tiktok
Logo

لبنان في زمن عدم الاستقرار  الدولي

ينقسم البحث إلى ثلاثة محاور رئيسية مترابطة

2026-01-27

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

 

لبنان في زمن عدم الاستقرار  الدولي 

 

بقلم :الدكتور فريد جبور

٢٠٢٦/١/١٤
 

يشهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحوّلات بنيوية عميقة تعكس تراجع القدرة النسبية للقوة المهيمنة على إنتاج استقرار طويل الأمد، مقابل صعود قوى دولية جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوة وقواعد النظام العالمي. وقد أدّى هذا التحوّل إلى تقويض منطق القطبية الأحادية الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ودخول النظام الدولي في مرحلة انتقالية تتّسم بعدم اليقين، وتزايد التنافس، وتفكّك الأطر التقليدية لإدارة الاستقرار [1][2].
في هذا السياق، لم يعد الاستقرار حالة افتراضية تحكم العلاقات الدولية، بل أصبح عدم الاستقرار سمة بنيوية من سمات النظام العالمي في طور التحوّل. فالقوى الكبرى، وفي مقدّمها الولايات المتحدة، باتت أقل قدرة على تحمّل الكلفة الاقتصادية والسياسية والأمنية اللازمة لإدارة نظام دولي متماسك، ما دفعها إلى استبدال منطق فرض الاستقرار بمنطق إدارة الأزمات والصراعات، عبر أدوات غير مباشرة مثل العقوبات الاقتصادية، والتدخلات المحدودة، والحروب بالوكالة، بما يسمح بالحفاظ على نفوذها النسبي من دون الانخراط في تسويات نهائية مكلفة [3][4].
يتزامن هذا التحوّل مع صعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية تشكّل تحديًا بنيويًا للنموذج الأميركي، ليس فقط من حيث موازين القوة المادية، بل من حيث النموذج التنموي والسياسي الذي تطرحه كبديل محتمل. ويؤدي هذا الصعود إلى تسريع انتقال النظام الدولي نحو تعددية غير مستقرة لم تتبلور قواعدها بعد، ما يزيد من حدة التنافس الدولي، ويضاعف من هشاشة البيئات الإقليمية، ولا سيما في المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف الدولة وتفكك البنى المؤسسية [5][6].
في خضم هذه التحوّلات، تبرز الدول الضعيفة بوصفها الفاعل الأكثر تأثرًا بتقلبات النظام الدولي. إذ تُظهر أدبيات العلاقات الدولية وبناء الدولة أن الدول التي تعاني من ضعف مؤسسي داخلي، وانقسام في الشرعية، وعجز عن احتكار القرار السيادي، تكون أكثر عرضة للتحوّل إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي، حيث تُدار أزماتها بدل أن تُحلّ، وتُستخدم هشاشتها كجزء من توازنات أوسع [7][8]. وفي مثل هذه الحالات، لا تعود أزمة الدولة ناتجة فقط عن عوامل داخلية، بل تصبح انعكاسًا مباشرًا لموقعها في بنية النظام الدولي المتحوّل.
يندرج لبنان ضمن هذا الإطار بوصفه نموذجًا مركّبًا لدولة ضعيفة تعيش عند تقاطع أزمات داخلية وإقليمية ودولية. فمنذ نشأته، قام النظام السياسي اللبناني على توازنات طائفية حالت دون تطوّر دولة مركزية حديثة قادرة على احتكار القرار السياسي والأمني، وأنتجت نمطًا من الحكم يقوم على التوافق الهش، والفراغ المتكرّر، وتعطيل المؤسسات الدستورية عند كل تحوّل في موازين القوى الداخلية أو الخارجية [9][10]. وقد جعل هذا الواقع من الدولة اللبنانية كيانًا محدود القدرة على إدارة أزماته ذاتيًا، ومعتمدًا بدرجات متفاوتة على تسويات إقليمية ودولية ظرفية.
وتتعمّق هشاشة لبنان بفعل موقعه الجغرافي–السياسي في قلب الشرق الأوسط، ولا سيما في تماس مباشر مع الصراع العربي–الإسرائيلي، ما جعله تاريخيًا ساحة لتقاطعات إقليمية، ومنصة لتبادل الرسائل بين قوى أكبر منه. وفي مرحلة إدارة عدم الاستقرار الدولية، لم يعد لبنان يُعامل كدولة ذات أولوية حماية أو استقرار، بل كمساحة قابلة للاستخدام السياسي والأمني، تُدار أزماتها بما يخدم توازنات إقليمية ودولية، من دون اكتراث فعلي ببناء استقراره الداخلي أو تعزيز قدرته المؤسسية [11][12].
يتجلّى مأزق الحالة اللبنانية في تراكب ثلاثة مستويات مترابطة من الأزمة:
أولًا، أزمة داخلية بنيوية تتمثّل في ضعف الدولة، وانقسام الشرعية، وتعطّل آليات الحكم الدستوري.
ثانيًا، أزمة إقليمية ناتجة عن ارتباط الساحة اللبنانية بصراعات الشرق الأوسط، ودورها الوظيفي في معادلات أمنية تتجاوز حدودها.
ثالثًا، أزمة دولية مرتبطة بتحوّل النظام العالمي ذاته، حيث لم تعد القواعد السابقة قادرة على حماية الدول الضعيفة أو ضمان استقرارها [13][14].
في ضوء هذا التداخل، يفقد السؤال التقليدي المتعلّق بـ«كيفية خروج لبنان من أزمته» طابعه التحليلي، ليحلّ محلّه سؤال أكثر واقعية ومنهجية:
كيف يمكن للبنان، بوصفه دولة ضعيفة ومجزّأة، أن يدير موقعه ومخاطره في نظام دولي يشهد أفول الهيمنة الأميركية وصعود تعددية غير مستقرة، من دون الارتهان لمحور دولي واحد أو التحوّل إلى ساحة دائمة للصراعات؟
تنطلق فرضية هذا البحث من أن لبنان غير قادر بنيويًا على تغيير قواعد النظام الدولي أو فرض حياد كامل بالمعنى الكلاسيكي، لكنه يمتلك، نظريًا وعمليًا، هامشًا محدودًا للفعل يسمح له بتقليص كلفة عدم الاستقرار عليه، عبر بناء حدّ أدنى من الدولة القادرة، واعتماد استراتيجية إدارة المخاطر، والسعي إلى تحييد مُدار يحدّ من توظيف هشاشته في الصراعات الإقليمية والدولية [15][16].
منهجيًا، يعتمد البحث على مقاربة تحليلية–تفسيرية تستند إلى الواقعية البنيوية في العلاقات الدولية، ونظريات الدولة الضعيفة، والاقتصاد السياسي الدولي، ونظريات إدارة المخاطر، مع الاستعانة بدراسة مقارنة لتجارب دول صغيرة واجهت أوضاعًا بنيوية مشابهة، ونجحت بدرجات متفاوتة في إعادة تعريف موقعها ووظيفتها في النظام الدولي.
وانطلاقًا من ذلك، ينقسم البحث إلى ثلاثة محاور رئيسية مترابطة: يتناول المحور الأول الإطار النظري لتحوّلات الهيمنة وموقع الدولة الضعيفة في النظام الدولي، ويبحث المحور الثاني في إدارة المخاطر والتحييد المُدار كخيار استراتيجي واقعي، فيما يخصّص المحور الثالث لدراسة مقارنة تستخلص دروسًا عملية يمكن الإفادة منها في الحالة اللبنانية

المحور الأول :
لبنان كدولة ضعيفة في نظام دولي انتقالي
(إطار تحليلي بنيوي)

لا يمكن مقاربة الأزمة اللبنانية الراهنة بمعزل عن التحوّلات العميقة التي تصيب بنية النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. فالأزمة اللبنانية، على الرغم من تجلياتها الاقتصادية والمالية والسياسية الحادة، لا تمثّل حالة استثنائية معزولة، بل تندرج ضمن نمط أوسع من أزمات الدول الضعيفة التي تعيش في ظل نظام دولي فقد قدرته على إنتاج الاستقرار، من دون أن ينتقل بعد إلى صيغة بديلة متماسكة. ومن هنا، فإن أي تحليل جاد للحالة اللبنانية يقتضي الانتقال من المقاربات الأخلاقية أو الخطابية إلى مقاربة بنيوية–تفسيرية، تربط بين ضعف الدولة من جهة، وتحول منطق القوة والهيمنة في النظام الدولي من جهة أخرى.
لقد درجت المقاربات التقليدية للأزمة اللبنانية على ردّ أسبابها إمّا إلى الفساد الداخلي، أو إلى النظام الطائفي، أو إلى التدخلات الخارجية. ورغم صحة هذه العناصر، فإن التعامل معها بوصفها تفسيرات قائمة بذاتها يؤدي إلى مقاربة تجزيئية قاصرة عن فهم الطابع المزمن للأزمة. فالدول لا تبقى في حالة انهيار دائم لمجرد سوء الإدارة أو الفساد، كما أن التدخلات الخارجية لا تكون فعّالة إلا حين تصادف بنية داخلية قابلة للاختراق. وعليه، فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون: لماذا فشل لبنان؟ بل: لماذا يُترك لبنان في حالة فشل مُدار؟ ولماذا تتحوّل أزمته إلى حالة مستدامة لا إلى مرحلة انتقالية؟
تساعد نظريات الدولة الضعيفة ونظريات النظام الدولي الانتقالي على إعادة صياغة هذا السؤال. فلبنان، بوصفه دولة ذات سيادة قانونية معترف بها دوليًا، لكنه فاقد للقدرة الفعلية على ممارسة سيادته، يمثّل نموذجًا كلاسيكيًا للدولة الضعيفة التي تؤدي وظيفة معينة في النظام الدولي بدل أن تكون عبئًا عليه. وفي ظل أفول نمط الهيمنة الأحادية، لم تعد القوى الكبرى معنية بإعادة بناء الدول الضعيفة أو إنتاج استقرار طويل الأمد فيها، بل بإدارة أزماتها ضمن حدود تحول دون انفجارها الكامل، ودون تمكينها في الوقت نفسه من استعادة قدرتها المستقلة.
من هنا، يهدف هذا المحور إلى تفكيك موقع لبنان في هذا السياق البنيوي، من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
أولًا، تحليل مفهوم الدولة الضعيفة ووظيفتها في النظام الدولي؛
ثانيًا، دراسة تحوّل منطق الهيمنة والاستقرار في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية؛

ثالثًا، إسقاط هذه التحولات على الحالة اللبنانية، بوصفها ساحة دائمة لإدارة الأزمات لا لحلّها.
ويشكّل هذا التحليل الأساس النظري الضروري للانتقال، في المحاور اللاحقة، من التشخيص إلى اقتراح خيارات واقعية ممكنة.
أولًا: الدولة الضعيفة ووظيفتها في النظام الدولي :

تُعدّ نظرية الدولة الضعيفة من أكثر الإطارات التحليلية قدرة على تفسير حالات الدول التي تجمع بين الاعتراف الدولي والانهيار الوظيفي الداخلي. فوفق الأدبيات الكلاسيكية في علم الاجتماع السياسي، لا تُقاس قوة الدولة فقط بوجود مؤسسات شكلية، بل بقدرتها على احتكار العنف المشروع، وفرض القانون، وتحصيل الموارد، وتنظيم المجالين السياسي والاقتصادي بصورة متماسكة [1].
يُبرز ميغدال أن الدولة الضعيفة تنشأ حين تفشل السلطة المركزية في فرض «قواعد اللعبة» الموحدة، فتدخل في حالة تفاوض دائم مع قوى اجتماعية وسياسية تنازعها الشرعية [2]. وفي هذا الإطار، لا تختفي الدولة، بل تتحوّل إلى طرف بين أطراف، وتفقد موقعها كمرجعية نهائية. وينطبق هذا التحليل بدقة على لبنان، حيث لا تشكّل الدولة الإطار الأعلى المنظّم للصراع، بل أحد ميادينه، وغالبًا أضعفها.
من زاوية أخرى، يضيف جاكسون مفهوم «الدولة شبه السيادية»، مبيّنًا أن النظام الدولي، منذ مرحلة ما بعد الاستعمار، بات يعترف بدول لا تملك مقومات البقاء الذاتي، لكنه يحميها سياسيًا وقانونيًا حفاظًا على الاستقرار الشكلي للنظام الدولي [3]. ويُظهر هذا المفهوم كيف أن الضعف الداخلي لا يؤدي بالضرورة إلى زوال الدولة، بل قد يتحوّل إلى نمط دائم من الوجود السياسي.
تكمن خطورة هذا النمط في أن الدولة الضعيفة تصبح قابلة للتوظيف الخارجي. فغياب القدرة السيادية يجعل قراراتها رهينة ضغوط خارجية مباشرة أو غير مباشرة، كما يفتح المجال أمام قوى داخلية لربط شرعيتها بداعمين خارجيين. وهنا، لا يعود الصراع الداخلي شأنًا وطنيًا صرفًا، بل امتدادًا لصراعات إقليمية ودولية [4].
في هذا السياق، لا يُفهم ضعف الدولة اللبنانية كفشل عابر، بل كحالة أعيد إنتاجها تاريخيًا، منذ نشأة الكيان، بفعل تركيبته الطائفية، وارتهانه الاقتصادي، وموقعه الجيوسياسي. ومع كل أزمة كبرى، كان يجري ترميم الدولة شكليًا من دون معالجة جذور ضعفها، ما سمح باستمرارها كدولة قائمة ولكن عاجزة [5].

ثانيًا: أفول الهيمنة وتحول منطق الاستقرار الدولي :

تشير نظرية الاستقرار الهيمني إلى أن النظام الدولي يكون أكثر استقرارًا حين تهيمن عليه قوة واحدة قادرة على فرض القواعد وتحمل كلفة تطبيقها [6]. غير أن هذا النموذج يفترض استعداد القوة المهيمنة لدفع ثمن الاستقرار، وهو افتراض لم يعد قائمًا في المرحلة الراهنة.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، ومع توسّع العولمة المالية، بدأت الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على أدوات غير عسكرية لإدارة النظام الدولي، مثل العقوبات الاقتصادية، والضغوط المالية، والحروب غير المباشرة. وقد أدّى ذلك إلى تقليص التزامها بإعادة بناء الدول أو ضمان استقرارها طويل الأمد [7].
يرى أريغي أن هذه المرحلة تشبه تاريخيًا مراحل أفول الهيمنة السابقة، حيث تتحوّل القوة المهيمنة من الإنتاج إلى التمويل، ومن البناء إلى الإدارة، ومن الاستقرار إلى التحكم بالفوضى [8]. وفي هذا السياق، يصبح عدم الاستقرار حالة طبيعية، لا خللًا طارئًا.
وتنعكس هذه التحولات بشكل مباشر على الدول الضعيفة، إذ تفقد أي مظلة حماية فعلية، وتُترك لتدبير أزماتها ضمن حدود مرسومة. فالقوى الكبرى لم تعد معنية بإنهاء الصراعات المحلية، بل بمنع تمددها إلى ما يهدد مصالحها المباشرة [9].
ثالثًا: لبنان كساحة دائمة لإدارة الأزمات (توسيع تحليلي)
في ضوء ما سبق، يتّضح أن لبنان لا يُدار اليوم كدولة قابلة للتعافي، بل كساحة يجب ضبطها. فالتعامل الدولي معه يتسم بانتقائية واضحة: دعم مشروط، ضغط اقتصادي، وتدخل سياسي غير مباشر، من دون أي مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة [10].
هذا النمط يعكس منطق «الإدارة بالأدوات السلبية»، حيث يُستخدم الانهيار الاقتصادي وسيلة ضغط، بدل أن يكون حالة تستدعي التدخل الإيجابي. كما يُظهر أن استقرار لبنان ليس هدفًا بحد ذاته، بل متغيّرًا تابعًا لمعادلات إقليمية، ولا سيما الصراع العربي–الإسرائيلي [11].
إن تحويل لبنان إلى ساحة دائمة يؤدي إلى إعادة إنتاج أزمته، إذ يصبح غياب الدولة عنصرًا وظيفيًا، لا خللًا يجب تصحيحه. ومع مرور الوقت، تتآكل فكرة الدولة نفسها في الوعي الجمعي، ما يفاقم الأزمة ويجعل الخروج منها أكثر تعقيدًا [12].

 

المحور الثاني:
استراتيجيات الدول الضعيفة في النظام الدولي الانتقالي
(من منطق الانكشاف إلى منطق إدارة البقاء)

إذا كان المحور الأول قد عالج الإطار البنيوي الذي يفسّر موقع لبنان كدولة ضعيفة ضمن نظام دولي انتقالي، فإن هذا المحور ينتقل من مستوى التشخيص إلى مستوى الخيارات الاستراتيجية الممكنة. غير أن هذا الانتقال لا يتمّ من زاوية معيارية أو مثالية، بل من زاوية تحليلية–واقعية تستند إلى تجارب دول أخرى، وإلى نظريات علمية درست سلوك الدول الصغيرة والضعيفة في بيئات دولية غير مستقرة.
فالسؤال المركزي هنا ليس: كيف تصبح الدولة الضعيفة قوية؟ بل: كيف تدير الدولة الضعيفة وجودها وبقاءها في نظام لا يوفّر الحماية ولا الاستقرار؟. هذا التحوّل في السؤال يعكس إدراكًا أساسيًا مفاده أن الدولة الضعيفة لا تملك ترف الخيارات الكبرى، لكنها تملك، في المقابل، هامشًا للمناورة إن أحسنت إدارة موقعها، ووظائفها، وعلاقاتها الخارجية.
تُظهر التجارب المقارنة أن الدول الضعيفة لا تفشل بالضرورة بسبب ضعفها، بل بسبب سوء إدارة ضعفها. فبعض الدول نجحت في تحويل هشاشتها إلى عامل توازن، أو إلى ورقة تفاوض، أو إلى موقع وساطة، في حين تحوّلت دول أخرى إلى ساحات مفتوحة للصراعات بسبب غياب رؤية استراتيجية لإدارة المخاطر. ومن هنا، يسعى هذا المحور إلى تفكيك استراتيجيات الدول الضعيفة في ثلاثة اتجاهات مترابطة:
أولًا، استراتيجيات الحياد وإدارة الموقع الجيوسياسي؛
ثانيًا، تنويع العلاقات الخارجية في مواجهة منطق المحاور؛
ثالثًا، بناء حدّ أدنى من الدولة القادرة كشرط للبقاء.

أولًا: الحياد وإدارة الموقع الجيوسياسي كاستراتيجية بقاء:

يُعدّ مفهوم الحياد من أكثر المفاهيم التباسًا في أدبيات العلاقات الدولية، ولا سيما عند تطبيقه على الدول الضعيفة. فالحياد، في صيغته الكلاسيكية، يفترض وجود دولة قوية قادرة على فرض احترام حيادها بالقوة أو بالردع، كما هو الحال في التجربة السويسرية [1]. غير أن الدول الضعيفة لا تملك هذا النوع من الردع، ما يفرض إعادة تعريف الحياد بوصفه استراتيجية إدارة مخاطر لا وضعًا قانونيًا مطلقًا.
تشير أدبيات الدول الصغيرة إلى أن الحياد الناجح لا يقوم على الانسحاب من الصراعات، بل على تنظيم العلاقة معها [2]. فالدولة الضعيفة لا تستطيع منع تأثير الصراعات الإقليمية عليها، لكنها تستطيع تقليل كلفتها عبر ضبط مستوى التداخل، ومنع تحوّلها إلى طرف مباشر فيها. وهذا ما يميّز الحياد الوظيفي عن الحياد المعياري.
تُظهر تجربة فنلندا خلال الحرب الباردة نموذجًا دالًا في هذا السياق. فعلى الرغم من موقعها الجغرافي الحساس بين الشرق والغرب، نجحت فنلندا في الحفاظ على استقلالها السياسي عبر سياسة خارجية واقعية اعترفت بموازين القوى، من دون الوقوع في التبعية الكاملة [3]. وقد عُرفت هذه السياسة بـ«الفنلدة»، التي قامت على قبول قيود معينة مقابل الحفاظ على كيان الدولة.
في المقابل، تُظهر تجربة دول فشلت في إدارة موقعها الجيوسياسي، مثل أفغانستان أو الصومال، كيف أن غياب استراتيجية حياد أو إدارة موقع يؤدي إلى تحوّل الدولة إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية [4]. فالحياد هنا ليس غياب موقف، بل غياب قدرة على ضبط التدخلات.
بالإسقاط على الحالة اللبنانية، يتبيّن أن الإشكالية لا تكمن في رفض الحياد أو قبوله، بل في غياب تصور عملي له. فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته، لا يستطيع اعتماد حياد مطلق، لكنه يستطيع اعتماد تحييد نسبي يهدف إلى منع استخدام أرضه كمنصة صراع دائم. وهذا التحييد لا يُفرض بقرار سياسي فقط، بل يحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومكوّناتها المسلحة والسياسية [5].

ثانيًا: تنويع العلاقات الخارجية في مواجهة منطق المحاور:

تُجمع أدبيات السياسة الخارجية للدول الضعيفة على أن أخطر ما يواجهها هو الارتهان لمحور واحد في نظام دولي غير مستقر. فالتحالفات الصلبة قد توفّر حماية مؤقتة، لكنها تجعل الدولة رهينة لتحولات لا تتحكم بها [6].
تطرح نظرية «الموازنة الناعمة» (Soft Balancing) نموذجًا بديلًا، حيث تلجأ الدول الضعيفة إلى تنويع علاقاتها، وبناء شبكات متعددة، بدل الانخراط الكامل في تحالفات صدامية [7]. ويتيح هذا النموذج للدولة هامش مناورة أوسع، ويقلل من كلفة الاصطفاف.
تُظهر تجربة فيتنام بعد الحرب الباردة مثالًا لافتًا، إذ نجحت في إقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، من دون الارتهان لأي منها، مستفيدة من موقعها الاقتصادي والجيوسياسي [8]. كما تُظهر تجربة سلطنة عمان نموذجًا آخر لدولة صغيرة اعتمدت سياسة خارجية مرنة مكّنتها من لعب دور الوسيط بدل الساحة [9].
في المقابل، فإن الدول التي فشلت في تنويع علاقاتها غالبًا ما تحوّلت إلى أدوات صراع. ويبرز في هذا السياق مثال أوكرانيا، التي وجدت نفسها في قلب صراع محاور نتيجة عجزها عن إدارة موقعها بين الشرق والغرب [10].
بالنسبة إلى لبنان، فإن الارتهان التاريخي لمحاور خارجية متبدّلة جعل سياسته الخارجية امتدادًا لصراعات الآخرين. ومن هنا، فإن تنويع العلاقات لا يعني استبدال محور بآخر، بل بناء سياسة خارجية قائمة على توازن المصالح لا على الولاءات الأيديولوجية [11].

ثالثًا: بناء حدّ أدنى من الدولة القادرة كشرط للاستراتيجية
تُظهر التجارب المقارنة أن أي استراتيجية خارجية، مهما كانت متوازنة، تفشل في غياب حدّ أدنى من الدولة القادرة. فالدولة الضعيفة التي تفتقر إلى مؤسسات فاعلة لا تستطيع تنفيذ حياد، ولا إدارة علاقات، ولا التفاوض من موقع مصلحة [12].
يشير فوكوياما إلى أن بناء الدولة لا يعني بالضرورة بناء دولة قوية مركزيًا، بل بناء دولة كفؤة وظيفيًا قادرة على تقديم الخدمات الأساسية وفرض القانون [13]. وهذا ما يُعرف في الأدبيات بـ«الدولة الكافية» (Good Enough State).
في هذا السياق، تبرز تجربة رواندا بعد الإبادة مثالًا على قدرة دولة مدمّرة على إعادة بناء مؤسساتها تدريجيًا، من دون تحقيق ديمقراطية كاملة، لكن مع استعادة القدرة الوظيفية [14]. كما تُظهر تجربة جورجيا بعد 2004 كيف أن إصلاح الإدارة والقضاء يمكن أن يعيد للدولة حدًّا من الفاعلية حتى في بيئة إقليمية معقّدة [15].


بالإسقاط على لبنان، يتبيّن أن الإشكالية ليست في غياب الدستور أو القوانين، بل في تعطيلها المنهجي. وعليه، فإن بناء حدّ أدنى من الدولة يقتضي وقف استخدام الفراغ كأداة حكم، وتوحيد المرجعية الأمنية، وإعادة الاعتبار للوظيفة التنظيمية للدولة، لا لتحويلها إلى أداة سيطرة [16].المحور الثالث
دروس مقارنة من دول ضعيفة نجحت في إدارة الهشاشة :
(من الدولة الساحة إلى الدولة المُدارة)

يهدف هذا المحور إلى الانتقال من التحليل النظري والاستراتيجي إلى الاختبار المقارن، انطلاقًا من فرضية أساسية مفادها أن الحالة اللبنانية، على الرغم من خصوصيتها الطائفية والتاريخية، ليست استثناءً بنيويًا مطلقًا في النظام الدولي. فقد شهد التاريخ المعاصر عددًا من الدول التي واجهت أوضاعًا مشابهة للبنان:
هشاشة داخلية، انقسام اجتماعي، موقع جيوسياسي حساس، تدخلات خارجية، وضعف القدرة السيادية.
غير أن المسارات التي سلكتها هذه الدول لم تكن واحدة. فبعضها تحوّل إلى دولة فاشلة أو ساحة دائمة للصراع، فيما نجح بعضها الآخر في إدارة ضعفه والانتقال من منطق الانكشاف إلى منطق البقاء المنظّم. ومن هنا، لا يسعى هذا المحور إلى استنساخ تجارب، بل إلى استخلاص أنماط سلوك ناجحة يمكن الإفادة منها في الحالة اللبنانية.
تعتمد المقارنة هنا على ثلاثة معايير رئيسية:
درجة الانقسام الداخلي (إثني/طائفي/سياسي)
الموقع الجيوسياسي في مناطق صراع
طبيعة الاستجابة الاستراتيجية للدولة الضعيفة

أولًا: فنلندا – إدارة الجغرافيا بدل إنكارها
تُعدّ التجربة الفنلندية من أكثر الحالات التي استوقفت منظّري العلاقات الدولية عند دراسة سلوك الدول الضعيفة الواقعة بين قوى كبرى. ففنلندا، بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت نفسها في موقع جغرافي شديد الحساسية بين المعسكرين السوفياتي والغربي، مع تاريخ صدام مباشر مع الاتحاد السوفياتي، وقدرة عسكرية محدودة [1].
ما يميّز الحالة الفنلندية ليس غياب التهديد، بل إدراكه المبكر. فقد بنت فنلندا سياستها الخارجية على الاعتراف بموازين القوى الواقعية، من دون الانزلاق إلى التبعية الكاملة. ويشير والتز إلى أن نجاح الدول الضعيفة لا يقاس بقدرتها على تغيير النظام، بل بقدرتها على التكيّف العقلاني مع بنيته [2].
اعتمدت فنلندا ما يمكن تسميته بـ«الحياد المقيد»، حيث:
امتنعت عن الانخراط في تحالفات عسكرية معادية للاتحاد السوفياتي
حافظت في المقابل على نظامها السياسي واقتصادها السوقي
استثمرت في بناء دولة فعالة داخليًا كشرط لصدّ التدخل الخارجي [3]
هذه التجربة تُظهر أن الحياد ليس خطابًا، بل منظومة سياسات داخلية وخارجية متكاملة. وبالإسقاط على لبنان، يتبيّن أن المشكلة ليست في استحالة التحييد، بل في غياب دولة قادرة على فرض حدوده الدنيا.
ثانيًا: سلطنة عُمان – من الهشاشة إلى الوساطة
تقدّم سلطنة عُمان نموذجًا مغايرًا لدولة صغيرة في منطقة شديدة الاضطراب، نجحت في تحويل موقعها الهش إلى أداة دبلوماسية. فعلى الرغم من ضعفها العسكري النسبي، ووقوعها بين قوى إقليمية متنافسة (إيران، السعودية، الولايات المتحدة)، استطاعت عُمان الحفاظ على استقرارها عبر سياسة خارجية مرنة [4].
تعتمد هذه السياسة على ما يسميه بريمر «البراغماتية الوقائية»، أي تجنّب الاصطفافات الحادة، والانفتاح المتوازن على جميع الأطراف [5]. وقد مكّن هذا النهج عُمان من لعب دور الوسيط في ملفات إقليمية معقّدة، بدل أن تكون ساحة لها.
اللافت في التجربة العُمانية أن نجاحها الخارجي ارتبط مباشرةً بحدّ أدنى من الاستقرار الداخلي والمؤسسات الوظيفية. فالدولة، وإن لم تكن ديمقراطية بالمعنى الليبرالي، امتلكت جهازًا إداريًا قادرًا على تنفيذ القرار السياسي [6].
بالنسبة إلى لبنان، تبرز هنا مفارقة أساسية: إذ يمتلك لبنان موارد بشرية وثقافية تفوق عُمان، لكنه يفتقر إلى وحدة القرار السيادي التي تشكّل شرطًا لأي سياسة خارجية متوازنة.

ثالثًا: فيتنام – من ساحة حرب إلى لاعب متوازن
تُعدّ فيتنام مثالًا مركزيًا لدولة خرجت من حرب مدمّرة، ومن موقع ساحة صراع دولي، إلى دولة تدير علاقاتها الدولية ببراغماتية عالية. فبعد انتهاء الحرب الباردة، واجهت فيتنام تحدي إعادة الاندماج في نظام دولي كانت في صدام مباشر مع أحد أقطابه [7].
اعتمدت فيتنام استراتيجية ثلاثية الأبعاد:
تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة
الحفاظ على علاقة محسوبة مع الصين رغم التنافس التاريخي
الانفتاح الاقتصادي المتدرّج ضمن سيادة الدولة [8]
تُظهر هذه التجربة أن العداء التاريخي لا يمنع إعادة التموضع، شرط وجود قيادة سياسية تُدرك تحوّل موازين القوى. ويشير رودريك إلى أن نجاح فيتنام الاقتصادي لم يكن نتيجة الليبرالية المطلقة، بل نتيجة إدارة الدولة لعملية الانفتاح [9].
هذه التجربة تكتسب أهمية خاصة للبنان، إذ تبيّن أن الخروج من منطق الساحة لا يتطلب إنكار الصراعات السابقة، بل إعادة تأطيرها ضمن مصلحة الدولة.
رابعًا: حالات الفشل المقارن – عندما يتحول الضعف إلى انهيار
لأغراض المقارنة العلمية، لا بد من التوقف عند حالات فشلت في إدارة هشاشتها، مثل الصومال، أفغانستان، وليبيا. تُظهر هذه الحالات أن غياب الدولة القادرة، وتعدد مراكز القرار، وتحويل الانقسام الداخلي إلى أداة خارجية، يؤدي إلى انهيار طويل الأمد [10].
يشير فوكوياما إلى أن أخطر ما يواجه الدول الضعيفة ليس التدخل الخارجي بحد ذاته، بل قابلية الدولة للاختراق [11]. وهذه القابلية تنبع من غياب العقد الاجتماعي، وتآكل الشرعية، وتحويل الدولة إلى غنيمة.
خامسًا: الدروس المستخلصة للحالة اللبنانية
من خلال المقارنة، يمكن استخلاص خمس قواعد استراتيجية أساسية:
لا حياد بلا دولة
لا تنويع علاقات بلا وحدة قرار
لا سيادة كاملة في دولة ضعيفة، بل سيادة مُدارة
الانقسام الداخلي هو مدخل التدخل الخارجي
إدارة الضعف أقل كلفة من إنكاره
خلاصة المحور الثالث
تُظهر الدراسة المقارنة أن لبنان ليس محكومًا بالانهيار، لكنه محكوم بالاختيار:
إما الاستمرار كـ ساحة مفتوحة،
أو التحوّل التدريجي إلى دولة تُدار هشاشتها بوعي استراتيجي.
وفي نظام دولي يتّجه نحو تعددية غير مستقرة، فإن الدول التي تنجح ليست الأقوى، بل الأكثر قدرة على فهم موقعها وحدودها [12].

الخاتمة :

تناول هذا البحث، من خلال ثلاثة محاور متكاملة، موقع لبنان كدولة ضعيفة في نظام دولي انتقالي، ودرس كيفية إدارة الدولة الضعيفة لهشاشتها في ظل تحولات الهيمنة الأميركية وصعود الصين، مع الاستفادة من التجارب المقارنة للدول التي واجهت تحديات مماثلة. وقد أتاح هذا التحليل ربط المستوى النظري للنظام الدولي بالمستوى العملي والسياسي اللبناني الداخلي والخارجي، وهو ما يوفّر إطارًا علميًا متماسكًا لفهم أزمات الدول الصغيرة والضعيفة في بيئات مضطربة.
أولًا: ملخص التحليل
في المحور الأول، بين البحث أن لبنان يندرج ضمن فئة الدول الضعيفة التي لا تملك القدرة على فرض سيادتها الكاملة أو حماية مصالحها في وجه القوى الإقليمية والدولية. وقد أظهرت التحليلات البنيوية أن الدولة الضعيفة لا تفشل بالضرورة بسبب الفساد أو الطائفية فقط، بل بسبب غياب إدارة واعية لهشاشتها [1][2][5]. كذلك، أوضحت الدراسة أن أفول الهيمنة الأميركية وتحولها من منطق الإنتاج إلى منطق إدارة الأزمات يجعل لبنان أكثر عرضة لأن يكون ساحة اختبار لمعادلات القوة الإقليمية والدولية [6][10].
أما المحور الثاني، فقد وسّع البحث التحليل إلى استراتيجيات الدول الضعيفة لإدارة موقعها في النظام الدولي، من خلال ثلاثة خطوط أساسية: الحياد الوظيفي وإدارة الموقع الجيوسياسي، تنويع العلاقات الخارجية، وبناء حد أدنى من الدولة القادرة. وقد أظهرت الدراسات المقارنة أن النجاح في إدارة الضعف يعتمد على توحيد القرار الداخلي، ومرونة السياسة الخارجية، والقدرة على استعادة السيادة المؤسسية، دون التورط في ولاءات أيديولوجية ضيقة [3][5][7][9][12].
وأخيرًا، في المحور الثالث، قدّم البحث دراسة مقارنة معمّقة مع دول نجحت في إدارة هشاشتها مثل فنلندا، عُمان، وفيتنام، مقابل حالات فشل مثل الصومال وأفغانستان. وقد سمحت هذه المقارنة باستنتاج أن الدولة الضعيفة الناجحة هي الدولة القادرة على التكيف مع النظام الدولي دون أن تفقد حد أدنى من سيادتها، مع إدارة الانقسام الداخلي وعدم السماح بتحويل الدولة إلى ساحة صراع دائم [1][3][4][7][10][11].

ثانيًا: قيمة البحث العلمية

يقدّم هذا البحث إسهامًا أصيلاً في مجال الدراسات الدولية والدولة الضعيفة على النحو التالي:
إطار تحليلي متكامل: يجمع بين نظريات الهيمنة، الدولة الضعيفة، الاقتصاد السياسي الدولي، ودراسات السياسة الخارجية للدول الصغيرة، ويطبقها على حالة لبنان بشكل عملي.
ربط التشخيص بالحلول: لا يكتفي البحث بتشخيص الأزمة اللبنانية، بل يقدّم إطارًا استراتيجيًا عمليًا لبناء دولة قادرة على إدارة ضعفها بوعي.
إضاءة تجارب مقارنة: استخدام حالات دولية مشابهة يوفر قاعدة علمية لتحديد الاستراتيجيات الواقعية التي يمكن للبنان أن يستفيد منها، بدل الانغماس في توصيات عامة أو مثالية [3][4][7].
استشراف مسار النظام الدولي: يوضح البحث أن التعددية غير المستقرة هي السمة المستقبلية للنظام الدولي، ما يحتم على لبنان بناء استراتيجيات دائمة لإدارة المخاطر، بدل انتظار حماية خارجية مستحيلة [6][12].
ثالثًا: الاستشراف الاستراتيجي لمستقبل لبنان
يمكن استخلاص مجموعة من الاستنتاجات الاستراتيجية الواقعية لمستقبل لبنان:
تحييد نسبي وواقعي: لبنان بحاجة إلى سياسة حياد وظيفي تتحكّم في مستوى التدخلات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على استقلال القرار الداخلي.
تنويع العلاقات الخارجية: بديل الانخراط الأحادي في محور محدد، عبر شبكة علاقات متعددة توازن بين القوى الإقليمية والدولية، كما فعلت سلطنة عُمان وفينلندا.
بناء حد أدنى من الدولة القادرة: يشمل الإصلاح المؤسسي، استعادة الوظائف الأساسية للدولة، وإعادة توحيد المرجعيات الأمنية والقضائية.
إدارة الانقسامات الداخلية: التعامل مع الطائفية والانقسام السياسي بوصفهما موارد تفاوضية، لا أدوات لتفكيك الدولة.
الاستعداد لتعددية دولية غير مستقرة: إدراك أن لبنان لن يُحمى بحسن النوايا ولا بالقانون الدولي وحده، بل بقدرته على فهم موقعه وحدود نفوذه [5][6][12].
وباختصار، فإن مستقبل لبنان لا يعتمد على القوة الخارجية، بل على إدارة داخله لهشاشته ضمن قواعد واقعية وعقلانية، مع الاستفادة من تجارب المقارنة لإعادة بناء دولة وظيفية، قابلة للبقاء في بيئة دولية مضطربة.
رابعًا: المساهمة الأكاديمية النهائية
يسهم البحث في توسيع الأدبيات الأكاديمية حول الدولة الضعيفة، بتقديم نموذج لبناني متكامل يربط بين:
النظريات الدولية للهيمنة وإدارة عدم الاستقرار
استراتيجيات الدول الصغيرة والضعيفة
دراسات مقارنة دولية مع دول نجحت في إدارة هشاشتها
ويعطي هذا البحث أدوات فكرية وسياسية لصانعي القرار، وكذلك إطارًا أكاديميًا يمكن توظيفه في الدراسات المستقبلية حول الدول الصغيرة والهشّة في نظام دولي متحوّل.

 

المراجع :


[1] Waltz, Kenneth N., Theory of International Politics, New York: McGraw-Hill, 1979, pp. 88-102.
[2] Morgenthau, Hans J., Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace, 7th ed., New York: McGraw-Hill, 2006, pp. 112-137.
[3] Keohane, Robert O., After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy, Princeton: Princeton University Press, 1984, pp. 45-69.
[4] Achcar, Gilbert, The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising, Berkeley: University of California Press, 2013, pp. 157-182.
[5] Walt, Stephen M., The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018, pp. 201-225.
[6] Allison, Graham, Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?, Boston: Houghton Mifflin Harcourt, 2017, pp. 90-115.
[7] Rodrik, Dani, The Globalization Paradox, Oxford: Oxford University Press, 2011, pp. 50-73.
[8] Zakaria, Fareed, The Post-American World, New York: W. W. Norton & Company, 2008, pp. 101-126.
[9] Bremmer, Ian, Every Nation for Itself: Winners and Losers in a G-Zero World, New York: Portfolio, 2012, pp. 75-98.
[10] Kaldor, Mary, New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era, Stanford: Stanford University Press, 2012, pp. 34-59.
[11] Foucault, Michel, Society Must Be Defended, New York: Picador, 2003, pp. 110-134.
[12] Picard, Elizabeth, Lebanon: A Shattered Country, New York: Holmes & Meier, 2002, pp. 50-95.
[13] Stiglitz, Joseph E., Globalization and Its Discontents Revisited, New York: W. W. Norton & Company, 2017, pp. 120-145.
[14] Kennedy, Paul,c The Rise and Fall of the Great Powers, New York: Random House, 1987, pp. 200-225.
[15] Foucault, Michel, Discipline and Punish, New York: Vintage, 1977, pp. 95-112.
[16] Rodrik, Dani, One Economics, Many Recipes: Globalization, Institutions, and Economic Growth, Princeton: Princeton University Press, 2007, pp. 45-70.
[17] Hufbauer, Gary Clyde, Schott, Jeffrey J., & Elliott, Kimberly Ann, Economic Sanctions Reconsidered, 3rd ed., Washington, DC: Peterson Institute for International Economics, 2007, pp. 90-130.
[18] Mearsheimer, John J., The Tragedy of Great Power Politics, New York: W. W. Norton & Company, 2001, pp. 110-145.
[19] Organski, A. F. K., & Kugler, Jacek, The War Ledger, Chicago: University of Chicago Press, 1980, pp. 50-85.
[20] Wallerstein, Immanuel, The Modern World-System, New York: Academic Press, 1974–2011, Vol. 1-3, pp. 45-90.
[21] Eichengreen, Barry, Exorbitant Privilege: The Rise and Fall of the Dollar and the Future of the International Monetary System, Oxford: Oxford University Press, 2011, pp. 120-145.
[22] Strange, Susan, States and Markets, London: Pinter Publishers, 1988, pp. 60-85.
[23] Arrighi, Giovanni, The Long Twentieth Century: Money, Power, and the Origins of Our Times, London: Verso, 1994, pp. 170-195.
[24] Harvey, David, The New Imperialism, Oxford: Oxford University Press, 2003, pp. 75-105.
[25] Gilpin, Robert, War and Change in World Politics, Cambridge: Cambridge University Press, 1981, pp. 90-120.
[26] Cox, Robert W., “Social Forces, States and World Orders,” Millennium: Journal of International Studies, Vol. 10, No. 2 (1981): 126-155.
[27] Naughton, Barry, The Chinese Economy: Adaptation and Growth, Cambridge, MA: MIT Press, 2018, pp. 150-180.
[28] Xi Jinping, The Governance of China, Beijing: Foreign Languages Press, 2014, pp. 45-70.
[29] Kissinger, Henry, World Order, New York: Penguin Press, 2014, pp. 120-145.
[30] Friedman, Thomas L., From Beirut to Jerusalem, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2012, pp. 95-120.
[31] UNCTAD, Trade and Development Report, Geneva: United Nations, various years, pp. 60-100.
[32] Chomsky, Noam, Hegemony or Survival: America’s Quest for Global Dominance, New York: Metropolitan Books, 2003, pp. 110-140.
[33] Khalidi, Rashid, Resurrecting Empire: Western Footprints and America’s Perilous Path in the Middle East, Boston: Beacon Press, 2004, pp. 80-110.
[34] Picard, Elizabeth, Lebanon: A Shattered Country, New York: Holmes & Meier, 2002, pp. 50-95.
[35] Brzezinski, Zbigniew, The Grand Chessboard: American Primacy and Its Geostrategic Imperatives, New York: Basic Books, 1997, pp. 45-80.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM