الأم في الديانات والحضارات: قراءة تكاؤنية في أصل الوجود ومعناه
الأم هي الأصل، وهي الحاضنة، وهي الضمانة الأولى للاستمرار
2026-03-24
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الأم في الديانات والحضارات: قراءة تكاؤنية في أصل الوجود ومعناه
المؤلف: د. فريد جبور
التاريخ: 21 آذار 2026
مقدمة تأسيسية
**«المقال، على غناه الأنثروبولوجي واتّساع مراجعه، لا يعكس فهمًا دقيقًا لمفهوم “التكاؤن”، إذ ينقل هذا المفهوم من كونه مبدأً فلسفيًا علائقيًا يقوم على ضرورةٍ كيانيةٍ متبادلة بين الأنا والآخر والآخر المطلق، إلى تصوّرٍ أحاديّ يجعل من “الأم” أصلًا للوجود ومركزًا له.
وبذلك، يُستبدل منطق العلاقة بمنطق الأصل، وتُختزل الضرورة المتبادلة في بنية احتواء، حيث يتحوّل التكامل إلى تبعية، والتبادلية إلى اتجاه واحد، و‹النحن›—بوصفها كينونة علائقية ناشئة—إلى مجرّد امتدادٍ لكيانٍ سابق.
كما أنّ المقال يخلط بين المستويين الرمزي والمفهومي، فينطلق من صورٍ أنثروبولوجية (الأم، الأرض، الإلهة…) ليُسقِط عليها طابعًا فلسفيًا تأسيسيًا، دون المرور بعملية بناءٍ مفهومي دقيق، ما يجعل القراءة أقرب إلى تأويلٍ رمزيّ منها إلى تأسيسٍ فلسفي.
وعليه، فإن هذا الطرح، رغم قيمته الوصفية، يبتعد عن البنية العميقة لمفهوم “التكاؤن”، التي لا تُختزل في أصلٍ ولا تُفسَّر من خلال استعارة، بل تتحقّق حصراً في دينامية علاقة تُنشئ الكينونة في ‹نحن›، ضمن أفقٍ يتكامل فيه الأنا والآخر والآخر المطلق في إطار الخير العام وكرامة الإنسان.»**
غير أن هذه الصورة الأولية لم تبقَ في حدود التجربة الحسية، بل تحولت عبر الزمن إلى بنية رمزية كونية، حيث تم إسقاط مفهوم الأمومة على الطبيعة، وعلى الأرض، وعلى الإله، وعلى الوجود نفسه. وهنا تتداخل الأنثروبولوجيا مع اللاهوت، والفلسفة مع الأسطورة، لتنتج مفهوماً تكاؤنياً يرى في الأم ليس فقط مصدر الحياة، بل شرط إمكانها واستمرارها.
إن هذا البحث يسعى إلى قراءة مفهوم الأم عبر الديانات والحضارات، من الأسطورة إلى الفلسفة، ومن اللاهوت إلى علم النفس، ضمن مقاربة تكاؤنية ترى أن الأم ليست مرحلة في الوجود، بل هي بنيته العميقة، وأن كل تصور للكون هو، بشكل أو بآخر، إعادة إنتاج رمزية لفكرة الأم الأولى.
أولاً: الأم في الحضارات القديمة – من الأرض إلى الإلهة الأم
في الحضارات الأولى، لم يكن هناك فصل بين الطبيعة والألوهية، ولذلك كانت الأرض تُرى بوصفها "الأم الكبرى" التي تلد كل شيء. في حضارات بلاد الرافدين، تجسدت الأم في الإلهة "تيامات" التي تمثل المياه الأولى، أي الفوضى الخصبة التي انبثق منها الكون (1). وفي الحضارة المصرية، ظهرت الإلهة "إيزيس" كأم كونية تجمع بين الخلق والحماية والبعث (2).
أما في الحضارة اليونانية، فقد تجسدت الأم في "غايا" (الأرض)، التي هي أصل كل الآلهة، ومنها نشأت السماء والجبال والبحار (3). ولم يكن هذا التصور مجرد أسطورة، بل كان يعكس فهماً عميقاً للوجود بوصفه انبثاقاً من رحم كوني.
في هذه المرحلة، كانت الأم ليست فقط مصدراً للحياة، بل هي الوجود نفسه. فهي ليست داخل الكون، بل الكون داخلها. وهذا ما يمكن تسميته بالمرحلة "الأمومية الكونية"، حيث لا يوجد بعدُ فصل بين الخالق والمخلوق، ولا بين الأصل والفرع.
ثانياً: التحول اللاهوتي – من الأم الكونية إلى الإله الأب
مع تطور الديانات التوحيدية، حدث تحول جذري في صورة الأصل. فقد انتقل مركز الخلق من الأم إلى الإله الأب، كما يظهر في اليهودية والمسيحية والإسلام. فالله في هذه الديانات هو الخالق المتعالي، وليس الطبيعة أو الأرض (4).
غير أن هذا التحول لم يُلغِ مفهوم الأم، بل أعاد صياغته. ففي المسيحية، تحتل السيدة مريم مكانة مركزية بوصفها "أم الإله"، أي الوسيط بين الإله والإنسان (5). وفي الإسلام، تُمنح الأم مكانة أخلاقية وروحية عالية، حيث ورد في الحديث النبوي: "الجنة تحت أقدام الأمهات" (6).
أما في اليهودية، فالأم هي التي تنقل الهوية الدينية، مما يجعلها حارسة الاستمرارية (7).
هنا، تتحول الأم من أصل كوني إلى أصل إنساني وأخلاقي. لم تعد هي التي تخلق الكون، لكنها أصبحت شرط استمرار الإنسان داخل هذا الكون. وهذا يعكس انتقالاً من "الأم الكونية" إلى "الأم الرمزية".
ثالثاً: الأم في الفلسفة – من المادة الأولى إلى الرحم الوجودي
في الفلسفة اليونانية، يظهر مفهوم الأم في صورة "المادة الأولى". فـأفلاطون يتحدث عن "الخورا" (المستودع)، وهو المكان الذي تستقبل فيه الصور لتتحول إلى موجودات (8). وهذا المفهوم قريب جداً من فكرة الرحم.
أما أرسطو، فيميز بين المادة (الأم) والصورة (الأب)، حيث تمثل المادة الإمكانية، بينما تمثل الصورة الفعل (9).
في الفلسفة الحديثة، تعود فكرة الأم بشكل مختلف. فـسبينوزا يرى أن الطبيعة هي الجوهر الواحد الذي ينتج كل شيء، وهي أقرب إلى فكرة الأم الكونية (10). بينما يرى هايدغر أن الوجود نفسه هو انكشاف، وأن الإنسان "مُلقى" في العالم، وكأنه يولد باستمرار (11).
أما في الفلسفات المعاصرة، خاصة عند باشلار، فإن الأم تظهر كرمز للحميمية والأصل، حيث يشكل "البيت" امتداداً لرحم الأم (12).
رابعاً: الأم في علم النفس والأنثروبولوجيا – الأصل النفسي للوجود
يقدم علم النفس تحليلاً عميقاً لمفهوم الأم. ففرويد يرى أن العلاقة بالأم هي أول علاقة في حياة الإنسان، وأنها تؤسس لكل العلاقات اللاحقة (13). أما يونغ، فيتحدث عن "الأم الكبرى" كأحد النماذج الأصلية (Archetypes) في اللاوعي الجمعي (14).
وفي الأنثروبولوجيا، يرى ليفي-ستروس أن البنية العائلية، وخاصة علاقة الأم بالطفل، هي أساس التنظيم الاجتماعي (15).
أما في الفلسفة التكاؤنية، فإن الأم ليست فقط بداية نفسية، بل هي البنية التي يتشكل من خلالها الوعي نفسه. فالإنسان لا يولد فقط من الأم، بل يولد فيها، أي داخل شبكة من المعاني التي تمنحه وجوده.
خامساً: القراءة التكاؤنية – الأم كبنية للوجود لا كمرحلة فيه
إذا جمعنا هذه المعطيات، يمكن القول إن الأم ليست مجرد عنصر في الوجود، بل هي بنيته العميقة. فكل تصور للخلق، سواء كان دينياً أو فلسفياً، يعيد إنتاج فكرة الرحم الأول.
في الرؤية التكاؤنية، الوجود ليس معطى ثابتاً، بل هو عملية تشكل مستمرة. والأم هي النموذج الأول لهذه العملية: الاحتواء، التكوين، ثم الإخراج إلى الوجود.
وبالتالي، فإن كل نظام معرفي يحمل في داخله صورة للأم:
في الأسطورة: الأم هي الكون.
في الدين: الأم هي الوسيط الأخلاقي.
في الفلسفة: الأم هي المادة أو الإمكانية.
في علم النفس: الأم هي الأصل النفسي.
وهذا يعني أن الأم ليست فقط بداية الحياة، بل هي منطق الوجود نفسه.
خاتمة تركيبية
إن الأم، عبر الديانات والحضارات والفلسفات، لم تكن مجرد موضوع للتقديس أو الاحترام، بل كانت المفهوم الذي من خلاله فهم الإنسان ذاته والكون. ومع تطور الفكر، تغيرت صورتها، لكنها لم تختفِ، بل بقيت كامنة في بنية الوعي.
وفي القراءة التكاؤنية، يمكن القول إن الوجود نفسه هو فعل أمومة مستمر: احتواء، تكوين، ثم ولادة. والإنسان، في بحثه عن الأصل، لا يفعل سوى العودة إلى هذا النموذج الأول.
فالأم ليست فقط من تمنح الحياة، بل هي من يمنح الحياة معناها.
المراجع:
[1] Kramer, Samuel Noah. History Begins at Sumer. University of Pennsylvania Press, 1981.
[2] Assmann, Jan. Death and Salvation in Ancient Egypt. Cornell University Press, 2005.
[3] Hesiod. Theogony. Oxford University Press, 1988.
[4] Armstrong, Karen. A History of God. Ballantine Books, 1993.
[5] Pelikan, Jaroslav. Mary Through the Centuries. Yale University Press, 1996.
[6] صحيح النسائي، كتاب الجهاد.
[7] Neusner, Jacob. Judaism and Christianity in the Age of Constantine. University of Chicago Press, 1987.
[8] Plato. Timaeus. Hackett, 2000.
[9] Aristotle. Metaphysics. Oxford University Press.
[10] Spinoza, Baruch. Ethics. Penguin Classics.
[11] Heidegger, Martin. Being and Time. Harper & Row, 1962.
[12] Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Beacon Press, 1994.
[13] Freud, Sigmund. Introductory Lectures on Psychoanalysis.
[14] Jung, Carl. The Archetypes and the Collective Unconscious. Princeton University Press.
[15] Lévi-Strauss, Claude. The Elementary Structures of Kinship. Beacon Press.
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
حكاية وطنٍ
الدكتور هشام الأعور
الأم في الديانات والحضارات: قراءة تكاؤنية في أصل الوجود ومعناه
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
إهداء إلى العلامة إميل يعقوب بمناسبة تكريمه من الحركة الثقافية أنطلياس
الأب ميخائيل روحانا الأنطوني
هّمة الرجال تقلع الجبال
البروفسور جهاد نعمان
أنطولوجيا الأمومة والتكاؤن الإنساني
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
إعادة بناء الدولة اللبنانية
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لبنان بين أسر الماضي وتحوّلات الحاضر: نحو مشروع وطني إصلاحي جامع
الدكتور هشام الأعور
حضرة أصحاب السماحة والمعالي والسعادة، السادة منظّمي لقاء «الأخوّة الإنسانية كأساس لمستقبل مشترك»،
المكتب الإعلامي لجمعية التكاؤن
الحكم في لبنان وإشكالية إعادة بناء الدولة:
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM