tiktok
Logo

الأسس الدستورية والمؤسساتية لخطة الإنقاذ

يشكّل تحليل خطط الحكومات اللبنانية المتعاقبة مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة الأزمة البنيوية

2025-12-17

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

كثرت الأحاديث عن خطط وضعتها
وتضعها الحكومات المتتالية للخروج من الازمة ووضع الدولة على سكة الحل واستعادتها من الانهيار
ولكن 
الدراسة الموضوعية للحالة الميؤوس منها تبيّن انّ ما تفعله الحكومات ومن خلفها من الطغمة
الفاسدة تزيد الانهيار وتفكك  الدولة
وتضرب المجتمع بفئاته المتوسطة والفقيرة كما تزيده نهباً وفساداً وتجعل الفساد والنهب بنيوياً  وتشرّعه
هذا ما دفعني الى كتابة البحث الموجز التالي:
: خطط الحكومات اللبنانية المتعاقبة

(من الفساد البنيوي إلى شطب الحقوق وغياب الدول

مع خطة إنقاذ مؤسساتية وتنفيذية شاملة)

---

إعداد:
د. فريد جبور
استاذ جامعي
بروفسور في القانون العام

التاريخ:
17 كانون الأوّل 2025

تمهيد:

يشكّل تحليل خطط الحكومات اللبنانية المتعاقبة مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة الأزمة البنيوية التي أصابت الدولة اللبنانية في وظائفها الجوهرية، وأدّت إلى انهيار منظومتها القانونية والاقتصادية والاجتماعية. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، لم تُبنَ السياسات العامة في لبنان على أسس دولة القانون والمؤسسات، بل صيغت في إطار توازنات سياسية وطائفية واقتصادية، جعلت من الدولة ساحة لتقاسم النفوذ والمغانم أكثر منها أداة لتحقيق المصلحة العامة، وهو ما يتعارض جوهريًا مع المفهوم الحديث للدولة القانونية التي تخضع فيها السلطة للقانون لا العكس (1)(2).

وقد انعكس هذا الواقع مباشرة على مضمون الخطط الحكومية، التي افتقرت إلى الرؤية الاستراتيجية والانسجام الداخلي، وغابت عنها المقاربة القانونية الشاملة، فتحوّلت تدريجيًا من سياسات إصلاحية مفترضة إلى آليات لإدارة الأزمات وإعادة إنتاجها. فبدل أن تشكّل الخطط الحكومية أدوات تنظيم عقلاني للموارد والحقوق، أضحت في كثير من الأحيان وسائل لتدوير الخسائر، وتأجيل الانهيار، وحماية شبكات المصالح السياسية–الاقتصادية (4)(5).

إنّ المقاربة التقليدية التي تعزو فشل هذه الخطط إلى ضعف الإمكانات أو إلى الظروف الإقليمية والدولية تبدو قاصرة عن تفسير عمق الانهيار. فالأزمة اللبنانية، كما يفترض هذا البحث، ليست نتيجة عجز الدولة بقدر ما هي نتيجة نمط محدّد من ممارسة السلطة، حيث جرى توظيف القانون والسياسات العامة لخدمة مصالح نخب سياسية–اقتصادية، على حساب المبادئ الدستورية الأساسية، وفي مقدّمها مبدأ المشروعية والمساواة أمام القانون (1)(4).

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الفساد بوصفه ظاهرة طارئة أو انحرافًا أخلاقيًا فرديًا، بل كعنصر بنيوي في آلية الحكم. فالفساد، عندما يصبح متجذّرًا في التشريع والإدارة والمالية العامة، يتحوّل إلى نظام حكم بديل يعيد تشكيل علاقة الدولة بالمواطن على أسس زبائنية لا حقوقية، وهو ما تؤكّده أدبيات الاقتصاد السياسي والمؤسسات (4)(5).

وقد تجلّى هذا المسار بوضوح في الخطط الاقتصادية والمالية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة، ولا سيما في مرحلة الانهيار المالي، حيث أظهرت هذه الخطط توجّهًا منهجيًا نحو تحميل الخسائر للفئات الأضعف من المجتمع، سواء عبر تآكل الأجور، أو شطب الودائع، أو تقليص الخدمات العامة، في مخالفة صريحة لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة ولمبدأ حماية الحقوق المكتسبة (3)(6).

ولا يمكن توصيف هذه السياسات على أنها إجراءات تقشفية عابرة فرضتها الضرورة، بل يجب قراءتها بوصفها اختيارات سياسية–قانونية واعية، عكست أولوية حماية المنظومة الحاكمة على حساب الحقوق الدستورية للمواطنين. فوفق نظريات العدالة التوزيعية، لا تكتسب السياسات العامة مشروعيتها إلا إذا احترمت وضع الفئات الأضعف ولم تجعلها تتحمّل العبء الأكبر من الأزمات (6).

إنّ تراجع الدولة عن دورها الاجتماعي، وتفكك منظومة الحماية القانونية، أدّيا إلى انهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات، ما يعكس في جوهره تفكك العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. فالدولة، وفق التصوّرات الكلاسيكية والمعاصرة للعقد الاجتماعي، تستمد شرعيتها من قدرتها على حماية الحقوق الأساسية وضمان حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية، لا من مجرّد احتكارها للقوة أو للقرار السياسي (7)(8).

وانطلاقًا من هذه المقاربة، يصبح من المتعذّر فهم خطط الحكومات اللبنانية أو تقييمها بمعزل عن البنية السياسية والمؤسساتية التي أنتجتها. فالقانون، في التجربة اللبنانية، لم يؤدِّ دور الإطار الناظم للسلطة، بل جرى في كثير من الأحيان تكييفه أو تعطيله أو الالتفاف عليه لتأمين استمرارية منظومة الحكم القائمة. ومن هنا، لا يسعى هذا البحث إلى توصيف الأزمة فحسب، بل إلى تفكيك آليات إنتاجها، تمهيدًا للانتقال إلى تحليل السياسات العامة بوصفها مرآة للفساد البنيوي في المحور الأوّل (1)(4).

المحور الأوّ

تحوّل السياسات العامة في لبنان من أدوات حكم رشيد إلى آليات لإعادة إنتاج السلطة

يهدف هذا المحور إلى تحليل التحوّل الجذري الذي أصاب وظيفة السياسات العامة في لبنان، حيث انتقلت من كونها أدوات لتحقيق الصالح العام وتنفيذ الخيارات الدستورية، إلى آليات لإدارة التوازنات السياسية وإعادة إنتاج منظومة الحكم. وينطلق التحليل من مقاربة قانونية–مؤسساتية، مدعومة بنظريات علم السياسة والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع، لفهم كيف ولماذا فقدت السياسات العامة بعدها الإصلاحي (1)(12).

أولًا: الفساد البنيوي وإفراغ السياسات العامة من مضمونها القانوني

يُظهر تحليل السياسات العامة في لبنان أن الفساد لم يكن ظاهرة طارئة أو خللًا إداريًا محدودًا، بل أصبح الإطار الحاكم لصنع القرار العام. فبدل أن تُصاغ السياسات ضمن منطق المصلحة العامة والمشروعية الدستورية، جرى إخضاعها لمنطق المحاصصة وتقاسم الموارد، ما أدّى إلى إفراغها من مضمونها القانوني (4)(5).

ومن منظور الفقه الدستوري، تفترض السياسات العامة خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية، أي التزامها بالقانون من حيث الاختصاص والغاية والوسيلة. غير أن التجربة اللبنانية أظهرت انحرافًا منهجيًا عن هذا المبدأ، حيث استُخدمت التشريعات الفضفاضة والصلاحيات الاستنسابية لتبرير قرارات تخدم مصالح خاصة، لا الصالح العام (1)(22).

ويتجلّى هذا الانحراف في إدارة المالية العامة، حيث تحوّل الإنفاق العام إلى أداة زبائنية لإعادة توزيع الموارد على أساس الولاء السياسي، لا على أساس العدالة أو الحاجة الاجتماعية. وقد أدّى ذلك إلى تراكم الدين العام واستنزاف الخزينة، في نموذج ريعي هشّ يفتقر إلى أي قاعدة إنتاجية مستدامة (5)(17).

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن تعطيل آليات المحاسبة، ولا سيما القضاء وأجهزة الرقابة. فغياب المساءلة لم يكن نتيجة ضعف تقني، بل خيارًا سياسيًا مقصودًا، جعل الإفلات من العقاب شرطًا لاستمرارية النظام. وبهذا المعنى، يصبح الفساد البنيوي نتيجة مباشرة لتعطيل دولة القانون لا سببًا خارجيًا لها (1)(4).

---

ثانيًا: تطبيع الفساد وأزمة الديمقراطية

لا يكتمل تحليل الفساد البنيوي من دون مقاربة الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية التي أسهمت في تطبيعه. فمن منظور علم النفس السياسي، يؤدّي تكرار الانتهاكات القانونية في ظل غياب العقاب إلى ما يُعرف بـ«تطبيع الانحراف»، حيث يصبح السلوك المخالف للقانون ممارسة عادية لا تثير الاستنكار (11).

أما من منظور علم الاجتماع السياسي، ولا سيما عند بيار بورديو، فإن السياسات العامة الزبائنية تشكّل آلية لإعادة إنتاج الهيمنة عبر العنف الرمزي، حيث تُستبدل الحقوق بالخدمات المشروطة، وتتحوّل المواطنة إلى علاقة تبعية (9)(10).

وعلى مستوى علم السياسة وفلسفة الديمقراطية، يكشف هذا الواقع عن انحراف خطير في النموذج الديمقراطي اللبناني. فالديمقراطية، وفق التصوّر التداولي، لا تقوم فقط على الانتخابات، بل على النقاش العمومي والمساءلة والشفافية. غير أن النظام التوافقي اللبناني تحوّل إلى آلية لتعطيل القرار والمحاسبة، ما أفقد السياسات العامة شرعيتها الديمقراطية (7)(12).

يخلص هذا المحور إلى أن السياسات العامة في لبنان لم تفشل بسبب أخطاء تقنية أو ظرفية، بل نتيجة فساد بنيوي أعاد تعريف وظيفة الدولة نفسها. فقد تحوّلت السياسات العامة من أدوات لتنفيذ العقد الاجتماعي إلى آليات لإدارة السلطة، ما مهّد الطريق لشطب الحقوق وتفكك الدولة، وهو ما سيعالجه المحور الثاني في بعده الدستوري والحقوقي (1)(4)(6)

 المحور الثاني:

شطب الحقوق في لبنان بين الانهيار المالي وتفكّك منظومة الحماية الدستورية

كشف الانهيار المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان منذ عام 2019 هشاشة منظومة الحماية الدستورية للحقوق الأساسية، وأظهر أن الدولة اللبنانية لم تكن تمتلك آليات قانونية فعّالة لإدارة الأزمات بما يحفظ العدالة والمساواة. غير أن هذا الانهيار لا يمكن فهمه كحدث مالي طارئ، بل كحلقة متقدمة في مسار طويل من إضعاف دولة القانون، حيث جرى التعامل مع الحقوق، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، بوصفها متغيّرًا تابعًا للاعتبارات السياسية والمالية، لا كالتزامات دستورية ملزمة (1)(3).

وقد تحوّلت إدارة الأزمة إلى مجال لإعادة توزيع الخسائر بصورة غير متكافئة، ما أدّى إلى شطب فعلي لحقوق مكتسبة، في غياب إطار تشريعي واضح أو نقاش ديمقراطي علني. ومن هنا، يهدف هذا المحور إلى تحليل ظاهرة شطب الحقوق من زاوية دستورية وحقوقية، مدعومة بمقاربات الاقتصاد السياسي، علم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، لبيان كيف تحوّلت الأزمة المالية إلى أزمة شرعية دولة (6)(7).

---

أولًا: المساس بالملكية والودائع في ضوء الدستور ومبدأ المساواة أمام الأعباء العامة

يُعدّ حق الملكية من الحقوق الأساسية التي تحظى بحماية دستورية وقانونية مشدّدة، ولا يجوز تقييده إلا بقانون، ولغاية تحقيق المنفعة العامة، وبشرط احترام مبدأ التناسب وتأمين تعويض عادل (2)(3). غير أن ما شهدته التجربة اللبنانية تمثّل في فرض قيود فعلية على الودائع المصرفية من خلال تعاميم إدارية وممارسات مصرفية، في غياب أي قانون صادر عن السلطة التشريعية، ما يشكّل خرقًا مباشرًا لمبدأ المشروعية ولمبدأ الفصل بين السلطات (1).

وقد أدّى هذا الواقع إلى شطب فعلي لقسم كبير من الملكيات النقدية، من دون أي مسار قانوني واضح لتحديد المسؤوليات أو توزيع الخسائر. ويزداد هذا الخلل خطورة عند مقاربته من زاوية مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، الذي يُعدّ من المبادئ المستقرّة في الفقه الدستوري المقارن، ويقضي بتوزيع الأعباء الناتجة عن الأزمات بصورة عادلة بين المواطنين (22).

إلا أن السياسات المعتمدة في لبنان أظهرت انحيازًا واضحًا، حيث جرى تحميل الخسائر لصغار ومتوسطي المودعين، فيما حُيّدت المصارف وكبار المستفيدين من النظام المالي السابق عن تحمّل نصيبهم العادل من الخسائر. ويعكس هذا المسار خللًا بنيويًا في مفهوم العدالة المالية، ويتعارض مع نظريات العدالة التوزيعية التي تشترط حماية الفئات الأضعف في أوقات الأزمات (6).

ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل هذا المساس بالملكية عن طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع المصرفي. فالدولة، التي كان يفترض بها تنظيم السوق وحماية الحقوق، وجدت نفسها أسيرة تحالف سياسي–مالي، جعلها تميل إلى حماية النظام المصرفي على حساب الحقوق الفردية، ما أدّى إلى تسييس إدارة الخسائر بدل إخضاعها لمعايير قانونية موضوعية (4)(17)

---

ثانيًا: شطب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وانهيار الدولة الراعية

لم يقتصر شطب الحقوق في لبنان على المساس بالملكية والودائع، بل امتدّ ليشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، وفي مقدّمها الحق في الصحة، التعليم، العمل، والضمان الاجتماعي. فقد أدّى تراجع الدولة عن دورها في تقديم الخدمات العامة إلى تحميل الأفراد كلفة الانهيار بصورة مباشرة، ما يعكس تفكك نموذج الدولة الراعية لصالح إدارة الأزمة عبر تقليص الإنفاق الاجتماعي (13)(15).

ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، تُعدّ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية جزءًا لا يتجزّأ من منظومة الحقوق الأساسية، وتلتزم الدول بضمانها تدريجيًا، حتى في حالات الأزمات، مع احترام مبدأ عدم التراجع غير المبرّر (Non-retrogression) (21). غير أن السياسات اللبنانية أظهرت تراجعًا واسع النطاق عن هذه الحقوق من دون تبرير قانوني مقنع، ومن دون اعتماد تدابير تعويضية تحمي الفئات الأكثر هشاشة، ما يشكّل إخلالًا واضحًا بالالتزامات الدولية للدولة (21).

ويُظهر التحليل السوسيولوجي أن شطب الحقوق لا يؤدّي فقط إلى إفقار مادي، بل إلى تفكك الروابط الاجتماعية وتعميق اللامساواة. فوفق روبرت كاستيل، يؤدّي تراجع الحماية الاجتماعية إلى انتقال الأفراد من وضع المواطنة الاجتماعية إلى الهشاشة والتهميش، ما يضعف شعور الانتماء ويقوّض التضامن الاجتماعي (15).

أما من منظور علم النفس الاجتماعي، فإن فقدان الحقوق الأساسية يولّد ما يُعرف بـ«العجز المتعلَّم»، حيث يشعر الأفراد بأنهم عاجزون عن التأثير في مسار الأحداث، ما يؤدّي إلى الانسحاب من المجال العام وتراجع المشاركة السياسية. ويُعدّ هذا العامل النفسي عنصرًا أساسيًا في تفسير تآكل الديمقراطية في المجتمعات التي تشهد أزمات طويلة الأمد (16).

وعلى مستوى فلسفة الدولة والشرعية السياسية، يشكّل شطب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إخلالًا جوهريًا بوظيفة الدولة الحديثة. فالدولة، وفق نظريات العقد الاجتماعي، تستمدّ شرعيتها من قدرتها على حماية الحقوق وتأمين حدّ أدنى من العدالة الاجتماعية. وعندما تفشل في أداء هذه الوظيفة، تتحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة شرعية، تمسّ أسس النظام السياسي ذاته (7)(8).

---

يخلص هذا المحور إلى أن شطب الحقوق في لبنان لم يكن نتيجة حتمية لانهيار مالي، بل نتاج خيارات سياسية–قانونية عكست أولويات منظومة الحكم. فقد جرى المساس بالملكية الخاصة وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في غياب إطار قانوني عادل، ومن دون احترام مبادئ المشروعية والمساواة والتناسب. وأسهم هذا المسار في تفكك الروابط الاجتماعية وإضعاف الثقة العامة، ما حوّل الأزمة المالية إلى أزمة حقوق وشرعية دولة، وهو ما يفرض الانتقال إلى المحور الثالث لمعالجة شروط إعادة بناء الدولة على أسس قانونية ومؤسساتية جديدة (1)(6)(7) 

المحور الثالث:

نحو إعادة بناء الدولة: خطة إنقاذ قانونية–مؤسساتية شاملة

بعد تفكيك بنية الفساد البنيوي في السياسات العامة، وتحليل مسار شطب الحقوق في ظل الانهيار المالي، يطرح هذا المحور السؤال الجوهري المتعلّق بإمكان الخروج من الأزمة اللبنانية. فالأزمة، كما بيّنت المحاور السابقة، لم تعد أزمة مالية أو اقتصادية قابلة للمعالجة عبر أدوات تقنية معزولة، بل أصبحت أزمة دولة وقانون وشرعية سياسية. ومن هنا، لا يمكن لأي خطة إنقاذ أن تكون ذات جدوى ما لم تنطلق من إعادة تأسيس شاملة لمنظومة الحكم، تعيد الاعتبار لدولة القانون، وتربط الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح الدستوري والمؤسساتي والاجتماعي (1)(5).

وينطلق هذا المحور من فرضية مفادها أن الإنقاذ الحقيقي يقتضي مقاربة شاملة ومتعدّدة المستويات، تدمج القانون بالاقتصاد، والمؤسسات بالعدالة الاجتماعية، والسياسات العامة بالمشاركة الديمقراطية. وعليه، تُطرح خطة إنقاذ عملية تستند إلى نظريات الحوكمة الرشيدة، الاقتصاد المؤسسي الجديد، وفلسفة الدولة الديمقراطية، مع مراعاة الخصوصية اللبنانية (5)(7).

---

أولًا: الأسس الدستورية والمؤسساتية لخطة الإنقاذ

تُعدّ إعادة بناء دولة القانون الشرط الأول لأي مسار إنقاذي مستدام. فوفق الفقه الدستوري الحديث، لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي أو اجتماعي في ظل مؤسسات ضعيفة أو خاضعة لمنطق التسويات السياسية، إذ يشكّل احترام مبدأ المشروعية والفصل بين السلطات الضمانة الأساسية لشرعية القرار العام (1)(2).

ويحتلّ استقلال القضاء موقعًا مركزيًا في هذه الخطة، إذ لا يمكن مكافحة الفساد أو حماية الحقوق في ظل قضاء خاضع للتدخّلات السياسية. فوفق نظريات الحوكمة، تُعدّ السلطة القضائية المستقلة الضامن الأساسي للمساءلة ولتطبيق القواعد القانونية على قدم المساواة، كما تشكّل عنصرًا حاسمًا في استعادة الثقة الداخلية والخارجية بالدولة (18)(5). ويقتضي ذلك إصلاح الإطار التشريعي الناظم للقضاء، وتعزيز ضماناته الوظيفية، وتحريره من منطق المحاصصة الذي قيّد فعاليته لعقود.

كما تتطلّب إعادة بناء المؤسسات تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، لا بوصفها هياكل شكلية، بل كسلطات فعلية تتمتع بالاستقلال والصلاحيات الكافية. وفي هذا السياق، يبرز دور التدقيق الجنائي الشامل في المالية العامة والقطاع المصرفي، بوصفه أداة قانونية لكشف المسؤوليات وتكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب. فوفق الاقتصاد المؤسسي الجديد، لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى من دون مؤسسات قادرة على فرض القواعد وضبط السلوكيات، إذ يشكّل ضعف المؤسسات أحد الأسباب البنيوية للأزمات المزمنة (5).

وتتضمّن خطة الإنقاذ كذلك إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع المالي، بما يضمن خضوع هذا الأخير للرقابة العامة، وحماية الحقوق الفردية، ولا سيما حقوق المودعين. ويقتضي ذلك وضع إطار قانوني عادل لإعادة هيكلة المصارف، يقوم على مبدأ تحمّل المسؤولية وفق حجم الاستفادة من النظام السابق، مع إعطاء الأولوية لحماية صغار المودعين، استنادًا إلى مبدأ الثقة المشروعة والعدالة في توزيع الخسائر (3)(6).

---

ثانيًا: البعد الاقتصادي–الاجتماعي والديمقراطي لخطة الإنقاذ

لا يكتمل أي إصلاح مؤسساتي من دون معالجة البعد الاقتصادي–الاجتماعي للأزمة. فوفق نظريات الدولة الاجتماعية، لا تستقيم شرعية الدولة الحديثة إذا لم تؤمّن الحدّ الأدنى من الحماية الاجتماعية لمواطنيها، ولا سيما في فترات الأزمات والانكماش الاقتصادي (13). وعليه، تقترح خطة الإنقاذ إعادة بناء شبكة أمان اجتماعي شاملة، تضمن الحق في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، وتعيد الاعتبار لدور الدولة الراعية، لا بوصفها عبئًا ماليًا، بل استثمارًا في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي (13)(21).

ومن منظور الاقتصاد السياسي للتنمية، يقتضي الخروج من الأزمة الانتقال من نموذج ريعي هشّ إلى نموذج اقتصادي منتج، قائم على دعم القطاعات الإنتاجية، وتشجيع الاقتصاد المحلي، وربط الحوافز الاقتصادية بالامتثال القانوني والشفافية. ويُعدّ هذا التحوّل شرطًا أساسيًا لاستدامة أي إصلاح مالي، إذ لا يمكن معالجة العجز والدين العام من دون إعادة هيكلة القاعدة الاقتصادية نفسها (14)(17).

ويحتلّ البعد الديمقراطي موقعًا أساسيًا في خطة الإنقاذ، إذ لا يمكن فصل الإصلاح الاقتصادي والمؤسساتي عن إصلاح النظام السياسي. فوفق فلسفة الديمقراطية التداولية، تستمدّ السياسات العامة مشروعيتها من المشاركة الفعلية للمواطنين في صنع القرار، ومن النقاش العمومي العقلاني حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى (7). وعليه، تقترح الخطة تعزيز اللامركزية الإدارية، وإصلاح القانون الانتخابي بما يضمن تمثيلًا أوسع وأكثر عدالة، وتوسيع فضاءات النقاش العمومي حول السياسات العامة، بما يعيد وصل المواطن بالقرار العام (12).

كما تأخذ خطة الإنقاذ في الاعتبار البعد النفسي–الاجتماعي للأزمة، إذ تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن استعادة الثقة لا تتحقّق فقط عبر المؤشرات الاقتصادية، بل عبر إشارات واضحة على العدالة والمساءلة. فالإصلاح، لكي يكون فعّالًا، يجب أن يكون ملموسًا في حياة الأفراد، وأن يرافقه خطاب سياسي–قانوني يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة بوصفها علاقة حقوق لا علاقة تبعية، ويكسر منطق العجز المتعلَّم الذي أنتجته الأزمة الطويلة (16).

---

يبيّن هذا المحور أن الخروج من الأزمة اللبنانية لا يمكن أن يتحقّق عبر حلول جزئية أو تقنية، بل يقتضي خطة إنقاذ شاملة تعالج جذور الأزمة في بنيتها القانونية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية. فإعادة بناء دولة القانون، حماية الحقوق، وتكريس العدالة الاجتماعية، تشكّل شروطًا مترابطة لاستعادة الشرعية والثقة. ومن دون هذه المقاربة الشاملة، ستبقى أي محاولة إنقاذ مجرّد إدارة جديدة للأزمة نفسها، لا مسارًا فعليًا للخروج منها (1)(5)(7).

[17/12, 12:57] Farid: الخاتمة العامة الموسَّعة

يُظهر هذا البحث، من خلال تحليل خطط الحكومات اللبنانية المتعاقبة، أنّ الأزمة التي يعيشها لبنان لا يمكن اختزالها في بعدها المالي أو النقدي، ولا تفسيرها باعتبارها نتيجة ظرفية لصدمات خارجية أو سوء إدارة عابر. بل يتبيّن، على العكس، أنّ هذه الأزمة هي نتاج مسار طويل من الانحراف البنيوي في وظيفة الدولة، حيث جرى تفريغ السياسات العامة من مضمونها الدستوري، وتحويلها إلى أدوات لإدارة السلطة وإعادة إنتاجها، في تعارض مباشر مع مبادئ دولة القانون والمؤسسات (1)(2).

لقد بيّن المحور الأوّل أنّ الفساد في التجربة اللبنانية لم يعد مجرّد ظاهرة إدارية أو سلوك فردي منحرف، بل تحوّل إلى نظام حكم متكامل، يتجلّى في التشريع والإدارة والمالية العامة، ويُعاد إنتاجه عبر تعطيل آليات المحاسبة وتطبيع الانتهاك القانوني. وفي هذا السياق، لم تعد السياسات العامة تعبّر عن الإرادة العامة أو عن خيارات دستورية، بل عن توازنات مصالح بين نخب سياسية–اقتصادية، ما أفقدها مشروعيتها القانونية والديمقراطية معًا (4)(5)(7).

كما أظهر البحث أنّ هذا الفساد البنيوي لم يكن ممكنًا لولا توافر شروط نفسية واجتماعية وسياسية أسهمت في تطبيعه. فـ«تطبيع الانحراف» على المستوى النفسي، والزبائنية والعنف الرمزي على المستوى الاجتماعي، والديمقراطية التوافقية المشوّهة على المستوى السياسي، شكّلت مجتمعة بيئة حاضنة لتحويل الخلل إلى قاعدة، والاستثناء إلى نظام. وبهذا المعنى، لا يمكن فصل أزمة السياسات العامة عن أزمة الديمقراطية ذاتها في لبنان (9)(11)(12).

وفي المحور الثاني، تبيّن أنّ الانهيار المالي شكّل لحظة كاشفة لمسار طويل من شطب الحقوق، ولا سيما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فقد جرى المساس بحق الملكية والودائع من دون سند تشريعي واضح، وبما يتعارض مع مبدأ المشروعية والمساواة أمام الأعباء العامة، كما تراجعت الدولة عن التزاماتها في مجالات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، في خرق صريح للمعايير الدستورية والدولية الناظمة لحماية الحقوق الأساسية (3)(6)(21)(22).

وقد أكّد التحليل أنّ شطب الحقوق لم يكن نتيجة حتمية للانهيار، بل خيارًا سياسيًا–قانونيًا عكس أولويات منظومة الحكم، التي فضّلت حماية مراكز النفوذ الاقتصادية والمالية على حساب الفئات الأكثر هشاشة. وأسهم هذا المسار في تفكك الروابط الاجتماعية، وتآكل الثقة العامة، وظهور أنماط من العجز المتعلَّم والانكفاء عن المشاركة السياسية، ما حوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة شرعية دولة تمسّ أسس العقد الاجتماعي ذاته (15)(16)(7)(8).

أما المحور الثالث، فقد بيّن أنّ أي محاولة جدّية للخروج من الأزمة لا يمكن أن تنجح عبر حلول تقنية أو مالية معزولة، بل تقتضي خطة إنقاذ شاملة تعالج جذور الأزمة في بنيتها القانونية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أظهر التحليل أنّ إعادة بناء دولة القانون، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الرقابة والمحاسبة، تشكّل شروطًا مسبقة لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية، ولأي تعافٍ اقتصادي مستدام (1)(5)(18).

كما أكّدت خطة الإنقاذ المقترحة أنّ استعادة الدور الاجتماعي للدولة، والتحوّل من نموذج ريعي هشّ إلى نموذج اقتصادي منتج، وتعزيز المشاركة الديمقراطية والنقاش العمومي، هي عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض. فالإصلاح الاقتصادي من دون إصلاح مؤسسي وديمقراطي يبقى قاصرًا، كما أنّ العدالة الاجتماعية من دون دولة قانون تبقى شعارًا فارغًا من مضمونه العملي (13)(14)(7).

وفي الإضافة التنفيذية المتعلّقة بتمويل الإنقاذ، تبيّن أنّ مسألة التمويل ليست مسألة موارد فقط، بل مسألة حوكمة وتصميم مؤسسي. فالتمويل، إذا لم يُربط بقواعد شفافة، ومساءلة فعّالة، وتوزيع عادل للأعباء، يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها. أمّا إذا أُخضع لإطار قانوني صارم، يقوم على إصلاح الإيرادات، واسترداد الأموال العامة، وإعادة هيكلة الدين والقطاع المصرفي، والتمويل الخارجي الموجّه، فيمكن أن يشكّل رافعة حقيقية لإعادة بناء الدولة (4)(5)(18)(21).

وانطلاقًا من مجمل ما تقدّم، يؤكّد هذا البحث أنّ الأزمة اللبنانية هي في جوهرها أزمة دولة وقانون وديمقراطية. فغياب سيادة القانون، وتآكل الحماية الحقوقية، وتعطّل المساءلة، أدّت مجتمعة إلى تفريغ المواطنة من مضمونها الحقوقي، وإلى تحويل الدولة من إطار جامع للحقوق إلى ساحة لتقاسم النفوذ. ومن هنا، فإن أي مسار إصلاحي جدّي لا يمكن أن ينطلق من إدارة الأزمة، بل من إعادة تأسيس الدولة على أسس الشرعية الدستورية، العدالة الاجتماعية، والمساءلة الديمقراطية (1)(7).

ولا يقدّم هذا البحث حلولًا جاهزة بقدر ما يقدّم إطارًا تحليليًا ومنهجيًا لفهم الأزمة وتجاوزها. فإعادة بناء لبنان ليست مسألة أموال أو تقنيات مالية فحسب، بل مسألة خيارات سياسية–قانونية تعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها ضامنًا للحقوق، لا أداة لإدارتها أو شطبها. وفي غياب هذه القطيعة مع السياسات السابقة، ستبقى كل محاولات الإنقاذ مجرّد إدارة جديدة للأزمة نفسها، لا مسارًا فعليًا للخروج منها (1)(4)(6).

 ملحق:

الخطة التنفيذية لتمويل الإنقاذ وآليات التطبيق

تمهيد :

يُدرج هذا الملحق بوصفه الامتداد التطبيقي للمحور الثالث، ويهدف إلى تحويل المبادئ الدستورية والمؤسساتية لخطة الإنقاذ إلى برنامج تنفيذي واقعي، قابل للتطبيق ضمن الإطار القانوني للدولة اللبنانية، مع مراعاة العدالة في توزيع الأعباء، وضمان الشفافية والمساءلة، ومنع إعادة إنتاج الفساد البنيوي الذي أدّى إلى الانهيار (1)(5).

وينطلق هذا الملحق من فرضية أساسية مفادها أن التمويل ليس مسألة تقنية أو محاسبية فحسب، بل مسألة حوكمة وسيادة قانون. فغياب الإطار المؤسسي والرقابي يحوّل أي تمويل إلى أداة جديدة لإدارة الأزمة بدل حلّها، فيما يشكّل التمويل المنضبط قانونيًا رافعة لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة (4)(18).

---

أولًا: هيكل التمويل الشامل – سلة تمويل متعددة المصادر

1. التمويل الداخلي عبر إصلاح الإيرادات العامة

يرتكز التمويل الداخلي على إعادة بناء قدرة الدولة على الجباية العادلة بدل توسيع الضرائب غير المباشرة ذات الأثر الاجتماعي السلبي. ويشمل ذلك اعتماد نظام ضريبي تصاعدي فعّال على الدخل والأرباح، إلغاء الإعفاءات الاستنسابية، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر رقمنة الجباية وربط قواعد البيانات الرسمية (السجل التجاري، العقاري، الجمارك، والضرائب)، بما يحدّ من التهرّب ويعزّز العدالة الضريبية (5)(17).

كما يُقترح فرض رسم تضامني مؤقت ومحدّد المدة على الريوع الكبرى والأرباح الاستثنائية الناتجة عن التشوّهات الاقتصادية، على أن يُخصّص قانونًا لتمويل برامج الحماية الاجتماعية والصحية، وفق مؤشرات أداء واضحة تخضع للرقابة البرلمانية والقضائية، انسجامًا مع مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة (6)(22).

---

2. استرداد الأموال العامة والهدر كمورد تمويلي

لا يُنظر إلى استرداد الأموال العامة كإجراء عقابي أو انتقامي، بل كمورد تمويلي مشروع مرتبط بتكريس مبدأ المساءلة. ويشمل ذلك تدقيقًا جنائيًا ملزمًا في المالية العامة والقطاع المصرفي، يتبعه مسار قانوني لاسترداد الأصول وفق معايير الإثبات القضائي وضمانات المحاكمة العادلة (1)(4).

كما يمكن اعتماد تسويات قانونية مشروطة (Deferred Prosecution Agreements) تخضع لرقابة القضاء، تتضمّن الاعتراف بالمخالفات، وتسديد المبالغ المستحقة، والمنع من تولّي مناصب عامة، مع توجيه جزء من الأموال المستردة إلى صندوق حماية صغار المودعين وصندوق الحماية الاجتماعية، بما يربط الاسترداد بإعادة بناء الثقة والعدالة (4)(5).

---

3. إعادة هيكلة الدين العام والقطاع المصرفي لخلق حيّز مالي

يُعدّ خلق حيّز مالي شرطًا مسبقًا لأي تمويل جديد، إذ لا يمكن ضخ موارد في اقتصاد مثقل بخدمة دين غير قابلة للاستدامة. ويتطلّب ذلك إعادة هيكلة الدين العام بما يخفّف كلفته ويعيد توزيعه زمنيًا بصورة عادلة، مع الحفاظ على الحدّ الأدنى من الإنفاق الاجتماعي (5)(17).

كما تقتضي الخطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق مبدأ تسلسل تحمّل الخسائر، بدءًا من رؤوس الأموال، ثم الديون الثانوية، ثم كبار المودعين، مع حماية صغار المودعين بوصفهم فئة غير مضاربة. ويُقترح إنشاء كيان مستقل لإدارة الأصول المتعثّرة (Asset Management Company) يخضع لحوكمة صارمة، بهدف الحدّ من النزف واستعادة الثقة بالنظام المالي (3)(6).

---

4. التمويل الخارجي الموجّه والمشروط

يُحصر التمويل الخارجي في دعم الاستقرار النقدي، وتمويل مشاريع بنية تحتية ذات عائد اجتماعي واقتصادي واضح (الكهرباء، المياه، النقل)، إضافة إلى شبكات الأمان الاجتماعي القائمة على النتائج. ويُشترط في هذا التمويل الارتباط بإصلاحات مؤسساتية محدّدة، واعتماد آليات صرف شفافة تخضع للتدقيق الدوري، بما يمنع تحوّله إلى أداة ضغط سياسي أو إلى مورد هدر جديد (18)(21).

---

5. تعبئة موارد المغتربين والقطاع الخاص

يُقترح إصدار أدوات ادّخار واستثمار مخصّصة للمغتربين، مربوطة بمشاريع محدّدة وقابلة للتتبّع، مع حسابات ضمان (Escrow Accounts) وإشراف رقابي مستقل. كما تُفَعَّل الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) بعد استكمال إصلاح الإطار القانوني للشراء العام وضمان الشفافية والمنافسة، بما يحدّ من المخاطر ويعزّز الثقة الاستثمارية (18).

---

ثانيًا: الإطار المؤسسي لتطبيق الخطة التنفيذية

1. إنشاء صندوق وطني للإنقاذ والتنمية

يُنشأ بقانون خاص صندوق وطني مستقل يتولى إدارة موارد التمويل، يتمتع بمجلس إدارة مستقل يضم خبرات مالية وقانونية، ويخضع لرقابة قضائية ومالية متعددة المستويات. ويُفرض عليه نشر تقارير فصلية علنية حول مصادر الأموال، أوجه الصرف، ومؤشرات الأداء، بما يكرّس مبدأ الشفافية والمساءلة (1)(18).

---

2. اعتماد ميزانية برامج لا ميزانية بنود

يُربط الإنفاق العام بأهداف محدّدة قابلة للقياس (خفض فاقد الكهرباء، توسيع التغطية الصحية، تحسين الجباية)، بدل الاقتصار على بنود إنفاق عامة تسهّل الهدر. ويُعدّ هذا التحوّل شرطًا أساسيًا لتحويل التمويل إلى أداة إصلاح فعلي لا مجرّد إدارة للأزمة (5).

---

3. منظومة شفافية ومساءلة إلزامية

تُنشأ منصة رقمية مفتوحة لنشر العقود والمشتريات والدفعات، مع وحدات تدقيق داخلي مرتبطة بالصندوق وهيئات الرقابة، وآلية قانونية لحماية المبلّغين عن الفساد، بما يعزّز الرقابة المجتمعية ويحدّ من الإفلات من العقاب (4)(18).

---

ثالثًا: خطة التطبيق المرحلية

المرحلة الأولى (0–6 أشهر):

إقرار القوانين الأساسية (إعادة هيكلة المصارف، كابيتال كونترول شرعي مؤقت، إنشاء الصندوق الوطني للإنقاذ، حماية صغار المودعين)، إطلاق التدقيق الجنائي، وتفعيل شبكة أمان اجتماعي عاجلة (1)(21).

المرحلة الثانية (6–18 شهرًا):

تنفيذ إعادة الهيكلة المالية والمصرفية، فتح قنوات التمويل الخارجي المشروط، إصلاح الجباية والجمارك، وإطلاق مشاريع البنية التحتية ذات الأولوية (5)(17).

المرحلة الثالثة (18–36 شهرًا):

الانتقال إلى اقتصاد منتج، توسيع الحماية الاجتماعية، وتثبيت قواعد الاستدامة المالية والمؤسساتية، بما يحدّ من تكرار الأزمات (13)(14).

---

يُظهر هذا الملحق أن تمويل الإنقاذ لا يمكن أن يكون فعّالًا ما لم يُدرج ضمن إطار قانوني–مؤسسي صارم، يقوم على الشفافية والمساءلة والعدالة في توزيع الأعباء. فحين يُربط التمويل بالإصلاح المؤسسي وحماية الحقوق، يتحوّل من أداة لإدارة الانهيار إلى رافعة حقيقية لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العامة (1)(5)(18)

 

 
المراجع:

1. Chevallier, Jacques

L’État de droit,
LGDJ, Paris, 2017.

2. Dicey, A. V.,

Introduction to the Study of the Law of the Constitution,
Macmillan, London, 1915.

3. Duguit, Léon,

Les transformations du droit public,
Paris, 1913.

4. Rose-Ackerman, Susan,

Corruption and Government: Causes, Consequences, and Reform,
Cambridge University Press, Cambridge, 1999.

5. North, Douglass C.,

Institutions, Institutional Change and Economic Performance,
Cambridge University Press, Cambridge, 1990.

6. Rawls, John,

A Theory of Justice,
Harvard University Press, Cambridge (MA), 1971.

7. Habermas, Jürgen,

Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy,
MIT Press, Cambridge (MA), 1996.

8. Habermas, Jürgen,

Legitimation Crisis,
Beacon Press, Boston, 1975.

9. Bourdieu, Pierre,

Sur l’État : Cours au Collège de France (1989–1992),
Seuil, Paris, 2012.

10. Bourdieu, Pierre,

La domination masculine,
Seuil, Paris, 1998.

11. Vaughan, Diane,

The Challenger Launch Decision: Risky Technology, Culture, and Deviance at NASA,
University of Chicago Press, Chicago, 1996.

12. Lijphart, Arend,

Patterns of Democracy: Government Forms and Performance in Thirty-Six Countries,
Yale University Press, New Haven, 2012.

13. Esping-Andersen, Gøsta,

The Three Worlds of Welfare Capitalism,
Princeton University Press, Princeton, 1990.

14. Chang, Ha-Joon,

Kicking Away the Ladder: Development Strategy in Historical Perspective,
Anthem Press, London, 2002.

15. Castel, Robert,

Les métamorphoses de la question sociale,
Fayard, Paris, 1995.

16. Seligman, Martin E. P.,

Learned Helplessness,
W. H. Freeman, New York, 1975.

17. Stiglitz, Joseph E.,

Globalization and Its Discontents,
W. W. Norton & Company, New York, 2002.

18. OECD,

Principles of Public Governance,
OECD Publishing, Paris, 2015.

19. World Bank,

Worldwide Governance Indicators,
World Bank Publications, Washington D.C., تقارير دورية.

20. World Bank,

Public Finance Review & Governance Diagnostics,
World Bank Reports, Washington D.C., سنوات متعددة.

21. United Nations Committee on Economic, Social and Cultural Rights (CESCR),

General Comment No. 3: The Nature of States Parties’ Obligations,
UN Doc. E/1991/23.

22. Conseil constitutionnel français,

Jurisprudence relative au principe d’égalité devant les charges publiques,
قرارات متواترة.

23. United Nations Development Programme (UNDP),

Governance for Sustainable Development,
UNDP Reports, New York, سنوات متعددة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM