tiktok
Logo

“بابا نويل”

البعد اللاهوتي والفقهي لبابا نويل

2025-12-29

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

عندما ترى بابا نويل في كل مكان
والزينة الميلادية تضحك لك في الشارع والمنزل تتساءل من هو بابا نويل؟ وما سبب انتشار وتعميم
شخصيته في كل العالم؟!
واذا سألك ابنك أو بنتك عنه بماذا
تجيب؟
هذه التساؤلات التى يطرحها كل شخص منا على نفسه وعلى الآخرين
حملتني على تناول هذه الشخصية
في بحث موجز وهو التالي:
بابا نويل:  

(في ضوء الدين والعلم والحداثة)

بقلم: الدكتور فريد جبور

التاريخ: 23 / 12 / 2025

 
1. المقدّمة :

تُعدّ الرموز الدينية–الثقافية من أهم مفاتيح فهم المجتمعات الإنسانية، إذ تعبّر عن بنيتها العميقة بقدر ما تعكس تحوّلاتها التاريخية والاجتماعية. ومن بين هذه الرموز، تحتل شخصية “بابا نويل” مكانة فريدة في الوعي المعاصر، نظرًا لقدرتها الاستثنائية على العبور بين مجالات متعدّدة: الديني واللاهوتي، الاجتماعي والثقافي، النفسي والتربوي، بل والعلماني والاستهلاكي. فهذه الشخصية، التي تبدو في ظاهرها بسيطة وطفولية، تختزن في باطنها تاريخًا طويلًا من التحوّلات الرمزية، بدأ من شخصية دينية تاريخية، ثم انتقل إلى تقوى شعبية، قبل أن يستقر في صورة أيقونية عالمية [1].
تكمن أهمية دراسة بابا نويل أكاديميًا في كونه نموذجًا حيًّا لتحوّل المقدّس إلى ثقافي، والديني إلى اجتماعي، والرمزي إلى استهلاكي. ولا يقتصر تأثير هذا التحوّل على المجال العام فحسب، بل يمتدّ بعمق إلى وعي الأطفال، أي إلى المرحلة التي تتشكّل فيها البُنى الأولى للفهم الأخلاقي والديني والرمزي [1]. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع بابا نويل بوصفه مجرّد تقليد موسمي أو حكاية فولكلورية بريئة، بل ينبغي إخضاعه لتحليل علمي نقدي متعدد الاختصاصات.
يكتسب هذا البحث أهمية مضاعفة في السياق اللبناني، حيث التعددية الدينية والثقافية تفرض تداخل الرموز في المجال العام، وتُنتج أشكالًا خاصة من التلقي والتأويل. فبابا نويل في لبنان ليس مجرد رمز مسيحي، ولا رمزًا علمانيًا صرفًا، بل علامة ثقافية عابرة للطوائف، ما يطرح أسئلة لاهوتية وفقهية وتربوية دقيقة حول الهوية، والتربية، وحدود الرمز.
ينطلق هذا البحث من فرضية أساسية مفادها أن الإشكالية لا تكمن في وجود بابا نويل بحد ذاته، بل في كيفية تقديمه، وتأويله، وتوظيفه، ولا سيما في الخطاب الموجّه إلى الأطفال. ومن ثمّ، يسعى البحث إلى تفكيك هذا الرمز في جذوره اللاهوتية والفقهية، بوصف ذلك المدخل الضروري لفهم بقية أبعاده النفسية والاجتماعية.
2. المحور الأوّل: البعد اللاهوتي والفقهي لبابا نويل
من القداسة إلى الرمز الثقافي
2.1-يُشكّل البعد اللاهوتي الأساس الأول لفهم ظاهرة بابا نويل، لأن هذه الشخصية لم تولد في فراغ اجتماعي أو ثقافي، بل نشأت في سياق ديني محدّد، ثم خضعت عبر التاريخ لسلسلة من التحوّلات التدريجية التي أدّت إلى فصلها النسبي، ثم شبه الكامل، عن مرجعيتها الأصلية. ويقع هذا المسار التحويلي في صلب اهتمام علم اللاهوت النقدي، الذي لا يكتفي بتفسير العقائد، بل يدرس أيضًا كيفية تشكّل الرموز الدينية، وتحولها، وأحيانًا انحرافها عن معناها المؤسِّس [1].
إن تحليل بابا نويل لاهوتيًا وفقهيًا لا يهدف إلى إصدار حكم قيمي مباشر، بل إلى فهم منطق التحوّل الرمزي: كيف انتقل الرمز من كونه شاهدًا على الإيمان إلى كونه أداة ثقافية عامة؟ وما النتائج الإيمانية والتربوية لهذا الانتقال؟ هذه الأسئلة تشكّل الخلفية النظرية للمبحثين التاليين.
2.2 المبحث الأوّل: الجذور اللاهوتية المسيحية وتحليل النصوص الإنجيلية:

ترتبط شخصية بابا نويل تاريخيًا بالقديس نيقولاوس، أسقف ميرا في القرن الرابع الميلادي، وهي شخصية تاريخية موثّقة في التقليدين الكنسيين الشرقي والغربي. وقد اشتهر هذا القديس بأعمال الرحمة، ولا سيما العطاء الخفي للأطفال والفقراء، ما جعل سيرته تنتشر شعبيًا وتتحوّل إلى نموذج أخلاقي للعطاء المجاني [2]. غير أن اللاهوت المسيحي لا يستند إلى سِيَر القديسين وحدها، بل يؤسّس مفهوم العطاء على نصوص إنجيلية واضحة تشكّل مرجعيته العقائدية [3].
من أبرز هذه النصوص قول المسيح:
“It is more blessed to give than to receive.” (Acts 20:35, NIV) («العطاء أكثر غبطةً من الأخذ») [3].
يحمل هذا النص دلالة لاهوتية مركزية، إذ يربط العطاء بالبركة الروحية لا بالمكافأة الأخلاقية. فالعطاء في المسيحية فعل نابع من النعمة (grace)، لا من استحقاق المتلقي. غير أن الصورة الحديثة لبابا نويل غالبًا ما تقدّم العطاء في إطار مشروط بسلوك الطفل، من خلال ثنائية “الطفل الجيد” و“الطفل السيئ”. ويُعدّ هذا التحويل انتقالًا من لاهوت النعمة إلى منطق أخلاقي تبسيطي قائم على الثواب والعقاب [1].
ويعزّز الإنجيل هذا الفهم غير الاستعراضي للعطاء في قول المسيح:
“Do not let your left hand know what your right hand is doing.” (Matthew 6:3, NIV) («وأما أنت، فمتى صنعتَ صدقة، فلا تُعرِّف شمالك ما تفعل يمينك») [3].
يشدّد هذا النص على الطابع السرّي للعطاء، أي كونه موجّهًا إلى الله لا إلى أعين الناس. غير أن بابا نويل في صورته المعاصرة يُقدَّم كشخصية علنية وإعلامية، تُحوّل العطاء إلى حدث استعراضي مرتبط بالإعلان والاستهلاك. وهنا نلاحظ انتقالًا واضحًا من السرّ اللاهوتي إلى الفرجة الاجتماعية [11].
وقد عبّر اللاهوتي بول تيليش عن هذه الإشكالية في نظريته عن الرموز الدينية، بقوله:
“A symbol participates in the reality to which it points.” («الرمز يشارك في الواقع الذي يشير إليه») [4].
وفق هذا التصور، يفقد الرمز الديني معناه حين ينفصل عن الواقع المتعالي الذي يدلّ عليه. وبابا نويل، حين يُقدَّم كحقيقة حرفية للأطفال، أو حين يحلّ محلّ الحدث اللاهوتي للميلاد، يتحوّل من رمز إيماني إلى بديل ثقافي يفتقر إلى العمق الروحي [4].

الخلاصة:

لاهوتيًا، لا يُرفض بابا نويل من حيث كونه رمزًا، بل يُنتقد حين يُفصل عن جذوره الإنجيلية، وحين يُستعمل بطريقة تحجب المعنى الخلاصي لعيد الميلاد [4].
2.3 المبحث الثاني: القراءة الفقهية الإسلامية وتحليل النصوص
تنطلق المقاربة الفقهية الإسلامية لظاهرة بابا نويل من سؤال أصولي محوري: هل المشاركة في رموز مرتبطة بأعياد غير إسلامية تُعدّ تشبهًا محرّمًا، أم تعاملًا اجتماعيًا مباحًا؟ يستند الاتجاه المتشدّد إلى حديث النبي ﷺ:
«مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [8].
غير أن علماء أصول الفقه قرّروا أن هذا الحديث لا يُفهم بمعزل عن المقاصد والسياق، وأن التشبه المحرّم هو ما كان دالًا على الانتماء العقدي والرضا بالعقيدة، لا مجرد المشاركة في عادات اجتماعية عامة [7]. ويؤيّد هذا الفهم قول الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (سورة الممتحنة: 8) [6].
يفتح هذا النص باب البرّ والتعامل الإنساني مع غير المسلمين، ويشكّل أساسًا لما يُعرف بفقه التعايش. ومن هنا، ميّز فقه الأقليات المعاصر بين المشاركة العقدية والمشاركة الاجتماعية، معتبرًا أن إدخال الفرح على الأطفال أو تبادل الهدايا لا يُعدّ إقرارًا بعقيدة الآخر إذا خلا من الاعتقاد [7].
في هذا السياق، يُفهم بابا نويل بوصفه رمزًا ثقافيًا–اجتماعيًا لا طقسًا تعبديًا، ما يضعه في دائرة الإباحة المشروطة، خصوصًا في مجتمعات مختلطة كالمجتمع اللبناني. غير أن الفقه المقاصدي يشدّد في الوقت نفسه على ضرورة حماية وعي الطفل الديني ومنع الخلط العقدي [7].
خلاصة المبحث الثاني:
فقهيًا، لا يُصدر حكم مطلق على بابا نويل، بل يُقوَّم بحسب النية والسياق والمآل، وهو ما يعكس مرونة الفقه الإسلامي وقدرته على التفاعل مع الواقع المعاصر [7].

2.4-يُظهر هذا المحور أن بابا نويل هو نتيجة مسار تاريخي تحويلي انتقل فيه الرمز من القداسة اللاهوتية إلى التداول الثقافي العام. ويؤكد التحليل اللاهوتي والفقهي أن الإشكالية لا تكمن في الرمز ذاته، بل في انفصاله عن مرجعيته القيمية، وفي الطريقة التي يُقدَّم بها للأطفال والمجتمع، ما يجعله إما أداة تربوية إيجابية أو مصدر تشويش إيماني [4].
3. المحور الثاني: البعد التربوي والنفسي لبابا نويل:

بابا نويل وتشكيل الوعي الطفولي

3.1 -تُعدّ الطفولة المرحلة الأكثر حساسية في تكوين البنية النفسية والمعرفية والأخلاقية للإنسان، إذ تتشكّل خلالها التصورات الأولى عن الحقيقة، والخيال، والسلطة، والثواب، والعقاب، والمعنى. ومن هذا المنطلق، لا يمكن دراسة ظاهرة بابا نويل بمعزل عن علم النفس النمائي والتربية الحديثة، لأن هذه الشخصية تستهدف الطفل مباشرة، وتدخل إلى عالمه الرمزي بوصفها “حقيقة جميلة” قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى “قصة مكتشفة” [8].
تكمن أهمية هذا المحور في كونه ينقل البحث من مستوى التحليل الديني والفقهي إلى مستوى التجربة النفسية الفردية، حيث يُختبر الرمز لا بوصفه فكرة مجردة، بل بوصفه خبرة معيشة تؤثر في الذاكرة والوجدان والثقة بالراشدين. كما يهدف هذا المحور إلى تفكيك السؤال التربوي الجوهري: هل بابا نويل أداة نمو نفسي وتربوي، أم مصدر خداع وتشويش معرفي؟ [9]
3.2 المبحث الأوّل: بابا نويل وعلم نفس النمو المعرفي
ينطلق علم نفس النمو من مبدأ أساسي مفاده أن تفكير الطفل يختلف نوعيًا عن تفكير الراشد، لا كمًّا فقط. وقد عبّر جان بياجيه عن هذا المبدأ بوضوح في قوله:
“The child’s thinking is qualitatively different from that of the adult.” (Piaget, 1951) («تفكير الطفل يختلف نوعيًا عن تفكير الراشد») [8].
وفقًا لبياجيه، يمرّ الطفل في مرحلة ما قبل العمليات العقلية (تقريبًا بين 2 و7 سنوات) بمرحلة التفكير السحري، حيث لا يكون الفصل بين الواقع والخيال واضحًا. في هذا السياق، تُستقبل قصة بابا نويل بوصفها حقيقة معقولة ضمن منطق الطفل الداخلي، لا بوصفها خداعًا. ومن هنا، فإن الإيمان ببابا نويل في هذه المرحلة لا يُعدّ خللًا معرفيًا، بل تعبيرًا طبيعيًا عن آليات التفكير الطفولي [8].
غير أن الإشكالية النفسية لا تنشأ من وجود الخيال بحد ذاته، بل من طريقة إدارة الراشدين لهذا الخيال. فعندما يُقدَّم بابا نويل بوصفه كيانًا مراقبًا للسلوك (“هو يراك”، “هو يسجّل تصرفاتك”)، يتحوّل الرمز من مساحة لعب آمن إلى أداة ضبط سلوكي خارجي، ما قد يولّد لدى الطفل قلقًا أخلاقيًا مرتبطًا بالمراقبة الدائمة [8].
وقد أشار علماء النفس المعرفي إلى أن ربط الأخلاق بالمراقبة الخارجية يضعف تطوّر الضمير الداخلي (internal moral reasoning)، لأن الطفل يتعلّم أن يكون “جيدًا” خوفًا من فقدان المكافأة، لا اقتناعًا بالقيمة [8]

 

وهكذا 
يتبن انه من منظور علم نفس النمو، لا تكمن المشكلة في تصديق الطفل لبابا نويل، بل في تحويل الرمز من أداة خيال إلى أداة سيطرة أخلاقية [8].
3.3 المبحث الثاني: بابا نويل والتحليل النفسي والرمزية التربوية
يتناول التحليل النفسي الرموز بوصفها أدوات تساعد الطفل على التعامل مع صراعاته الداخلية ومخاوفه الوجودية. وفي هذا الإطار، يرى برونو بتلهايم أن الحكايات الرمزية تؤدي وظيفة نفسية عميقة، إذ يقول:
“Fairy tales help children deal with inner conflicts.” (Bettelheim, 1976) («تساعد الحكايات الرمزية الأطفال على التعامل مع صراعاتهم الداخلية») [5].
وفق هذا التصور، يمكن لبابا نويل أن يؤدي وظيفة نفسية إيجابية، تتمثّل في توفير شخصية أبوية رمزية، مانحة، غير مهدِّدة، تتيح للطفل اختبار الفرح والانتظار والمفاجأة. غير أن هذه الوظيفة تبقى مشروطة ببقاء الرمز في إطار اللعب الرمزي لا الحقيقة القسرية [5].
يشير التحليل النفسي إلى أن الصدمة لا تنشأ من اكتشاف عدم وجود بابا نويل، بل من طريقة الاكتشاف. فإذا اكتشف الطفل الحقيقة عبر السخرية أو الكذب الفجّ، قد يشعر بالخيانة أو فقدان الثقة بالراشدين. أما إذا جرى الانتقال تدريجيًا، من خلال شرح أن بابا نويل “قصة ترمز إلى العطاء”، فإن الاكتشاف يتحوّل إلى لحظة نضج نفسي [5].
ويؤكد علماء النفس التربوي أن الطفل لا يرفض الرمز حين يكتشف طابعه الخيالي، بل يعيد تأويله، فيحوّله من كائن خارجي إلى قيمة داخلية، إذا أُحسن توجيهه [5].
خلاصة المبحث الثاني:
نفسيًا، بابا نويل رمز مزدوج: يمكن أن يكون مساحة نمو وتخيّل، أو مصدر خيبة، بحسب الإطار التربوي الذي يُقدَّم فيه [5].
3.4 المبحث الثالث: الأثر التربوي طويل الأمد واكتشاف الحقيقة
تُظهر الدراسات الحديثة أن الغالبية العظمى من الأطفال لا يعانون آثارًا نفسية سلبية طويلة الأمد نتيجة اكتشاف الطابع الرمزي لبابا نويل، شرط أن يتم الاكتشاف في سياق داعم وغير مهين [7]. وتشير دراسة Woolley & Ghossainy إلى أن الأطفال قادرون على التمييز التدريجي بين الخيال والواقع، وأن هذا التمييز يُعدّ علامة نمو معرفي لا صدمة نفسية:
“Children gradually learn to distinguish fantasy from reality.” (Woolley & Ghossainy, 2013) («يتعلّم الأطفال تدريجيًا التمييز بين الخيال والواقع») [7].
من الناحية التربوية، توصي المقاربات الحديثة بتحويل قصة بابا نويل إلى مدخل للحوار حول مفاهيم الصدق، والرمز، والمعنى، بدل التعامل معها كحقيقة مطلقة يجب الدفاع عنها بأي ثمن. فالتربية النقدية لا تُقصي الخيال، بل تضعه في سياقه الصحيح [7].
وفي هذا الإطار، يمكن لبابا نويل أن يصبح أداة تربوية إيجابية إذا جرى ربطه بقيم المشاركة، والتكافل، والعطاء للآخرين، لا بمجرد تلقي الهدايا. وهنا يتحوّل التركيز من “ما سأحصل عليه” إلى “ما يمكنني أن أقدّمه” [7].
خلاصة المبحث الثالث:
تربويًا، لا تكمن قيمة بابا نويل في القصة ذاتها، بل في الكيفية التي تُستثمر بها لتعزيز النضج الأخلاقي والمعرفي [7].
3.5 وقصارى القول:
يبيّن هذا المحور أن بابا نويل، من منظور نفسي وتربوي، ليس ظاهرة سلبية أو إيجابية في حدّ ذاتها، بل أداة رمزية مرنة. فحين يُقدَّم بوعي تربوي، يمكن أن يسهم في تنمية الخيال والفرح والنضج الأخلاقي. أما حين يُقدَّم بوصفه حقيقة قسرية أو أداة ضبط، فقد يؤدي إلى قلق أو خيبة [8] [5].
وعليه، تتحمّل الأسرة والمؤسسات التربوية مسؤولية مركزية في تحديد الأثر النفسي طويل الأمد لهذه القصة في وعي الطفل [7].

4. المحور الثالث: البعد الاجتماعي والعلماني لبابا نويل:
 
بابا نويل بين الطقس الجماعي والسلعة الثقافية

4.1 -يمثّل البعد الاجتماعي والعلماني المرحلة الأخيرة في تحوّل شخصية بابا نويل، إذ خرج الرمز من إطاره الديني والتربوي ليصبح عنصرًا فاعلًا في المجال العام، مرتبطًا بالاقتصاد، والإعلام، والثقافة الجماهيرية. في هذا المستوى، لا يُقرأ بابا نويل بوصفه قديسًا أو رمزًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية كلية تؤدي وظائف محددة داخل المجتمع، سواء على مستوى التضامن الاجتماعي أو على مستوى إعادة إنتاج القيم الاستهلاكية [10] [11].
تكمن أهمية هذا المحور في أنه يضع الظاهرة في سياقها البنيوي الواسع، حيث تتقاطع الدينامية الاقتصادية مع الحاجة الإنسانية إلى الطقوس والمعنى، ما يسمح بفهم سبب بقاء بابا نويل حيًّا ومؤثرًا حتى في المجتمعات التي لا تشترك دينيًا في خلفيته الأصلية [10].
4.2 المبحث الأوّل: التحليل الاجتماعي والأنثروبولوجي للرمز:

يُعدّ إميل دوركايم من أبرز من حلّلوا وظيفة الطقوس في المجتمع، إذ رأى أن الطقوس، سواء كانت دينية أو مدنية، تؤدي وظيفة أساسية تتمثّل في تعزيز التماسك الاجتماعي. وقد لخّص هذا الدور بقوله:
“Rituals reinforce the collective conscience.” (Durkheim, 1912) («الطقوس تعزّز الوعي الجمعي») [10].

وفق هذا المنظور، 
يمكن فهم بابا نويل بوصفه طقسًا مدنيًا حديثًا، يعيد إنتاج شعور الانتماء الجماعي خلال موسم محدد من السنة. فالزينة، والأغاني، والهدايا، والشخصية الرمزية المشتركة، كلها عناصر تخلق إحساسًا بالوحدة العابرة للفوارق الفردية [10].
غير أن هذا التماسك لا يخلو من تناقضات. فبينما يوحّد الرمز على مستوى المشاعر، قد يعمّق في الوقت نفسه الفوارق الطبقية، إذ يصبح الفرح مرتبطًا بالقدرة على الاستهلاك. وهنا يتحوّل الرمز من أداة تضامن إلى مرآة للفجوات الاجتماعية، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية [11].
من منظور أنثروبولوجي، يُظهر بابا نويل قدرة الثقافة الحديثة على إنتاج “طقوس بديلة” تحلّ محل الطقوس الدينية التقليدية، دون أن تلغي الحاجة الإنسانية العميقة إلى الاحتفال والمعنى [10].
خلاصة المبحث الأوّل:
اجتماعيًا، يعمل بابا نويل كطقس يوحّد الجماعة، لكنه يحمل في داخله قابلية لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي [10] [11].
4.3 المبحث الثاني: القراءة العلمانية النقدية وتحليل خطاب الاستهلاك
تنظر المقاربة العلمانية إلى بابا نويل بوصفه بناءً ثقافيًا خالصًا، لا يحمل بالضرورة أي حقيقة متعالية، بل يكتسب معناه من التداول الاجتماعي والإعلامي. في هذا السياق، يقدّم جان بودريار نقدًا جذريًا للمجتمع الاستهلاكي، معتبرًا أن الاستهلاك لم يعد مجرد تلبية حاجات، بل أصبح نظامًا رمزيًا متكاملًا:
“Consumption becomes a system of signs.” (Baudrillard, 1998) («الاستهلاك يتحوّل إلى نظام من الرموز») [11].
وفق هذا التحليل، 
يتحوّل بابا نويل إلى “علامة” تُستخدم لتسويق السلع، حيث لا تُشترى الهدية لقيمتها المادية فقط، بل لما ترمز إليه اجتماعيًا من حب واهتمام ومكانة. وهنا يفقد الرمز استقلاله الأخلاقي، ويصبح تابعًا لمنطق السوق [11].
تنتقد العلمانية هذا التحوّل بوصفه اختزالًا للمعنى الإنساني في الاستهلاك، وتحويل الفرح إلى واجب اجتماعي مشروط بالقدرة الشرائية. غير أن هذه المقاربة تعترف في الوقت نفسه بأن الرموز، حتى حين تُفرغ من بعدها الديني، تظل تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها [11].

وخلاصة القول:

علمانيًا، يُفكَّك بابا نويل بوصفه رمزًا استهلاكيًا، لكن دون إنكار قدرته على إنتاج معنى اجتماعي [11].

4.4 المبحث الثالث: بابا نويل في السياق اللبناني المعاصر
في لبنان، يكتسب بابا نويل دلالة خاصة نابعة من التعددية الدينية والثقافية. فهو حاضر في الفضاء العام بوصفه رمزًا احتفاليًا مشتركًا، يتجاوز الانتماءات الطائفية، ويظهر في المدارس، والمراكز التجارية، ووسائل الإعلام [10].
غير أن الأزمة الاقتصادية الحادة جعلت من هذا الرمز مصدر توتّر إضافي، إذ باتت الفوارق في القدرة على تقديم الهدايا أكثر وضوحًا، ما يفرض تحديات تربوية وأخلاقية جديدة [11].
في هذا السياق، يصبح السؤال الاجتماعي مركزيًا: هل يُستخدم بابا نويل لتعزيز التضامن والتكافل، أم لإعادة إنتاج الإحباط والشعور بالنقص؟
تشير مبادرات المجتمع المدني في لبنان إلى إمكانية إعادة توظيف الرمز إنسانيًا، عبر حملات التضامن وتوزيع الهدايا للأطفال المحتاجين، ما يعيد ربط الرمز بقيمه الأصلية [10].

 وعليه،

في لبنان، يعكس بابا نويل التوتر بين التعايش والضغط الاقتصادي، ما يجعله اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع [11].
4.5 -والخلاصة:
يبيّن هذا المحور أن بابا نويل، في بعده الاجتماعي والعلماني، هو رمز مزدوج الوظيفة: فهو من جهة يعزّز التماسك والفرح الجماعي، ومن جهة أخرى قد يتحوّل إلى أداة استهلاك وإقصاء اجتماعي. ويعتمد المآل النهائي لهذا الرمز على وعي المجتمع وقدرته على إعادة توظيفه في خدمة القيم الإنسانية [10] [11].

 3. المحور الثاني: البعد التربوي والنفسي لبابا نويل:

بابا نويل وتشكيل الوعي الطفولي

3.1-تُعدّ الطفولة المرحلة الأكثر حساسية في تكوين البنية النفسية والمعرفية والأخلاقية للإنسان، إذ تتشكّل خلالها التصورات الأولى عن الحقيقة، والخيال، والسلطة، والثواب، والعقاب، والمعنى. ومن هذا المنطلق، لا يمكن دراسة ظاهرة بابا نويل بمعزل عن علم النفس النمائي والتربية الحديثة، لأن هذه الشخصية تستهدف الطفل مباشرة، وتدخل إلى عالمه الرمزي بوصفها “حقيقة جميلة” قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى “قصة مكتشفة” [8].
تكمن أهمية هذا المحور في كونه ينقل البحث من مستوى التحليل الديني والفقهي إلى مستوى التجربة النفسية الفردية، حيث يُختبر الرمز لا بوصفه فكرة مجردة، بل بوصفه خبرة معيشة تؤثر في الذاكرة والوجدان والثقة بالراشدين. كما يهدف هذا المحور إلى تفكيك السؤال التربوي الجوهري: هل بابا نويل أداة نمو نفسي وتربوي، أم مصدر خداع وتشويش معرفي؟ [9]

3.2 المبحث الأوّل: بابا نويل وعلم نفس النمو المعرفي:

ينطلق علم نفس النمو من مبدأ أساسي مفاده أن تفكير الطفل يختلف نوعيًا عن تفكير الراشد، لا كمًّا فقط. وقد عبّر جان بياجيه عن هذا المبدأ بوضوح في قوله:
“The child’s thinking is qualitatively different from that of the adult.” (Piaget, 1951) («تفكير الطفل يختلف نوعيًا عن تفكير الراشد») [8].
وفقًا لبياجيه، يمرّ الطفل في مرحلة ما قبل العمليات العقلية (تقريبًا بين 2 و7 سنوات) بمرحلة التفكير السحري، حيث لا يكون الفصل بين الواقع والخيال واضحًا. في هذا السياق، تُستقبل قصة بابا نويل بوصفها حقيقة معقولة ضمن منطق الطفل الداخلي، لا بوصفها خداعًا. ومن هنا، فإن الإيمان ببابا نويل في هذه المرحلة لا يُعدّ خللًا معرفيًا، بل تعبيرًا طبيعيًا عن آليات التفكير الطفولي [8].
غير أن الإشكالية النفسية لا تنشأ من وجود الخيال بحد ذاته، بل من طريقة إدارة الراشدين لهذا الخيال. فعندما يُقدَّم بابا نويل بوصفه كيانًا مراقبًا للسلوك (“هو يراك”، “هو يسجّل تصرفاتك”)، يتحوّل الرمز من مساحة لعب آمن إلى أداة ضبط سلوكي خارجي، ما قد يولّد لدى الطفل قلقًا أخلاقيًا مرتبطًا بالمراقبة الدائمة [8].
وقد أشار علماء النفس المعرفي إلى أن ربط الأخلاق بالمراقبة الخارجية يضعف تطوّر الضمير الداخلي (internal moral reasoning)، لأن الطفل يتعلّم أن يكون “جيدًا” خوفًا من فقدان المكافأة، لا اقتناعًا بالقيمة [8].

والخلاصة:

من منظور علم نفس النمو، لا تكمن المشكلة في تصديق الطفل لبابا نويل، بل في تحويل الرمز من أداة خيال إلى أداة سيطرة أخلاقية [8].
3.3 المبحث الثاني: بابا نويل والتحليل النفسي والرمزية التربوية
يتناول التحليل النفسي الرموز بوصفها أدوات تساعد الطفل على التعامل مع صراعاته الداخلية ومخاوفه الوجودية. وفي هذا الإطار، يرى برونو بتلهايم أن الحكايات الرمزية تؤدي وظيفة نفسية عميقة، إذ يقول:
“Fairy tales help children deal with inner conflicts.” (Bettelheim, 1976) («تساعد الحكايات الرمزية الأطفال على التعامل مع صراعاتهم الداخلية») [5].
وفق هذا التصور، يمكن لبابا نويل أن يؤدي وظيفة نفسية إيجابية، تتمثّل في توفير شخصية أبوية رمزية، مانحة، غير مهدِّدة، تتيح للطفل اختبار الفرح والانتظار والمفاجأة. غير أن هذه الوظيفة تبقى مشروطة ببقاء الرمز في إطار اللعب الرمزي لا الحقيقة القسرية [5].
يشير التحليل النفسي إلى أن الصدمة لا تنشأ من اكتشاف عدم وجود بابا نويل، بل من طريقة الاكتشاف. فإذا اكتشف الطفل الحقيقة عبر السخرية أو الكذب الفجّ، قد يشعر بالخيانة أو فقدان الثقة بالراشدين. أما إذا جرى الانتقال تدريجيًا، من خلال شرح أن بابا نويل “قصة ترمز إلى العطاء”، فإن الاكتشاف يتحوّل إلى لحظة نضج نفسي [5].
ويؤكد علماء النفس التربوي أن الطفل لا يرفض الرمز حين يكتشف طابعه الخيالي، بل يعيد تأويله، فيحوّله من كائن خارجي إلى قيمة داخلية، إذا أُحسن توجيهه [5].
خلاصة المبحث الثاني:
نفسيًا، بابا نويل رمز مزدوج: يمكن أن يكون مساحة نمو وتخيّل، أو مصدر خيبة، بحسب الإطار التربوي الذي يُقدَّم فيه [5].

3.4 المبحث الثالث: الأثر التربوي طويل الأمد واكتشاف الحقيقة:

تُظهر الدراسات الحديثة أن الغالبية العظمى من الأطفال لا يعانون آثارًا نفسية سلبية طويلة الأمد نتيجة اكتشاف الطابع الرمزي لبابا نويل، شرط أن يتم الاكتشاف في سياق داعم وغير مهين [7]. وتشير دراسة Woolley & Ghossainy إلى أن الأطفال قادرون على التمييز التدريجي بين الخيال والواقع، وأن هذا التمييز يُعدّ علامة نمو معرفي لا صدمة نفسية:
“Children gradually learn to distinguish fantasy from reality.” (Woolley & Ghossainy, 2013) («يتعلّم الأطفال تدريجيًا التمييز بين الخيال والواقع») [7].
من الناحية التربوية، توصي المقاربات الحديثة بتحويل قصة بابا نويل إلى مدخل للحوار حول مفاهيم الصدق، والرمز، والمعنى، بدل التعامل معها كحقيقة مطلقة يجب الدفاع عنها بأي ثمن. فالتربية النقدية لا تُقصي الخيال، بل تضعه في سياقه الصحيح [7].
وفي هذا الإطار، يمكن لبابا نويل أن يصبح أداة تربوية إيجابية إذا جرى ربطه بقيم المشاركة، والتكافل، والعطاء للآخرين، لا بمجرد تلقي الهدايا. وهنا يتحوّل التركيز من “ما سأحصل عليه” إلى “ما يمكنني أن أقدّمه” [7].

وبالنهاية،

تربويًا، لا تكمن قيمة بابا نويل في القصة ذاتها، بل في الكيفية التي تُستثمر بها لتعزيز النضج الأخلاقي والمعرفي [7].

3.5 والخلاصة:

يبيّن هذا المحور أن بابا نويل، من منظور نفسي وتربوي، ليس ظاهرة سلبية أو إيجابية في حدّ ذاتها، بل أداة رمزية مرنة. فحين يُقدَّم بوعي تربوي، يمكن أن يسهم في تنمية الخيال والفرح والنضج الأخلاقي. أما حين يُقدَّم بوصفه حقيقة قسرية أو أداة ضبط، فقد يؤدي إلى قلق أو خيبة [8] [5].
وعليه، تتحمّل الأسرة والمؤسسات التربوية مسؤولية مركزية في تحديد الأثر النفسي طويل الأمد لهذه القصة في وعي الطفل [7].

4. المحور الثالث: البعد الاجتماعي والعلماني لبابا نويل:
بابا نويل بين الطقس الجماعي والسلعة الثقافية
4.1-يمثّل البعد الاجتماعي والعلماني المرحلة الأخيرة في تحوّل شخصية بابا نويل، إذ خرج الرمز من إطاره الديني والتربوي ليصبح عنصرًا فاعلًا في المجال العام، مرتبطًا بالاقتصاد، والإعلام، والثقافة الجماهيرية. في هذا المستوى، لا يُقرأ بابا نويل بوصفه قديسًا أو رمزًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية كلية تؤدي وظائف محددة داخل المجتمع، سواء على مستوى التضامن الاجتماعي أو على مستوى إعادة إنتاج القيم الاستهلاكية [10] [11].
تكمن أهمية هذا المحور في أنه يضع الظاهرة في سياقها البنيوي الواسع، حيث تتقاطع الدينامية الاقتصادية مع الحاجة الإنسانية إلى الطقوس والمعنى، ما يسمح بفهم سبب بقاء بابا نويل حيًّا ومؤثرًا حتى في المجتمعات التي لا تشترك دينيًا في خلفيته الأصلية [10].

4.2 المبحث الأوّل: التحليل الاجتماعي والأنثروبولوجي للرمز:

يُعدّ إميل دوركايم من أبرز من حلّلوا وظيفة الطقوس في المجتمع، إذ رأى أن الطقوس، سواء كانت دينية أو مدنية، تؤدي وظيفة أساسية تتمثّل في تعزيز التماسك الاجتماعي. وقد لخّص هذا الدور بقوله:
“Rituals reinforce the collective conscience.” (Durkheim, 1912) («الطقوس تعزّز الوعي الجمعي») [10].
وفق هذا المنظور، يمكن فهم بابا نويل بوصفه طقسًا مدنيًا حديثًا، يعيد إنتاج شعور الانتماء الجماعي خلال موسم محدد من السنة. فالزينة، والأغاني، والهدايا، والشخصية الرمزية المشتركة، كلها عناصر تخلق إحساسًا بالوحدة العابرة للفوارق الفردية [10].
غير أن هذا التماسك لا يخلو من تناقضات. فبينما يوحّد الرمز على مستوى المشاعر، قد يعمّق في الوقت نفسه الفوارق الطبقية، إذ يصبح الفرح مرتبطًا بالقدرة على الاستهلاك. وهنا يتحوّل الرمز من أداة تضامن إلى مرآة للفجوات الاجتماعية، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية [11].
من منظور أنثروبولوجي، يُظهر بابا نويل قدرة الثقافة الحديثة على إنتاج “طقوس بديلة” تحلّ محل الطقوس الدينية التقليدية، دون أن تلغي الحاجة الإنسانية العميقة إلى الاحتفال والمعنى [10].
خلاصة المبحث الأوّل:
اجتماعيًا، يعمل بابا نويل كطقس يوحّد الجماعة، لكنه يحمل في داخله قابلية لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي [10] [11].

4.3 المبحث الثاني: القراءة العلمانية النقدية وتحليل خطاب الاستهلاك:

تنظر المقاربة العلمانية إلى بابا نويل بوصفه بناءً ثقافيًا خالصًا، لا يحمل بالضرورة أي حقيقة متعالية، بل يكتسب معناه من التداول الاجتماعي والإعلامي. في هذا السياق، يقدّم جان بودريار نقدًا جذريًا للمجتمع الاستهلاكي، معتبرًا أن الاستهلاك لم يعد مجرد تلبية حاجات، بل أصبح نظامًا رمزيًا متكاملًا:
“Consumption becomes a system of signs.” (Baudrillard, 1998) («الاستهلاك يتحوّل إلى نظام من الرموز») [11].
وفق هذا التحليل، يتحوّل بابا نويل إلى “علامة” تُستخدم لتسويق السلع، حيث لا تُشترى الهدية لقيمتها المادية فقط، بل لما ترمز إليه اجتماعيًا من حب واهتمام ومكانة. وهنا يفقد الرمز استقلاله الأخلاقي، ويصبح تابعًا لمنطق السوق [11].
تنتقد العلمانية هذا التحوّل بوصفه اختزالًا للمعنى الإنساني في الاستهلاك، وتحويل الفرح إلى واجب اجتماعي مشروط بالقدرة الشرائية. غير أن هذه المقاربة تعترف في الوقت نفسه بأن الرموز، حتى حين تُفرغ من بعدها الديني، تظل تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها [11].
خلاصة المبحث الثاني:
علمانيًا، يُفكَّك بابا نويل بوصفه رمزًا استهلاكيًا، لكن دون إنكار قدرته على إنتاج معنى اجتماعي [11].
4.4 المبحث الثالث: بابا نويل في السياق اللبناني المعاصر
في لبنان، يكتسب بابا نويل دلالة خاصة نابعة من التعددية الدينية والثقافية. فهو حاضر في الفضاء العام بوصفه رمزًا احتفاليًا مشتركًا، يتجاوز الانتماءات الطائفية، ويظهر في المدارس، والمراكز التجارية، ووسائل الإعلام [10].
غير أن الأزمة الاقتصادية الحادة جعلت من هذا الرمز مصدر توتّر إضافي، إذ باتت الفوارق في القدرة على تقديم الهدايا أكثر وضوحًا، ما يفرض تحديات تربوية وأخلاقية جديدة [11].
في هذا السياق، يصبح السؤال الاجتماعي مركزيًا: هل يُستخدم بابا نويل لتعزيز التضامن والتكافل، أم لإعادة إنتاج الإحباط والشعور بالنقص؟
تشير مبادرات المجتمع المدني في لبنان إلى إمكانية إعادة توظيف الرمز إنسانيًا، عبر حملات التضامن وتوزيع الهدايا للأطفال المحتاجين، ما يعيد ربط الرمز بقيمه الأصلية [10]

وبالنتيجة،
في لبنان، يعكس بابا نويل التوتر بين التعايش والضغط الاقتصادي، ما يجعله اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع [11].
4.5 وبالنهاية:
يبيّن هذا المحور أن بابا نويل، في بعده الاجتماعي والعلماني، هو رمز مزدوج الوظيفة: فهو من جهة يعزّز التماسك والفرح الجماعي، ومن جهة أخرى قد يتحوّل إلى أداة استهلاك وإقصاء اجتماعي. ويعتمد المآل النهائي لهذا الرمز على وعي المجتمع وقدرته على إعادة توظيفه في خدمة القيم الإنسانية [10] [11].

 4. المحور الثالث: البعد الاجتماعي والعلماني لبابا نويل:

بابا نويل بين الطقس الجماعي والسلعة الثقافية

4.1 -يمثّل البعد الاجتماعي والعلماني المرحلة الأخيرة في تحوّل شخصية بابا نويل، إذ خرج الرمز من إطاره الديني والتربوي ليصبح عنصرًا فاعلًا في المجال العام، مرتبطًا بالاقتصاد، والإعلام، والثقافة الجماهيرية. في هذا المستوى، لا يُقرأ بابا نويل بوصفه قديسًا أو رمزًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية كلية تؤدي وظائف محددة داخل المجتمع، سواء على مستوى التضامن الاجتماعي أو على مستوى إعادة إنتاج القيم الاستهلاكية [10] [11].
تكمن أهمية هذا المحور في أنه يضع الظاهرة في سياقها البنيوي الواسع، حيث تتقاطع الدينامية الاقتصادية مع الحاجة الإنسانية إلى الطقوس والمعنى، ما يسمح بفهم سبب بقاء بابا نويل حيًّا ومؤثرًا حتى في المجتمعات التي لا تشترك دينيًا في خلفيته الأصلية [10].

4.2 المبحث الأوّل: التحليل الاجتماعي والأنثروبولوجي للرمز:

يُعدّ إميل دوركايم من أبرز من حلّلوا وظيفة الطقوس في المجتمع، إذ رأى أن الطقوس، سواء كانت دينية أو مدنية، تؤدي وظيفة أساسية تتمثّل في تعزيز التماسك الاجتماعي. وقد لخّص هذا الدور بقوله:
“Rituals reinforce the collective conscience.” (Durkheim, 1912) («الطقوس تعزّز الوعي الجمعي») [10].
وفق هذا المنظور، يمكن فهم بابا نويل بوصفه طقسًا مدنيًا حديثًا، يعيد إنتاج شعور الانتماء الجماعي خلال موسم محدد من السنة. فالزينة، والأغاني، والهدايا، والشخصية الرمزية المشتركة، كلها عناصر تخلق إحساسًا بالوحدة العابرة للفوارق الفردية [10].
غير أن هذا التماسك لا يخلو من تناقضات. فبينما يوحّد الرمز على مستوى المشاعر، قد يعمّق في الوقت نفسه الفوارق الطبقية، إذ يصبح الفرح مرتبطًا بالقدرة على الاستهلاك. وهنا يتحوّل الرمز من أداة تضامن إلى مرآة للفجوات الاجتماعية، ولا سيما في المجتمعات التي تعاني أزمات اقتصادية [11].
من منظور أنثروبولوجي، يُظهر بابا نويل قدرة الثقافة الحديثة على إنتاج “طقوس بديلة” تحلّ محل الطقوس الدينية التقليدية، دون أن تلغي الحاجة الإنسانية العميقة إلى الاحتفال والمعنى [10].
خلاصة المبحث الأوّل:
اجتماعيًا، يعمل بابا نويل كطقس يوحّد الجماعة، لكنه يحمل في داخله قابلية لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي [10] [11].

4.3 المبحث الثاني: القراءة العلمانية النقدية وتحليل خطاب الاستهلاك:
تنظر المقاربة العلمانية إلى بابا نويل بوصفه بناءً ثقافيًا خالصًا، لا يحمل بالضرورة أي حقيقة متعالية، بل يكتسب معناه من التداول الاجتماعي والإعلامي. في هذا السياق، يقدّم جان بودريار نقدًا جذريًا للمجتمع الاستهلاكي، معتبرًا أن الاستهلاك لم يعد مجرد تلبية حاجات، بل أصبح نظامًا رمزيًا متكاملًا:
“Consumption becomes a system of signs.” (Baudrillard, 1998) («الاستهلاك يتحوّل إلى نظام من الرموز») [11].
وفق هذا التحليل، يتحوّل بابا نويل إلى “علامة” تُستخدم لتسويق السلع، حيث لا تُشترى الهدية لقيمتها المادية فقط، بل لما ترمز إليه اجتماعيًا من حب واهتمام ومكانة. وهنا يفقد الرمز استقلاله الأخلاقي، ويصبح تابعًا لمنطق السوق [11].
تنتقد العلمانية هذا التحوّل بوصفه اختزالًا للمعنى الإنساني في الاستهلاك، وتحويل الفرح إلى واجب اجتماعي مشروط بالقدرة الشرائية. غير أن هذه المقاربة تعترف في الوقت نفسه بأن الرموز، حتى حين تُفرغ من بعدها الديني، تظل تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها [11].

وعليه،

علمانيًا، يُفكَّك بابا نويل بوصفه رمزًا استهلاكيًا، لكن دون إنكار قدرته على إنتاج معنى اجتماعي [11].

4.4 المبحث الثالث: بابا نويل في السياق اللبناني المعاصر:

في لبنان، يكتسب بابا نويل دلالة خاصة نابعة من التعددية الدينية والثقافية. فهو حاضر في الفضاء العام بوصفه رمزًا احتفاليًا مشتركًا، يتجاوز الانتماءات الطائفية، ويظهر في المدارس، والمراكز التجارية، ووسائل الإعلام [10].
غير أن الأزمة الاقتصادية الحادة جعلت من هذا الرمز مصدر توتّر إضافي، إذ باتت الفوارق في القدرة على تقديم الهدايا أكثر وضوحًا، ما يفرض تحديات تربوية وأخلاقية جديدة [11].
في هذا السياق، يصبح السؤال الاجتماعي مركزيًا: هل يُستخدم بابا نويل لتعزيز التضامن والتكافل، أم لإعادة إنتاج الإحباط والشعور بالنقص؟
تشير مبادرات المجتمع المدني في لبنان إلى إمكانية إعادة توظيف الرمز إنسانيًا، عبر حملات التضامن وتوزيع الهدايا للأطفال المحتاجين، ما يعيد ربط الرمز بقيمه الأصلية [10].

وعليه

في لبنان، يعكس بابا نويل التوتر بين التعايش والضغط الاقتصادي، ما يجعله اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع [11].
4.5 خاتمة المحور الثالث
يبيّن هذا المحور أن بابا نويل، في بعده الاجتماعي والعلماني، هو رمز مزدوج الوظيفة: فهو من جهة يعزّز التماسك والفرح الجماعي، ومن جهة أخرى قد يتحوّل إلى أداة استهلاك وإقصاء اجتماعي. ويعتمد المآل النهائي لهذا الرمز على وعي المجتمع وقدرته على إعادة توظيفه في خدمة القيم الإنسانية [10] [11].

5. الخاتمة 

خلص هذا البحث إلى أن شخصية بابا نويل لا يمكن اختزالها في كونها أسطورة طفولية بريئة أو تقليدًا موسميًا عابرًا، كما لا يمكن فهمها بوصفها امتدادًا مباشرًا لقديس مسيحي فحسب، بل ينبغي النظر إليها بوصفها رمزًا ثقافيًا مركّبًا تشكّل عبر مسار تاريخي طويل، وانتقل من المجال اللاهوتي إلى الفضاء الاجتماعي والعلماني، حاملاً معه تحوّلات عميقة في المعنى والوظيفة [1].
فمن خلال التحليل اللاهوتي والفقهي، تبيّن أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في الرمز بحد ذاته، بل في انفصاله عن مرجعيته القيمية حين يُقدَّم بمعزل عن مفاهيم العطاء المجاني، والنعمة، والسرّ الروحي، سواء في اللاهوت المسيحي أو في مقاصد الفقه الإسلامي [3] [4] [12]. وقد أظهر البحث أن الفقه الإسلامي، بخاصة في مقاربته المقاصدية وفقه الأقليات، يتيح هامشًا واسعًا للتعامل مع هذا الرمز بوصفه ممارسة اجتماعية لا طقسًا تعبديًا، شرط حماية الوعي العقدي للأطفال [12].
أما على المستوى النفسي والتربوي، فقد بيّن البحث أن بابا نويل يؤدي دورًا مزدوجًا في حياة الطفل. فهو من جهة يمكن أن يشكّل مساحة للخيال، والفرح، وبناء الرموز الداخلية الضرورية للنمو النفسي السليم، ومن جهة أخرى قد يتحوّل إلى مصدر تشويش أو خيبة إذا فُرض بوصفه حقيقة قسرية أو استُخدم أداةً للضبط الأخلاقي القائم على المراقبة والخوف [5] [8]. وتؤكد الدراسات الحديثة أن الأثر النفسي طويل الأمد لا يرتبط بوجود القصة، بل بطريقة إدارتها تربويًا، وبالانتقال التدريجي من الخيال إلى الفهم الرمزي [7].
وعلى الصعيد الاجتماعي والعلماني، كشف البحث أن بابا نويل أصبح طقسًا مدنيًا حديثًا يؤدي وظائف شبيهة بوظائف الطقوس الدينية التقليدية، من حيث تعزيز التماسك الاجتماعي وإنتاج شعور جماعي بالفرح والانتماء [10]. غير أن هذا الدور لا يخلو من مخاطر، إذ قد يتحوّل الرمز، في ظل المجتمع الاستهلاكي، إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية واختزال المعنى الإنساني في الاستهلاك والمظاهر [11].
في السياق اللبناني، تتضاعف دلالة هذه النتائج نظرًا للتعددية الدينية والثقافية، وللأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة. فبابا نويل في لبنان ليس رمزًا طائفيًا، بل علامة ثقافية مشتركة، ما يجعله في آنٍ واحد فرصة لتعزيز التلاقي الإنساني، واختبارًا أخلاقيًا لمدى قدرة المجتمع على إعادة توظيف الرموز في خدمة التضامن والتكافل بدل المقارنة والإقصاء [10] [11].
وبناءً على ما تقدّم، يخلص البحث إلى أن قيمة بابا نويل لا تكمن في القصة ذاتها، بل في الوعي الذي يُدار به الرمز. فإذا أُعيد ربطه بقيم العطاء، والفرح المشترك، والمسؤولية التربوية، أمكن له أن يبقى جزءًا إيجابيًا من الذاكرة الجماعية والطفولة. أما إذا تُرك خاضعًا لمنطق السوق والاستهلاك، فإنه يفقد معناه، ويتحوّل من رمز إنساني إلى أداة ضغط وتشويش

المراجع :

[1] Eliade, M. (1959). The Sacred and the Profane: The Nature of Religion. New York, NY: Harcourt Brace Jovanovich.
[2] Brown, P. (1981). The Cult of the Saints: Its Rise and Function in Latin Christianity. Chicago, IL: University of Chicago Press.
[3] The Holy Bible. (2011). New International Version (NIV). Grand Rapids, MI: Zondervan.
(Acts 20:35; Matthew 6:3).
[4] Tillich, P. (1957). Dynamics of Faith. New York, NY: Harper & Row.
[5] Bettelheim, B. (1976). The Uses of Enchantment: The Meaning and Importance of Fairy Tales. New York, NY: Vintage Books.
[6] The Holy Qur’an. (n.d.). سورة الممتحنة: الآية 8.
[7] Woolley, J. D., & Ghossainy, M. (2013). Fantasy and reality in children’s development. Child Development Perspectives, 7(4), 215–220. https://doi.org/10.1111/cdep.12031
[8] Piaget, J. (1951). The Child’s Conception of the World. London, UK: Routledge.
[9] Abu Dawood, S. A. (n.d.). Sunan Abi Dawood. حديث: «من تشبّه بقوم فهو منهم».
[10] Durkheim, É. (1912/1995). The Elementary Forms of Religious Life (K. E. Fields, Trans.). New York, NY: Free Press.
[11] Baudrillard, J. (1998). The Consumer Society: Myths and Structures. London, UK: Sage Publications.
[12] القرضاوي، يوسف. (2001). فقه الأقليات المسلمة. القاهرة: دار الشروق.
[13] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. (د.ت.). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم. بيروت: دار الكتب العلمية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM