Synesseration
قراءة في الطرح السياسي والقانوني للبروفيسور رزق زغيب حول كيان "لبنان الكبير"
2026-10-10
بروفسور رزق زغيب
بين المشروعية التاريخية والهندسة الدستورية: قراءة في الطرح السياسي والقانوني للبروفيسور رزق زغيب حول كيان "لبنان الكبير"
د. هشام الأعور
تأتي مداخلة البروفيسور رزق زغيب، عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة الكسليك، لتطرح محاكمة فكرية ودستورية صريحة للتاريخ السياسي اللبناني وللطروحات المتصارعة اليوم حول مستقبل النظام. لا يقدم زغيب في طروحاته مجرد قراءة تاريخية توثيقية، بل يصيغ موقفاً فكرياً ومؤصّلاً دستورياً يربط بين نُشأة الدولة عام 1920 ومآلاتها الراهنة، مبرزاً خطأ السرديات الشائعة التي تصف "لبنان الكبير" بأنه كيان اصطناعي أو نتاج إملاءات استعمارية محض.
تفكيك سردية النشأة: العقد التأسيسي مقابل "الأسطورة الاستعمارية"
ينطلق زغيب من تفكيك النظرة الاختزالية لنشأة كيان لبنان الكبير، مؤكداً أن حدود عام 1920 لم تكن صنيعة قرار قسري لاتفاقية "سايكس بيكو" أو إرادة فرنسية منفردة، بل جاءت تتويجاً لمسار تاريخي متراكم.
يستند الطرح إلى ثوابت وثائقية تفند منطق الهيمنة، أبرزها عريضة البطريرك يوسف حبيش للسلطان العثماني عام 1840، والتي رسمت معالم الكيان اللبناني في جبل لبنان وسلسلة الجبال الشرقية قبل عقود من الانتداب. والأهم من ذلك، يتجاوز زغيب فكرة "المشروع الطائفي الأحادي" ليبرز الشراكة الوطنية التأسيسية؛ مستشهداً بالتفويضات السياسية المتبادلة بين المكونات الوطنية (مثل تفويض كامل بك الأسعد للمطران عبد الله)، مما يمنح الفكرة التأسيسية للبنان الكبير طابع العقد الاجتماعي التوافقي المنبثق من تقاطع المصالح والرؤى الوطنية، وليس منطق الفرض بالقوة.
الهندسة الدستورية لعام 1926: استيعاب التنوع بعيداً عن هيمنة العدّ المالي أو الديموغرافي
في قراءته لدستور 1926 وتطور التجربة الوطنية، يرفض زغيب نزعة "جلد الذات" السياسية التي تحمّل الكيان الداخلي مسؤوليّة كل الأزمات المتعاقبة. ويرى أن النظام اللبناني نجح في بناء تجربة نموذجية للمناصفة والتوزيع المتوازن للسلطة، معطلاً المفعول الصدامي للعامل الديموغرافي.
الإنصاف لا الاستبداد: لم تكن المحاصصة أو توزيع المقاعد والمناصب الطائفية نتاج رغبة في ترسيخ مركزية استبدادية، بل كانت أداة طمأنة وتوازن لمنع استئثار أي مكون بالسلطة وتفادي الصراعات.
إسقاط النموذج السويسري: كشف زغيب أن واضعي دستور 1926 بحثوا بعمق خيار "الفدرالية السويسرية"، لكنهم أسقطوه لسبب بنيوي يتمثل في الانتشار والتداخل الجغرافي والديموغرافي بين الطوائف. فالطوائف اللبنانية ليست موزعة في مقاطعات مفرزة جغرافياً كالمقاطعات السويسرية، مما يجعل التكتلات العابرة للطوائف والائتلافات السياسية المتنوعة السبيل الوحيد لاستقرار الحكم.
دولة الحريات والطبقة الوسطى: انعكست هذه الهندسة في صيانة الحريات والتداول السلمي للسلطة والتنوع الاقتصادي، مما سمح بظهور طبقة وسطى عريضة تجاوزت 67% قبل حرب 1975، وهو ما يؤكد قدرة النظام على توليد الاستقرار والازدهار متى ما توفرت الإرادة السياسية وتوقفت التدخلات الخارجية.
مأزق الانسداد الراهن: الإصلاح الدستوري أم الفك والتركيب؟
يشخص زغيب حالة التعطل السياسي الشامل التي تحكم المشهد منذ عام 2005—والتي تجسدت في الشغور الرئاسي المتكرر والحكومات المستقيلة والشلل المؤسساتي—بأنها أزمة ممارسة وإدارة سياسية وليست بالضرورة خللاً في أصل الفكرة الكيانية.
وفي هذا السياق، يضع زغيب تمييزاً فكرياً ودستورياً حاسماً بين اتجاهين في التعاطي مع هذه الأزمة:
الطرح الفدرالي الجغرافي: يرى فيه طائفية محدثة تحمل خطورة إشعال صراعات جديدة وتعميق الفرز المذهبي، لكونه يتصادم مع التداخل الجغرافي الطبيعي بين المكونات اللبنانية ويهدد بفك المظلة الوطنية الجامعة.
الطرح الدستوري الإصلاحي: يقوم على المعالجة من داخل النظام نفسه عبر إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة المنبثقة من اتفاق الطائف، وتطوير قانون انتخاب وقانون أحزاب عصريين يعززان المواطنة والانتماء العابر للطوائف دون المسّ بحقوق الطوائف، فضلاً عن تفعيل سيادة دولة القانون ومؤسساتها.
ويرى زغيب أن العلاج يكمن في إطلاق ورشة تعديلية وتشريعية تسعى للتوفيق بين المشاركة والتوزيع الفعال للسلطة دون المساس بوحدة الدولة.
الحياد الإيجابي وإعادة بناء السيادة
تصل القراءة التحليلية للبروفيسور زغيب إلى صياغة المعادلة الضامنة لاستمرار لبنان: تنظيم التنوع الداخلي تحت مظلة دولة واحدة، ذات سيادة مطلقة وسياسة خارجية ودفاعية ومالية موحدة.
فالتنوع الثقافي والديني يعد مصدر غنى وحيوية للمجتمع اللبناني، شرط ألا يتحول إلى ذريعة لتفتيت الدولة أو مصادرة قرارها السيادي. ومن هذا المنطلق، يبرز "الحياد الإيجابي" ليس كخيار سياسي عابر أو هروب من المسؤوليات الإقليمية، بل كشرط وجودي ومبدأ دستوري ضامن لاستقرار لبنان وحمايته من التجاذبات الدولية والإقليمية التي طالما استنزفت مؤسساته وأنهكت مجتمعه.
إن الرؤية التي قدمها البروفيسور رزق زغيب تعيد وضع النقاش الوطني في نصابه القانوني والدستوري السليم: فالأزمة الحالية ليست أزمة حدود عام 1920 ولا صيغة التنوع، بل هي أزمة الاستهانة بالدستور وتغييب دولة القانون. والعبور نحو المستقبل لا يكون بالانقلاب على الفكرة التأسيسية للبنان الكبير، بل بتطوير ألياتها وحماية حيادها وتطوير إدارتها لتستجيب لتطلعات مواطنيها.
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
بين المشروعية التاريخية والهندسة الدستورية
بروفسور رزق زغيب
حول كتيّب "بين يَسوع وعِيسى : جسرٌ منيرٌ لا يمكن تجاهله"
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
ذكرى استشهاد الرئيس القائد بشير الجميّل
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
اليوم العالمي للسلام
خلود وتار قاسم
المكون اللبناني الشيعي
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
لا تصعد السمكة على الشجرة
رشيد درباس
Attaka’on Between Foundational Integrity and Instrumentalization
Rev. Michel Rouhana, PhD, Antonine Order
التكاؤُن بين التأسيس والاستعمال
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الخلق من الحب وليس من العدم: جسرٌ منيرٌ بين العِلم والدين
البروفسور جهاد نعمان
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM