قراءة قانونية–اقتصادية في أخطر عملية نزع ملكية في تاريخ لبنان المعاصر
لا توجد فجوة مالية بل سرقة أموال المودعين
2025-12-17
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
لا توجد فجوة مالية بل سرقة أموال المودعين
بقلم: الدكتور فريد جبور
التاريخ: ٢٠٢٥/١٢/١٧
قراءة قانونية–اقتصادية في أخطر عملية نزع ملكية في تاريخ لبنان المعاصر
ليس توصيف ما جرى في لبنان بـ«الفجوة المالية» توصيفًا بريئًا ولا محايدًا، بل هو توصيف مضلِّل علميًا، ومُخفِّف للمسؤولية قانونيًا، ومُسقِط للحقوق اجتماعيًا. فالفجوة المالية، في معناها العلمي الدقيق، تفترض اختلالًا غير مقصود بين الالتزامات والأصول نتيجة صدمة خارجية أو خطأ تقديري، وتُعالَج عادة بإعادة هيكلة وتوزيع خسائر ضمن إطار قانوني واضح. أمّا ما جرى في لبنان، فلا يرقى إلى هذا الوصف، بل يندرج ضمن عملية منظّمة لنزع قيمة أموال المودعين وتحويلها إلى خسائر اجتماعية، من دون قانون، ومن دون مساواة، ومن دون مساءلة.
منذ بداية الانهيار، جرى تسويق رواية مفادها أن «الدولة والمصارف مفلسة»، وأن الودائع «تبخّرت» بفعل الأزمة، وكأن ما حصل قوة قاهرة لا فاعل لها. غير أن التحليل الاقتصادي والقانوني يُظهر عكس ذلك تمامًا: الأموال لم تختفِ فجأة، بل جرى استخدامها، تحويلها، تمييعها، ثم الامتناع عن ردّها. وهذا الفارق ليس لغويًا، بل هو الفارق الجوهري بين أزمة مالية تُدار بالقانون، وسرقة منظّمة تُدار بالأمر الواقع.
---
أولًا: لماذا لا ينطبق مفهوم «الفجوة المالية» على الحالة اللبنانية؟
في الأدبيات الاقتصادية، تُعرَّف الفجوة المالية بأنها الفرق بين الالتزامات الاسمية المثبتة في الميزانيات وبين الأصول القابلة للتحقق، عندما تتدهور هذه الأصول بفعل أزمة نظامية أو صدمة خارجية. في هذه الحالة، يُصار إلى الاعتراف بالخسائر، ثم توزيعها بقانون، وتحميلها بالتدرّج وفق ما يُعرف بشلال الخسائر (Loss Waterfall)، بدءًا بالمساهمين، فالدائنين، وصولًا—كملاذ أخير—إلى جزء من كبار الودائع غير المضمونة.
أما في لبنان، فإن هذا الإطار لا ينطبق للأسباب الآتية:
أولًا، الأموال استُخدمت ولم تتبخر.
ودائع اللبنانيين لم تختفِ في الفراغ، بل استُخدمت لتمويل الدولة، ولسداد فوائد مرتفعة، ولدعم سعر صرف ثابت سياسيًا، ولتغطية سياسات عامة. أي أن المال خرج من حسابات المودعين إلى استخدامات محددة ومعروفة، وهو ما ينفي توصيف ما جرى كـ«خسارة تقنية» أو «تبخّر».
ثانيًا، لم يحصل اعتراف قانوني بالخسائر.
لم يُقَرّ أي قانون يحدّد حجم الخسائر وكيفية توزيعها، ولم تُعتمد آلية شرعية لإعادة الهيكلة. بدل ذلك، جرى الامتناع المتعمّد عن التشريع، واستُبدل القانون بسلسلة قيود مصرفية، وتعدّد أسعار صرف، وتضخم مفرط، أي بأدوات غير تشريعية أدّت وظيفة الاقتطاع من دون أي ضمانات قانونية.
ثالثًا، الخسارة لم تُوزّع بعدالة بل فُرضت بالقوة.
في الفجوة المالية، تُوزّع الخسائر وفق قواعد معلنة ومتساوية. في لبنان، فُرضت الخسارة على فئة واحدة هي المودعون، وبصورة غير متساوية، حيث خرجت أموال نافذة وبقيت أموال محاصَرة، ما حوّل الانهيار إلى نظام تمييزي لنقل الثروة.
وعليه، فإن استعمال مصطلح «الفجوة المالية» لا يصف الواقع، بل يُخفيه.
---
ثانيًا: متى تتحول «الأزمة» إلى سرقة في القانون؟
في القانون، لا تُعرّف السرقة فقط بأخذ المال خلسة، بل تشمل أيضًا الامتناع غير المشروع عن ردّ المال المستحق، أو تغيير طبيعته أو قيمته قسرًا. والعقد المصرفي، في جوهره، عقد وديعة يفرض على المصرف ردّ المال عند الطلب، لا «عندما تسمح الظروف».
ما حصل في لبنان يحقّق عناصر السرقة المدنية والاقتصادية للأسباب التالية:
الامتناع الممنهج عن ردّ الودائع، حيث تحوّلت القيود من إجراء استثنائي إلى قاعدة دائمة من دون أي قانون.
الاقتطاع المقنّع عبر التسعير، إذ إن دفع الوديعة على سعر صرف أدنى بكثير من قيمتها الفعلية هو اقتطاع حقيقي غير معلن.
استبدال الوديعة بأداة أدنى قيمة، عبر تحويل الدولار إلى «لولار» أو شيكات أو تحويلات داخلية منخفضة السيولة.
التمييز بين المودعين، حيث أُتيح الخروج لبعض الفئات ومُنع عن أخرى، ما يحوّل الانهيار إلى توزيع غير مشروع للثروة.
في الفقه الدستوري، يُعدّ هذا المسار نزع ملكية غير مباشر، لأنه يُفرغ الحق من مضمونه دون قانون ودون تعويض، في خرق واضح لمبدأ حماية الملكية والمساواة أمام الأعباء العامة.
---
ثالثًا: التضخم وتعدد أسعار الصرف كأدوات سرقة غير مباشرة
أخطر ما في التجربة اللبنانية ليس فقط المنع المباشر، بل النهب غير المباشر عبر السياسة النقدية. فالتضخم، بحسب الأدبيات الاقتصادية، يُعدّ ضريبة غير معلنة على المدخرات. وعندما يبلغ التضخم مستويات قياسية، فإن ذلك يعني أن الدولة والنظام النقدي استوفيا جزءًا كبيرًا من الودائع بالقوة.
أما تعدد أسعار الصرف، فقد خلق ريوعًا تنظيمية: من يملك الوصول إلى سعر أفضل يربح، ومن يُحاصر بسعر أدنى يخسر. وهذا ليس خللًا تقنيًا، بل نقل ثروة من فئة إلى أخرى عبر أدوات السلطة النقدية.
بهذا المعنى، لم يكن التضخم وانهيار العملة نتائج جانبية للأزمة، بل كانا قناتين أساسيتين للنهب.
---
رابعًا: لماذا الإصرار على مصطلح «الفجوة المالية»؟
الإصرار على هذا المصطلح يؤدي ثلاث وظائف خطيرة:
1. إسقاط المسؤولية، لأن الفجوة توحي بخلل تقني لا بقرار أو تقاعس.
2. تشريع النهب بأثر رجعي، عبر القول إن «المال غير موجود».
3. إفراغ الحق من بعده القضائي، لأن الفجوة تُدار بخطط، أما السرقة فتُحاسَب.
لهذا، فإن معركة التوصيف ليست لغوية، بل سياسية وقانونية وأخلاقية.
---
خامسًا: الخلاصة – استعادة الحقيقة شرط استعادة المال
ما جرى في لبنان ليس فجوة مالية، بل سرقة منظّمة لأموال المودعين عبر أدوات الدولة والنظام المصرفي والنقدي. والاعتراف بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لأي تعافٍ حقيقي. فلا يمكن استرداد المال إذا أصرّ الخطاب الرسمي على إنكار الجريمة، ولا يمكن بناء ثقة إذا طُلب من الضحية أن تقبل الخسارة بوصفها «حتمية تقنية».
إن إعادة توصيف ما جرى هو عمل سيادي بامتياز:
إما دولة تعترف بأن ما حصل سرقة وتتحمّل مسؤولية تصحيحها،
وإما دولة تُشرعن النهب وتحوّله إلى قاعدة.
ولا تعافٍ ممكنًا بين هذين الخيارين
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.