tiktok
Logo

الشارقة

الشارقة: المدينة حين تختار أن تكون هوية في الثقافة، وفي العلم، وفي الأمير

2026-01-30

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الشارقة: المدينة حين تختار أن تكون هوية
في الثقافة، وفي العلم، وفي الأمير
الدكتور فريد جبور
28 كانون الثاني / يناير 2026
ليست الشارقة مدينةً تُعرَّف بما تملكه من مبانٍ أو فعاليات، بل بما تُراكمه من معنى. ففي زمنٍ باتت فيه المدن تُدار بمنطق السوق، وتُقاس بقابليتها للاستهلاك السريع، اختارت الشارقة مسارًا مغايرًا: أن تكون مدينةً تُبنى بوصفها هوية ثقافية لا مجرّد وظيفة عمرانية. وهذا الاختيار، في ذاته، موقف فكري وسياسي قبل أن يكون إنجازًا إداريًا.
في علم الاجتماع الحضري، يميّز هنري لوفيفر بين المدينة كحيّز مادي والمدينة كـ«إنتاج اجتماعي للمعنى». المدينة، وفق هذا المنظور، ليست شوارع ومباني فقط، بل شبكة رمزية من القيم والسرديات والذاكرة المشتركة. وإذا أُسقط هذا المفهوم على الشارقة، يتّضح أنها لم تتعامل مع الثقافة كقطاعٍ إضافي، بل كـ مبدأ ناظم لكل ما يتصل بالعمران والتعليم والسياسة الثقافية.
فالمدينة الحديثة، كما يبيّن ماكس فيبر في تحليله لتشكّل المدن، لا تقوم فقط على السوق أو السلطة، بل على العقلنة: أي تحويل المعرفة إلى قاعدة تنظيم للحياة العامة. وفي هذا المعنى، تبدو الشارقة مدينةً راهنت مبكرًا على المعرفة بوصفها مصدرًا للشرعية الناعمة، وعلى الثقافة بوصفها أداة استقرار طويل الأمد، لا زينة ظرفية.
الثقافة في الشارقة ليست احتفالًا موسميًا، بل ممارسة مؤسسية مستدامة. الكتاب، والمكتبة، والمسرح، والجامعة، والمتاحف، ليست عناصر متجاورة، بل حلقات في مشروع واحد. وهذا ما ينسجم مع ما يطرحه يورغن هابرماس حول «المجال العام»، حيث تصبح الثقافة شرطًا لإنتاج مواطن قادر على النقاش، لا مجرّد متلقٍّ للخطاب. في الشارقة، لا يُفترض بالمواطن أن يكون مستهلكًا للثقافة، بل شريكًا فيها.
ولا يمكن فهم هذا المشروع بمعزل عن شخصية الأمير وصاحب الرؤية، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. فالأمير هنا ليس راعيًا للثقافة بالمعنى البروتوكولي، بل فاعلًا معرفيًا بالمعنى العميق. رجلٌ ينتمي إلى تقليد نادر في العالم العربي: تقليد الحاكم–العالِم. مؤرّخ وباحث، اشتغل على الوثيقة والمخطوط والأرشيف، وكتب في تاريخ الخليج والمنطقة من داخل منهج علمي صارم، لا من موقع الخطاب الرسمي.
في فكر أنطونيو غرامشي، يُوصَف «المثقف العضوي» بأنه ذاك الذي لا يكتفي بإنتاج الأفكار، بل يربطها بالبنية الاجتماعية والسياسية. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الشارقة بوصفها ثمرة علاقة عضوية بين المعرفة والسلطة، حيث لم تُستخدم الثقافة لتبرير الحكم، بل جرى تسخير الحكم لحماية الثقافة. وهذا فارق جوهري.
إن منجزات الأمير العلمية ليست تفصيلًا في سيرته، بل مفتاح فهم المشروع كله. فالرؤية التي تحترم الوثيقة والأرشيف، تحترم الإنسان والزمن. والمدينة التي يقودها مؤرخ تعرف أن الذاكرة ليست عبئًا، بل شرطًا للهوية والسيادة الثقافية. ولهذا، لم تقع الشارقة في فخ القطيعة مع الماضي، ولا في أسر النوستالجيا، بل سعت إلى ما يسميه بول ريكور «الذاكرة النقدية»: ذاكرة تُراجع ذاتها وتدخل في حوار دائم مع الحاضر.
ومن منظور علم السياسة الثقافية، تُعدّ الشارقة نموذجًا لما يُعرف بـ«القوة الناعمة المعرفية». فهي لا تنافس المدن الأخرى بالصخب أو الاستعراض، بل بالاستمرارية والتراكم. وكما يبيّن بيير بورديو، فإن الرأسمال الثقافي هو الأبطأ في التشكّل، لكنه الأشدّ مقاومة للانهيار.
اللافت في التجربة الشارقية أنها لم تفصل بين الهوية والانفتاح. اللغة العربية في قلب المشروع، لا في هامشه، لكن من دون انغلاق؛ والحداثة حاضرة، لكن من دون تنكّر للجذور. وهذا التوازن الدقيق يجيب عمليًا عن سؤال عربي مزمن: هل يمكن للمدينة العربية أن تكون حديثة من دون أن تفقد لغتها؟ منفتحة من دون أن تذوب؟ غنية من دون أن تُفرغ الإنسان من المعنى؟
الشارقة تقدّم جوابًا هادئًا غير صاخب: نعم، إذا كانت الثقافة قرارًا لا شعارًا، وإذا كان العلم قاعدة الحكم لا ملحقًا به، وإذا كان الأمير شريكًا في المعرفة لا متفرّجًا عليها.
في زمن السرعة، اختارت الشارقة التراكم.
وفي زمن الضجيج، اختارت المعنى.
وفي زمن المدن المتشابهة، اختارت أن تكون مدينة تُعرَف، لا مدينة تُستهلك.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM