجتماعية¹¹.
وقد أسهم هذا النهج في استعادة الثقة بالمؤسسات، وتسريع التعافي الاقتصادي، وإعادة بناء الشرعية السياسية. وتُظهر هذه التجربة أن المحاسبة ليست عائقًا أمام الاستقرار، بل شرطًا له، وأن العدالة يمكن أن تكون عنصر قوة في مسار التعافي لا عبئًا عليه²⁷.
5. لبنان بين النماذج: خيار لا قدر
تُظهر المقارنة الدولية أن لبنان لا يفتقر إلى البدائل، بل يواجه أزمة اختيار سياسي ومعياري. فالخطة الحكومية الحالية تقترب في منطقها من النموذج اليوناني القائم على تحميل المجتمع كلفة التصحيح، وتتقاطع جزئيًا مع النموذج الأرجنتيني في تأجيل الإصلاح البنيوي، لكنها تبتعد بوضوح عن النموذج الآيسلندي القائم على المحاسبة وحماية المجتمع.
وهذا ما يؤكّد أن المسار اللبناني ليس قدرًا اقتصاديًا مفروضًا، بل نتيجة قرار سياسي يفضّل حماية البنية القائمة على حساب العدالة الاجتماعية²⁸.

6. أفق العدالة في التعافي المالي اللبناني
تكشف المقارنة أن التعافي المستدام يتطلّب:
ربط الخسائر بالمسؤوليات السياسية والمالية،
حماية الفئات الأضعف بوصفها شرطًا للاستقرار لا عائقًا له،
إخضاع القطاع المالي لمساءلة قانونية حقيقية،
إعادة تعريف دور الدولة كضامن للعدالة لا مجرّد مدير للأزمة²⁹.
ومن دون هذا التحوّل، ستبقى أي خطة تعافٍ في لبنان مجرّد إدارة تقنية للانهيار، لا مسارًا للخروج منه.

يبيّن هذا المحور أن التجارب الدولية لا تقدّم حلولًا جاهزة، لكنها تكشف بوضوح أن العدالة والمحاسبة ليستا ترفًا أخلاقيًا في زمن الأزمات، بل عنصرين حاسمين في نجاح التعافي. وبالنسبة إلى لبنان، فإن الاستمرار في تجاهل هذه الدروس سيؤدّي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة، فيما يشكّل اعتماد مسار عادل فرصة لإعادة بناء الثقة والعقد الاجتماعي.

الخاتمة 

العدالة المؤجَّلة بوصفها سببًا دائمًا للانهيار**
تُظهر هذه الدراسة، في مجمل محاورها، أن الخطة الحكومية اللبنانية لمعالجة الفجوة المالية لا تمثّل إخفاقًا تقنيًا أو قصورًا ظرفيًا في أدوات السياسات العامة، بل تعبّر عن أزمة معيارية عميقة تمسّ جوهر العدالة الاقتصادية ووظيفة الدولة ذاتها. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في الاعتراف بوجود فجوة مالية، بل في الطريقة التي جرى بها تعريف هذه الفجوة، وفي المنطق الذي حَكَم مقاربتها، وفي الخيارات التي اتُّخذت لمعالجتها.
لقد بيّن البحث أن الفجوة المالية في لبنان ليست حادثًا محاسبيًا محايدًا، بل نتيجة مسار طويل من السياسات النقدية والمالية الخاطئة، ومن تداخل بنيوي بين السلطة السياسية والقطاع المصرفي، في ظل غياب المحاسبة والرقابة¹⁰¹¹. ومع ذلك، جاءت الخطة الحكومية لتفصل الخسارة عن المسؤولية، وتحوّل الانهيار إلى «قدر جماعي» يُطلب من المجتمع تحمّله، بدل أن يكون مسألة مساءلة سياسية وقانونية.
كما أظهر التحليل أن منطق «توزيع الخسائر» المعتمد في الخطة لا يقوم على العدالة التوزيعية، بل على إعادة توزيع عكسي للظلم، حيث تُنقل كلفة الانهيار من الفئات التي استفادت من النظام السابق إلى الفئات الأضعف اجتماعيًا واقتصاديًا¹³¹⁷. ويُعدّ هذا المسار انتهاكًا صريحًا لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، وتقويضًا لمفهوم الدولة بوصفها إطارًا لحماية الحقوق لا إدارة الخسائر على حساب المجتمع¹².
ومن منظور نظريات العدالة، ولا سيما نظرية جون راولز، فإن أي ترتيب اقتصادي يجعل الفئات الأضعف أسوأ حالًا مما كانت عليه، أو يفرض عليها أعباء غير متناسبة مع قدرتها على التحمل، يفقد مشروعيته الأخلاقية حتى لو بدا «ضروريًا» أو «واقعيًا» من الناحية التقنية⁹. وبذلك، يتبيّن أن الخطة الحكومية اللبنانية، بصيغتها الحالية، لا تفتقر فقط إلى العدالة، بل تُنتج ظلمًا مؤسسيًا يُهدّد العقد الاجتماعي ذاته.
وقد كشفت المقارنة الدولية، ولا سيما مع تجارب اليونان والأرجنتين وآيسلندا، أن مسارات التعافي ليست حتمية اقتصاديًا، بل نتاج خيارات سياسية ومعيارية واضحة²⁴. ففي حين أظهرت التجربتان اليونانية والأرجنتينية حدود التقشّف أو إعادة الهيكلة غير المصحوبة بإصلاح بنيوي ومحاسبة، برهنت التجربة الآيسلندية أن حماية المجتمع، ومحاسبة المسؤولين، وتحميل القطاع المالي كلفة الانهيار، يمكن أن تشكّل شروطًا فعلية لتعافٍ أكثر عدالة واستدامة¹¹²⁷.
وانطلاقًا من ذلك، تؤكّد هذه الدراسة أن استمرار لبنان في تجاهل مبدأ العدالة بحجّة الضرورة المالية لن يؤدّي إلى استقرار حقيقي، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. فالعدالة المؤجَّلة لا تُحلّ الأزمة، بل تُراكم أسباب انفجارها في المستقبل. كما أن استبعاد الكرامة الإنسانية من السياسات الاقتصادية يحوّل الإصلاح إلى أداة إذلال، ويُعمّق الاغتراب السياسي والاجتماعي، ويُقوّض ما تبقّى من ثقة بين الدولة والمواطنين¹¹¹٥.
وعليه، تخلص الدراسة إلى أن أي خطة تعافٍ في لبنان لا يمكن أن تنجح ما لم تُعاد صياغتها على أسس مختلفة جذريًا، تقوم على:
ربط الخسائر بالمسؤوليات السياسية والمالية التي أنتجتها،
حماية صغار ومتوسطي المودعين والفئات الهشّة بوصفهم أصحاب حق لا أدوات تصحيح،
إخضاع القطاع المالي لمساءلة قانونية فعلية،
إعادة تعريف دور الدولة كضامن للعدالة الاجتماعية لا مجرّد مدير للأزمة²⁹.
ختامًا، إن الأزمة اللبنانية ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة عدالة واختيار. والاقتصاد، حين ينفصل عن العدالة، يتحوّل من أداة تنظيم اجتماعي إلى وسيلة إذلال ممنهج. ومن دون إعادة الاعتبار للعدالة بوصفها شرطًا سابقًا للاستقرار، لا نتيجة لاحقة له، سيبقى أي إصلاح في لبنان إصلاحًا شكليًا، وستبقى الدولة عالقة في حلقة مفرغة من الانهيار المتجدّد.

 المراجع

1. Stiglitz, Joseph E.
The Price of Inequality: How Today’s Divided Society Endangers Our Future.
New York: W. W. Norton & Company, 2012.
2. World Bank.
Lebanon Economic Monitor: The Deliberate Depression.
Washington, DC: World Bank Group, 2021.
3. Kulluna Irada.
Critique of the Government Financial Recovery Plan.
Beirut, 2022.
4. Habermas, Jürgen.
Legitimation Crisis.
Boston: Beacon Press, 1975.
5. Polanyi, Karl.
The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time.
Boston: Beacon Press, 1944.
6. Piketty, Thomas.
Capital in the Twenty-First Century.
Cambridge, MA: Harvard University Press, 2014.
7. Rawls, John.
A Theory of Justice.
Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971.
8. Ministry of Finance (Lebanon).
Financial Recovery Plan.
Beirut, 2022.
9. International Monetary Fund (IMF).
Lebanon: Staff-Level Agreement on Economic Policies.
Washington, DC, 2022.
10. Banque du Liban.
Annual Reports.
Beirut, 2017–2019.
11. Young, Iris Marion.
Responsibility for Justice.
Oxford: Oxford University Press, 2011.
12. Duguit, Léon.
Traité de droit constitutionnel.
Paris: Fontemoing, 1927.
13. Harvey, David.
A Brief History of Neoliberalism.
Oxford: Oxford University Press, 2005.
14. OECD.
G20/OECD Principles of Corporate Governance.
Paris: OECD Publishing, 2023.
15. Arendt, Hannah.
Responsibility and Judgment.
New York: Schocken Books, 2003.
16. Fraser, Nancy.
Scales of Justice: Reimagining Political Space in a Globalizing World.
New York: Columbia University Press, 2009.
17. Sturzenegger, Federico & Zettelmeyer, Jeromin.
Debt Defaults and Lessons from a Decade of Crises.
Washington, DC: Peterson Institute for International Economics, 2007.
18. Featherstone, Kevin.
The Greek Crisis and European Politics.
Oxford: Oxford University Press, 2015.
19. Blyth, Mark.
Austerity: The History of a Dangerous Idea.
Oxford: Oxford University Press, 2013.
20. Madsen, Peter.
“Iceland’s Financial Crisis and Recovery.”
Nordic Economic Policy Review, 2014.
21. Sen, Amartya.
Development as Freedom.
New York: Knopf, 1999.
22. Honneth, Axel.
The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts.
Cambridge, MA: MIT Press, 1995.
23. North, Douglass C.
Institutions, Institutional Change and Economic Performance.
Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
24. Rodrik, Dani.
The Globalization Paradox: Democracy and the Future of the World Economy.
New York: W. W. Norton & Company, 2011.
25. UNDP.
Rethinking Poverty and Inequality in Lebanon.
Beirut, 2020.
26. Maharat Foundation.
The Bank Restructuring Law and Accountability Gaps.
Beirut, 2023.
27. European Central Bank (ECB).
Lessons from the Greek Sovereign Debt Crisis.
Frankfurt, 2016.
28. World Inequality Lab.
World Inequality Report.
Paris, 2022.
29. Sen, Amartya & Drèze, Jean.
An Uncertain Glory: India and Its Contradictions.
Princeton: Princeton University Press, 2013.

 

التعليقات

الأب ميشال روحانا

2025-12-30

ليت هذا القانون صدر سنة 2019 لكان لوقع مقالكم صدى مدويا يؤخر صدوره. ولكن صدوره بعد ست سنوات من فلتان المرتكبين بحثا عما يحمي ارتكابهم، فكان لا بد أن يصدر قانون "باللتي هي أحسن"، ثم يبنى على الشيئ مقتضاه. رئيس الحكومة تبوأ أعلى منصب قضائي في العالم ,وأعتقد يعرف من أين تؤكل الكتف. ليس صغار المودعين من يخسر - فالخسارة كانت كاملة والآن وضع حدا للحسارة - إنما هم المرتكبين الذيي يثيرون صغار المودعين وصغار النفوس، حتى من غير المودعين من أزلامهم، كي يختبؤوا وراءهم. فاالقضاء آت لا محالة، وكما فضح أربعة من وزراء الاتصالات وحكم عليهم برد الأموال من حساباتهم الخاصة، سيكون الحبل على الجرار.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM