حرية الإعلام أم حرية التشهير؟
قراءة قانونية في نقص قانون المطبوعات
2026-01-02
المكتب الإعلامي لجمعية التكاؤن
حرية الإعلام أم حرية التشهير؟
قراءة قانونية في نقص قانون المطبوعات
تُعدّ حرية الإعلام من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي سليم، غير أنّ هذه الحرية لا يمكن أن تكون مطلقة أو منفلتة من أي ضوابط قانونية وأخلاقية. فالإعلام، كما هو سلطة رقابية، هو أيضًا مسؤولية عامة، وأي اختلال في التوازن بين الحرية والمسؤولية يفتح الباب أمام الفوضى، لا أمام الحقيقة.
يعاني قانون المطبوعات والإعلام في كثير من الدول من نقص جوهري في تعريف مفهوم “حرية الإعلام”. إذ جرى اختزال هذا المفهوم بحق الرد بعد النشر، في حين أن جوهر العدالة الإعلامية يفترض حقًا أسبق وأهم:
حق الشخص المعني في أن يُسأل ويُستوضح موقفه قبل نشر الخبر، لا بعد التشهير به.
فما الجدوى من “حق الرد” إذا كان الضرر قد وقع؟
وما قيمة التصويب بعد أن يكون الاسم قد انتشر، والسمعة قد مُسّت، والرأي العام قد حُشد وأصدر حكمه خضعت المؤسسات الرسمية للتحشيد المضلل من باب الحياء لا العدالة بدل منعه ومنع أضراره ومنع جريمة التحريض لأجل السكوب والترند ؟
من المنظور القانوني، الأصل هو قرينة البراءة، وهي مبدأ دستوري وقضائي راسخ. غير أن الممارسة الإعلامية السائدة كثيرًا ما تنسف هذا المبدأ، حين تتحول الشبهات إلى “أخبار”، والادعاءات إلى “عناوين عاجلة”، والتحقيقات إلى محاكمات علنية على الشاشات ومنصات التواصل.
الأخطر من ذلك أن بعض الوسائل الإعلامية تستند إلى “مصادر خاصة” أو “معلومات متداولة” لتبرير نشر أسماء أشخاص في قضايا لم يُبتّ بها قضائيًا، من دون أن تمنحهم فرصة حقيقية للرد المسبق، أو حتى للتأكد من صحة الوقائع. فإذا نفى الشخص المعني ما يُنسب إليه، لا يكون للنفي أي أثر عملي، لأن الرواية الإعلامية تكون قد ترسخت، والضرر المعنوي أصبح واقعًا لا يُمحى.
هنا يبرز الخلل التشريعي:
لماذا لا يُلزم قانون المطبوعات القنوات الإعلامية، والصحف، والمنصات الرقمية، بالتواصل المسبق مع الشخص الذي تنوي ذكر اسمه في قضية ما؟
ولماذا لا يُحظر صراحة نشر الأسماء والاتهامات ما لم يكن هناك قرار قضائي صادر عن جهة مختصة؟
إن الاقتصار على “حق الرد” بعد النشر هو معالجة شكلية، لا تحقق العدالة ولا تحمي المجتمع من التضليل. بل إن العدالة الإعلامية الحقيقية تبدأ من حق الامتناع عن النشر عندما لا تتوافر المعطيات القانونية الكافية، أو عندما ينفي الشخص المعني بشكل واضح، فيُحال الأمر عندها إلى القضاء وحده، لا إلى الاستديوهات ولا إلى “محاكم الرأي العام”.
لقد أثبتت التجارب أن الإعلام، حين يعمل تحت ضغط السبق، أو تحت تأثير التحريض والتجييش، قد يتحول من ناقل للحقيقة إلى أداة تشهير، ومن سلطة رقابية إلى سلطة قمع معنوي. وعندها لا يعود المواطن يثق لا بالإعلام ولا بالقانون، بل يشعر أنه يعيش في مساحة بلا ضمانات، حيث السمعة تُدمّر بكبسة زر.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعديل قانون المطبوعات بما يحقق ما يلي:
* تكريس حق الرد المسبق لا اللاحق فقط.
* منع نشر أسماء أشخاص في قضايا غير محسومة قضائيًا.
* حصر الاستناد في الاتهامات بما يصدر رسميًا عن القضاء.
* تحميل الوسيلة الإعلامية مسؤولية قانونية واضحة عن أي تشهير أو تضليل وأضرار.
فحرية الإعلام لا تعني حرية الاتهام، ولا حرية التحريض، ولا حرية الحكم على الناس خارج القضاء.
الحرية، إن لم تُضبط بالقانون، تتحول إلى فوضى.
والإعلام، إن لم يحترم العدالة، يفقد مهنيته وصدقيته.
هناك خلط بين النقد المشروع والتشهير المجرّم، وهو خلط شائع لدى من يبرّرون الفوضى الإعلامية تحت شعارات عامة.
المديح أو النقد العلني للشخصيات العامة، بما فيها السياسيون ورجال الدين، هو حق إعلامي مشروع ما دام قائمًا على الوقائع، وعلى أفعال مثبتة، ومن دون اتهامات جزائية أو أخلاقية غير صادرة عن القضاء.
أما التشهير، فهو شيء مختلف تمامًا: هو نشر اتهام أو إيحاء أو اسم في سياق جرم أو فضيحة قبل ثبوتها قانونًا، وهذا لا علاقة له بحرية الإعلام ولا بالنقد.
أما التعميم واتهام فئة كاملة – سواء كانوا رجال دين أو غيرهم – فهو بحد ذاته ممارسة غير إعلامية، لأنه يستبدل النقاش القانوني والأخلاقي بالتحريض والشخصنة. الكرافيت أو القلنسوة أو العمامة أو البدلة أو الصفة العامة لا تُسقط عن صاحبها حقوقه القانونية، ولا تمنح الإعلام حصانة لتجاوز قرينة البراءة التي هي الأصل.
يجب أن يكون هناك مبدأ قانوني واضح:
لا اتهام بلا قضاء، ولا تشهير باسم الحرية.
قد يظن البعض أن المطالبة بسؤال الشخص المعني قبل النشر، أو بالاستناد إلى قرارات قضائية فقط، أنها محاولة لإسكات الإعلام، ولكن هذا خلط بين الصحافة ومحاكم التفتيش الإعلامية وما أكثر محاكم التفتيش غير الإعلامية أيضا دينية أو غير دينية.
إن حرية الإعلام لا تُقاس بقدرتنا على تدمير السمعة، بل بقدرتنا على حماية الحقيقة والعدالة معًا.
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
لبنان في زمن عدم الاستقرار الدولي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية
الدكتور هشام الأعور
التكاؤُن التفاعلي: نحو فلسفة إنسانية للعلاقة والفعل المشترك
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
القواسم المشتركة بين اللبنانيين
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
: التكاؤُن: استعادة الإنسان والقيم في عالم ما بعد القيم
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لبنان والتكاؤُن الرقمي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مشروع قانون التعافي المالي في لبنان:
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
اليوبيلَ ليس وقفةَ حنينٍ إلى ماضٍ اندثر
البروفسور الأب جورج جبيقه الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس
التكاؤن والدينامية التحريرية لتأسيس الـ«نحن» الوطنية الكيانية.
المكتب الإعلامي لجمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM