tiktok
Logo

تحولات مفهوم السيادة في لبنان بين اتفاق 17 أيار واتفاق الإطار 2026: قراءة في تبدّل أدوات الصراع وإدارة الأمن

إن المقارنة بين الاتفاقين لا تهدف إلى البحث عن أوجه التشابه أو الاختلاف في النصوص القانونية،

2026-07-04

الدكتور هشام الأعور

تحولات مفهوم السيادة في لبنان بين اتفاق 17 أيار واتفاق الإطار 2026: قراءة في تبدّل أدوات الصراع وإدارة الأمن

د. هشام الأعور

ليست الاتفاقات التي عرفها لبنان مع إسرائيل مجرد محطات تفاوضية فرضتها ظروف عسكرية أو سياسية عابرة، بل تمثل انعكاساً مباشراً للتحولات التي شهدها النظام الإقليمي، وللتغير المستمر في طبيعة الدولة اللبنانية، وفي مفهوم السيادة ذاته. فمنذ اتفاق 17 أيار 1983 وصولاً إلى اتفاق الإطار في 26 حزيران 2026، تبدلت خرائط النفوذ، وتغيرت أدوات إدارة الصراع، وانتقل مركز الثقل من الاحتلال العسكري المباشر إلى منظومات الضغط السياسي والاقتصادي والأمني، فيما بقي السؤال اللبناني الجوهري ثابتاً: كيف يمكن بناء دولة تحتكر قرار الحرب والسلم في ظل بيئة إقليمية متشابكة وانقسام داخلي مزمن؟

إن المقارنة بين الاتفاقين لا تهدف إلى البحث عن أوجه التشابه أو الاختلاف في النصوص القانونية، بقدر ما تسعى إلى قراءة التحول الذي أصاب فلسفة إدارة الصراع نفسها. فبينما كان اتفاق 17 أيار وليد لحظة هيمنة عسكرية إسرائيلية أعقبت اجتياح عام 1982، يأتي اتفاق الإطار بعد تجربة طويلة أثبتت حدود القوة العسكرية التقليدية، وأظهرت أن الحسم لم يعد ممكناً عبر الاحتلال المباشر، بل عبر إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للدولة المستهدفة.

في عام 1983، كانت إسرائيل تتفاوض من موقع القوة العسكرية المطلقة، فيما كانت الدولة اللبنانية تعاني تفككاً مؤسسياً وحرباً أهلية مفتوحة، الأمر الذي جعل الاتفاق أقرب إلى محاولة تثبيت نتائج الاجتياح سياسياً. أما في عام 2026، فإن المشهد مختلف؛ إذ تتقدم الدبلوماسية المدعومة بالأدوات الاقتصادية والضغوط الدولية لتؤدي الدور الذي كانت تؤديه الدبابات في ثمانينيات القرن الماضي. وهذا التحول لا يعكس تغيراً في الأهداف بقدر ما يعكس تطوراً في وسائل تحقيقها.

\من هنا، يصبح السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة نقطة الارتكاز الأساسية في الاتفاقين، لكن مع اختلاف جذري في طبيعته ووظيفته. ففي اتفاق 17 أيار كان الهدف إنهاء الوجود

العسكري الفلسطيني الذي اعتُبر امتداداً لصراع عربي–إسرائيلي يدور على الأراضي اللبنانية، بينما يتعامل اتفاق الإطار مع بنية عسكرية لبنانية متجذرة في الداخل، تمتلك امتداداً إقليمياً وعقيدة سياسية وعسكرية متكاملة، الأمر الذي يجعل عملية نزع السلاح أكثر تعقيداً من مجرد تنفيذ ترتيبات أمنية.

ولهذا السبب، لا يطرح اتفاق 2026 مقاربة أمنية بحتة، بل يعتمد نموذجاً مركباً يربط الأمن بالتنمية والاقتصاد. فإعادة الإعمار ليست استحقاقاً يلي انتهاء الحرب، بل تتحول إلى أداة من أدوات تنفيذ الاتفاق، بحيث يصبح الاستثمار الدولي مشروطاً بتوسيع سلطة الدولة وتراجع مظاهر القوة العسكرية خارج مؤسساتها. وهكذا تتحول التنمية إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة، وليس مجرد نتيجة لها.

وتكشف هذه المقاربة عن تطور مهم في مفهوم السيادة. ففي العقود الماضية كان النقاش اللبناني يدور حول كيفية الدفاع عن السيادة في مواجهة الاحتلال، أما اليوم فإن النقاش ينتقل إلى سؤال مختلف: من يحتكر ممارسة السيادة داخل الدولة؟ فالسيادة، وفق التصور الذي يعكسه اتفاق الإطار، لم تعد مجرد حماية الحدود، بل أصبحت تعني احتكار الدولة وحدها لوسائل العنف المشروع وقرار الحرب والسلم، بما ينسجم مع المفهوم الحديث للدولة الوطنية.

ويواكب هذا التحول تبدل واضح في الدور الأمريكي. ففي عام 1983 اكتفت واشنطن برعاية الاتفاق سياسياً، لكنها لم تستطع فرض استمراره أمام التوازنات الإقليمية والداخلية. أما في عام 2026، فإن الولايات المتحدة لا تؤدي دور الوسيط فحسب، بل تتحول إلى شريك في التنفيذ، من خلال ربط المساعدات العسكرية والاقتصادية بمراحل تنفيذ الاتفاق، وإخضاع عملية إعادة الإعمار لمنظومة رقابة سياسية وأمنية دقيقة. وبهذا تنتقل أدوات النفوذ من القوة العسكرية المباشرة إلى إدارة الاعتماد الاقتصادي والمالي.

أما على مستوى العلاقة مع إسرائيل، فإن الفارق لا يقل دلالة. فقد كان اتفاق 17 أيار يسعى إلى إنهاء حالة الحرب بصورة مباشرة ويفتح الباب أمام التطبيع، بينما يعتمد اتفاق الإطار مقاربة أكثر تدرجاً، تبدأ بترتيبات أمنية وإجراءات لبناء الثقة، على أن تشكل لاحقاً أساساً لتسوية سياسية أشمل. إنها مقاربة تعكس إدراكاً بأن السلام لم يعد يُفرض بقرار سياسي، وإنما يُبنى تدريجياً عبر إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية.

ومع ذلك، فإن نجاح أي اتفاق لا يتوقف على جودة صياغته القانونية ولا على حجم الدعم الدولي المخصص له، بل يبقى رهناً بقدرته على التكيف مع الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني. وهذه كانت المعضلة التي أطاحت باتفاق 17 أيار، وهي نفسها التي ستحدد مستقبل اتفاق الإطار. فالدولة التي لا تمتلك توافقاً وطنياً حول احتكار القوة ستجد نفسها أمام صعوبة كبيرة في تحويل النصوص إلى وقائع، مهما بلغت قوة الضمانات الخارجية.

إن ما نشهده اليوم ليس تكراراً لتجربة عام 1983، بل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تُستبدل فيها أدوات الاحتلال المباشر بأدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، ويصبح الأمن مدخلاً لإعادة بناء الدولة، بينما تتحول المساعدات الدولية إلى وسيلة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية.

ومن هنا، فإن اتفاق الإطار لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تفاهم أمني مع إسرائيل، بل بوصفه جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف الدولة اللبنانية ودورها ووظيفتها في النظام الإقليمي الجديد. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في نصوص الاتفاق، بل في قدرة اللبنانيين على إنتاج رؤية وطنية مشتركة تحدد معنى السيادة، وحدود القوة المشروعة، ودور الدولة في إدارة الأمن والدفاع.

لقد تغيرت أدوات السياسة خلال العقود الأربعة الماضية، وتبدلت وسائل النفوذ، لكن لبنان ما زال يقف عند المفترق ذاته؛ بين متطلبات الدولة الحديثة، وضغوط الجغرافيا السياسية، وتعقيدات نظامه الداخلي. ومن هنا، فإن مستقبل أي اتفاق لن تحدده نصوصه، بل قدرة الدولة اللبنانية على تحويل السيادة من شعار سياسي إلى ممارسة دستورية ومؤسساتية متكاملة.

 

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

آخر الأخبار

تحولات مفهوم السيادة في لبنان بين اتفاق 17 أيار واتفاق الإطار 2026: قراءة في تبدّل أدوات الصراع وإدارة الأمن

الدكتور هشام الأعور

الأب الدكتور ميشال روحانا... الجسر الذي بدأ من عاشوراء

None

رسالة البابا الأولى تكشف أعماق اختياره اسم ليو/لاون الرابع عشر

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

من العيش المشترك الى التكاؤن

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية:

أمانة سرّ "اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية

الصيد العجيب وسرّ الرقم 153

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

The Miraculous Catch and the Mystery of the Number 153

Rev. Michel Rouhana, PhD, Antonine Order

When Christian Symbols Are Attacked:

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM