tiktok
Logo

هّمة الرجال تقلع الجبال

ومن طلب العلى سهر الليالي يغوص البحر من طلب اللالئ ويحظى بالسيادة والنوال ومن طلب العلى بغير كد أضاع العمر في طلب المحال

2026-03-12

البروفسور جهاد نعمان

هّمة الرجال تقلع الجبال

حدّد قدامى الفلاسفة الإنسان بكونه حيوانا ناطقا. على ان الحيوانية مزية مشتركة بينه وبين ذوات الأربع. وأما الصفة التي تميّزه من الخلائق الدنيا، وتدلّ على حدّه ومقامه وسلطانه على الطبيعة جمعاء، فهي خاصة النطق. والإنسان عويلم يحوي في بدنه جميع كمالات الطبقات السفلى والعليا من المبروءات. الإنسان حيّ مركب من مادة وروح. فهو الأخير في فريق العاقلات، وهو الأول في صنف المجسّمات. الإنسان متصف بخاصة الحرية التي تجعل في وسعه ان يقبض، بتوقد ذهنه، على ناصية الحق قبضا؛ ويعشق، بإرادته، الجمال عشقا؛ ويهيم، بقلبه، نحو الخير الأعظم هياما. حدثوا ولا حرج عن الجسم وصفاته النفسجسدية. إلّا ان كل هذه البدائع والغرائب التي فيه لم تكن لترفعه إلى درجة أسمى جزء في الإنسان، إذ الإنسان إنسان بجزئه الأعلى، اعني به النفس العاقلة.

 

فضل هذه النفس وما ازدانت به من القوى، قد ظهر في كل عصر فريق من الانام فاقوا بقية الورى بما أبدوه من الذكاء العجيب والقريحة الوقّادة والإرادة المحكمة. فبزغوا في سماء جيلهم شموسا وأقمارا نيّرة، ما خلّد أسماءهم فعلا في صحف التاريخ دون سواهم، ورفع لهم أعلام الفخر والذكر الطيب على مرّ الزمان.

إلّا انه غير خافٍ على ذوي الحجى والنهى ان الكمالات النفسانية بمثابة الطود الشامخ الموطدة على قمته أركان صرح ممرّد، يحول دون البلوغ اليه، والولوج فيه غير النزر من العقبات الكأداء، يتحتم على المعتزم تذليلها أن يكون من أهل الهمم الشماء والعزائم القوية، واضعا نصب عينيه قول الشاعر:

بقدر الكدّ تكتسب المعالي

ومن طلب العلى سهر الليالي

يغوص البحر من طلب اللالئ

ويحظى بالسيادة والنوال

ومن طلب العلى بغير كد

أضاع العمر في طلب المحال

فالهمّة العالية وليدة الصريمة الماضية هي الأساس لبنيان الإنسان الأدبي وتقدمه الاجتماعي، طبقا للمثل السائر «همّة الرجال تقلع الجبال». فهذه الهمة القعساء هي التي تجابه العراقيل والعقبات المثبطة القائمة في وجه الرجال المتوخين المثليات. وهذه المثبطات ثلاثة: العوارض الطبيعية، والمؤثرات البشرية، والأهواء النفسانية.

فعلى من عزم النزول إلى ميدان الوغى، ونوى مصارعة الدهر أن يهتك الستار عن خفايا هذه العقبات، فيتمكن من استطلاع طلعها، فيتذرع بالوسائل الملائمة لرفعها، بل لقلعها. وعندها ينفسح له المجال للسير في سبيل الحياة، فيفوز بالمرام، ويصبح من خيرة الانام.

وهل أجدر من الملوك الفلاسفة أو الفلاسفة الملوك، كما قال أفلاطون منذ غابر الأزمنة، للاضطلاع بهذا الدور المشار إليه في المستويين الفردي والجماعي؟

 

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه

 

ومن طلب العلى سهر الليالي

يغوص البحر من طلب اللالئ

ويحظى بالسيادة والنوال

ومن طلب العلى بغير كد

أضاع العمر في طلب المحال

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM