tiktok
Logo

بمناسبة عيد الميلاد المجيد

شخصية المسيح ورسالته

2025-12-29

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

 

بمناسبة عيد الميلاد المجيد


 اسوقفتني شخصية المسيح ورسالته
ومعانيها المتعددة الوجوه في عالم اهينت فيه كرامة الإنسان وحُط من كرامته وسيطر المال والسلطة الفاسدة
على حطامه الجريح

دعاني ذلك الى تحرير ما يلي:

       المسيح  
بين التاريخ والمعنى

بقلم الدكتور فريد جبور

24 كانون الأوّل 2025

 المقدّمة 

تُشكّل شخصية المسيح (يسوع الناصري) واحدة من أعقد الظواهر في تاريخ الفكر الإنساني، لا بسبب مركزيتها الدينية فحسب، بل لأن حضورها التاريخي والرمزي استمر فاعلًا في تشكيل الأخلاق، والخيال الجمعي، والبُنى الاجتماعية، والفلسفة، والسياسة، وعلم النفس، عبر قرون طويلة ومن خلال ثقافات متباينة. فالمسيح ليس مجرد شخصية تنتمي إلى الماضي، بل بنية دلالية حيّة ما زالت تُنتج المعنى، وتستدعي التأويل، وتحرّك الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان، والسلطة، والخلاص، والكرامة، والعنف، والرحمة.
إن دراسة المسيح دراسة أكاديمية محايدة تفرض تجاوز المقاربات الأحادية، سواء كانت لاهوتية إيمانية مغلقة، أو تاريخية اختزالية، أو فلسفية تجريدية معزولة عن الواقع الاجتماعي. ذلك أن الظاهرة المسيحية تشكّلت عند تقاطع معقّد بين الحدث التاريخي، والرمز الديني، والاحتياج النفسي، والشرط الاجتماعي والسياسي، والسؤال الفلسفي حول المعنى [1].
وعليه، فإن هذا البحث ينطلق من مقاربة بين-تخصصية تستعين بالأنثروبولوجيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم السياسة، والفلسفة، واللاهوت والفقه المقارن، من أجل بناء فهم مركّب ومتوازن لهذه الشخصية وتأثيرها.

تتمحور اشكالية هذا البحث حول السؤال الآتي:
كيف يمكن فهم شخصية المسيح بوصفها ظاهرة تاريخية ودينية وإنسانية مركّبة، أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الأخلاقي والاجتماعي والفلسفي للإنسان، داخل سياقها التاريخي، وعبر مقارنتها بالديانات القديمة والإبراهيمية، ومن خلال تحليل أبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية؟
ومن هذه الإشكالية العامة تتفرّع ثلاث إشكاليات كبرى، تمثّل المحاور الأساسية للبحث.

١-المسيح بين التاريخ والأنثروبولوجيا والسياسة
كيف يمكن قراءة المسيح في سياقه التاريخي والأنثروبولوجي والسياسي، بعيدًا عن الإسقاطات العقدية اللاحقة، مع فهم الرموز المرتبطة بميلاده ونشأته بوصفها تعبيرًا عن بنية ثقافية–إنسانية، لا مجرد سرديات دينية؟

٢-البشارة وتعاليم المسيح في ضوء علم النفس والأخلاق والاجتماع
إلى أي مدى يمكن فهم تعاليم المسيح بوصفها مشروعًا للتحوّل النفسي الفردي وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية والأخلاقية، وليس مجرد منظومة عقائدية أو طقسية؟


٣-المسيح في المقارنة الدينية والفلسفية والمعنى الإنساني الكوني
كيف يتقاطع تمثّل المسيح مع تصوّرات الخلاص والمعنى في الديانات القديمة والإبراهيمية، ومع الأسئلة الفلسفية الكبرى حول الإيمان، والمعنى، والألم، والحرية،والانسان؟

يسعى هذا البحث إلى تجاوز سؤال “من هو المسيح؟” إلى سؤال أعمق:
ماذا فعل المسيح، وما الذي ما زال يفعله، في الوعي الإنساني؟
وفقدان المعنى. فالمسيح، في هذا الإطار، لا يُقرأ بوصفه نهاية للأسئلة، بل بوصفه مولّدًا دائمًا للأسئلة الأخلاقية والوجودية، في عالم ما زال يعاني من العنف، والاغتراب،

 
 

 المحور الأوّل:المسيح في السياق الإنساني التاريخي والأنثروبولوجي والسياسي
(من الحدث الديني إلى التحوّل في الوعي الإنساني)

يهدف هذا المحور إلى مقاربة شخصية المسيح بوصفها ظاهرة إنسانية مركّبة نشأت داخل سياق تاريخي محدّد، لكنها تجاوزته لتُسهم في تحوّل أعمق في بنية الوعي الإنساني. فلا يُتعامل مع المسيح هنا كموضوع إيمان أو عقيدة، ولا كمجرد شخصية تاريخية يمكن اختزالها في معطيات زمنية وجغرافية، بل كـ نقطة تقاطع بين تطوّر الضمير البشري، وأزمة السلطة، وتحولات الرمز الديني، وانتقال الإنسان من منطق القوة إلى منطق المعنى.
ينطلق هذا المحور من فرضية أن الأديان الكبرى، في لحظات معينة من التاريخ، لا تعمل فقط بوصفها أنظمة اعتقاد، بل بوصفها أدوات لإعادة تشكيل الإنسان لذاته. وبهذا المعنى، فإن ظهور المسيح يندرج ضمن المسار الطويل لتطوّر الإنسان الأخلاقي والنفسي والاجتماعي، حيث تبدأ السلطة بفقدان شرعيتها القهرية، ويبدأ الضمير الفردي بالتحوّل إلى مرجعية داخلية للفعل.
1. المسيح كحدث إنساني في مسار تطوّر الوعي البشري
يُمكن إدراج ظهور المسيح ضمن ما وصفه كارل ياسبرز بـ«العصر المحوري»، وهي المرحلة التي شهدت تحولات عميقة في نظرة الإنسان إلى ذاته، وإلى العالم، وإلى المعنى، في حضارات متعددة ومتزامنة نسبيًا [1]. ففي هذه المرحلة، لم يعد الإنسان يكتفي بتفسير وجوده عبر الأسطورة أو القوة أو الانتماء القبلي، بل بدأ يطرح أسئلة أخلاقية ووجودية تتعلق بالمسؤولية، والعدالة، والكرامة.
ضمن هذا السياق، يمثّل المسيح إحدى الذروات الرمزية لهذا التحوّل؛ إذ ينتقل مركز القيمة من الجماعة المغلقة إلى الإنسان الفرد، ومن الامتثال الخارجي إلى الضمير الداخلي. هذه النقلة لا يمكن فهمها فقط بوصفها تطورًا دينيًا، بل بوصفها مرحلة في نضج الوعي الإنساني، حيث يصبح الإنسان قادرًا على مساءلة القيم السائدة، لا مجرد الخضوع لها.
إنسان ما قبل هذا التحول كان يُعرّف أساسًا من خلال:
انتمائه
موقعه الطبقي
طاعته للسلطة
أما الإنسان الذي تتشكّل ملامحه في خطاب المسيح، فيُعرّف من خلال:
علاقته بالآخر
مسؤوليته الأخلاقية
قدرته على الاعتراف بضعفه دون أن يفقد كرامته
وهذا ما يجعل المسيح جزءًا من تاريخ الإنسان لا من تاريخ الدين وحده.
2. السياق التاريخي والسياسي: الاستعمار، الدين، وأزمة المعنى
ظهر المسيح في فلسطين الخاضعة للهيمنة الرومانية، حيث كان العنف السياسي، والاستغلال الاقتصادي، والتفاوت الطبقي، سمات بنيوية للحياة اليومية [2]. وفي مثل هذه السياقات، غالبًا ما يتحوّل الدين إلى ملجأ رمزي، وإلى أداة مقاومة، وإلى لغة تعويض عن فقدان السيطرة.
كانت اليهودية في القرن الأول نظامًا شاملًا: دينيًا، قانونيًا، اجتماعيًا، وسياسيًا. ولذلك، فإن أي خطاب ديني جديد لم يكن ممكنًا أن يبقى محايدًا سياسيًا، حتى وإن لم يطرح برنامجًا سياسيًا مباشرًا. يسوع لم يقد ثورة مسلحة، ولم يسعَ إلى إسقاط الحكم الروماني بالقوة، لكنه وجّه نقدًا جذريًا لمنطق السلطة ذاته، سواء أكانت سلطة الاحتلال أم سلطة النخبة الدينية المحلية [3].
من منظور علم الاجتماع السياسي، فإن هذا النوع من الخطاب يُعدّ أكثر تهديدًا من العنف المباشر، لأنه يزعزع الأسس الرمزية التي تستند إليها السلطة. فحين يُعاد تعريف القوة بوصفها خدمة، والمكانة بوصفها مسؤولية، والطاعة بوصفها خضوعًا أخلاقيًا لا أعمى، تفقد السلطة القهرية كثيرًا من مشروعيتها.
إنسانياً، تكمن أهمية هذا الموقف في أنه لا يستبدل عنفًا بعنف، بل يقترح منطقًا بديلًا للتاريخ القهري.
3. المقاربة الأنثروبولوجية: الميلاد والرمز ومعنى البداية
من منظور الأنثروبولوجيا الدينية، لا تُقرأ روايات ميلاد المسيح بوصفها تقارير تاريخية فقط، بل بوصفها سرديات مؤسسة تعيد ترتيب القيم والمعاني [8]. فالطفل المولود في الهامش، خارج مراكز السلطة، يحمل دلالة رمزية تتكرر في ثقافات عديدة حين تبلغ المجتمعات ذروة أزمتها الأخلاقية.
نجد نماذج مشابهة في:
حورس في مصر القديمة
كريشنا في الهند
بوذا في سياق الزهد والانسحاب من الامتياز
غير أن ما يميّز المسيح هو أن الهشاشة هنا لا تُقدَّم بوصفها مرحلة مؤقتة قبل استعادة القوة، بل بوصفها قيمة أخلاقية بحد ذاتها. فالقوة لا تُستعاد لاحقًا في شكل سيطرة، بل تُعاد صياغتها في شكل تضامن ورحمة.
أنثروبولوجيًا، يمثّل هذا تحوّلًا مهمًا في الرمز الخلاصي:
الخلاص لم يعد انتصارًا، بل انكشافًا لمعنى جديد للإنسان.
4. المسيح والسلطة: تحليل سياسي–إنساني
يُظهر تحليل علاقة المسيح بالسلطة أنه مارس نوعًا من السلطة الأخلاقية غير القهرية. فهو لم يُشرعن العنف، ولم يبارك التمرد المسلح، لكنه في الوقت ذاته لم يمنح السلطة حصانة أخلاقية مطلقة [5].
مقولته الشهيرة بشأن قيصر لا تعبّر عن فصل بسيط بين الدين والسياسة، بل عن إعادة تعريف لحدود السلطة:
ما يخضع للقوة، وما لا يجوز أن تخضع له القوة.
هذا الموقف سيكون له أثر بالغ في تطور الفكر السياسي اللاحق، خصوصًا في:
فكرة الضمير
العصيان الأخلاقي
نقد السلطة باسم الإنسان
إنسانيًا، يمثل هذا انتقالًا حاسمًا من الإنسان الخاضع إلى الإنسان القادر على التمييز الأخلاقي.
5. المسيح كظاهرة إنسانية عابرة للأطر الدينية
إن حصر المسيح في الإطار الديني الصرف يحدّ من فهمه بوصفه جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة. فقد استُعيدت شخصيته عبر التاريخ في:
الفلسفة
الأدب
علم النفس
نظريات اللاعنف
خطاب حقوق الإنسان
حتى في السياقات غير الدينية، يُقرأ المسيح بوصفه:
رمزًا لمقاومة العنف
صوتًا للضمير في وجه السلطة
نموذجًا للكرامة غير المشروطة
وهذا الحضور العابر للحدود يؤكد أن المسيح لا ينتمي إلى جماعة واحدة، بل إلى سؤال الإنسان عن ذاته.


يخلص هذا المحور إلى أن المسيح ليس ظاهرة دينية معزولة، ولا مجرد شخصية تاريخية يمكن حصرها في سياق القرن الأول الميلادي، بل هو مرحلة نوعية في تطوّر الوعي الإنساني. مرحلة انتقل فيها الإنسان من تبرير القوة إلى مساءلتها، ومن تقديس السلطة إلى إخضاعها للضمير، ومن الخلاص الخارجي إلى التحوّل الداخلي.
وبهذا المعنى، فإن دراسة المسيح في هذا المحور لا تُعدّ استعادة للماضي، بل قراءة في مسار الإنسان نفسه:
كيف يتقدّم،
وكيف يخطئ،
وكيف يحاول أن يصبح أكثر إنسانية.
 المحور الثاني: البشارة وتعاليم المسيح
(من التحوّل الداخلي إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع)

إذا كان المحور الأوّل قد وضع المسيح في سياقه الإنساني التاريخي والأنثروبولوجي والسياسي، فإن هذا المحور ينتقل إلى جوهر الرسالة نفسها: البشارة وتعاليمها، لا بوصفها مجموعة أوامر دينية أو عقائدية، بل بوصفها مشروعًا لتحوّل الإنسان من الداخل، وانعكاس هذا التحوّل على الأخلاق، والعلاقات الاجتماعية، وبنية الجماعة.
ينطلق هذا المحور من فرضية أن تعاليم المسيح تمثّل لحظة متقدمة في تطوّر الوعي الأخلاقي والنفسي للإنسان، حيث لم يعد السلوك الإنساني يُفهم فقط من خلال القانون والعقوبة، بل من خلال النية، والدافع، والضمير. وبهذا المعنى، فإن البشارة لا تستهدف تنظيم المجتمع مباشرة، بل تستهدف إعادة تشكيل الذات الإنسانية بوصفها الشرط الأول لأي تحول اجتماعي حقيقي.
1. البشارة بوصفها خطابًا موجّهًا إلى الداخل الإنساني
تتميّز تعاليم المسيح، مقارنةً بالأنساق الدينية والقانونية السائدة في العالم القديم، بتركيزها على البعد الداخلي للإنسان: القلب، النية، الضمير، والدافع. فالقيمة الأخلاقية للفعل لا تُقاس فقط بنتيجته الظاهرة، بل بمصدره الداخلي.
هذا التحوّل يعكس نقلة نوعية في فهم الإنسان، حيث لم يعد يُنظر إليه ككائن يُضبط بالسلوك الخارجي وحده، بل ككائن أخلاقي حرّ يتحمّل مسؤولية دوافعه [13].
من منظور تاريخ الفكر الأخلاقي، يمثّل هذا الانتقال مرحلة متقدمة من تطوّر الأخلاق، يمكن وصفها بالانتقال من “أخلاق الطاعة” إلى “أخلاق المسؤولية”. فالمسيح لا يكتفي بإدانة الفعل العنيف، بل يتتبّع جذوره النفسية: الغضب، الحقد، الرغبة في الهيمنة.
إنه لا يسعى إلى قمع هذه الانفعالات بالقانون، بل إلى تفكيكها بالوعي.
إنسانيًا، تكمن أهمية هذا الخطاب في أنه يعترف بضعف الإنسان دون أن يُلغيه، ويخاطب الإنسان كما هو، لا كما ينبغي أن يكون وفق نموذج مثالي متعالٍ.
2. التحليل النفسي–الإنساني: التوبة والغفران كآليّتي تحوّل
في علم النفس الديني والإنساني، تُفهم مفاهيم التوبة والغفران في تعاليم المسيح بوصفها عمليات نفسية عميقة لإعادة بناء الذات. فالتوبة لا تُطرح كإدانة للذات أو سحق لها، بل كاعتراف بالخطأ يفتح إمكان التغيير.
أما الغفران، فيُقدَّم لا كتنازل أخلاقي، بل كتحرير داخلي من أسر الحدث المؤلم [16].
تشير دراسات علم النفس الإنساني إلى أن الإنسان لا يشفى من الصدمة بالإنكار أو بالانتقام، بل بإعادة دمج التجربة المؤلمة في سردية ذات معنى [17].
وهنا يلتقي التحليل النفسي الحديث مع تعاليم المسيح في إدراك أن الكراهية تُبقي الإنسان أسيرًا لمن آذاه، بينما الغفران الواعي يعيد له سيادته الداخلية.
لا يعني ذلك تبرير الظلم أو تجاهله، بل يعني فصل العدالة عن الانتقام، والتمييز بين المحاسبة القانونية والتحرّر النفسي.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تعاليم المسيح بوصفها استباقًا مبكرًا لعدد من المفاهيم المركزية في العلاج النفسي الحديث.
3. الأخلاق المسيحية: من منطق القصاص إلى منطق الرعاية
أخلاقيًا، تمثّل تعاليم المسيح قطيعة واضحة مع منطق القصاص الذي كان سائدًا في المجتمعات القديمة. فالعدل لم يعد يُختزل في ردّ الأذى بأذى مماثل، بل أُعيد تعريفه بوصفه قدرة على إيقاف دائرة العنف بدل تكريسها [18].
من منظور فلسفة الأخلاق، يُمكن فهم هذا التحوّل بوصفه انتقالًا من أخلاق قائمة على التوازن القسري، إلى أخلاق قائمة على العلاقة والمسؤولية تجاه الآخر. وهذا ما يتقاطع مع أطروحات لاحقة في أخلاقيات الرعاية، التي ترى أن القيمة الأخلاقية العليا ليست الامتثال للقواعد، بل الاستجابة لضعف الآخر [19].
إنسانيًا، تعبّر هذه الأخلاق عن تطوّر في الحسّ الأخلاقي للبشرية، حيث يصبح الهدف ليس الانتصار الأخلاقي على الآخر، بل الحفاظ على إنسانيته وإنسانيتنا معًا.
4. علم الاجتماع: من الفرد إلى الجماعة البديلة
لا تقف تعاليم المسيح عند حدود التحوّل الفردي، بل تؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل الجماعة. فمن منظور علم الاجتماع الديني، يؤدي خطاب يرفع من شأن المهمّشين، ويعيد تعريف القيمة، إلى نشوء جماعة بديلة لا تقوم على العرق أو الطبقة أو النسب [11].
الجماعة المسيحية الأولى تشكّلت حول التزام أخلاقي مشترك، لا حول سلطة سياسية أو امتياز اجتماعي. ويصف ماكس فيبر هذا النمط من الجماعات بالكاريزمية، حيث تستمد شرعيتها من المثال الأخلاقي المؤسِّس، لا من المؤسسات [12].
هذا ما يفسّر تاريخيًا:
انجذاب الفقراء والعبيد والنساء إلى الرسالة
توترها الدائم مع البُنى السلطوية
تحولها لاحقًا إلى قوة اجتماعية عابرة للإمبراطورية
من منظور تطوّر المجتمعات، تمثّل هذه التجربة خطوة مبكرة نحو إعادة تعريف الانتماء الإنساني خارج الهويات المغلقة.
5. تعاليم المسيح والسلطة: الضمير في مواجهة الهيمنة
يبرز البعد الإنساني العميق لتعاليم المسيح في موقفها من السلطة. فهي لا تدعو إلى الفوضى، ولا تشرعن العنف، لكنها تضع السلطة دائمًا تحت محكّ الضمير.
فالطاعة ليست مطلقة، بل مشروطة بالعدل، والقانون لا يكتسب شرعيته إلا إذا خدم الإنسان [23].
من منظور علم السياسة الأخلاقي، يمثّل هذا الموقف أساسًا مبكرًا لفكرة العصيان الأخلاقي، التي ستتطوّر لاحقًا في الفكر الحديث، حيث يصبح من المشروع أخلاقيًا مقاومة القوانين الظالمة دون التحوّل إلى أدوات عنف مضاد.
إنسانيًا، يعني هذا الانتقال من الإنسان الخاضع بلا سؤال، إلى الإنسان القادر على محاسبة السلطة باسم القيم.
6. البعد الوجداني: لماذا ظلّ الخطاب مؤثرًا؟
من منظور علم النفس الوجداني، يعود استمرار تأثير تعاليم المسيح إلى قدرتها على الجمع بين الاعتراف بضعف الإنسان ومنحه كرامة غير مشروطة.
فالإنسان لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق مع ذاته، ولا يُقصى بسبب ضعفه، بل يُحتضن باعتباره جزءًا من التجربة الإنسانية.
هذا الخطاب الوجداني العميق يفسّر حضور المسيح المستمر في الأدب، والفن، والفلسفة، والعلاج النفسي، حتى في سياقات غير دينية، بوصفه لغة تعبّر عن التوق الإنساني إلى المعنى والرحمة.


يُظهر هذا المحور أن تعاليم المسيح لا يمكن اختزالها في منظومة طقسية أو تعليم أخلاقي مجرّد، بل ينبغي فهمها بوصفها مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الإنسان من الداخل. مشروع يبدأ بالضمير، ويمرّ بالعاطفة، ويتجسّد في العلاقة مع الآخر، ثم ينعكس بالضرورة على بنية المجتمع.
إنها مرحلة متقدمة في تطوّر الوعي الإنساني، حيث تصبح:
المسؤولية الداخلية أساس الفعل
والرحمة معيار القوة
والعلاقة شرط الأخلاق
وبهذا المعنى، فإن تعاليم المسيح لا تنتمي إلى زمن بعينه، بل إلى السؤال الإنساني الدائم حول كيف يمكن للإنسان أن يعيش دون أن يفقد إنسانيته في مواجهة العنف، والخوف، والهيمنة.

 المحور الثالث

المسيح في المقارنة الدينية والفلسفية:من الرمز الخلاصي إلى الأفق الإنساني الكوني


إذا كان المحوران الأوّل والثاني قد تناولا المسيح في سياقه التاريخي والأنثروبولوجي من جهة، وفي جوهر تعاليمه النفسية والأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى، فإن هذا المحور يسعى إلى وضع هذه النتائج ضمن أفق أوسع: أفق المقارنة الدينية والفلسفية والمعنى الإنساني الكوني.
فالمسيح لا يُفهم فقط من خلال زمنه أو جماعته الأولى، بل من خلال حضوره العابر للثقافات، وقدرته المستمرة على التفاعل مع أسئلة الإنسان الكبرى حول الألم، والمعنى، والحرية، والخلاص، والكرامة.
ينطلق هذا المحور من فرضية أن الرموز الدينية الكبرى لا تكتسب أهميتها فقط من خصوصيتها، بل من قدرتها على التحوّل إلى لغة إنسانية مشتركة. ومن هذا المنظور، يُقرأ المسيح بوصفه رمزًا خلاصيًا تطوّر من سياقه الديني الخاص ليصبح أداة فلسفية وأنثروبولوجية لفهم الإنسان في علاقته بالمطلق، وبالآخر، وبذاته.
1. المقارنة مع الديانات القديمة: من الأسطورة الكونية إلى الأخلاق التاريخية
تُظهر الدراسات الأنثروبولوجية المقارنة أن المجتمعات الإنسانية، في مراحل التحوّل العميق، أنتجت نماذج متشابهة للمنقذ أو الإله المتألم أو الكائن الذي يموت ويعود إلى الحياة [8]، [9].
وتظهر هذه النماذج في ديانات وأساطير متعددة مثل أوزيريس في مصر القديمة، وتموز في بلاد الرافدين، وديونيسوس في اليونان، وكريشنا في الهند.
غير أن المقارنة الدقيقة تكشف أن المسيح يمثّل تحوّلًا نوعيًا في وظيفة الرمز الخلاصي. ففي حين ترتبط الأساطير القديمة غالبًا بدورات الطبيعة والخصوبة والتجدد الكوني، ينتقل المسيح بالخلاص من مستوى الطبيعة إلى مستوى التاريخ، ومن التكرار الدوري إلى المسؤولية الأخلاقية.
فالألم هنا لا يُفهم بوصفه شرطًا كونيًا للتجدد، بل بوصفه نتيجة ظلم تاريخي، والخلاص لا يتحقق بعودة النظام الطبيعي، بل بتحوّل الإنسان في علاقته بالعنف والعدالة.
من منظور تطوّر الوعي الإنساني، يمثّل هذا الانتقال لحظة حاسمة:
لم يعد الخلاص حدثًا يقع خارج الإنسان، بل موقفًا أخلاقيًا يُنجز داخله.
2. المسيح في الديانات الإبراهيمية: وحدة الأصل وتعدّد التأويل
يحتلّ المسيح موقعًا فريدًا داخل الديانات الإبراهيمية، بوصفه نقطة التقاء واختلاف في آن واحد. ففي اليهودية، يُفهم يسوع أساسًا كمعلّم يهودي أو نبي أخلاقي، ولا يُعترف به بوصفه المسيّا المنتظر الذي يحقق الخلاص القومي والسياسي [3].
هذا الرفض لا ينطلق من إنكار قيمته الأخلاقية، بل من اختلاف جذري في مفهوم الخلاص ذاته.
في المسيحية، يُفهم المسيح بوصفه الكلمة المتجسدة، حيث يلتقي الإلهي بالإنساني في حدث واحد، ما يشكّل نموذجًا لاهوتيًا غير مسبوق في تاريخ الأديان [4].
أما في الإسلام، فيُقدَّم عيسى بن مريم نبيًا كريمًا، مولودًا بمعجزة، وكلمةً من الله، وروحًا منه، دون ألوهية أو صلب، مع تركيز واضح على الطهارة، والرحمة، والتجرد، والدعوة إلى الله [33].
من منظور إنساني مقارن، لا تُقرأ هذه الاختلافات بوصفها تناقضات مطلقة، بل بوصفها تعبيرات ثقافية وتاريخية متعددة عن سؤال واحد:
كيف يتجلّى المطلق في التاريخ؟
وكيف تُفهم العلاقة بين الإلهي والإنساني دون أن تُلغى حرية الإنسان أو مسؤوليته؟
3. المقارنة الفلسفية: المسيح كسؤال وجودي مفتوح
لم يكن المسيح موضوعًا لاهوتيًا فقط، بل تحوّل في الفلسفة الحديثة والمعاصرة إلى إشكال وجودي.
ففي فلسفة كيركغارد، يمثّل المسيح “المفارقة المطلقة”، حيث يلتقي اللامتناهي بالمتناهي، ويُختبر الإيمان بوصفه مخاطرة وجودية لا استنتاجًا عقليًا [20].
هذا التحليل لا يرفض العقل، بل يحدّد حدوده.
أما نيتشه، فعلى الرغم من نقده الجذري للمسيحية المؤسسية، يميّز في مواضع عدة بين يسوع بوصفه نموذجًا لحياة أصيلة قائمة على الصدق الداخلي، وبين ما يراه انحرافًا لاحقًا للكنيسة نحو السلطة والضبط الأخلاقي القسري [21].
يسوع هنا ليس مشرّعًا، بل مثالًا وجوديًا.
وفي فلسفة سبينوزا، يظهر تقاطع غير مباشر مع فكرة القرب الإلهي من العالم، حيث يُفهم الإله بوصفه حاضرًا في نظام الوجود ذاته، ما يسمح بقراءة أخلاقية عقلانية تتقاطع جزئيًا مع فكرة “الإله القريب”، وإن اختلفت البنية اللاهوتية [22].
هذه المقاربات تُظهر أن المسيح لم يُختزل في خطاب إيماني، بل صار أداة فلسفية لفهم الإنسان والحرية والمعنى.
4. المسيح وعلم النفس العميق: الرمز والتحوّل الداخلي
في علم النفس التحليلي، ولا سيما عند كارل يونغ، يُقرأ المسيح بوصفه نموذجًا أصليًا (Archetype) يرمز إلى إمكان التوحيد بين الأضداد داخل النفس الإنسانية: الوعي واللاوعي، الألم والمعنى، الفرد والجماعة [14]، [15].
هذا التحليل لا ينفي البعد التاريخي، بل يضيف إليه بعدًا داخليًا يجعل من المسيح صورة رمزية للتحوّل النفسي الممكن في كل إنسان.
وفي علم النفس الوجودي، يُفهم المسيح بوصفه نموذجًا لمواجهة الألم والموت دون إنكار، ولتحمّل المعاناة دون فقدان الكرامة.
وهذا ما يفسّر استمرار حضوره في الأدب، والفن، والعلاج النفسي، حتى في سياقات علمانية لا تتبنّى الإيمان الديني.
5. البعد الإنساني الكوني: المسيح وأفق المستقبل
عند تحرير المسيح من التوظيف الدogمائي والأيديولوجي، يظهر بوصفه رمزًا إنسانيًا كونيًا لمقاومة العنف دون استنساخه، ولمساءلة القوة باسم الرحمة، ولمركزية الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة [19]، [25]، [26].
وفي عالم معاصر يشهد تصاعدًا في أشكال القهر، والاستغلال، ونزع الإنسانية باسم السوق أو الأمن أو المصلحة، تستعاد تعاليم المسيح بوصفها موردًا أخلاقيًا عالميًا، لا عقيدة مفروضة.
إنسانيًا، لا تكمن أهمية المسيح في عدد أتباعه، بل في قدرته المستمرة على إيقاظ السؤال الأخلاقي في وجه كل سلطة تدّعي الاكتمال.

يبيّن هذا المحور أن المسيح يتجاوز حدود الدين الواحد ليغدو رمزًا إنسانيًا كونيًا، وجسرًا بين الأسطورة والأخلاق، وبين الإيمان والفلسفة، وبين التاريخ وأفق المستقبل. فهو ليس إجابة نهائية، بل سؤال مفتوح في ضمير الإنسانية حول معنى الألم، وحدود القوة، وإمكان العيش المشترك دون عنف.
وبهذا المعنى، يشكّل المسيح إحدى اللحظات المفصلية في تطوّر الوعي الإنساني، حيث لم يعد الخلاص وعدًا خارجيًا، بل مسؤولية داخلية، ولم تعد القوة معيار القيمة، بل الرحمة والكرامة. ومن هنا، فإن قراءة المسيح في هذا المحور لا تُغلق البحث، بل تفتح أفقه على المستقبل، بوصفه أفقًا إنسانيًا لم يكتمل بعد.

 الخاتمة :

تبيّن هذه الدراسة، في مجمل محاورها، أنّ شخصية المسيح لا تُفهم على نحو وافٍ إذا أُحيلت إلى إطار ديني أو تاريخي ضيّق، بل ينبغي قراءتها بوصفها منعطفًا في مسار تطوّر الوعي الإنساني، وحدثًا دلاليًا أسهم في إعادة صياغة علاقة الإنسان بذاته، وبالآخر، وبالسلطة، وبالمعنى. فالمسيح، كما أظهر التحليل التاريخي والأنثروبولوجي والسياسي، لم يظهر خارج شروط عصره، لكنه في الوقت نفسه قاوم منطق العصر القهري من داخله، واقترح بديلًا أخلاقيًا يُعيد تعريف القوة، والخلاص، والشرعية.
لقد كشف المحور الأوّل أنّ السياق الاستعماري والتراتبية الدينية في فلسطين القرن الأوّل شكّلا بيئةً ملائمة لتبلور خطابٍ يزعزع شرعية السلطة القهرية دون أن يستبدلها بعنفٍ مضاد. وبهذا المعنى، لم يكن نقد المسيح للسلطة رفضًا للنظام بوصفه نظامًا، بل مساءلةً أخلاقية لأسس الشرعية حين تنفصل عن العدالة والكرامة الإنسانية. إنّ هذا الموقف—الذي يضع الضمير معيارًا—يمثّل خطوة نوعية في تطوّر الوعي السياسي والأخلاقي للإنسان.
وأظهر المحور الثاني أنّ جوهر البشارة لا يكمن في منظومة طقسية أو تشريعية، بل في مشروع للتحوّل الداخلي يبدأ من النية والضمير ويترسّخ في الغفران والمسؤولية. ومن منظور علم النفس والأخلاق، فإنّ هذا المشروع يسبق كثيرًا من أطروحات العلاج النفسي الحديث وأخلاقيات الرعاية، إذ يعالج جذور العنف عبر تفكيك دوائره الداخلية، ويفصل بين العدالة والانتقام، ويعيد للإنسان سيادته على ذاته. كما يبيّن التحليل الاجتماعي أنّ هذا التحوّل الفردي يفضي بالضرورة إلى إعادة تشكيل الجماعة على أساس الالتزام الأخلاقي لا الامتياز، وهو ما يفسّر الجاذبية التاريخية للرسالة بين المهمّشين، وتوترها البنيوي مع بُنى الهيمنة.
أما المحور الثالث فقد وسّع الأفق المقارن، مظهرًا أنّ المسيح—في تفاعله مع الديانات القديمة والإبراهيمية والفلسفة وعلم النفس العميق—يتحوّل إلى رمز إنساني كوني. فالخلاص ينتقل من دورات الطبيعة إلى مسؤولية التاريخ، ومن الأسطورة إلى الأخلاق، ومن الوعد الخارجي إلى الفعل الداخلي. وفي الفلسفة، يغدو المسيح إشكالًا وجوديًا يختبر حدود العقل (كيركغارد)، وينقد تسييس الأخلاق (نيتشه)، ويقارب فكرة القرب الإلهي ضمن نظام الوجود (سبينوزا). وفي علم النفس التحليلي، يُقرأ بوصفه نموذجًا أصليًا للتحوّل وتكامل الذات. كلّ ذلك يفسّر استمرارية حضوره خارج الإيمان الديني، بوصفه لغةً إنسانيةً لمساءلة العنف وإعادة مركزية الكرامة.
وعند إسقاط هذه الخلاصات على أفق الحاضر، تتجلّى راهنية القراءة الإنسانية للمسيح في مواجهة سياسات القمع والاستثمار ونزع الإنسانية التي تعيد إنتاج الهيمنة بأدوات أكثر نعومة وشمولًا: اختزال الإنسان إلى مورد، وشرعنة التفاوت باسم السوق، وتبرير العنف باسم الأمن أو المصلحة. إنّ المعيار الذي تقترحه هذه الدراسة واضح: لا شرعية أخلاقية لأي نظام—سياسيًا كان أم اقتصاديًا أم دينيًا—إذا قام على إهانة الإنسان أو تحويله إلى وسيلة. فالقوة التي لا تُضبط بالمسؤولية تنقلب عنفًا، والثروة التي لا تُضبط بالعدالة تتحوّل استغلالًا، والسلطة التي لا تخضع للمساءلة الأخلاقية تصير قهرًا مهما تنوّعت مسوّغاتها.
إنّ أفق التطوّر الإنساني، كما يتبدّى من هذا المسار، لا يُقاس بتراكم الأدوات أو تسارع التقنية، بل بـنضج الضمير الجمعي وقدرته على حماية الأضعف، وضبط القوة، وإعادة تعريف التقدّم بوصفه توسّعًا في الكرامة لا في السيطرة. وفي هذا الإطار، يظلّ المسيح—متحرّرًا من التوظيف الأيديولوجي—رمزًا تحويليًا دائمًا يضع معيارًا صارمًا: الإنسان غاية لا وسيلة، والرحمة شرط العدالة، والمسؤولية أساس الحرية. ومن هنا، لا تُغلق هذه الدراسة سؤال المسيح، بل تُبقيه مفتوحًا بوصفه سؤال الإنسان عن مستقبله الأخلاقي في عالم لم يكتمل بعد.


المراجع :
[1] Jaspers, K. (1953). The origin and goal of history (M. Bullock, Trans.). Yale University Press.
[2] Sanders, E. P. (1993). The historical figure of Jesus. Penguin Books.
[3] Vermes, G. (1973). Jesus the Jew: A historian’s reading of the Gospels. SCM Press.
[4] Brown, R. E. (1993). The birth of the Messiah: A commentary on the infancy narratives in Matthew and Luke. Yale University Press.
[5] Crossan, J. D. (1994). Jesus: A revolutionary biography. HarperOne.
[6] Meier, J. P. (1991–2016). A marginal Jew: Rethinking the historical Jesus (Vols. 1–5). Yale University Press.
[7] Ehrman, B. D. (1999). Jesus: Apocalyptic prophet of the new millennium. Oxford University Press.
[8] Eliade, M. (1954). The myth of the eternal return: Cosmos and history. Princeton University Press.
[9] Campbell, J. (1949). The hero with a thousand faces. Princeton University Press.
[10] Girard, R. (1977). Violence and the sacred (P. Gregory, Trans.). Johns Hopkins University Press.
[11] Weber, M. (1963). The sociology of religion (E. Fischoff, Trans.). Beacon Press.
[12] Weber, M. (1978). Economy and society (G. Roth & C. Wittich, Eds.). University of California Press.
[13] James, W. (1902). The varieties of religious experience. Longmans, Green & Co.
[14] Jung, C. G. (1938). Psychology and religion. Yale University Press.
[15] Jung, C. G. (1959). Aion: Researches into the phenomenology of the self. Princeton University Press.
[16] Maslow, A. H. (1954). Motivation and personality. Harper & Row.
[17] Rogers, C. R. (1961). On becoming a person. Houghton Mifflin.
[18] MacIntyre, A. (1981). After virtue: A study in moral theory. University of Notre Dame Press.
[19] Levinas, E. (1969). Totality and infinity: An essay on exteriority (A. Lingis, Trans.). Duquesne University Press.
[20] Kierkegaard, S. (1985). Philosophical fragments (H. V. Hong & E. H. Hong, Trans.). Princeton University Press.
[21] Nietzsche, F. (1968). The antichrist (R. J. Hollingdale, Trans.). Penguin Classics.
[22] Spinoza, B. (1996). Ethics (E. Curley, Trans.). Penguin Classics.
[23] Arendt, H. (1958). The human condition. University of Chicago Press.
[24] Foucault, M. (1977). Discipline and punish: The birth of the prison (A. Sheridan, Trans.). Pantheon Books.
[25] Sen, A. (1999). Development as freedom. Oxford University Press.
[26] Nussbaum, M. C. (2011). Creating capabilities: The human development approach. Harvard University Press.
[27] Armstrong, K. (1993). A history of God: The 4,000-year quest of Judaism, Christianity and Islam. Ballantine Books.
[28] Armstrong, K. (2006). The great transformation: The beginning of our religious traditions. Anchor Books.
[29] Bruce, F. F. (1974). Jesus and Christian origins outside the New Testament. Eerdmans.
[30] Tacitus. (1996). The annals (M. Grant, Trans.). Penguin Classics.
[31] Josephus, F. (1965). Jewish antiquities (L. H. Feldman, Trans.). Harvard University Press.
[32] The Holy Bible. (1989). New revised standard version. Oxford University Press.
[33] Qur’an. (2004). The Qur’an (M. A. S. Abdel Haleem, Trans.). Oxford University Press.
[34] Ricoeur, P. (1992). Oneself as another (K. Blamey, Trans.). University of Chicago Press.
[35] Taylor, C. (2007). A secular age. Harvard University Press.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM