tiktok
Logo

معاني عيد الميلاد

عيد الميلاد بين اللاهوت والإنسانيات: سؤال المعنى في قلب الوجود:

2025-12-30

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

معاني عيد الميلاد

بقلم: الدكتور فريد جبور
2025/12/20

مقدّمة

عيد الميلاد بين اللاهوت والإنسانيات: سؤال المعنى في قلب الوجود:

لا يُختزل عيد الميلاد عند المسيحيين في كونه مناسبة ليتورجية أو احتفالًا طقسيًا ذا طابع موسمي، بل يشكّل حدثًا مركزيًا في البنية اللاهوتية والفكرية والرمزية للمسيحية، وواحدًا من أكثر الأحداث الدينية كثافة من حيث الدلالات الإنسانية والوجودية. فهو، من جهة أولى، إعلان إيماني عن تجسّد الله في التاريخ، أي دخول المطلق في النسبي، واللانهائي في المحدود، والسرمدي في الزمن الإنساني. ومن جهة ثانية، هو ظاهرة إنسانية شاملة تتقاطع مع حقول معرفية متعدّدة، كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وفلسفة التاريخ، وفلسفة الدين، ما يجعله قابلًا لقراءات متعدّدة المستويات لا تستنفدها المقاربة اللاهوتية وحدها (1).

إنّ خصوصية عيد الميلاد لا تكمن فقط في مضمونه العقائدي، بل في كونه يطرح سؤالًا أنثروبولوجيًا جذريًا: ما معنى أن يولد الإله في عالم يتّسم بالهشاشة، والألم، والعنف، وعدم اليقين؟ بهذا المعنى، لا يكتفي الميلاد بالإجابة عن سؤال “من هو الله؟”، بل يعيد طرح سؤال أعمق وأشمل: ما معنى أن يكون الإنسان إنسانًا في عالم مهدّد بالعبث، ومفتوح في آنٍ واحد على الرجاء؟ (2).

وقد أظهرت الدراسات المعاصرة في فلسفة الدين والعلوم الإنسانية أنّ الأحداث الدينية الكبرى التي تستمرّ في الذاكرة الجماعية ليست تلك التي تفرض ذاتها بالقوة الرمزية أو السياسية، بل تلك التي تنجح في لمس البنية العميقة للتجربة الإنسانية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم استمرارية عيد الميلاد وحضوره العابر للثقافات بوصفه حدثًا رمزيًا قادرًا على إعادة إنتاج المعنى في كل زمن، حتى في المجتمعات التي تراجعت فيها الممارسة الدينية المؤسسية (3).

كما أنّ عيد الميلاد يمثّل نقطة التقاء نادرة بين المقدّس والإنساني. ففيه لا يُلغى الإنسان باسم الإله، ولا يُختزل الإله في فكرة ميتافيزيقية مجرّدة، بل تقوم العلاقة على منطق المشاركة والقرب. وهذا ما يمنح الميلاد طابعًا فريدًا في تاريخ الأديان، إذ لا يُقدَّم الخلاص بوصفه خروجًا من العالم أو إنكارًا للجسد، بل إعادة تأسيس للوجود الإنساني من داخله (4).

وتزداد أهمية مقاربة عيد الميلاد اليوم في سياق عالم معاصر يعاني من أزمات وجودية عميقة: تفكّك المعنى، تصاعد الفردانية القلقة، تآكل الروابط الاجتماعية، وهيمنة منطق القوة والنجاعة على حساب الكرامة والهشاشة. ففي هذا السياق، يبدو الميلاد حدثًا نقديًا بامتياز، يزعزع التصوّرات السائدة عن السلطة، والنجاح، والقيمة، ويقترح منطقًا بديلًا يقوم على الضعف الخلّاق، والرجاء الممكن، والمعنى المتجسّد (5).

ينطلق هذا البحث، إذًا، من فرضية أساسية مفادها أنّ عيد الميلاد لا يمكن فهمه فهمًا كافيًا من داخل حقل معرفي واحد، بل يقتضي مقاربة تكاملية تجمع بين اللاهوت والعلوم الإنسانية، وبين التحليل العقائدي والقراءة الرمزية–الوجودية. ووفق هذا المنهج، يسعى البحث إلى تفكيك معاني عيد الميلاد في المسيحية، ثم وضعها في حوار مقارن مع الأديان والفلسفات القديمة والحديثة، وصولًا إلى إبراز فرادته ومكانته الخاصة في الوجود الإنساني.
---

المحور الأوّل: المعنى اللاهوتي لعيد الميلاد

التجسّد كحدث خلاصي كوني

1. عقيدة التجسّد: دخول المطلق في التاريخ

يرتكز عيد الميلاد في اللاهوت المسيحي على عقيدة التجسّد، وهي من أكثر العقائد جذرية وإثارة للجدل في تاريخ الفكر الديني. فالتجسّد، كما يعبّر عنه إنجيل يوحنا بعبارة «والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا»، لا يشير إلى ظهور إلهي رمزي أو تمثيل أسطوري، بل إلى حدث لاهوتي–تاريخي يفيد بأن الله دخل بالفعل في الزمن البشري، واتّخذ طبيعة إنسانية كاملة دون أن يفقد ألوهيته (6).

وقد شكّلت هذه العقيدة قطيعة مع تصوّرات دينية وفلسفية سابقة كانت تفصل بوضوح بين الإلهي والمادّي، أو تعتبر الجسد عائقًا أمام الروح. ففي الفكر الأفلاطوني المحدث، مثلًا، يُنظر إلى الجسد بوصفه سجنًا للنفس، بينما يأتي التجسّد المسيحي ليقلب هذا المنطق رأسًا على عقب، معلنًا أنّ الجسد يمكن أن يكون موضع حضور إلهي، وأن المادة ليست نقيضًا للقداسة (7).

آباء الكنيسة الأوائل أدركوا البعد الأنثروبولوجي العميق لهذا التحوّل. فقد رأى أثناسيوس أنّ الله «صار إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهيًا»، أي لكي تُعاد للإنسان إنسانيته المفقودة لا عبر الهروب من الجسد، بل عبر شفائه من الداخل (8). أمّا أوغسطينوس، فربط التجسّد بإعادة توجيه الرغبة الإنسانية، معتبرًا أنّ ميل الله نحو الإنسان هو الذي يفتح إمكان عودة الإنسان إلى ذاته الحقّة (9).

بهذا المعنى، لا يؤسّس الميلاد فقط لعقيدة خلاصية، بل لرؤية جديدة للوجود: فالتاريخ لم يعد مسرحًا للفساد والانحطاط فحسب، بل صار فضاءً ممكنًا للفداء. والزمن، الذي كان يُنظر إليه كمسار نحو الفناء، اكتسب اتّجاهًا جديدًا بوصفه حاملًا لوعد إلهي. ومن هنا، يُفهم الميلاد كحدث يغيّر بنية الزمن نفسها، لا كمجرّد ذكرى سنوية (10).

2. الإخلاء الإلهي (Kenosis): الضعف كطريق للخلاص

يرتبط التجسّد، في اللاهوت المسيحي، ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الإخلاء الإلهي (Kenosis)، كما ورد في نشيد فيلبي: «أخلى ذاته، آخذًا صورة عبد». لا يدلّ هذا الإخلاء على تنازل عن الألوهية، بل على طريقة جديدة في ممارستها: ألوهية تتجلّى في القرب لا في السيطرة، وفي الضعف لا في القهر (11).

يمثّل ميلاد الإله في صورة طفل ضعيف، مولود في الهامش الاجتماعي والجغرافي، انقلابًا جذريًا على نماذج الألوهية السلطوية التي سادت في كثير من الثقافات القديمة. فالإله، بحسب المنطق الميلادي، لا يفرض ذاته بالقوة، بل يعرض ذاته في هشاشة قابلة للرفض. وهذا ما يمنح الحرية الإنسانية وزنها الحقيقي داخل الاقتصاد الخلاصي (12).

وقد وجد هذا البعد صداه العميق في اللاهوت الحديث، ولا سيما عند هانس أورس فون بالتازار ويورغن مولتمان. فبالنسبة إلى مولتمان، لا يمكن فهم الصليب دون الميلاد، ولا الميلاد دون الصليب: فكلاهما يكشف عن إله يشارك الإنسان ألمه بدل أن يراقبه من علٍ (13). أما بالتازار، فيرى في الإخلاء الإلهي دراما حبّ كونية، حيث تنكشف الحرية الإلهية في أقصى أشكال العطاء (14).

لاهوتيًا ووجوديًا، يفضي هذا التصوّر إلى إعادة تعريف معنى القوة والنجاح. فالقيمة لم تعد تُقاس بالسيطرة أو الغلبة، بل بالقدرة على البذل والاقتراب. وهنا، يتحوّل الميلاد إلى معيار نقدي للثقافة الحديثة التي تمجّد الفاعلية الصلبة وتهمّش الهشاشة، مقدّمًا بديلًا أخلاقيًا يرى في الضعف إمكانية خلاقة لا عيبًا يجب إخفاؤه (15).

3. الجسد والتاريخ: من الازدراء إلى الكرامة الخلاصية

من النتائج اللاهوتية المباشرة للتجسّد إعادة الاعتبار للجسد والتاريخ. فإذا كان الله قد اتّخذ جسدًا بشريًا، فإن الجسد لم يعد مجرّد أداة أو مرحلة عابرة، بل صار جزءًا من مشروع الخلاص. وهذا ما يفسّر رفض المسيحية المبكّرة للنزعات الغنوصية التي كانت تحتقر الجسد وتسعى إلى خلاص روحي صرف (16).

كما أنّ التاريخ، في ضوء الميلاد، لم يعد سلسلة أحداث عمياء، بل مسارًا ذا معنى. فالله لا يخلّص الإنسان خارج الزمن، بل في قلبه. وهذا ما يمنح الأحداث البشرية، مهما بدت صغيرة أو هامشية، قيمة غير متوقّعة. فميلاد طفل في مغارة يصبح، لاهوتيًا، حدثًا أعاد توجيه مسار العالم (17).

بهذا، يمكن القول إن المعنى اللاهوتي لعيد الميلاد لا ينحصر في إعلان عقيدة، بل في تأسيس رؤية شاملة للوجود، ترى في الإنسان، بجسده وتاريخه وهشاشته، موضع عناية إلهية، وفي العالم فضاءً مفتوحًا للمعنى لا ساحة عبث أو سقوط نهائي.

2. الإخلاء الإلهي (Kenosis): الضعف كطريق للخلاص

يرتبط التجسّد، في اللاهوت المسيحي، ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الإخلاء الإلهي (Kenosis)، كما ورد في نشيد فيلبي: «أخلى ذاته، آخذًا صورة عبد». لا يدلّ هذا الإخلاء على تنازل عن الألوهية، بل على طريقة جديدة في ممارستها: ألوهية تتجلّى في القرب لا في السيطرة، وفي الضعف لا في القهر (11).

يمثّل ميلاد الإله في صورة طفل ضعيف، مولود في الهامش الاجتماعي والجغرافي، انقلابًا جذريًا على نماذج الألوهية السلطوية التي سادت في كثير من الثقافات القديمة. فالإله، بحسب المنطق الميلادي، لا يفرض ذاته بالقوة، بل يعرض ذاته في هشاشة قابلة للرفض. وهذا ما يمنح الحرية الإنسانية وزنها الحقيقي داخل الاقتصاد الخلاصي (12).

وقد وجد هذا البعد صداه العميق في اللاهوت الحديث، ولا سيما عند هانس أورس فون بالتازار ويورغن مولتمان. فبالنسبة إلى مولتمان، لا يمكن فهم الصليب دون الميلاد، ولا الميلاد دون الصليب: فكلاهما يكشف عن إله يشارك الإنسان ألمه بدل أن يراقبه من علٍ (13). أما بالتازار، فيرى في الإخلاء الإلهي دراما حبّ كونية، حيث تنكشف الحرية الإلهية في أقصى أشكال العطاء (14).

لاهوتيًا ووجوديًا، يفضي هذا التصوّر إلى إعادة تعريف معنى القوة والنجاح. فالقيمة لم تعد تُقاس بالسيطرة أو الغلبة، بل بالقدرة على البذل والاقتراب. وهنا، يتحوّل الميلاد إلى معيار نقدي للثقافة الحديثة التي تمجّد الفاعلية الصلبة وتهمّش الهشاشة، مقدّمًا بديلًا أخلاقيًا يرى في الضعف إمكانية خلاقة لا عيبًا يجب إخفاؤه (15).

3. الجسد والتاريخ: من الازدراء إلى الكرامة الخلاصية

من النتائج اللاهوتية المباشرة للتجسّد إعادة الاعتبار للجسد والتاريخ. فإذا كان الله قد اتّخذ جسدًا بشريًا، فإن الجسد لم يعد مجرّد أداة أو مرحلة عابرة، بل صار جزءًا من مشروع الخلاص. وهذا ما يفسّر رفض المسيحية المبكّرة للنزعات الغنوصية التي كانت تحتقر الجسد وتسعى إلى خلاص روحي صرف (16).

كما أنّ التاريخ، في ضوء الميلاد، لم يعد سلسلة أحداث عمياء، بل مسارًا ذا معنى. فالله لا يخلّص الإنسان خارج الزمن، بل في قلبه. وهذا ما يمنح الأحداث البشرية، مهما بدت صغيرة أو هامشية، قيمة غير متوقّعة. فميلاد طفل في مغارة يصبح، لاهوتيًا، حدثًا أعاد توجيه مسار العالم (17).

بهذا، يمكن القول إن المعنى اللاهوتي لعيد الميلاد لا ينحصر في إعلان عقيدة، بل في تأسيس رؤية شاملة للوجود، ترى في الإنسان، بجسده وتاريخه وهشاشته، موضع عناية إلهية، وفي العالم فضاءً مفتوحًا للمعنى لا ساحة عبث أو سقوط نهائي.

3. الجسد والتاريخ: من الازدراء إلى الكرامة الخلاصية

من النتائج اللاهوتية المباشرة للتجسّد إعادة الاعتبار للجسد والتاريخ. فإذا كان الله قد اتّخذ جسدًا بشريًا، فإن الجسد لم يعد مجرّد أداة أو مرحلة عابرة، بل صار جزءًا من مشروع الخلاص. وهذا ما يفسّر رفض المسيحية المبكّرة للنزعات الغنوصية التي كانت تحتقر الجسد وتسعى إلى خلاص روحي صرف (16).

كما أنّ التاريخ، في ضوء الميلاد، لم يعد سلسلة أحداث عمياء، بل مسارًا ذا معنى. فالله لا يخلّص الإنسان خارج الزمن، بل في قلبه. وهذا ما يمنح الأحداث البشرية، مهما بدت صغيرة أو هامشية، قيمة غير متوقّعة. فميلاد طفل في مغارة يصبح، لاهوتيًا، حدثًا أعاد توجيه مسار العالم (17).

بهذا، يمكن القول إن المعنى اللاهوتي لعيد الميلاد لا ينحصر في إعلان عقيدة، بل في تأسيس رؤية شاملة للوجود، ترى في الإنسان، بجسده وتاريخه وهشاشته، موضع عناية إلهية، وفي العالم فضاءً مفتوحًا للمعنى لا ساحة عبث أو سقوط نهائي.
---

المحور الثاني: المعنى النفسي لعيد الميلاد

الميلاد كخبرة رمزية للرجاء والشفاء وإعادة التكوين الداخلي

1. الميلاد في علم النفس التحليلي

رمز الطفل وبنية اللاوعي الجمعي

يُقدّم علم النفس التحليلي، ولا سيما في أعمال كارل غوستاف يونغ، إطارًا غنيًا لفهم المعنى النفسي العميق لعيد الميلاد. فـ«الطفل» ليس مجرّد مرحلة عمرية، بل أحد النماذج الأصلية (Archetypes) الأكثر حضورًا في اللاوعي الجمعي للإنسانية. ويُجسّد هذا النموذج رمز البداية، والاحتمال المفتوح، والقوّة الكامنة التي تنبثق من قلب الضعف (18).

في هذا السياق، لا يُختبر ميلاد الطفل في العيد بوصفه حدثًا تاريخيًا ماضيًا فحسب، بل كخبرة نفسية متجدّدة تستدعي في كل فرد إمكان ولادة جديدة للذات. فالطفل، في التحليل اليونغي، يمثّل «الذات في طور التكوّن»، أي تلك الإمكانية الأصيلة التي لم تُشوَّه بعد بالانقسامات النفسية أو الإكراهات الاجتماعية. ومن هنا، يكتسب عيد الميلاد طابعًا علاجيًا، لأنه يعيد فتح أفق البداية في نفس غالبًا ما أُرهِقت بالتجارب والانكسارات (19).

ويرى يونغ أنّ الرموز الدينية الكبرى التي تستمرّ عبر القرون إنما تفعل ذلك لأنها تعبّر عن حاجات نفسية عميقة لا تفقد راهنيتها. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير قوّة رمز الطفل الإلهي في المسيحية بكونه يربط بين أقصى درجات الهشاشة وأقصى إمكانات التحوّل. فحيث يبدو الإنسان ضعيفًا وعاجزًا، يولد الرمز الذي يَعِد بالاكتمال (20).

كما أنّ وجود الطفل في سياق الفقر والهامش، لا في مركز القوة، يضيف بعدًا نفسيًا إضافيًا: فهو يحرّر الذات من وهم السيطرة، ويفتحها على قبول الهشاشة بوصفها جزءًا من النمو النفسي السليم. وهكذا، يصبح الميلاد مناسبة لإعادة المصالحة مع جوانب الضعف في الذات بدل إنكارها أو قمعها.

2. الميلاد والشفاء النفسي

من الانقسام الداخلي إلى إمكان التوحيد

يُظهر التحليل النفسي أنّ الكثير من المعاناة الإنسانية ناتج عن انقسام داخلي بين ما يعيشه الفرد فعليًا وما يتمنّاه أو يتوق إليه. في هذا الإطار، يعمل رمز الميلاد كآلية نفسية لإعادة التوحيد الداخلي، إذ يستدعي صورة بداية غير مشروطة، لا تقوم على الإنجاز أو الاستحقاق، بل على القبول (21).

فالطفل، بخلاف الراشد، لا يُحبّ لما يحقّقه، بل لما هو عليه. وهذه الحقيقة البسيطة تحمل أثرًا نفسيًا عميقًا: فهي تُعيد للذات المتعبة خبرة القبول غير المشروط، التي تُعدّ من الركائز الأساسية للصحة النفسية. ومن هنا، يمكن فهم الطابع العاطفي القوي لعيد الميلاد، وما يرافقه من حنين، وبحث عن الدفء، واستعادة للروابط الأولى (22).

غير أنّ هذا البعد العاطفي لا يخلو من ambivalence نفسية. فكثيرًا ما يوقظ العيد أيضًا مشاعر الفقد، والوحدة، والحرمان، خصوصًا لدى أولئك الذين اختبروا انكسارات عائلية أو علاقات متصدّعة. إلا أنّ اللافت، نفسيًا، أنّ العيد لا يلغي هذه المشاعر، بل يضعها في أفق رجاء. فالرمز الميلادي لا يعد بإلغاء الألم، بل بإمكانية عبوره دون انهيار (23).

بهذا المعنى، لا يعمل عيد الميلاد كآلية إنكار نفسي، بل كخبرة دمج، تسمح للذات بأن تحتمل تناقضاتها: الفرح والحزن، الرجاء والخسارة، البداية والذاكرة. وهذا ما يمنحه قيمة علاجية رمزية تتجاوز الإطار الديني الضيّق.

3. علم النفس الوجودي

المعنى يولد في الهشاشة

يقدّم علم النفس الوجودي، ولا سيما في أعمال فيكتور فرانكل، مقاربة مكمّلة لفهم البعد النفسي للميلاد. ففرانكل ينطلق من فرضية أنّ الإنسان لا يُدمَّر بالألم في حدّ ذاته، بل بانعدام المعنى. وحين يُتاح للألم أن يُدرج ضمن أفق معنى، يصبح قابلًا للتحمّل، بل وقد يتحوّل إلى مصدر نمو داخلي (24).

في هذا الإطار، يحمل عيد الميلاد رسالة وجودية واضحة: المعنى لا يُمنح من الخارج، ولا يُنتَج بالقوة، بل يولد في قلب الهشاشة ذاتها. فميلاد الإله في وضع إنساني هشّ يُشكّل، نفسيًا، إعلانًا بأن الضعف لا يلغي القيمة، وأن المعاناة لا تنفي الكرامة. وهذا ما يجعل الميلاد حدثًا ذا صدى خاص في سياقات الألم الفردي والجماعي (25).

ويرى فرانكل أنّ الأمل الواقعي لا يقوم على إنكار الواقع، بل على القدرة على رؤية إمكان المعنى حتى في أقسى الظروف. ومن هنا، يمكن فهم استدعاء عيد الميلاد في أزمنة الحروب والأزمات بوصفه فعل مقاومة نفسية للعبث، لا هروبًا رومانسيًا منه (26).

وعليه، يتكامل التحليل النفسي الرمزي مع المقاربة الوجودية ليُظهر أنّ عيد الميلاد يعمل، نفسيًا، كحدث يعيد ربط الإنسان بذاته العميقة، ويفتح له أفقًا يتجاوز منطق الاستهلاك والاحتفال السطحي، نحو خبرة داخلية للرجاء والمعنى.

---

معاني عيد الميلاد

---

المحورالثالث: المعنى الاجتماعي– التاريخي لعيد الميلاد

من الطقس الديني إلى الذاكرة الجماعية وبناء الزمن ذي المعنى

1. عيد الميلاد بوصفه طقسًا اجتماعيًا

الوظيفة التأسيسية للطقس في بناء الجماعة

يُظهر علم الاجتماع الديني، منذ إميل دوركايم، أنّ الطقوس لا تؤدّي وظيفة تعبيرية فحسب، بل تؤسّس الجماعة ذاتها بوصفها جماعة واعية لذاتها. فالطقس، في هذا المنظور، ليس إضافة زخرفية إلى الحياة الاجتماعية، بل آلية مركزية لإعادة إنتاج المعنى المشترك، وترسيخ القيم، وتجديد الروابط بين الأفراد (27). وعيد الميلاد، بوصفه طقسًا دوريًا متكرّرًا، يندرج بوضوح ضمن هذا الإطار.

فالاحتفال بالميلاد لا يقتصر على الفعل الليتورجي داخل الكنيسة، بل يمتدّ إلى الفضاء العائلي، والاجتماعي، والثقافي. وهو، بهذا المعنى، طقس جامع يعيد سنويًا تنظيم الزمن الاجتماعي حول حدث مركزي يمنح الجماعة إحساسًا بالاستمرارية والانتماء. فالزمن لا يعود مجرّد تعاقب أيام، بل يُعاد تقسيمه إلى «قبل» و«بعد» حدث ذي دلالة مشتركة (28).

كما أنّ الطقس الميلادي يعمل على إعادة تفعيل منظومة قيمية محدّدة، أبرزها العطاء، والمشاركة، والاهتمام بالضعفاء. وهذه القيم لا تُلقَّن نظريًا، بل تُمارَس رمزيًا وعمليًا عبر تبادل الهدايا، واللقاءات العائلية، والمبادرات التضامنية. وبهذا، يتحوّل العيد إلى مدرسة اجتماعية غير رسمية تُعيد ترسيخ معايير السلوك الجماعي (29).

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الطقس الميلادي يوفّر «فضاءً محميًا» يسمح للأفراد بالخروج المؤقّت من إيقاع الحياة اليومية ومنطق الإنتاج، والدخول في زمن رمزي تُعاد فيه صياغة العلاقات على أسس مختلفة. وهذا ما يفسّر قدرة العيد على الحدّ، ولو مؤقّتًا، من التوتّرات الاجتماعية ومن الشعور بالاغتراب (30).

2. عيد الميلاد والذاكرة الجماعية

من الحدث إلى الاستذكار المؤسِّس

لا يكتسب عيد الميلاد مكانته الاجتماعية فقط من تكراره الطقسي، بل من كونه جزءًا من ذاكرة جماعية حيّة تُنقل عبر الأجيال. وقد بيّن موريس هالبفاكس أنّ الذاكرة الجماعية لا تقوم على حفظ الماضي كما كان، بل على إعادة بنائه بصورة تخدم الحاضر وتمنحه معنى (31). وعيد الميلاد يمثّل مثالًا نموذجيًا على هذه الدينامية.

فالحدث الميلادي، رغم بعده التاريخي، يُستحضَر سنويًا بوصفه حاضرًا رمزيًا، لا ذكرى بعيدة. فاللغة، والرموز، والتراتيل، والقصص، كلّها تعمل على جعل الماضي «قابلًا للسكن» في الحاضر. وبهذا، يتحوّل الميلاد إلى ما يمكن تسميته «حدثًا متجدّدًا»، يعبر الزمن دون أن يفقد فاعليته (32).

ويُظهر بول ريكور أنّ هذا النوع من الاستذكار لا يخلو من بعد تأويلي. فالذاكرة لا تنقل الحدث كما هو، بل تعيد قراءته في ضوء الحاجات الراهنة. ومن هنا، يمكن فهم تنوّع قراءات الميلاد عبر العصور: من تركيز آباء الكنيسة على البعد الخلاصي، إلى إبراز اللاهوت الحديث للبعد الاجتماعي والتحرّري للميلاد (33).

كما أنّ الذاكرة الميلادية تسهم في بناء هوية جماعية تتجاوز الفرد. فالانتماء إلى جماعة تحتفل بالميلاد يعني الاشتراك في سردية كبرى تمنح الأفراد إطارًا لتفسير ذواتهم ومكانهم في العالم. وهذا البعد الهويّاتي يفسّر شدّة التعلّق بالعيد حتى في السياقات العلمانية (34).

3. الميلاد وتحوّل مفهوم الزمن التاريخي

من الزمن الدوري إلى الزمن ذي الاتّجاه

من أبرز الآثار التاريخية العميقة لعيد الميلاد مساهمته في إعادة تشكيل مفهوم الزمن في الحضارة الغربية. ففي المجتمعات القديمة، كان الزمن يُفهم غالبًا بوصفه دوريًا، يخضع لتكرار الطبيعة ودورات الفصول. أمّا مع الحدث الميلادي، فقد بدأ يتشكّل وعي جديد بالزمن بوصفه مسارًا ذا اتّجاه، مرتبطًا بحدث تأسيسي يمنح التاريخ معنى (35).

وقد بيّن رينهارت كوزيليك أنّ الحدث الخلاصي في المسيحية أسهم في الفصل بين «أفق التجربة» و«أفق التوقّع»، أي بين ما عُاش في الماضي وما يُنتظر في المستقبل. وهكذا، لم يعد المستقبل مجرّد تكرار للماضي، بل أفقًا مفتوحًا على إمكانية جديدة (36). والميلاد يشكّل، في هذا السياق، نقطة البداية لهذا التحوّل العميق.

كما أنّ إدراج الميلاد في التقويم الليتورجي ثم المدني أسهم في تنظيم الزمن الاجتماعي والسياسي حول مرجع ديني–رمزي مشترك. فالسنوات لم تعد تُحسب فقط بحسب حكم الملوك أو تعاقب الإمبراطوريات، بل نسبةً إلى حدث اعتُبر مفصليًا في تاريخ البشرية. وهذا ما يفسّر التأثير العميق للميلاد في بنية الوعي التاريخي الغربي (37).

وعليه، لا يمكن فصل البعد الاجتماعي للميلاد عن أثره التاريخي. فالطقس، والذاكرة، والزمن، تتداخل لتجعل من عيد الميلاد حدثًا يتجاوز كونه مناسبة دينية، ليصبح عنصرًا بنيويًا في تشكيل الاجتماع البشري والوعي بالتاريخ.
---

المحور الرابع: الميلاد في الأديان والفلسفات:

من الرمز الكوني إلى فرادة الحدث المسيحي

1. الميلاد في الديانات الإبراهيمية

الوعد، الاصطفاء، والحدث التاريخي

في إطار الديانات الإبراهيمية، يحتلّ الميلاد موقعًا مركزيًا، وإن اختلفت دلالاته اللاهوتية والوجودية. ففي اليهودية، لا يُفهم الميلاد بوصفه حدثًا خلاصيًا متجسّدًا، بل بوصفه جزءًا من تاريخ الوعد والعهد بين الله والشعب. فالولادة، هنا، تندرج ضمن منطق الاستمرارية الجماعية، حيث يُقاس معناها بمدى اندراجها في مسار العهد التاريخي لا في خلاص فردي أو كوني مباشر (38).

أما في الإسلام، فيُمنح ميلاد عيسى بن مريم مكانة خاصة بوصفه آية إلهية كبرى، وعلامة اصطفاء إلهي لا نظير لها، دون أن يؤدّي ذلك إلى القول بالتجسّد أو الحلول الإلهي. فالميلاد العجائبي يعبّر عن قدرة الله المطلقة، ويؤكّد في الوقت نفسه على بشرية عيسى ونبوّته. وبهذا، يجتمع في التصوّر الإسلامي عنصر الإعجاز مع الحفاظ الصارم على التوحيد (39).

نقطة الالتقاء الأساسية بين هذه التقاليد والمسيحية تكمن في ربط الميلاد بتاريخ ذي معنى، لا بدورة طبيعية أو أسطورة كونية. غير أنّ نقطة الاختلاف الجوهرية تبقى في موقع الميلاد داخل بنية الخلاص: ففي حين ترى المسيحية فيه دخول الله نفسه في التاريخ، يبقى الميلاد في اليهودية والإسلام علامة ضمن مسار إلهي أشمل لا يقوم على التجسّد (40).

2. الميلاد في الديانات الشرقية

الدورة، الاستنارة، وتجاوز الولادة

في الديانات الشرقية الكبرى، ولا سيما الهندوسية والبوذية، يُفهم الميلاد ضمن أفق كوني مختلف جذريًا. ففي الهندوسية، تندرج الولادة ضمن دورة السمسارا (التناسخ)، حيث يُعاد الميلاد مرارًا وتكرارًا إلى أن يتحقّق التحرّر (موكشا). ويظهر مفهوم الـAvatar كتجلٍّ إلهي وظيفي يهدف إلى إعادة التوازن الكوني (دارما)، لا إلى مشاركة الوجود الإنساني في هشاشته التاريخية (41).

أما في البوذية، فيُنظر إلى الميلاد نفسه بوصفه جزءًا من معاناة الوجود. فالولادة، شأنها شأن المرض والشيخوخة والموت، تعبّر عن الارتباط بالتعلّق والرغبة. والخلاص، بالتالي، لا يتحقّق عبر ميلاد إلهي، بل عبر الاستنارة التي تؤدّي إلى تجاوز الولادة ذاتها (42).

ومن منظور فلسفي–وجودي، يبرز هنا اختلاف جذري مع الميلاد المسيحي. ففي حين ترى الديانات الشرقية أنّ المعنى يتحقّق بالخروج من دورة الوجود، تؤكّد المسيحية أنّ المعنى يولد في قلب الوجود ذاته، وأن الخلاص لا يقتضي نفي التاريخ أو الجسد، بل إعادة تأهيلهما (43).

3. الميلاد في الزرادشتية

النور، الصراع الأخلاقي، وتجديد العالم

تحتلّ الزرادشتية موقعًا وسيطًا مهمًا في المقارنة الدينية، لما تحمله من عناصر أخلاقية وكونية أثّرت في الديانات اللاحقة. ففي هذا التقليد، يرتبط الميلاد برمزية النور وبالصراع بين قوى الخير (أهورامزدا) والشر (أنغرا ماينيو). والإنسان، منذ ولادته، مدعوّ إلى المشاركة في هذا الصراع عبر الاختيار الأخلاقي والعمل الصالح (44).

ويبلغ هذا المنطق ذروته في مفهوم الفراشوكِرِتي، أي التجديد الكوني النهائي، حيث ينتصر النور ويُعاد تأسيس العالم على أسس الحق. وهنا، يلتقي التصوّر الزرادشتي مع المسيحية في البعد الإسكاتولوجي والرجاء الكوني، وفي فهم التاريخ بوصفه مسارًا ذا اتّجاه (45).

غير أنّ الاختلاف الجوهري يكمن في غياب التجسّد. فالخلاص في الزرادشتية يتحقّق عبر انتصار أخلاقي–كوني، لا عبر دخول الإله في الجسد الإنساني. وبذلك، يبقى الميلاد حدثًا إنسانيًا–أخلاقيًا، لا إلهيًا–تاريخيًا بالمعنى المسيحي (46).

4. الميلاد في الديانات القديمة

الأسطورة، النظام الكوني، والخصب

في الديانات المصرية والرافدية واليونانية–الرومانية، يتّخذ الميلاد طابعًا أسطوريًا–كونيًا. فالولادة الإلهية أو شبه الإلهية ترتبط غالبًا بإعادة تثبيت النظام الكوني، أو بشرعنة السلطة، أو بدورات الخصب والطبيعة. ويُفهم الميلاد هنا بوصفه تكرارًا رمزيًا لبداية العالم، لا حدثًا تاريخيًا فريدًا (47).

وقد أسهمت الأعياد الشمسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالانقلاب الشتوي، في ترسيخ رمزية النور الذي يولد من قلب الظلمة. غير أنّ هذا النور يبقى، في هذه التقاليد، قوة كونية غير شخصانية، تخضع لدورة الطبيعة، لا علاقة شخصية تُعيد تعريف معنى الإنسان (48).

تلتقي المسيحية مع هذه التقاليد في استخدام الرموز (النور، الولادة، البداية)، لكنها تفترق عنها جذريًا في تحويل الرمز إلى حدث، والأسطورة إلى تاريخ، والقوة الكونية إلى علاقة شخصية (49).

5. الميلاد في التقاليد الصينية

الانسجام، الأخلاق، وتدفّق الوجود

في الكونفوشية، لا يُفهم الميلاد ضمن أفق خلاصي ميتافيزيقي، بل بوصفه إدخال الإنسان في شبكة من العلاقات الأخلاقية والاجتماعية. فالمعنى لا يُعطى عند الولادة، بل يُبنى تدريجيًا عبر التربية، والطقوس، وممارسة الفضيلة (50).

أما في الطاوية، فيُنظر إلى الميلاد كتحوّل في تدفّق الوجود (الطاو). والحكمة لا تقوم على السيطرة أو الفعل القسري، بل على الانسجام مع المسار الطبيعي للأشياء (وو-وي). وهنا، يظهر تقاطع لافت مع الميلاد المسيحي في تمجيد اللين والهشاشة، وإن بقي الاختلاف قائمًا في غياب الشخصانية والحدث التاريخي (51).

وتُظهر الديانة الشعبية الصينية ميلًا إلى ربط الميلاد بالخصب، واستمرارية السلالة، وذاكرة الأسلاف، ما يعكس فهمًا كيانيًا للوجود يركّز على الاستمرارية أكثر من الانقطاع الخلاصي (52).

6. تركيب مقارن

من الرمز الكوني إلى التجسّد التاريخي

تُظهر المقارنة الواسعة أنّ الميلاد يمثّل، عبر الثقافات، رمزًا كونيًا للبداية والرجاء والتجدّد. غير أنّ الميلاد المسيحي ينفرد بكونه يحوّل هذا الرمز إلى حدث تاريخي شخصاني، يُعاد فيه تعريف العلاقة بين الله والإنسان، وبين المعنى والوجود (53).

فحيث ترى تقاليد كثيرة الخلاص في الخروج من العالم أو في إعادة توازن كوني، ترى المسيحية أنّ الخلاص يولد في قلب الهشاشة الإنسانية. وبهذا، لا يلغي الميلاد التاريخ ولا الجسد ولا الألم، بل يمنحها أفقًا جديدًا للمعنى (54).
---

الخاتمة

الميلاد كحدث تأسيسي للمعنى: من الرمز الكوني إلى التجسّد التاريخي

يُظهر هذا البحث، عبر مقاربته المتعدّدة الاختصاصات، أنّ عيد الميلاد لا يمكن اختزاله في إطار ديني ضيّق أو قراءة ليتورجية محصورة، بل يشكّل حدثًا تأسيسيًا للمعنى الإنساني عند تقاطع اللاهوت والعلوم الإنسانية. فمن خلال تتبّع دلالاته اللاهوتية، والنفسية، والاجتماعية، والتاريخية، ثم وضعه في أفق مقارن واسع مع الأديان والفلسفات القديمة والحديثة، يتبيّن أنّ الميلاد يمثّل إحدى أكثر اللحظات الرمزية كثافة في تاريخ الوعي البشري.

ففي المستوى اللاهوتي، يؤسّس الميلاد المسيحي لقطيعة نوعية مع تصوّرات سابقة عن العلاقة بين الإلهي والإنساني. فالتجسّد لا يعني فقط قرب الله من الإنسان، بل إعادة تعريف جذرية لمعنى الألوهية ذاتها: ألوهية لا تتجلّى في السيطرة والقوة، بل في المشاركة والهشاشة والإخلاء (Kenosis). وبهذا، لا يعود الجسد ولا التاريخ موضع سقوط أو انحطاط، بل فضاءً ممكنًا للخلاص والمعنى (1).

أما في المستوى النفسي، فقد أظهر التحليل أنّ رمز الطفل في الميلاد يلامس بنية عميقة في اللاوعي الجمعي، حيث يتقاطع معنى البداية مع إمكان الشفاء والتجدّد. فالميلاد لا يعد بإلغاء الألم، بل بإمكانية إدراجه في أفق معنى، وهو ما يمنحه قوة علاجية رمزية تتجلّى بوضوح في علم النفس التحليلي والوجودي. وهنا، يظهر العيد كخبرة داخلية تعيد وصل الإنسان بذاته الأصيلة في عالم مثقل بالانقسام والقلق (2).

وفي المستوى الاجتماعي–التاريخي، يتبيّن أنّ عيد الميلاد أدّى دورًا مركزيًا في بناء الذاكرة الجماعية، وتنظيم الزمن الاجتماعي، وتعزيز التضامن. فالطقس الميلادي لا يعيد فقط تمثيل حدث ماضٍ، بل يُنتج حاضرًا مشتركًا تتجدّد فيه الروابط والقيم، ويُعاد فيه ترسيخ الانتماء. كما أنّ إدراج الميلاد في بنية التقويم أسهم في تحوّل عميق في الوعي بالزمن، من زمن دوري خاضع للطبيعة إلى زمن تاريخي ذي اتّجاه ومعنى (3).

وتُظهر المقارنة مع الديانات الإبراهيمية، والشرقية، والزرادشتية، والديانات القديمة والصينية، أنّ الميلاد يمثّل رمزًا كونيًا للبداية والنور والرجاء. غير أنّ فرادة الميلاد المسيحي تكمن في تشخيص هذا الرمز وتحويله من بنية كونية أو أسطورية إلى حدث تاريخي شخصاني. فحيث رأت تقاليد كثيرة الخلاص في الخروج من العالم، أو في إعادة توازن كوني، أو في تجاوز الولادة ذاتها، أعلنت المسيحية أنّ المعنى يولد في قلب الوجود، وأن الله نفسه دخل التاريخ الإنساني بكل هشاشته (4).

من هنا، يمكن القول إنّ عيد الميلاد لا يقدّم إجابة لاهوتية فحسب، بل يطرح أطروحة وجودية شاملة:
أن المعنى لا يُنتَج بالقوة،
ولا يُمنَح من خارج التاريخ،
بل يولد في الضعف، ويُختبَر في العلاقة، ويتجسّد في الزمن.

وفي عالم معاصر يعاني من تفكك

---

المراجع

1. Eliade, Mircea. The Sacred and the Profane. Harcourt, Brace & World.
2. Taylor, Charles. A Secular Age. Harvard University Press.
3. Ricoeur, Paul. Memory, History, Forgetting. University of Chicago Press.
4. Balthasar, Hans Urs von. Theo-Drama: Theological Dramatic Theory. Ignatius Press.
5. Moltmann, Jürgen. The Crucified God. SCM Press.
6. Athanasius. On the Incarnation. St. Vladimir’s Seminary Press.
7. Plato. Phaedo; Plotinus. Enneads.
8. Athanasius. On the Incarnation, §54.
9. Augustine. Confessions. Oxford University Press.
10. Koselleck, Reinhart. Futures Past: On the Semantics of Historical Time. Columbia University Press.
11. The Holy Bible, Philippians 2:6–11.
12. Rahner, Karl. Foundations of Christian Faith. Seabury Press.
13. Moltmann, Jürgen. Theology of Hope. SCM Press.
14. Balthasar, Hans Urs von. Love Alone Is Credible. Ignatius Press.
15. Han, Byung-Chul. The Burnout Society. Stanford University Press.
16. Jonas, Hans. The Gnostic Religion. Beacon Press.
17. Arendt, Hannah. Between Past and Future. Penguin Books.
18. Jung, Carl Gustav. The Archetypes and the Collective Unconscious. Princeton University Press.
19. Jung, Carl Gustav. Symbols of Transformation. Princeton University Press.
20. Jung, Carl Gustav. Psychology and Religion. Yale University Press.
21. Rogers, Carl. On Becoming a Person. Houghton Mifflin.
22. Bowlby, John. Attachment and Loss. Basic Books.
23. Winnicott, D. W. Playing and Reality. Routledge.
24. Frankl, Viktor. Man’s Search for Meaning. Beacon Press.
25. Yalom, Irvin. Existential Psychotherapy. Basic Books.
26. Frankl, Viktor. The Will to Meaning. Penguin Books.
27. Durkheim, Émile. The Elementary Forms of Religious Life. Free Press.
28. Berger, Peter. The Sacred Canopy. Anchor Books.
29. Mauss, Marcel. The Gift. Routledge.

30. Turner, Victor. The Ritual Process. Aldine Transaction.
31. Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. University of Chicago Press.
32. Assmann, Jan. Cultural Memory and Early Civilization. Cambridge University Press.
33. Ricoeur, Paul. Time and Narrative. University of Chicago Press.
34. Anderson, Benedict. Imagined Communities. Verso.
35. Eliade, Mircea. Myth and Reality. Harper & Row.
36. Koselleck, Reinhart. Futures Past. Columbia University Press.
37. Löwith, Karl. Meaning in History. University of Chicago Press.
38. Neusner, Jacob. Judaism and Christianity in the Age of Constantine. University of Chicago Press.
39. Rahman, Fazlur. Islam. University of Chicago Press.
40. Küng, Hans. Christianity: Essence, History, and Future. Continuum.
41. Radhakrishnan, S. Indian Philosophy. Oxford University Press.
42. Rahula, Walpola. What the Buddha Taught. Grove Press.
43. Nishitani, Keiji. Religion and Nothingness. University of California Press.
44. Boyce, Mary. Zoroastrians: Their Religious Beliefs and Practices. Routledge.
45. Zaehner, R. C. The Dawn and Twilight of Zoroastrianism. Weidenfeld & Nicolson.
46. Duchesne-Guillemin, Jacques. The Western Response to Zoroaster. Oxford University Press.
47. Frankfort, Henri. Ancient Egyptian Religion. Harper Torchbooks.
48. Burkert, Walter. Greek Religion. Harvard University Press.
49. Eliade, Mircea. Patterns in Comparative Religion. University of Nebraska Press.
50. Confucius. The Analects. Trans. D. C. Lau. Penguin Classics.
51. Laozi. Dao De Jing. Trans. Ames & Hall. Ballantine Books.
52. Tu Weiming. Confucian Thought: Selfhood as Creative Transformation. SUNY Press.
53. Honneth, Axel. The Struggle for Recognition. MIT Press.
54. Taylor, Charles. Sources of the Self. Harvard University Press.
55.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM