السياسة الأحادية والقانون الدولي
قدرة النظام الدولي على ضبط هذه الممارسات وحماية المبادئ القانونية الأساسية.
2026-01-08
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
السياسة الأحادية والقانون الدولي:
بقلم الدكتور فريد جبور
التاريخ:٢٠٢٦/١/٧
مقدمة:
شهد العقدان الأخيران تصاعدًا غير مسبوق في استخدام الدول الكبرى لسياسات أحادية التأثير على شؤون الدول ذات السيادة، بما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام الدولي على ضبط هذه الممارسات وحماية المبادئ القانونية الأساسية. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة في جمهورية فنزويلا البوليفارية نموذجًا صارخًا للتوتر بين ما ينص عليه القانون الدولي من احترام السيادة الوطنية وبين الممارسات السياسية والاقتصادية التي تهدف إلى فرض إرادة خارجية على دولة ذات سيادة، ما يطرح سؤالًا محوريًا حول الفجوة بين النص القانوني والواقع الممارَس، وأثر هذا التباين على المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والنظام الدولي ككل.
ينطلق هذا البحث من فرضية أساسية مفادها أن السياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه فنزويلا لم تكن مجرد خلاف سياسي أو أزمة دبلوماسية عابرة، بل تمثل اختبارًا لمتانة المبادئ القانونية الدولية والشرعية المؤسسية، وتهديدًا محتملاً لتوازنات النظام الدولي. ومن هنا، يسعى البحث إلى تقديم تحليل شامل يجمع بين النظرية القانونية، الاجتهاد الدولي، الممارسة السياسية، والنظريات الاقتصادية والسياسية، لبيان أثر هذه السياسات على القانون الدولي، سيادة الدول، والشرعية الدولية.
ولتغطية هذه القضية المعقدة، يتناول البحث ثلاثة محاور مترابطة تتيح قراءة متكاملة: المحور الأول يركز على مبدأ السيادة وعدم التدخل وحظر استخدام القوة، مستعرضًا نصوص القانون الدولي والفقه، مع تحليل مقارن لتطبيق هذا المبدأ في السياسات الأميركية ودول أخرى، وإبراز الانتهاكات المحتملة ومخاطرها. المحور الثاني يتناول العقوبات الانفرادية وتوسيع الولاية القضائية خارج الإقليم، محللاً آثار هذه الإجراءات على الاقتصاد الدولي وحقوق الإنسان، ومقارناً بين الممارسات الأميركية والأوروبية والروسية والصينية. أما المحور الثالث فيسلط الضوء على تداعيات هذه الممارسات على الأمم المتحدة والنظام الدولي، مركزًا على أزمة الشرعية الدولية، تآكل مبدأ المساواة السيادية، وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية، واستشراف مستقبل النظام الدولي في ظل الممارسات الأحادية والضغط الاقتصادي والسياسي على الدول ذات السيادة.
من خلال هذا التسلسل التحليلي، يسعى البحث إلى تقديم إسهام علمي متوازن يربط بين النظرية القانونية، الممارسة العملية، والاجتهاد الدولي، ويقترح تصورًا لإعادة تفعيل الالتزام بالقواعد الدولية، بما يحفظ سيادة الدول ويعيد للأمم المتحدة دورها الفعّال في إدارة الأزمات الدولية، ويعطي للباحثين وصناع القرار قاعدة علمية متينة لفهم التحديات المعاصرة التي تواجه القانون الدولي ومبادئه
المحور الأول : مبدأ السيادة، عدم التدخل، وحظر استخدام القوة في الممارسة المقارنة للدول
أولًا: الإطار المفاهيمي المقارن – السيادة بين الثبات النظري والتسييل العملي
من الناحية النظرية، لا خلاف في الفقه الدولي على أن مبدأ السيادة يشكّل القاعدة المؤسسةج للنظام الدولي، وقد كرّسه ميثاق الأمم المتحدة بصيغة قطعية في المادة 2/1 (1). غير أن الدراسة المقارنة تكشف أن الإشكال لا يكمن في النص، بل في الممارسة، وبالأخص في كيفية توظيف السيادة أو إعادة تفسيرها تبعًا لموقع الدولة في هرم القوة الدولية.
يرى Martti Koskenniemi أن القانون الدولي المعاصر يعيش حالة “توتر دائم بين الشكل القانوني والخطاب السياسي”، حيث تُستخدم المبادئ ذاتها لتبرير مواقف متناقضة (2). فالسيادة تُقدَّم أحيانًا كقاعدة مطلقة، وأحيانًا أخرى كقاعدة “مرنة” قابلة للتجاوز باسم الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الأمن.
الحالة الفنزويلية تتيح مقارنتها بثلاثة أنماط رئيسية من الممارسة:
النمط التدخلي الصريح (الولايات المتحدة)
النمط الانتقائي المشروط (فرنسا/الاتحاد الأوروبي)
النمط الدفاعي السيادي (روسيا، الصين، وعدد من دول الجنوب)
ثانيًا: الولايات المتحدة – من السيادة القانونية إلى السيادة المشروطة سياسيًا
في السياسة الأميركية تجاه فنزويلا، جرى التعامل مع السيادة لا بوصفها وضعًا قانونيًا موضوعيًا، بل بوصفها وضعًا مشروطًا بمدى “شرعية” النظام من منظور خارجي. هذا المنطق يجد جذوره في فقه أميركي داخلي يميّز بين legitimacy وlegality، وهو تمييز مرفوض في القانون الدولي العام (3).
الاعتراف برئيس موازٍ، مقرونًا بعقوبات وضغوط علنية لتغيير النظام، يُشكّل – وفق معيار محكمة العدل الدولية – تدخلًا مباشرًا في السلطان الداخلي، حتى في غياب استخدام القوة المسلحة (4). وقد شددت المحكمة في قضية نيكاراغوا على أن “نية التأثير على الاختيارات السياسية” هي المعيار الحاسم، لا الوسيلة المستخدمة (5).
الفقه الأميركي ذاته ليس موحّدًا في هذا الشأن؛ إذ يحذّر Louis Henkin من أن “تدويل الشرعية السياسية يهدد النظام القائم على المساواة السيادية” (6). غير أن هذا التحفّظ غالبًا ما يُهمَّش لصالح اعتبارات السياسة الخارجية.
ثالثًا: فرنسا والاتحاد الأوروبي – السيادة المقيدة بخطاب القيم
يقدّم الموقف الفرنسي والأوروبي نموذجًا أكثر تعقيدًا. فمن جهة، يؤكد الاتحاد الأوروبي في وثائقه الرسمية التزامه الصارم بمبدأ السيادة وعدم التدخل (7). ومن جهة أخرى، تبنّت دول أوروبية الاعتراف بغوايدو، مستندة إلى خطاب “الشرعية الديمقراطية”.
فقهيًا، يُعدّ هذا الموقف إشكاليًا، لأن القانون الدولي لا يمنح الدول حق تقييم دستورية أو ديمقراطية أنظمة الدول الأخرى. ويشير Alain Pellet إلى أن “الديمقراطية، رغم أهميتها، لم ترقَ بعد إلى شرط قانوني للاعتراف بالدول أو الحكومات” (8).
المقارنة هنا تكشف أن الاتحاد الأوروبي يمارس تدخّلًا أخفّ من النموذج الأميركي، لكنه يساهم عمليًا في إضعاف مبدأ عدم التدخل عبر تسييس الاعتراف، وهو ما يخلق منطقة رمادية خطيرة في التطبيق العملي للقانون الدولي.
رابعًا: روسيا والصين – السيادة كقاعدة دفاعية صلبة
في المقابل، تبنّت كل من روسيا والصين موقفًا رافضًا لأي تدخل في الشأن الفنزويلي، مؤكّدتين أن مسألة الشرعية السياسية شأن داخلي صرف. وقد استند هذا الموقف إلى قراءة حرفية للمادتين 2/1 و2/7 من الميثاق (9).
ورغم الانتقادات الغربية لروسيا والصين في سياقات أخرى، فإن موقفهما في الحالة الفنزويلية يتماشى مع الفقه التقليدي للقانون الدولي. ويرى Bruno Simma أن “الدفاع عن السيادة من قبل دول كبرى غير غربية يعكس خوفًا مشروعًا من تعميم منطق التدخل” (10).
المفارقة المقارنة هنا أن الدول التي تُتَّهَم غالبًا بخرق القانون الدولي، هي ذاتها التي دافعت – في هذه الحالة – عن التطبيق الصارم لقواعده، ما يعزّز أطروحة ازدواجية المعايير بدل تطور عرفي موحّد.
خامسًا: حظر استخدام القوة والتهديد بها – مقارنة في الخطاب والممارسة
على صعيد المادة 2/4 من الميثاق، تُظهر المقارنة تباينًا حادًا:
الولايات المتحدة: استخدمت خطاب التهديد الصريح (“كل الخيارات مطروحة”)، وهو ما يعتبره Brownlie خرقًا قائمًا بذاته (11).
فرنسا والاتحاد الأوروبي: تجنّبوا التهديد العسكري المباشر، مكتفين بالضغط السياسي والاقتصادي.
روسيا والصين: شددتا على رفض أي استخدام أو تهديد بالقوة دون تفويض من مجلس الأمن.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري حول الأسلحة النووية أن التهديد يخضع للمعايير ذاتها التي يخضع لها الاستخدام (12). وبناءً عليه، فإن الخطاب الأميركي يضع نفسه في موقع قانوني أضعف مقارنةً بسائر الأطراف.
سادسًا: التقييم المقارن – هل نحن أمام تحول عرفي؟
السؤال الجوهري في الدراسة المقارنة هو:
هل تعكس هذه الممارسات تحولًا في القاعدة العرفية، أم مجرد خروقات متكررة؟
وفق معيار تكوّن العرف الدولي (ممارسة عامة + اعتقاد بالإلزام)، لا يمكن اعتبار الحالة الفنزويلية تعبيرًا عن عرف جديد، لأن:
الممارسة ليست عامة ولا متجانسة،
عدد كبير من الدول رفضها صراحة،
الخطاب القانوني المرافق لها لم يدّعِ تعديل القاعدة بل برّر الاستثناء (13).
ويخلص Michael Byers إلى أن “الانتهاكات المتنازع عليها لا تُنشئ عرفًا، بل تؤكد وجود القاعدة المنتهكة” (14).
خلاصة :
تُظهر المقارنة أن مبدأ السيادة وعدم التدخل وحظر استخدام القوة ما زال يحتفظ بقيمته القانونية المعيارية، وأن ما قامت به إدارة ترامب تجاه فنزويلا لا يمثل تطورًا طبيعيًا للقانون الدولي، بل موقفًا سياسيًا أحاديًا اصطدم برفض دولي واسع.
إن إدراج الحالة الفنزويلية في هذا السياق المقارن يؤكد أن الأزمة ليست في القاعدة القانونية، بل في إرادة الامتثال لها، وأن القانون الدولي لا يزال قائمًا، وإن كان مُنهكًا بفعل الممارسة الانتقائية.
المحور الثاني :العقوبات الانفرادية، الولاية القضائية خارج الإقليم، والتدابير القسرية في القانون الدولي**
أولًا: الإطار المفاهيمي – العقوبات بين النظام القانوني والتقنية السياسية
تشكل العقوبات في القانون الدولي إحدى أكثر الأدوات إشكالية من حيث الطبيعة القانونية. فهي تقع في منطقة رمادية بين الجزاء القانوني المشروع ووسيلة الإكراه السياسي. تقليديًا، لا يُعترف بالعقوبات إلا إذا صدرت عن مجلس الأمن الدولي وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (15).
غير أن العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب على فنزويلا لم تصدر عن مجلس الأمن، بل جاءت في إطار تدابير انفرادية ذات طابع شامل، ما يطرح سؤالًا مركزيًا:
هل تملك دولة منفردة، مهما بلغت قوتها، سلطة فرض تدابير اقتصادية تُحدث آثارًا مدمّرة خارج إقليمها؟
يرى Hans Kelsen أن أي جزاء لا يصدر عن نظام قانوني جماعي يفقد صفته القانونية ويتحول إلى فعل قسر سياسي (16). ومن هذا المنطلق، فإن العقوبات الأميركية على فنزويلا لا يمكن توصيفها كـ “جزاء دولي”، بل كتعبير عن قوة غير مقننة.
ثانيًا: الولايات المتحدة – العقوبات كامتداد للولاية القضائية خارج الإقليم
اعتمدت الولايات المتحدة في فرض العقوبات على فنزويلا على مزيج من:
أوامر تنفيذية رئاسية،
تشريعات فيدرالية (قوانين الطوارئ الاقتصادية الدولية IEEPA)،
تفسير موسّع لمفهوم “الأمن القومي” (17).
من منظور القانون الدستوري الأميركي، يتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية. غير أن توسيع الأثر الإقليمي لهذه الصلاحيات يطرح إشكالية دولية خطيرة، إذ تتحول الولاية القضائية الوطنية إلى ولاية عالمية فعلية.
فقهيًا، يعتبر Cedric Ryngaert أن العقوبات الثانوية (Secondary Sanctions) تمثل “أخطر أشكال التعدي على مبدأ الاختصاص الإقليمي”، لأنها تُخضع أطرافًا أجنبية لقانون دولة لم يرتبطوا بها قانونيًا (18).
في الحالة الفنزويلية، لم تكتفِ الولايات المتحدة بمنع تعامل شركاتها، بل عاقبت شركات ودولًا ثالثة، وهو ما يُعد خرقًا مباشرًا لمبدأ المساواة السيادية وحرية التجارة الدولية.
ثالثًا: الاتحاد الأوروبي – بين رفض المبدأ والمشاركة العملية
يعتمد الاتحاد الأوروبي خطابًا قانونيًا مغايرًا، إذ يميّز رسميًا بين:
العقوبات الأممية المشروعة،
والعقوبات الانفرادية التي يعتبرها “إشكالية” من حيث المبدأ (19).
مع ذلك، شارك الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات على فنزويلا، وإن كانت أقل شمولًا من النموذج الأميركي. هذا التناقض يفسّره Jürgen Habermas بوصفه “ازدواجية بنيوية بين القيم المعلنة والمصالح الواقعية” (20).
قانونيًا، لا يتمتع الاتحاد الأوروبي بالصفة السيادية الكاملة، ما يجعل شرعية عقوباته محل نقاش. وقد أبطلت محكمة العدل الأوروبية سابقًا عقوبات لأسباب تتعلق بحقوق الدفاع والتناسب (قضية Kadi) (21).
المقارنة هنا تُظهر أن الاتحاد الأوروبي أكثر التزامًا بالإجراءات، لكنه غير متحرر من المنطق السياسي نفسه الذي يحكم العقوبات الأميركية.
رابعًا: روسيا والصين – رفض العقوبات كمساس بالنظام الاقتصادي الدولي
اتخذت روسيا والصين موقفًا مبدئيًا رافضًا للعقوبات الانفرادية، معتبرتين أنها:
تنتهك ميثاق الأمم المتحدة،
تقوّض نظام التجارة المتعدد الأطراف،
تمثل شكلًا من أشكال “العقاب الجماعي” (22).
وقد دعمت هذا الموقف تقارير المقررين الخاصين للأمم المتحدة، ولا سيما Idriss Jazairy، الذي اعتبر العقوبات الانفرادية “غير مشروعة وغير أخلاقية” لما تُحدثه من آثار إنسانية جسيمة (23).
من منظور نظريات الاقتصاد السياسي الدولي، ترى المدرسة الواقعية الجديدة أن العقوبات تُستخدم لإعادة هندسة التوازنات الدولية، لا لحماية القانون (24). وهذا ما يفسر سعي روسيا والصين إلى بناء أنظمة مالية بديلة تقلّص هيمنة الدولار.
خامسًا: دول الجنوب – العقوبات كإعادة إنتاج للهيمنة
تقدّم دول الجنوب قراءة أكثر جذرية، معتبرة أن العقوبات الانفرادية تمثل أداة استعمار اقتصادي جديد. وقد عبّرت حركة عدم الانحياز مرارًا عن رفضها لهذه التدابير (25).
فقهيًا، يربط Third World Approaches to International Law (TWAIL) بين العقوبات والانتهاك البنيوي لحق الشعوب في التنمية. ويرى Makau Mutua أن العقوبات تُفرض غالبًا على دول ضعيفة، لا على منتهكي القانون من الأقوياء (26).
في الحالة الفنزويلية، أدت العقوبات إلى:
انهيار العملة،
تراجع النظام الصحي،
أضرار مباشرة بحقوق الإنسان،
وهو ما يطرح مسألة المسؤولية الدولية غير المباشرة عن النتائج الإنسانية.
سادسًا: التناسب، الضرورة، والآثار الإنسانية – معيار الغياب شبه الكامل
حتى في حال افتراض مشروعية العقوبات (جدلًا)، فإنها تخضع لمبادئ:
التناسب،
الضرورة،
التمييز بين الحكومة والسكان (27).
غير أن العقوبات الأميركية الشاملة على فنزويلا فشلت في احترام هذه المعايير. وقد أكد اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن العقوبات لا تعفي الدول من التزاماتها الحقوقية خارج الإقليم (28).
الاجتهاد الدولي يميل إلى تحميل الدول مسؤولية الأثر المتوقع لأفعالها، وهو ما يجعل تجاهل النتائج الإنسانية خرقًا جسيمًا لمبدأ حسن النية.
خلاصة
تُظهر الدراسة المقارنة أن العقوبات المفروضة على فنزويلا:
تفتقر إلى السند القانوني الدولي،
تمثل توسعًا غير مشروع في الولاية القضائية،
تُضعف النظام الاقتصادي الدولي،
وتكرّس منطق القوة بدل حكم القانون.
كما يتبيّن أن الانقسام الدولي حولها لا يعكس تطورًا عرفيًا، بل صراعًا بين تصورين للنظام الدولي:
الأول قوامه الهيمنة والعقوبات،
والثاني يقوم على التعددية واحترام السيادة
المحور الثالث:تداعيات السلوك الأميركي تجاه فنزويلا على الأمم المتحدة والنظام الدولي ومستقبل الشرعية الدولية**
أولًا: الأمم المتحدة بين الشلل الوظيفي وتآكل الشرعية
أظهرت الحالة الفنزويلية بوضوح أن الأمم المتحدة، وبالأخص مجلس الأمن، لم تعد الفضاء الحصري لإدارة الأزمات الدولية، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مسرح شلل مؤسسي ناتج عن تضارب مصالح القوى الكبرى. فغياب أي قرار أممي بشأن فنزويلا، مقابل تصعيد إجراءات انفرادية واسعة النطاق، يطرح سؤالًا جوهريًا حول وظيفة المنظمة الدولية وجدواها (29).
من الناحية القانونية، يُفترض أن يحتكر مجلس الأمن سلطة اتخاذ التدابير القسرية بموجب الفصل السابع. غير أن الممارسة الأميركية (ومن ساندها) عكست تجاوزًا صريحًا لهذه المركزية، ما أدى إلى إفراغ دور الأمم المتحدة من مضمونه التنفيذي، وتحويلها إلى إطار خطابي بلا أدوات إلزام فعالة.
ويرى Georges Abi-Saab أن أخطر ما يهدد الأمم المتحدة ليس خرق قواعدها، بل “الاعتياد على تجاوزها دون ثمن قانوني أو سياسي” (30). وهذا ما تجسد في الحالة الفنزويلية، حيث لم تؤدِّ الاعتراضات القانونية الواسعة إلى أي تصحيح للمسار.
ثانيًا: من نظام قانوني دولي إلى نظام انتقائي قائم على القوة
تكشف تداعيات السلوك الأميركي تجاه فنزويلا عن تحول عميق في بنية النظام الدولي:
من نظام يقوم – نظريًا – على قواعد عامة ومجردة، إلى نظام انتقائي تُطبّق فيه القواعد على الضعفاء وتُعلّق أمام الأقوياء.
وفق المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، لا يُعدّ هذا التحول مفاجئًا، إذ يرى Kenneth Waltz أن القانون الدولي يظل خاضعًا لبنية القوة (31). غير أن المدرسة الليبرالية المؤسسية كانت تراهن على أن المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، قادرة على تقييد هذا المنطق.
الحالة الفنزويلية تُضعف هذا الرهان، لأنها تُظهر أن الدولة القوية تستطيع:
تجاوز مجلس الأمن،
إعادة تعريف الشرعية،
فرض عقوبات ذات آثار عالمية،
دون أن تواجه مساءلة مؤسسية حقيقية.
وهنا يتقاطع التحليل القانوني مع علم الاجتماع السياسي، حيث يرى Pierre Bourdieu أن الشرعية حين تُفصل عن القاعدة الجماعية تتحول إلى “رأسمال رمزي محتكر” (32).
ثالثًا: أزمة مبدأ المساواة السيادية وتفكك الثقة الدولية
من أخطر تداعيات السلوك الأميركي تجاه فنزويلا تقويض مبدأ المساواة السيادية، وهو المبدأ الذي يشكل حجر الأساس في قبول الدول – لا سيما الصغيرة والمتوسطة – بالنظام الدولي.
عندما ترى الدول أن:
الاعتراف بالحكومات أصبح سياسيًا لا قانونيًا،
السيادة تُحترم انتقائيًا،
العقوبات تُفرض بلا سند جماعي،
فإن النتيجة الطبيعية هي تآكل الثقة في القانون الدولي بوصفه أداة حماية، وتحوله في نظر كثير من الدول إلى أداة ضبط وهيمنة (33).
وقد أشار Antonio Cassese إلى أن “القانون الدولي يفقد فعاليته حين يُنظر إليه كقانون للآخرين فقط” (34). وهذا ما يفسر تصاعد النزعات السيادية الدفاعية، والانكفاء عن الالتزام الطوعي بالقواعد الدولية.
رابعًا: الأثر البنيوي على النظام الاقتصادي والمالي العالمي
لم تقتصر تداعيات العقوبات على فنزويلا ذاتها، بل امتدت إلى بنية النظام الاقتصادي الدولي. فالعقوبات الأميركية، ولا سيما الثانوية منها، دفعت عددًا متزايدًا من الدول إلى البحث عن:
بدائل للنظام المالي القائم على الدولار،
آليات تبادل خارج منظومة العقوبات،
ترتيبات إقليمية موازية (35).
من منظور الاقتصاد السياسي الدولي، يرى Susan Strange أن الهيمنة النقدية حين تُستخدم كسلاح سياسي تؤدي في المدى المتوسط إلى تقويض ذاتها (36). وهذا ما نلمسه في تنامي الدعوات إلى “فك تسييس” النظام المالي العالمي.
الحالة الفنزويلية، في هذا السياق، ليست استثناءً بل نقطة تسريع لتحولات أعمق، تُضعف مركزية المؤسسات الدولية التقليدية (صندوق النقد، البنك الدولي) المرتبطة بالقوة الأميركية.
خامسًا: تداعيات حقوقية وإنسانية – مسؤولية بلا محاسبة
أحد أخطر أوجه الأزمة يتمثل في غياب آليات مساءلة فعالة عن الآثار الإنسانية المترتبة على العقوبات والتدخلات غير المباشرة. فرغم التقارير الأممية التي وثّقت الأضرار الجسيمة التي لحقت بالسكان المدنيين في فنزويلا، لم تُفعّل أي آلية مسؤولية دولية (37).
قانون حقوق الإنسان الدولي يقرّ بمبدأ الالتزامات خارج الإقليم، ولا سيما حين تكون الآثار متوقعة ومباشرة. غير أن غياب محكمة دولية مختصة بمساءلة الدول عن العقوبات الاقتصادية يجعل هذا المبدأ معطلاً عمليًا.
ويحذر Philip Alston من أن هذا الفراغ يُنتج “مسؤولية بلا محاسبة”، وهو ما يهدد مصداقية منظومة حقوق الإنسان برمّتها (38).
سادسًا: هل نحن أمام تفكك النظام الدولي أم إعادة تشكّله؟
السؤال الختامي في هذا المحور لا بد أن يكون استراتيجيًا:
هل تمثل الحالة الفنزويلية بداية انهيار النظام الدولي، أم مرحلة انتقالية نحو نظام جديد؟
التحليل المتوازن يُظهر أننا لسنا أمام فوضى مطلقة، بل أمام إعادة تشكّل غير متكافئة:
نظام أحادي يسعى لفرض قواعده،
في مقابل نظام تعددي ناشئ يسعى لحماية السيادة.
ويرى Immanuel Wallerstein أن مثل هذه اللحظات التاريخية تتسم بصراع طويل بين نموذج آفل وآخر لم يكتمل بعد (39).
خلاصة المحور الثالث
تُثبت دراسة تداعيات السلوك الأميركي تجاه فنزويلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أزمة دولة بعينها، بل في تآكل الأسس المعيارية للنظام الدولي. فحين تُفرغ الأمم المتحدة من دورها، وتُهمّش القواعد الجماعية، ويُستعاض عنها بإرادة أحادية، يصبح القانون الدولي مهددًا في جوهره، لا في تفاصيله.
الخاتمة :
يُظهر هذا البحث، عبر محاوره الثلاثة، أن السلوك الذي انتهجته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه جمهورية فنزويلا البوليفارية لا يمكن اختزاله في كونه خلافًا سياسيًا عابرًا أو أزمة دبلوماسية ظرفية، بل يشكّل حالة نموذجية كاشفة لأزمة أعمق تطال بنية النظام القانوني الدولي ذاته.
ففي المحور الأول، تبيّن أن مبدأ السيادة وعدم التدخل، رغم رسوخه النصي والفقهي، بات عرضة لإعادة تفسير انتقائية، تُخضع الشرعية الدستورية للدول لمعايير خارجية تفتقر لأي سند قانوني دولي. وأظهر التحليل المقارن أن هذا الانزلاق لا يعكس تطورًا عرفيًا مشروعًا، بل ممارسة سياسية متنازعًا عليها، قوبلت برفض صريح من عدد وازن من الدول، بما ينفي عنها صفة القاعدة الجديدة.
أما المحور الثاني، فقد كشف أن العقوبات الانفرادية، ولا سيما الثانوية منها، تمثل أخطر أشكال الانتهاك المعاصر للقانون الدولي، لأنها تجمع بين توسيع غير مشروع للولاية القضائية خارج الإقليم، وتقويض النظام الاقتصادي الدولي، وإلحاق أضرار إنسانية جسيمة بالسكان المدنيين، دون أي آلية مساءلة فعالة. وقد أظهر التحليل المقارن أن هذا النمط من العقوبات يعكس منطق الهيمنة أكثر مما يعكس حكم القانون.
وفي المحور الثالث، اتّضح أن أخطر تداعيات هذا السلوك لا تقتصر على فنزويلا، بل تمتد إلى:
إضعاف دور الأمم المتحدة،
تآكل مبدأ المساواة السيادية،
تفكك الثقة الدولية بالقواعد الجماعية،
وتسريع التحولات البنيوية نحو نظام دولي متشظٍ وغير مستقر.
ويخلص البحث، في ضوء ذلك، إلى أن الأزمة ليست في نقص القواعد القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية لاحترامها. فالقانون الدولي ما زال قائمًا من حيث النص والفقه والاجتهاد، إلا أنه بات مهددًا في فعاليته بفعل الممارسة الأحادية والانتقائية.
إن استمرار هذا المسار ينذر بتحول النظام الدولي من نظام قانوني معياري إلى نظام قوة مقنّعة بخطاب قانوني، وهو ما يُفقد الشرعية الدولية معناها، ويجعل احترام القانون مسألة ظرفية لا التزامًا دائمًا.
وعليه، فإن الحل لا يمكن أن يكون أحاديًا أو تقنيًا، بل يقتضي:
إعادة الاعتبار للدور المركزي للأمم المتحدة،
تجريم التدابير القسرية الانفرادية صراحة،
تطوير آليات مساءلة دولية عن العقوبات وآثارها،
والعودة إلى فهم القانون الدولي كإطار جماعي لا كأداة نفوذ.
المراجع:
[1] ميثاق الأمم المتحدة، 1945.
[2] الإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودية بين الدول، الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 2625 (1970).
[3] العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 1966.
[4] محكمة العدل الدولية، قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة، الحكم الصادر في 27 حزيران 1986.
[5] محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الأسلحة النووية، 1996.
[6] محكمة العدل الأوروبية، قضية Kadi، 2008.
[7] Brownlie, I., International Law and the Use of Force by States, Oxford University Press.
[8] Cassese, A., International Law, Oxford University Press.
[9] Koskenniemi, M., From Apology to Utopia, Cambridge University Press.
[10] Simma, B., The Charter of the United Nations: A Commentary, Oxford University Press.
[11] Abi-Saab, G., Cours général de droit international public, Académie de La Haye.
[12] Pellet, A., “The Democratic Legitimacy of Governments in International Law”, European Journal of International Law.
[13] Byers, M., Custom, Power and the Power of Rules, Cambridge University Press.
[14] Ryngaert, C., Jurisdiction in International Law, Oxford University Press.
[15] Henkin, L., Foreign Affairs and the United States Constitution, Oxford University Press.
[16] United States, International Emergency Economic Powers Act (IEEPA).
[17] Kelsen, H., Principles of International Law, Routledge.
[18] تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة Idriss Jazairy حول التدابير القسرية الانفرادية، 2018.
[19] تقارير اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمم المتحدة، 2017-2020.
[20] Alston, P., “The Populist Challenge to Human Rights”, Journal of Human Rights, 2019.
[21] Waltz, K., Theory of International Politics, McGraw-Hill.
[22] Wallerstein, I., World-Systems Analysis, Duke University Press.
[23] Strange, S., States and Markets, Pinter Publishers.
[24] Mutua, M., Human Rights: A Political and Cultural Critique, University of Pennsylvania Press.
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
لبنان في زمن عدم الاستقرار الدولي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية
الدكتور هشام الأعور
التكاؤُن التفاعلي: نحو فلسفة إنسانية للعلاقة والفعل المشترك
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
القواسم المشتركة بين اللبنانيين
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
: التكاؤُن: استعادة الإنسان والقيم في عالم ما بعد القيم
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لبنان والتكاؤُن الرقمي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مشروع قانون التعافي المالي في لبنان:
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
اليوبيلَ ليس وقفةَ حنينٍ إلى ماضٍ اندثر
البروفسور الأب جورج جبيقه الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس
التكاؤن والدينامية التحريرية لتأسيس الـ«نحن» الوطنية الكيانية.
المكتب الإعلامي لجمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM