tiktok
Logo

إعادة بناء الدولة اللبنانية

الدولة التي تستعيد قدرتها على إدارة مواردها تستعيد قدرتها على إدارة مستقبلها.

2026-02-27

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

إعادة بناء الدولة اللبنانية
في أنطولوجيا القدرة المالية ومعنى الأجر العام بعد الانهيار

المؤلف: د. فريد جبور

التاريخ: 23 شباط 2026

المقدمة: في معنى الانهيار:

ليس الانهيار حدثًا ماليًا فحسب، بل لحظة انكشاف في كيان الدولة.
فحين تتراجع الإيرادات من أكثر من 20% من الناتج المحلي إلى نحو 6% (IMF 2023، 10) [2]، لا يتراجع رقم في الموازنة فقط، بل يتصدّع عقدٌ ضمني بين الدولة والمجتمع.
وحين تتآكل الأجور التي كانت تقارب 4–5 مليارات دولار سنويًا قبل الأزمة (Byblos Bank 2018، 3) [3]، لا ينخفض بند إنفاق، بل تهتزّ قدرة الدولة على الفعل.
الدولة ليست نصوصًا دستورية ولا هياكل إدارية جامدة، بل قدرة مؤسسية متحركة.
وإذا كان Douglass North قد عرّف المؤسسات بأنها القواعد التي تنظّم التفاعل الإنساني وتقلّص عدم اليقين (North 1990، 3–10) [1]، فإن انهيار لبنان كان لحظة تآكل لهذه القواعد.
ومن هنا ينهض سؤال هذا البحث:
هل يمكن إعادة بناء القدرة المؤسسية بحيث يصبح الأجر نتيجةً لهذه القدرة، لا عبئًا عليها؟
أولاً: الدولة من سلطة إلى قدرة
السلطة قد تُفرض بالقوة، أما القدرة فتُبنى بالمؤسسات.
الدولة التي تملك سلطة بلا قدرة تتحول إلى جهاز خطابي،
والدولة التي تملك قدرة بلا شرعية تتحول إلى جهاز قسري.
أما الدولة الحديثة فهي التوازن بين السلطة والقدرة والشرعية.
القدرة التحصيلية ليست مجرد جباية، بل فعل اعتراف متبادل.
حين يدفع المواطن الضريبة، يعترف بشرعية الدولة.
وحين تنفق الدولة بكفاءة، تعترف بكرامة المواطن.
تراجع الإيرادات إلى 6% من الناتج (IMF 2023، 10) [2] لم يكن مجرد عجز مالي، بل كان انهيارًا في هذا الاعتراف المتبادل.
ثانيًا: الأجر العام بين الحساب والوجود
يُختزل الأجر العام غالبًا إلى بند محاسبي.
غير أن الأجر هو الطاقة التي تتحول بها القاعدة القانونية إلى فعل إداري.
انهيار الأجور الحقيقية بعد 2019 أدّى إلى شلل إداري وهجرة كفاءات (Zoughaib وآخرون 2025، 3–5) [4].
وهذا ليس تفصيلًا اجتماعيًا، بل اختلالًا في بنية القدرة التنفيذية.
الدولة التي لا تستطيع تأمين أجر عادل تفقد قدرتها على فرض القانون.
وبذلك يتحول ضعف الأجر إلى ضعف في السيادة نفسها.
ثالثًا: الريع كتحوّل مرضي في بنية الدولة
يشير North إلى أن ضعف الحوافز المؤسسية يقود إلى أنماط سلوك ريعية (North 1990، 83–90) [1].
والريع ليس ثروة، بل انحراف في توجيه الموارد.
قطاع الكهرباء مثال واضح: دعم بلغ نحو 1.8 مليار دولار عام 2018 (World Bank 2019، 4) [7]، دون إصلاح بنيوي مستدام.
الدولة التي تتحمل نزفًا دائمًا تفقد قدرتها على تمويل أولوياتها.
رابعًا: القدرة كمعادلة تكاملية
حين تُستعاد القدرة التحصيلية في الضرائب،
وتُضبط الجمارك،
ويُخفض نزف الكهرباء،
وتُحكَم المؤسسات الإيرادية،
وتُدار الأصول بفعالية،
وتُصلَح المشتريات والوظيفة العامة،
فإن الموارد الممكن تحصيلها قد تتجاوز 6 مليارات دولار سنويًا.
الفجوة المطلوبة لإعادة الأجور تقارب 3 مليارات.
المعادلة الحسابية واضحة،
لكن المعادلة الوجودية أعمق:
إصلاح القدرة → استعادة الإيراد → تمويل الأجر → استعادة الفاعلية → تعزيز القدرة.
إنها دائرة فضلى، إذا بدأت، تتعزز ذاتيًا.

الخاتمة:

 في استعادة المعنى:

إعادة الأجور ليست عودة إلى الماضي، بل شرطًا لعبور جديد.
الدولة التي تستعيد قدرتها على إدارة مواردها تستعيد قدرتها على إدارة مستقبلها.
المسألة ليست تقنية مالية،
بل مشروع إعادة بناء الدولة اللبنانية بوصفها قدرة مالية وتنظيمية وأخلاقية.
فالانهيار لم يكن فقدانًا للمال،
بل فقدانًا للقدرة.
واستعادتها هي الطريق الوحيد إلى الاستقرار.

 المراجع:

[1] North, Douglass C. Institutions, Institutional Change and Economic Performance. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
[2] International Monetary Fund (IMF). Lebanon: 2023 Article IV Consultation. IMF Country Report No. 23/237. Washington, DC: International Monetary Fund, 2023.
[3] Byblos Bank. Lebanon This Week, Issue 563. Beirut: Byblos Bank Economic Research Department, 2018.
[4] Zoughaib, Sami, Sami Atallah, and Najib Zoghaib. Paying the Price: Lebanon’s Public Sector Wage Crisis and Institutional Collapse. Beirut: The Policy Initiative, 2025.
[5] Hebous, Shafik. Lebanon: Technical Assistance Report on Putting Tax Policy Back on Track. IMF Country Report No. 23/8. Washington, DC: International Monetary Fund, 2022.
[6] International Monetary Fund (IMF). Lebanon: Tax and Customs Administration—An Urgent Need for Reform. Washington, DC: International Monetary Fund, 2023.
[7] World Bank. Lebanon Electricity Transmission Project. Washington, DC: World Bank, 2019.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM