الالتفاف حول العلم: عندما تصبح الوطنية والرمزية الدينية أداةً لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام
غير أن هذه الظاهرة لا تقوم على الشعور الوطني وحده، بل غالباً ما تتعزز بعناصر رمزية وثقافية ودينية تمنحها عمقاً وجاذبية أكبر
2026-07-18
أمانة سرّ "اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية
الالتفاف حول العلم: عندما تصبح الوطنية والرمزية الدينية أداةً لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام
لا يمكن فهم هذا النمط من السلوك السياسي بمعزل عن الأدبيات العلمية في علم السياسة والاتصال السياسي. فقد أظهرت التجارب المقارنة أن الدول التي تواجه أزمات أو تهديدات خارجية تميل إلى تعزيز التماسك الداخلي من خلال استنهاض الهوية الوطنية، وهي الظاهرة التي تُعرف في علم السياسة بمفهوم “الالتفاف حول العلم” (Rally Around the Flag Effect)، حيث تتراجع الخلافات الداخلية مؤقتاً لصالح الاصطفاف خلف الدولة في مواجهة الخطر الخارجي.
غير أن هذه الظاهرة لا تقوم على الشعور الوطني وحده، بل غالباً ما تتعزز بعناصر رمزية وثقافية ودينية تمنحها عمقاً وجاذبية أكبر. فالدول لا تخاطب المواطنين عبر المصالح المادية فقط، وإنما أيضاً عبر الرموز، والذاكرة الجماعية، والطقوس، والسرديات المؤسسة لهويتها.
وفي الحالة الإيرانية، تعود جذور هذه المعادلة إلى الحرب العراقية الإيرانية، التي رسخت سردية تجمع بين الدفاع عن الوطن، والسيادة الوطنية، والتضحية، والشهادة. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه السردية جزءاً من الهوية السياسية للجمهورية الإسلامية، وأعاد الحرس الثوري تطويرها بما يتلاءم مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى المراسم الدينية والوطنية الكبرى، أو تشييع الشخصيات القيادية، بوصفها مجرد مناسبات بروتوكولية أو شعائر دينية، بل أيضاً باعتبارها أحداثاً ذات وظيفة سياسية ورمزية. فهي تستحضر الذاكرة الجمعية، وتربط بين الدين والوطن، وتُضفي على اللحظة السياسية بعداً أخلاقياً وعاطفياً، بما يعزز الشعور بوحدة المصير في مواجهة التحديات الخارجية.
وفي أدبيات علم السياسة، تُعرف هذه الأدوات ضمن ما يسمى بالتعبئة الرمزية (Symbolic Mobilization)، حيث تسهم الطقوس العامة والرموز الدينية والوطنية في إنتاج حالة من الانتماء الجماعي، وربط الولاء للدولة بمنظومة من القيم المشتركة. وعندما تتزامن هذه التعبئة مع ضغوط خارجية أو أزمات أمنية، فإنها تعزز ما يعرف بظاهرة الالتفاف حول العلم، فتنتقل أولويات الرأي العام من النقاشات الداخلية إلى قضايا السيادة والأمن القومي.
غير أن هذه الظاهرة ليست حكراً على إيران، بل تمثل آلية معروفة في إدارة الأزمات السياسية في دول كثيرة، وإن اختلفت الأدوات والرموز المستخدمة من بلد إلى آخر. ففي بعض الدول يكون الدين هو الإطار الجامع، وفي أخرى تكون القومية أو التاريخ أو الرموز الدستورية أو حتى القيادة السياسية نفسها هي محور التعبئة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أيضاً قراءة الحالة اللبنانية. فلبنان، في ظل التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يواجهها، يحتاج إلى حد أدنى من التماسك الداخلي كي يتمكن من التفاوض بفاعلية والدفاع عن مصالحه الوطنية. فالدولة المنقسمة داخلياً تُضعف موقعها التفاوضي، بينما يشكل الإجماع الوطني أحد أهم عناصر القوة في مواجهة التحديات الخارجية.
لكن الأدبيات السياسية تشير في الوقت نفسه إلى أن الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يعني تجميد النقاش الداخلي أو تأجيل الإصلاح إلى أجل غير مسمى. بل إن التجارب المقارنة تُظهر أن الدول الأكثر قدرة على حماية أمنها القومي هي أيضاً الدول التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصاداً متماسكاً، وآليات مساءلة فعالة، وقدرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين السيادة والإصلاح، أو بين الأمن القومي والنقاش الداخلي، وإنما في بناء معادلة تجعل كلاً منهما يعزز الآخر. فالوطنية الحقيقية لا تُقاس فقط بالالتفاف حول الدولة في أوقات الأزمات، بل أيضاً بالقدرة على بناء دولة عادلة، قوية، وشاملة، لأن الدولة الأكثر تماسكاً في الداخل هي الأقدر على حماية سيادتها، والأقوى على طاولة التفاوض، والأكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية بثقة واستدامة.
حسن الحسيني
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
الالتفاف حول العلم: عندما تصبح الوطنية والرمزية الدينية أداةً لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام
أمانة سرّ "اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية
(رسالة وداع الى لبنان)
جينين هينيس بلاسخارت
تحولات مفهوم السيادة في لبنان بين اتفاق 17 أيار واتفاق الإطار 2026: قراءة في تبدّل أدوات الصراع وإدارة الأمن
الدكتور هشام الأعور
الأب الدكتور ميشال روحانا... الجسر الذي بدأ من عاشوراء
None
رسالة البابا الأولى تكشف أعماق اختياره اسم ليو/لاون الرابع عشر
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
من العيش المشترك الى التكاؤن
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية:
أمانة سرّ "اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية
الصيد العجيب وسرّ الرقم 153
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM