المخلّص
(منذ الإنسان الأول حتى العصر الحاضر والإشكالية حول الإله)
2025-12-16
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
اقرأ في هذه الأيام عن ولادة المسيح المخلص وزينة العيد في الشوارع والساحات ومغارة العيد في المنازل
وكل الطوائف والشعوب تحدثك عن مخلص
هذا الأمر حدا الى كتابة البحث الموجز التالي
يوضح بحث الإنسان منذ البدء عن مخلص وحاجته اليه
المخلّص
(منذ الإنسان الأول حتى العصر الحاضر والإشكالية حول الإله)
بقلم : الدكتور فريد جبور
٢٠٢٥/١٢/٨
المقدمة :
فكرة المخلّص تعتبر واحدة من أكثر الرموز استمرارية في الوعي الإنساني، فهي تمثل بحث الإنسان الدائم عن المعنى والأمل والخلاص في مواجهة الموت والفوضى والمعاناة (Eliade, 1958). هذه الفكرة ليست مجرد تصور ديني أو أسطوري، بل هي انعكاس للحاجة الإنسانية الأساسية للتوازن النفسي والاجتماعي (Campbell, 1949).
تظهر أهمية هذه الدراسة في كونها تحلل العلاقة بين الإنسان والمقدس عبر مختلف العصور والثقافات، كما توضح كيف تطورت فكرة المخلّص لتتناسب مع تحولات الفكر البشري والفلسفي والاجتماعي (Durkheim, 1912). من خلال هذا البحث، يمكن فهم دور المخلّص في تشكيل الأخلاق، النظام الاجتماعي، والفكر الغيبي للبشر منذ بدايات التاريخ حتى العصر الرقمي الحديث (Freud, 1927).
تستهدف الدراسة تقديم فهم متكامل لكيفية تشكل فكرة المخلّص عند الإنسان عبر التاريخ، مع التركيز على الأبعاد النفسية والفلسفية والاجتماعية والدينية (Jung, 1964). كما تهدف إلى ربط المخلّص بفكرة الإله والتعامل مع الإشكالية المتعلقة بإمكانية تخلي الإنسان عن الإله، وتوضيح تأثير ذلك على دور المخلّص في الحياة الإنسانية (Armstrong, 2009).
المخلّص
(منذ الإنسان الأول ---
الفصل الأول: المخلّص منذ الإنسان الأول حتى الحضارات القديمة
1.1 مقدمة الفصل
الإنسان البدائي واجه تحديات الطبيعة والمجتمع منذ نشأته، وهذا دفعه إلى ابتكار رموز وأساطير تمثل المخلّص، الذي يوفر الأمان ويعيد النظام الاجتماعي والنفسي (Malinowski, 1926). يظهر المخلّص في هذه المجتمعات كرمز للقوة والأمل، ويجسد الحاجة الإنسانية للتوجيه والحماية من قوى الطبيعة المجهولة (Lévi-Strauss, 1963). بالإضافة إلى ذلك، يمثل المخلّص وسيلة لشرح الظواهر الغامضة وتفسير المعاناة، وهو بذلك يرتبط مباشرة بتكوين الوعي الجمعي عند الإنسان الأول (Campbell, 1988).
1.2 الجذور الأنثروبولوجية
أظهرت الدراسات الأنثروبولوجية أن فكرة المخلّص مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باللاوعي الجمعي، حيث يسعى الإنسان إلى إيجاد حلول رمزية للأزمات الفردية والجماعية (Eliade, 1961). مالينوفسكي أشار إلى أن المخلّص يمثل الأمان النفسي في المجتمعات البدائية، فهو يعزز الثقة ويخفف القلق المتعلق بالموت والمرض والكوارث الطبيعية (Malinowski, 1926). كذلك، يرى ليفي شتراوس أن المخلّص يعكس البنية العقلية للإنسان، حيث يحاول ترتيب العالم بين الخير والشر وفهم الطبيعة المعقدة للأحداث (Lévi-Strauss, 1963). هذا التفسير يوضح أن المخلّص ليس مجرد شخصية أسطورية، بل هو وظيفة نفسية وفكرية ضرورية لبقاء الإنسان ومجتمعه (Campbell, 1949).
1.3 ظهور المخلّص في الحضارات الزراعية
1.3.1 بلاد الرافدين
في بلاد الرافدين، يظهر جلجامش كملك نصف إله يسعى للخلود والتغلب على الموت، وهو بذلك يعكس صراع الإنسان مع قوى الطبيعة والفناء (Jacobsen, 1976). يمثل جلجامش نموذج المخلّص البدائي الذي يجمع بين القوة الفردية والقدرة الخارقة، ويقدم درسًا عن حدود الإنسان ومسؤولياته تجاه المجتمع والطبيعة (Kramer, 1961).
1.3.2 مصر القديمة
في مصر القديمة، نجد أن الآلهة مثل رع وأوزوريس كانت تعتبر مخلّصين، مسؤولين عن الحفاظ على النظام الكوني والنظام الاجتماعي (Hornung, 1999). هذه الشخصيات ترتبط مباشرة بالفلسفة الدينية لمصر القديمة، حيث يمثل المخلّص ضمانًا لاستمرارية الحياة وتوازن القوى، ويعكس حاجة الإنسان إلى الشعور بالأمان أمام الموت والفوضى (Allen, 2000).
1.3.3 الهند
في الهند القديمة، يظهر المخلّص في شخصيات مثل كريشنا وفيشنو، الذين يظهرون لإعادة النظام والفضيلة (Doniger, 2009). هذه الشخصيات تمثل التوازن بين الخير والشر في العالم، وتوضح كيف تمثل فكرة المخلّص وسيلة لضبط السلوك الفردي والجماعي وتعزيز العدالة الأخلاقية (Flood, 1996).
1.3.4 الصين
في الصين، نجد أن شخصيات مثل كونفوشيوس ولاو تزو تجسد المخلّص الحكيم الذي يعيد التوازن الأخلاقي والاجتماعي (Chan, 1963). يمثل هؤلاء الحكماء نموذجًا للمخلّص الذي يعتمد على العقل والفلسفة أكثر من القوى الخارقة، ويعكس تطور الوعي الاجتماعي والفكري في الحضارات المتقدمة (Fung, 1952).
1.4 الوظائف الاجتماعية والنفسية للمخلّص
الوظيفة الشرح
دينية حماية الإنسان وربطه بالآلهة، وتقديم تفسيرات للظواهر الغيبية (Durkheim, 1915)
اجتماعية إعادة النظام وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال الرموز والأبطال (Geertz, 1973)
نفسية تخفيف القلق، توفير الأمل، وتأدية دور الأب المثالي في اللاوعي الجمعي (Maslow, 1943)
سياسية دعم شرعية السلطة، توجيه الجماعة نحو النظام، وضمان الانسجام الاجتماعي (Weber, 1922)
1.5 رمزية المخلّص والأسطورة
تتمثل رمزية المخلّص في الأبطال الخارقين مثل جلجامش وهيراكليس، وفي الحكماء والمصلحين مثل كونفوشيوس ولاو تزو (Lévi-Strauss, 1969). يمثل المخلّص الأمل الجماعي والنظام الأخلاقي، ويؤدي وظيفة مزدوجة: وظيفة اجتماعية للحفاظ على استقرار الجماعة، ووظيفة نفسية لتخفيف الخوف والقلق الفردي (Eliade, 1958).
1.6 خاتمة الفصل الأول
يتضح أن المخلّص في الحضارات القديمة يجمع بين الأمان النفسي، النظام الاجتماعي، والرمزية الدينية، ويعد جزءًا أساسيًا من الوعي الجمعي، إذ يعكس الحاجة الإنسانية إلى تفسير العالم والسيطرة على المخاطر البيئية والاجتماعية (Campbell, 1949).
الفصل الثاني: المخلّص في الديانات والفلسفات الكبرى
2.1 مقدمة الفصل
تتجسد فكرة المخلّص في الديانات والفلسفات الكبرى بوظائف متعددة تشمل البعد الديني والنفسي والاجتماعي والفلسفي (Armstrong, 1993). يظهر المخلّص كرمز للتوازن والعدالة، ومصدر للأمل والخلاص، وهو بذلك يشكل محورًا أساسيًا في الفكر الديني والفلسفي للإنسانية (Eliade, 1964).
2.2 المخلّص في اليهودية
في اليهودية، يعتبر المسيّا شخصية مخلّصة للشعب اليهودي، مرتبطة بإقامة العدل والتحرر من الظلم (Cohen, 1987). الوظائف الأساسية للمسيّا تشمل الجانب الديني كوسيط بين الله والبشر، والجانب الاجتماعي بتوحيد الشعب اليهودي والحفاظ على هويته، والجانب الفلسفي بحل النزاعات الأخلاقية والاجتماعية (Sanders, 1992). على الصعيد النفسي، يمثل المسيّا الأمل في الخلاص الجماعي من القهر والمعاناة، ويعد رمزًا للثبات والصبر أمام الأزمات (Neusner, 1995).
2.3 المخلّص في المسيحية
المسيحية تقدم نموذج يسوع المسيح كمخلّص شخصي وميتافيزيقي يجمع بين العدالة الإلهية والرحمة (Sanders, 1993). الوظائف تشمل الجانب الديني للخلاص من الخطايا والوساطة بين الإنسان والله، والجانب النفسي بتقديم نموذج التضحية والمحبة، والجانب الاجتماعي لتعزيز الهوية الجماعية وبناء الأخلاق العامة. فلسفيًا، يمثل يسوع التوازن بين الخير والشر ويعيد معنى المعاناة إلى سياق الخلاص النهائي (Crossan, 1991).
2.4 المخلّص في الإسلام
في الإسلام، يظهر المخلّص في صورة الأنبياء والمهدي، كمرشدين للبشر نحو الحق والخلاص من الضلال والشر (Esposito, 1998). تشمل وظائف المخلّص الإسلامية الجانب الاجتماعي بإعادة النظام والعدالة، والجانب النفسي بتوفير الطمأنينة والهوية الجماعية، والفلسفي بتحقيق النظام الإلهي والشرعية الإلهية (Nasr, 2002).
2.5 المخلّص في البوذية
في البوذية، يمثل بوذا المخلّص الداخلي الذي يحرر الإنسان من المعاناة من خلال التنوير (Rahula, 1974). تشمل وظائفه الدينية التحرر من العذاب النفسي والدنيا الزائلة، والفلسفية فهم طبيعة الواقع وتحرر الذات من الجهل والرغبات، والنفسية تحقيق السلام الداخلي والهدوء النفسي (Harvey, 1990).
2.6 المخلّص في الهندوسية
في الهندوسية، يظهر المخلّص في صورة أفاتارات فيشنو، التي تظهر لإعادة النظام والفضيلة (Zimmer, 1946). تشمل وظائفه الدينية حماية النظام الكوني، والاجتماعية إصلاح الفوضى والشر في المجتمع، والفلسفية تعزيز الانسجام بين الإنسان والطبيعة والكون (Klostermaier, 2007).
2.7 المخلّص في الفلسفات الصوفية والروحية
في الزردشتية والغنوصية، يظهر المخلّص ككائن روحي يحرر الإنسان من المادة والشر (Irenaeus, 180 AD; Pagels, 1979). تشمل وظائفه الدينية التحرر من القيود المادية، والنفسية تحقيق السلام الداخلي والتحرر الروحي، والفلسفية تحقيق الوحدة مع المطلق والمعرفة الغيبية.
2.8 خاتمة الفصل الثاني
يتضح أن المخلّص عبر الديانات والفلسفات الكبرى يجمع بين الأبعاد الدينية، الاجتماعية، النفسية والفلسفية، ويشكل عنصرًا محوريًا لفهم الإنسان في سياقه الديني والاجتماعي والفكري عبر التاريخ (Eliade, 1958).
---
الفصل الثالث: المخلّص في الفلسفة، العلوم الحديثة، والفكر المعاصر والإشكالية حول الإله
3.1 مقدمة الفصل
في العصر الحديث، تحوّل مفهوم المخلّص ليشمل أبعادًا فلسفية، نفسية، اجتماعية، ثقافية، وحتى تقنية، بعيدًا عن الطابع الديني التقليدي (Armstrong, 2009). أصبح المخلّص يمثل فكرة أو وظيفة في الفكر البشري، ترتبط بالقيم والأخلاق والتوجهات العقلانية للفرد والمجتمع.
ظهور إشكالية التخلي عن الإله كمسألة فلسفية محورية، إذ يطرح السؤال: هل يستطيع الإنسان الاستغناء عن الرموز الدينية والخلاص الغيبي؟ هذا الفصل يعالج المخلّص في الفكر المعاصر ويدمج التحليل النفسي والفلسفي والاجتماعي لهذه الإشكالية (Nietzsche, 1882; Sartre, 1943).
3.2 المخلّص في الفلسفة الحديثة
أفلاطون اعتبر الحاكم الفيلسوف نوعًا من المخلّص، الذي يمتلك القدرة على قيادة المجتمع نحو الفضيلة والعدالة (Plato, 380 BCE). هيغل عرض المخلّص كروح التاريخ، أي القوى الفكرية والتاريخية التي تقود البشرية نحو التقدم والتحرر (Hegel, 1807). نيتشه أعلن عن موت الإله، مؤكّدًا أن الإنسان هو المسؤول عن خلق قيمه وخلاصه الذاتي (Nietzsche, 1883). سارتر أكد على أن الإنسان يحقق الخلاص والقيم من خلال العمل الواعي والمسؤولية الذاتية (Sartre, 1943).
3.3 المخلّص في العلوم الحديثة
تطورت فكرة المخلّص لتشمل العلماء والمكتشفين والمصلحين الاجتماعيين، الذين يمثلون رموزًا لتحسين العالم وحل المشاكل الإنسانية (Bacon, 1620; Merton, 1938). علم النفس الإنساني يربط المخلّص الداخلي بالقدرة على تحقيق الذات والتوازن النفسي (Maslow, 1968).
3.4 الفكر المعاصر والإشكالية حول الإله
في الفكر المعاصر، يشكل التساؤل عن إمكانية الاستغناء عن الإله محور النقاش بين الفلاسفة والمفكرين (Camus, 1942; Beck, 1992). الغياب الديني لا يلغي الحاجة الإنسانية للمخلص، ولكنه يحوّلها إلى رموز علمية وفلسفية وثقافية، كالعدالة الاجتماعية، الحرية الفردية، أو التطور التقني (Touraine, 1971).
3.5 خاتمة الفصل الثالث
يتضح أن المخلّص في الفكر المعاصر يتجاوز الإطار الديني، ليصبح فكرة مرتبطة بالقيم والفلسفة الإنسانية، مع الحفاظ على الوظائف النفسية والاجتماعية والفكرية الأساسية، رغم الإشكالية المتعلقة بالإله (Freud, 1927; Nietzsche, 1883).
---
الخاتمة العامة
تؤكد الدراسة أن فكرة المخلّص تعتبر عنصرًا أساسيًا في الوعي الإنساني منذ الإنسان البدائي وحتى العصر الحديث. فهي تمثل أداة لفهم العالم، التخفيف من المعاناة، وإعادة تنظيم المجتمع. عبر العصور، تطورت هذه الفكرة من رموز أسطورية إلى شخصيات دينية وفلسفية، ثم إلى مفاهيم علمية وفكرية في العصر المعاصر.
الإشكالية المتعلقة بالإله أظهرت أن الإنسان يمكن أن يحاول إعادة تعريف دوره كمخلّص في غياب الإله، سواء من خلال العقل والفلسفة أو القيم الاجتماعية والأخلاقية، مما يوضح قدرة الفكر البشري على الابتكار وإيجاد حلول للمعاناة والمعضلات الأخلاقية.
---
لائحة المراجع :
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
لبنان في زمن عدم الاستقرار الدولي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية
الدكتور هشام الأعور
التكاؤُن التفاعلي: نحو فلسفة إنسانية للعلاقة والفعل المشترك
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
القواسم المشتركة بين اللبنانيين
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
: التكاؤُن: استعادة الإنسان والقيم في عالم ما بعد القيم
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لبنان والتكاؤُن الرقمي
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مشروع قانون التعافي المالي في لبنان:
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
اليوبيلَ ليس وقفةَ حنينٍ إلى ماضٍ اندثر
البروفسور الأب جورج جبيقه الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس
التكاؤن والدينامية التحريرية لتأسيس الـ«نحن» الوطنية الكيانية.
المكتب الإعلامي لجمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM