tiktok
Logo

ماذا تمثّل الشيخوخة على درب الحياة؟

مقدّمة فلسفية وجودية قيميّة موسَّعة

2026-01-03

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

بعدما رأيت مدى سقوط صرح القيم
لدى المسؤولين اللامسؤولين 
ونظرتهم المخجلة الى الموظف والأستاذ المتقاعد والتضييق على معيشته والحط من كرامته حضرني سؤال تناولته ببحث موجز
كما يلي:

ماذا تمثّل الشيخوخة على درب الحياة؟

بين اكتمال الوجود الإنساني وسقوط الدولة في امتحان القيم

بقلم الدكتور فريد جبور
17 كانون الأوّل 2025

---

مقدّمة فلسفية وجودية قيميّة موسَّعة

ليست الشيخوخة حادثةً زمنية تقع في نهاية المسار، بل هي انكشاف المعنى بعد أن يهدأ ضجيج الطريق. فالعمر لا يُختزل بعدد السنوات، بل بما يتراكم فيها من وعي، ومن قدرة على الفهم، ومن استعداد للتصالح مع الذات والعالم. الشيخوخة، في معناها العميق، ليست مرحلة تُضاف إلى الحياة، بل لحظة تُعاد فيها

قراءة الحياة كلّها، وكأن الإنسان يقف أخيرًا خارج السباق ليفهم لماذا ركض، وإلى أين، وبأي ثمن.

 

في الفلسفة الوجودية، لا تكون قيمة الوجود في امتداده، بل في كثافته. وحين يتقدّم العمر، ينحسر وهم السيطرة، ويتراجع الاعتقاد بأن المستقبل وحده يحمل المعنى، ليبرز الحاضر بوصفه المجال الوحيد للحقيقة. هنا، يصبح الزمن أقلّ استعجالًا وأكثر صدقًا، ويتحوّل من عدوّ يُطارَد إلى رفيق يُفهم. الشيخوخة، بهذا المعنى، هي اكتمال الوعي بالمحدودية، لا باعتبارها هزيمة، بل باعتبارها شرطًا للحكمة.

وجوديًا، تضع الشيخوخة الإنسان أمام ذاته بلا أقنعة. تسقط الأدوار التي صنعتها الوظيفة والمكانة والصورة الاجتماعية، ويبقى السؤال الجوهري: من أنا بعد كل ما كنتُه؟ في هذه المواجهة الصامتة، إمّا أن يبلغ الإنسان ما تسميه علوم النفس «تكامل الذات»، حيث يقبل مساره كما هو، أو يسقط في مرارة الندم والرفض. من هنا، تصبح الشيخوخة لحظة صدق قصوى، لا تحتمل الزيف، ولا تعترف بالقيمة المصطنعة.

 

قيميًا وأخلاقيًا، تمثّل الشيخوخة ذروة النضج الإنساني. فهي المرحلة التي يتراجع فيها منطق الغلبة، ويعلو منطق الفهم، وتتعمّق فيها معاني الرحمة والغفران والتسامح. هنا، لا تعود القوة في القدرة على السيطرة، بل في القدرة على القبول، ولا في الصلابة، بل في الحكمة. الشيخوخة، في هذا البعد، ليست ضعفًا، بل تحوّلًا في نوع القوة الإنسانية.

 

ومن هنا، لا يمكن فصل الشيخوخة عن سؤال المجتمع والدولة. فطريقة تعامل مجتمع ما مع شيخوخته ليست تفصيلًا اجتماعيًا، بل مرآة لمنظومته القيمية. المجتمع الذي يكرّم شيخوخته يكرّم ذاته، لأنه يعترف باستمراريته الأخلاقية وبقيمة الإنسان خارج منطق النفع. أمّا المجتمع الذي يُهمّش شيخوخته، فيعلن، ولو ضمنيًا، أن الإنسان قيمة مؤقّتة، وأن الحياة تُقاس بميزان الفائدة لا بميزان المعنى.

 

المحور الأوّل: الشيخوخة كذروة اكتمال إنساني وأخلاقي ووجودي

على درب الحياة، يبدأ الإنسان عادةً بتعريف ذاته عبر ما يفعل: العمل، الإنجاز، المكانة، الاعتراف الاجتماعي. هذه المرحلة ضرورية، لكنها ليست الغاية. فالشيخوخة تمثّل التحوّل الجوهري من «الإنسان الفاعل» إلى «الإنسان الواعي». هنا، لا يعود السؤال عمّا أُضيف إلى الخارج، بل عمّا تبلور في الداخل. تصبح الحياة أقلّ صخبًا وأكثر عمقًا، ويغدو الفهم أهمّ من الامتلاك.

 

نفسيًا، تشير مدارس علم النفس الإنساني والتحليلي إلى أن الشيخوخة هي مرحلة إعادة بناء السردية الذاتية. فالإنسان يعيد رواية حياته لنفسه، لا ليُجمّلها، بل ليفهمها. هذا الفهم هو شرط السلام الداخلي. الشيخوخة التي تُعاش في بيئة تحترم الإنسان تسمح بتحقيق هذا السلام؛ أمّا الشيخوخة التي تُعاش في الإقصاء فتتحوّل إلى قلق وجودي دائم.

 

اجتماعيًا، تمثّل الشيخوخة ذاكرة الجماعة. فالمسنّون هم الذاكرة الحيّة، لا بوصفهم ماضويين، بل بوصفهم حاملي التجربة. في علم الاجتماع، يُنظر إلى هذه المرحلة كـ«رأسمال رمزي»، إذ إن المجتمعات التي تُقصي كبار السن تفقد القدرة على التعلّم من أخطائها، وتُعيد إنتاج الأزمات ذاتها. الشيخوخة هنا ليست عبئًا على المجتمع، بل شرط نضجه.

قيميًا، تكشف الشيخوخة حقيقة الإنسان أكثر من أي مرحلة أخرى. فهي الزمن الذي تسقط فيه الأوهام، وتظهر القيم الحقيقية: هل عاش الإنسان من أجل المعنى أم من أجل الصورة؟ هل بنى علاقاته على الهيمنة أم على المشاركة؟ هنا، تصبح الشيخوخة مرآة أخلاقية للحياة التي سبقتها.
 

 

المحور الثاني: تهميش الشيخوخة والمتقاعدين في لبنان – انكشاف الدولة ككيان فاقد للقيم

 

إذا كانت الشيخوخة، في معناها الفلسفي والإنساني، ذروة اكتمال، فإن ما تعيشه في لبنان يمثّل نفيًا لهذا المعنى. فالدولة والنظام السياسي–الاقتصادي لا ينظران إلى الشيخوخة كمرحلة قيمة، بل كعبء. هنا، لا يُقصى المسنّ صدفة، بل نتيجة منطق بنيوي يقيس الإنسان بقدرته على الإنتاج الآني.

 

من منظور فلسفة الدولة، يُعدّ هذا التهميش خرقًا جذريًا للعقد الاجتماعي. فالدولة التي تستثمر حياة مواطنيها في العمل والخدمة، ثم تتخلّى عنهم عند الضعف، تفقد مشروعيتها الأخلاقية. التقاعد في لبنان لا يعني انتقالًا كريمًا إلى دور جديد، بل سقوطًا في فراغ: تآكل المداخيل، غياب الضمان، وانعدام الاعتراف الرمزي. الدولة هنا لا تفشل في الرعاية فقط، بل في الاعتراف.

 

 
 

اقتصاديًا، يثبت علم الاقتصاد الاجتماعي أن تهميش الشيخوخة ليس خيارًا عقلانيًا، بل خيار قصير النظر. فالأنظمة التي لا تحمي كبار السن تنتج فقرًا مضاعفًا، وتُضعف التضامن العائلي، وتزيد الأعباء النفسية والاجتماعية. في المقابل، تُظهر تجارب دول أخرى أن احترام التقاعد وحماية الشيخوخة يعزّزان الاستقرار الاجتماعي ويمنعان تفكّك الروابط بين الأجيال. الفرق هنا ليس في الموارد فقط، بل في الرؤية.

 

نفسيًا، يُنتج هذا التهميش جرحًا وجوديًا عميقًا. فالإنسان الذي يُجرَّد من الاعتراف الاجتماعي يُصاب بشعور باللاجدوى، وهو شعور أشدّ قسوة من الفقر نفسه. تتحوّل الشيخوخة من زمن صفاء إلى زمن خوف، ومن حكمة إلى قلق دائم. هذا ليس قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لنظام فاقد للبعد الإنساني.

 

أخلاقيًا، يكشف تهميش الشيخوخة عن فساد أعمق من الفساد المالي: فساد في القيم. الفاسد هنا ليس فقط من ينهب المال، بل من ينهب المعنى، ومن يرى الإنسان قيمة مشروطة بالنفع. حين تُهمَّش الشيخوخة، يُعلَن ضمنيًا أن الوفاء ليس قيمة عامة، وأن الكرامة مؤقّتة. وهذا هو الانهيار الأخلاقي الأشدّ.

 

وتتجلّى المفارقة بوضوح عند المقارنة مع دول أخرى جعلت من الشيخوخة فضاء كرامة. ففي كثير من المجتمعات، يُنظر إلى المتقاعد بوصفه موردًا إنسانيًا، تُصان حقوقه، ويُشرك في الحياة العامة، وتُحترم خبرته. هناك، التقاعد تحوّل دور، لا نهاية قيمة. أمّا في لبنان، فيعني التقاعد غالبًا اختفاءً اجتماعيًا، وكأن العمر الطويل عبء لا فضل.
---

والخلاصة

تكشف الشيخوخة، في نهاية المطاف، حقيقة المجتمعات والدول أكثر مما تكشف حقيقة الأفراد. فهي اللحظة التي يُختبَر فيها معنى الكرامة خارج منطق القوة، وقيمة الإنسان خارج معيار الإنتاج. فإذا كانت الشيخوخة، في معناها الوجودي، اكتمالًا للوعي ونضجًا للمعنى، فإن تهميشها هو اكتمال للفشل الأخلاقي.

في لبنان، لا تكمن المأساة في التقدّم في العمر، بل في دولة فقدت بوصلتها القيمية، ونظام جرّد الإنسان من معناه. إن تهميش الشيخوخة والمتقاعدين ليس خللًا تقنيًا، بل علامة على فقدان الذات الإنسانية لدى من يحكمون. إعادة الاعتبار للشيخوخة ليست مسألة رعاية فقط، بل مسألة هوية أخلاقية.

فالمجتمع الذي يكرّم شيخوخته يعلن احترامه للحياة حين تبلغ وعيها الكامل، والدولة التي تحمي متقاعديها تعترف بإنسانها خارج منطق المنفعة. أمّا المجتمع الذي يُهين شيخوخته، فهو مجتمع لم يتعلّم بعد معنى الحكمة، ولم يفهم أن المستقبل لا يُبنى بإنكار الضعف، بل بحمايته.

إن احترام الشيخوخة هو، في العمق، احترام للحياة نفسها.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM