tiktok
Logo

لكيما نعرفَ ذواتَنا جيِّدًا،

علينا أن نكون مُدركين، مُدركين أنّنا مُدركين، ومُدركين أنّنا مُدركين أنّنا مدركين

2026-06-22

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

 

" لكيما نعرفَ ذواتَنا جيِّدًا، علينا أن نكون مُدركين، مُدركين أنّنا مُدركين، ومُدركين أنّنا مُدركين أنّنا مدركين، إلخ.[1]

 

سلام الإدراك

هذا الكتيب التعريفي بنظرية "التكاؤن" موجه أولا إلى الناطقين باللغة العربية  قناعة منا بأن في كل منهم ومنهن صديق وصديقة للحكمة التي تأبى أن تستمر قابعة في غياهب الماضي والمحدودية. الحكمة لا تستكين في لغة جامدة لا تتغير، لا تتجدّد فيها المفاهيم أو يضاف عليها المستجد. دأبها دأب التوثب نحو تحرّر لغوي يليق بمستقبل أجيال، لا يمكن للحكمة الترقي ما لم تُطوّر لغتها الأم. وإن كان جبران خليل جبران، المتملك باللغتين الإنجليزية والعربية قد قال: "أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء [وبنات] الحياة، والحياة لا تقيم في منازل الأمس"؟ فهو لم يقصد حصرا "بالأمس" الأخلاق والتقاليد والعادات ويدعو إلى التحرر منها، بل برأينا الثابت قصد إدراك الذات، قصد اللغة التي أفكر من خلالها. قصد الهوية الواضحة، لو لم يقصد جبران في قوله هذا سوى تفلت الأنا العاطفية من التقاليد والعادات لكانت كل أجيالنا تعيسة، وهي بالفعل لا زالت تعيسة لأنها عالقة بين سندان العلاقات العائلية والاجتماعية التي من شبه المستحيل تخطيها، ومطرقة تطور لغوي، في اللغة الأم العربية، لم يحدث يوما.

لذلك نؤكد بأن جبران قصد تحرير اللغة من قيودها التي تحجّر العقول وتمنع الأنا التصاعدية، على حد قول الفيلسوف كانت،[2] من تخطيها منازل أمسٍ ما إلى منازل مستقبل يرتقي بها إلى مشتهيات الإنسان المدرك لنفسه والمدرك أنه مدرك لما يدركه عن نفسه.

ولما لم يكن جبران قد حدد أي حياة يقصد بقوله "أولادكم أبناء الحياة..." ترك النظريات الفلسفية والنفسانية، كنظريات المِتَع الإدمانية المهلكة كالمخدرات والتحرّر الجنسي على أنواعها، تضل جوهر الأنا بجناحيها وتحدد لها معنى الحياة المقصود. وبالتالي تفككت العائلة وسقطت قيمة الأبوين وحقهما الطبيعي على أولادهما، وبخاصة الأمومة التي قال فيها جبران ما قال: " كل البيوت مظلمة، الى أن تستيقظ الأم." فما تكون الحياة التي قصدها جبران كمنزل للأجيال؟ كأجوبة مختصرة وسريعة، مستندة إلى كتب الحكمة والأديان نؤكد، قبل الانتقال إلى التفاصيل ما يلي: لا جدل أن الحياة هي الحكمة ومنها ولها. وهل تدرَك الحكمة من غير ان يظهرها لنا رمز أو كلمة يحاكيان عقولنا؟ لذا، ظهر إنسان تعرَّف إليه جبران خليل جبران جيدا، وعرف فيه "الكلمة المرجوة القادرة على سبر أغوار الحكمة الخالقة التي منها كل حياة، وصدَّق قوله بأنه هو الكلمة وقد تجسد لكي تكون للناس الحياة، بل ملء الحياة.[3] وإلى هذه الحياة يدفع جبران بأجيال البشرية، وإثباتا لهذا، كتب ما كتب، وإلا لما كان كتب ولما كنا عرفنا به. الفيلسوف جاك دريدا.[4] فما الذي نتقدم به من أجيالنا لجهة تطوير اللغة العربية ليكون لكم بوصلة للحياة الأفضل؟

التكاؤن:[5]

ابتدأ كل شيء في يوم من سنة 1985، إثر الأحداث الخطيرة التي دارت منذ 1982 لغاية 1985ووضعت مصير لبنان على كف عفريت.[6] كان الشك قد بات كبيرا في إمكانية صمود كيان الدولة اللبنانية في صراع دام بين من يريد التقسيم وتأسيس الدولة المسيحية، وبالتالي القبول بالدويلات الطائفية والعنصرية (مشروع كيسنجر)، ومن يصر على استمرار لبنان على ما هو عليه، دولة مثال في العيش المشترك والديمقراطية وحرية التعبير، يتغنى بها الفاتيكان ويتحدى بها عنصرية إسرائيل، ومن يرضى به واحدا موحدا بالظاهر حتى ولو تم هذا بوضع لبنان كليا تحت السلطة المركزية للدولة السورية المفترض بها ان تكون علمانية، تسليما بأن شعبه حول السيادة إلى دكتاتوريات ميليشياويه، و حرية التعبير إلى سلاح إعلامي تقسيمي كيدي، والديمقراطية إلى مركانتيلية انتخابية. (الاتفاق الثلاثي) ... فكان السؤال أي لبنان يجب أن يكون كي يخدم فكرة الوطن والمواطنة بالمساواة والعدالة وكرامة الإنسان فتنتفي سلسلة الحروب الطائفية الوصولية كل 15 عاما؟ 

سنة 1985 عدت من روما لأشارك شعبي المنازع من انعدام الرؤيا مصيره، وكان نصيبي أن أرسل إلى بلدة حصرون من جبة بشري للنهوض بالمدرسة الأنطونية التي أطلقتها الرهبانية سنة 1983 بهدف واضح هو تطمين من تبقى من أهل المنطقة لمستقبل أولادهم، وتثبيتهم في أراضيهم وحقولهم واملاكهم في ظل سيطرة الردع السوري الذي دخل المنطقة منذ 1978 وبات الدولة والحاكم والحكم فيها، لا يمر أسبوعا عليها من دون تصفية شاب متمرد على جيش رادع، شاب من بيئة اجتماعية وارثة لروحية جبران المتمرد، لم تعتد أن يردع أولادها سوى الإيمان والضمير ومحبة الله، ما جعل العملية التربوية أكثر تعقيدا من العادة. بات من الضرورة تربية مجتمع قابع تحت حكم عسكري يحتاج إلى التمييز فيه بين التمرد والمقاومة، بين الحرية العمياء والمسؤولية، بين التخبط بفوضى التجييش العاطفي الانتقامي الآتي من خلف حدود المنطقة، والالتزام برؤية وسلوكية واضحتين تساهمان، ولو على المدى البعيد بخرق الأسوار الديماغوجية وتحطيم القيود الفكرية على ما قال به جبران: " الحياة بغير الحرية كجسم بغير روح، والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة، الحياة والحرية والفكر، ثلاثة أَقَانِيْمَ في ذات واحدة أزليّة لا تزول ولا تضمحّل".

 في خضم هذا الواقع، وبحثا عن قاسم مشترك يفتح ذهن أهالي تلك المنطقة على أهمية التحول من الانتماء المناطقي، الطائفي، الضيق، إلى الانتماء لما يخدم مستقبلهم ومستقبل أجيالهم، أي وطن المؤسسات والعدالة وكرامة الإنسان، كرامة مل المواطنين اللبنانيين القابعين تحت السطوة نفسها والمعانين ما يعانوه، وأكثر منهم في بعض الأحيان، طرحت على النخبة من أساتذة الصفوف الثانوية سؤالا كان في جعبتي من أبحاثي في روما: "ما الذي يتسبب بهذا الكم من الانقسامات العامودية في الوطن ويكاد يبطل فكرة "العيش المشترك" التي لطالما تمسك بها الفاتيكان وكنيستنا المارونية كعلامة لإمكانية عيش الأخوة والسلام في أوطان متعددة الأديان والثقافات، ويدفع بلبنان نحو العنصرية والانقسام حتى بين الأخوة من المنطقة الواحدة واللون الواحد والديانة الواحدة؟

ما الذي يتسبب بتعطيل هذه النمطية؟

منهم من قالوا السباق إلى رئاسة الجمهورية، ومنهم من أصروا على عدم إمكانية العيش مع المسلمين بخاصة إثر اتفاقهم مع الفلسطينيين على سيادة لبنان، ومنهم من وضع الاختلاف في الأحوال الشخصية وتعدد الزوجات والإنجاب اللامحدود الذي يعرض الديمغرافيا للتغيير وخسارة التوازن في الديمقراطية العددية واستغلال هذه النقطة للسيطرة العددية على الوطن ... ومنهم، أكثر اطلاعا سياسيا وتاريخيا على تأسيس الجمهوريات في بداية القرن العشرين، اعتبر ان الخطأ الاستراتيجي كان في القبول بتأسيس وطن تعددي في الوقت نفسه الذي كان يُعد من قبل الدول المستعمرة لتأسيس وطن عنصري لليهود.[7]

وبعد تحليل الأسباب كافة في ضوء المراجع التاريخية  الموضوعية، بعيدا عن الأساطير والسرديات الموجّهة لإخافة الناس من بعضهم، حتى ضمن الجماعة الواحدة، ذاك الخوف المتوارث من أيام المماليك إلى يوم كل جيل، والذي يصب صريحا في خدمة النظام الاجتماعي-الديني السائد القائم على العشائرية والعائلية وأنواع مختلفة من الإقطاع المؤتمن على خير جماعته حياتيا، عدديا وضرائبيا، والمرتعب من تعليم الأجيال ما لا يتناسب وحفظ التقاليد والعادات والأعراف المتوارثة على أساس معادلة "العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم"، و"اللي بيطلع من تيابو بيبرُد" و "قيراط علم و23 قيراط تهذيب"، أي طاعة عمياء للمتوَلين عليها.

فكان الاستنتاج الأليم بان العِلّة هي في انعدام الوعي بسبب عدم وضع برامج تربوية وسياسية بالتزامن مع إعلان الدولة الجديدة تحرّر الوجدان التاريخي لكل من ارتضى أن يحمل جنسية لبنان الكبير ويصدق نظرية الوطن والمواطنة والدولة العادلة القائمة على مثلث الثورة الفرنسية "حرية، مساواة، أخوة". على العكس، استمرت الزعامات الدينية والتقليدية، ولغاية 1975، تلعب دور المراجع التي لا يُرد لها طلب طالما هي ترضي المندوب السامي أو الحاكم  العسكري أو أهل النظام الحديث وكأن حقوق الناس المكتسبة  والقضاء والعدالة غير موجودة أو استنسابية. وحفاظا على مكتسباتها التقليدية تستّر البعض منها في تأسيس حزبي يحمي مصالحه ومصالح محازبيه على حساب الصالح العام، وهكذا انبرت شبكة من الإقطاع السياسي يحمي بعضه البعض ويتشارك خيرات الدولة في دوائر ضيقة ليحافظ على تجديد دوره السياسي وتوريثه لأولاده، وكل هذا على أساس المبدأ الشهير: "من نعم الله عليكم حاجة الناس إليكم". فكيف يمكن إقناع هذه المراجع بالقبول بقيام دولة مدنية عادلة قوية تجعلهم عاجزين عن الإمساك بـ "شارعهم" الهاتف لهم ولأولادهم والمتوقع منه أن يهتف أيضا لأحفادهم "بالروح، بالدم، نفديك يا...". فشارعهم هو أساس ثروتهم ورفاههم، ومعنى وجودهم، حتى أن بعض العائلات الإقطاعية والأحزاب، لم تتوانى، مستغلة التناقضات على مساحة الشرق الأوسط وحلول دولة عنصرية رمت في أحضان لبنان حوالي خمسمئة ألف لاجئ فلسطيني خلال سنة واحدة، من اللجوء إلى التسلح، حتى تسلح اللاجئون الفلسطينيون أيضا، بحجة الدفاع عن النفس، بما يفوق قوة الجيش اللبناني، فديست هيبة الدولة وبدأ انهيارها، وهذا ما زاد الطين بلة في رفعة دور الأحزاب ورؤساء الطوائف على الدولة، ما أوصل المواطن الحالم بوطن سليم منظور عالميا  إلى حالة من اليأس لجهة تحرّره  مما أسماه جبران خليل جبران "منازل الأمس". 

منذ البداية أقفلت شهية أجيال التأسيس عن النقد البناء، ليس فقط للاعوجاج في أسس صرح الدولة وعدالتها وقضائها، بل حتى للتقاليد القاتلة وللنظام التربوي الذي  كرس، باسم حرية التعليم الخاص، الديني والمدني، تعددية اللغات والمناهج والسباق في خدمة سوق العمل الذي من الصعب تأمينه في الوطن، ما دفع حكما معظم المواهب الشبابية للهجرة والعمل في الدول التي يتكلمون لغتها. لم تهتم الدولة بوضع أي برنامج تربوي، ولا حتى كتاب التاريخ والتربية المدنية الإلزاميين اللذين يساهمان فعليا في تنقية الذاكرة لتسع لذكريات وطنية حديثة بناءة لشعب واحد ورؤية موحّدة فراحَ كل من المكونات يحلم برؤيته في ضوء ثقافته وانتماءاته الخارجة عن الحدود، مستندا باسم مؤيديه على مقولة جبران "لكم لبنانكم ولي لبناني"... [8]

ولا نبرئ المكونات اللبنانية التي اتفقت على تأسيس لبنان الكبير من ذنب الوصول إلى ما بات لبنان عليه لأنها لم تكن في درجة من الجهل لتبرئتها. إذا ما عُدنا إلى تاريخ الثورات التي ظهرت في القرن التسع عشر وبداية العشرين، يتأكد لدينا بانه كان لديها ما يكفي من الوعي للتمييز بين بناء الدولة المدنية الصالحة لأجيالها إلى أمد طويل وبين المحافظة على القيود الدينية والتقليدية التي تربطها بقواعدها خارج الوطن الصاعد وبالتالي تمنعها من التكاؤن مع مكونات الوطن الأخرى. هل كان خوفهم من بعض مبررا؟ ألم يكن اتفاقهم على عدو مشترك يداهمهم من الخارج – السلطنة العثمانية -  بكاف لكي يتوحدوا حول ما يتخطى حلقاتهم الضيقة، وأكبر إثبات على هذا الاتفاق شهداء عامي 1915 و 1916 الذين وحدت أرواحهم بين مكونات الجغرافيا اللبنانية من دون استثناء، وكرّست وَحدتُ دمائهم  بيروت عاصمة خالدة لكل اللبنانيين؟

عليه، ومن باب إيجاد عذر مبني على طيبة قلب تلك الأجيال، نتساءل عمّن مِن أجدادنا، وحتى من والدينا في الأربعينيات، سأل عن برنامج المدرسة التي يسلم عقول أولاده لها، وإن كانت ستعلمهم حب وطنهم الجديد، وعَلَمه، ونشيده، وتاريخه، وجغرافيته؟ كاتب هذه الأسطر مثلا، وكل من هم من جيله من الذين تعلموا لدى الإرساليات الفرنسية، درسوا تاريخ وجغرافية فرنسا وتعلموا نشيدها الوطني (La Marseillaise) لغاية 1962، وكان أهالينا ممتنين لهم أبدا. مقط في تلك السنة، طالعتنا المدرسة بإدخال النشيد الوطني اللبناني وتاريخ وجغرافية لبنان في البرنامج وأضافت عليها الخدمة العسكرية لمدة سنة. إنما كانت الأحزاب الانتدابية قد سبقتها إلى برامجَ تثقيفية حول القومية اللبنانية والقومية السورية والقوميات الشيوعية والاشتراكية والانعزالية، ناهيكم عن حركات التحرّر الأخلاقي والجنسي التي أدخلتها السينما الأجنبية على وسع شاشات الوطن، فخجلت الكنائس والجوامع من قلة قاصديها نسبة إلى قاصدي دور السينما... تلك كانت الخطورة الدامغة التي جعلت من أجيالنا، منذ 1860عندما سلمنا أدمغة أطفالنا، صاغرين، من هول المجازر التي حلت بلبنانيي الجبل على مصراعيه إلى إحدى الفئتين: فئة سلمتهم للمنطق الانتدابي الفرنسي والأخرى للمنطق الانتدابي البريطاني-الأمريكي. والأنكى، بشهادتنا، هو أن الانتداب الفرنسي، الخارج ملحدا من الثورة الفرنسية، بخاصة إبان الجمهورية الثالثة، موّل المؤسَسات التربوية الكاثوليكية على أنواعها كي تُخضع عقول من تُعلمهم، باسم الدين المسيحي، لمحبة فرنسا العادلة، حامية المسيحيين الكاثوليك، فكانت لعبة الكرة الشهيرة "Pomi Pomalla"، التي تعلّمَتها أجيالهم بالفرنسية عن صغر، والمقصود بها الإخضاع البنوي-الديني لفرنسا "الأم الحنون"، ولا شك أن أمورا مماثلة كانت لدى المدارس الأنغلوسكسونية، ما حجّر الوجدان اللبناني بشكل عام، الفردي كما الجماعي، على ما عبّر عنه جبران خليل جبران أفضل تعبير في ويلاته التسع التي نستل منها التالي، بتصرّف:

  1. ويل لأمة تكثر فيها المذاهب وتخلوا من الدين، (المذاهب المسيّسة)
  2. ويل لأمة يكثر فيها التشاطر، أي منطق التذاكي لصالح المنفعة الخاصة (بعد حماري ما ينبت حشيش)، وتخلوا من الحكمة التي تؤسس للصالح العام البعيد المدى (الجار قبل الدار، إن كان جارك بخير إنت بخير، الجار للجار ولو جار)،
  3.  ويل لأمة سياستها الاتجار حتى بأصول الوطن، وفلسفتها شعوذة، وأفضل الحلول للمشاكل لديها "الترقيع"،
  4. ويل لأمة عاقلها مكموم الفم، وقويها مقيد اليدين والرجلين منهوبة أمواله، ومحتالها من بيده المال والإعلام.

ويختم جبران ويلاته بالتاسعة قائلا: ويل لأمة كل قبيلة فيها أمة، تاركا العاشرة لمن سيكون لديه القدرة على تحديدها.

العلة إذا هي في الإدراك الفردي والجماعي للذات وللكيان الوطني في ضوء هذه الويلات والقرار الضمني الشامل بتصحيح البوصلة. فبالرغم من ازدهار العلم والمعارف في لبنان إلا أن كل هذا بقي سطحيا، تشرذميّا، عملا بنظرية "فرق تسد"، يخدم المستعمر، والاحتكار، وكل "سارق حقل يدعى الباسل الخطر"، ولم ينغرز في العقل الباطن إلى حد تحريره من الرواسب الصليبية، المملوكية، العثمانية والتي توعز كلها بأن الدولة هي العدو الذي يجب الاحتيال عليه وسرقته والاحتماء من ظلمه بالزعماء ورؤساء الطوائف ورجال الأعمال المتمكنين من التدخل في القضاء إلخ.  أما اليوم، وبعد خمسين سنة على الـ 1975، فلا احتماء سوى بالأحزاب الحاكمة، المتسلطة، التي قبضت على الأبعاد الثلاثة من دولة الأمر الواقع، الدين والمال والقضاء، مسوّرة  إياها بحرية الإعلام الموجّه، والتي لا فرق لديها بين مستعمر ومحتل و دولة مهما كانت سيدة حرّة مستقلة، طالما أن الكل يخضع لسيادتها وسلطتها غير المتنازع عليها من سلطة أخرى. 

بالنسبة لنظرية التكاؤن، هنا يكمن حائط المبكى... كيف يتم التوصل إلى تحرير العقل الباطن، الفردي والجماعي للمواطنين، من تراكمات قرون من الاحتلالات والاستعمار واستغلال الشعب بإيمانه ومواهبه لخدمة "تاجر" دولي متجول يزاحمه "تاجرا"  آخر شبيه به، كلاهما متخفّ خلف حزب محلي مرتزق من هنا وحزب مثيل له من هناك؟

إن اعترفنا بأن العلة هي في التغفيل وانعدام الوعي، فالحل يكون حكما في التنوير وتحقيق درجة من الإدراك الفردي والجماعي عند كل لبناني ولبنانية، وكل اللبنانيين، بهدف الدخول ولو لأول مرة في مدار الوطن والمواطنة.[9] الرؤية مرعبة لكثرة أخصامها، بل أعدائها، من كل المكونات اللبنانية، ولا نغفل عمّن هم غير لبنانيين. إنها رؤية أشخاص خرجوا من الصندوق ورأوا وفكروا وصمّموا أن ينقذوا وطنا لا يريد أحدا له، ولا حتى أقرب أصدقاءه وأحبائه، أن يكون وطنا بكل ما للكلمة من معنا. أما تنقية الذاكرة  فلا بد لها من أن تنطلق من اللغة، الكشف عن المفاهيم التي تحرّر العقل من رواسب باتت خانقة، وهويات باتت قاتلة، بدءا بمفهومي التعايش والعيش المشترك اللذين، إثر كل ما جرى من أنواع الحروب والاضطهادات خلال الخمسين سنة الماضية، فقدا كل تأثير لهما حتى غديا وكأنهما معطِّلَين للتركيبة العائلية بذاتها التي هي نواة المجتمع والوطن، دون استثناء، حتى الجماعة الدينية منه. فالأسئلة التالية تسلط الضوء على ما يبتغيه المفكر والمشرع والمنظم من خلال ما يقترحه هذا الكتيب التأسيسي لمواطنة جديدة.

من العيش المشترك إلى التكاؤن:

سألتني إحدى السيدات من عمر مقبول وثقافة وسطية وهي واقفة أمام اليافطة التي تحمل كلمة التكاؤن عما تعنيه هذه الكلمة. تفرست فيها وزنت قدرتها على استيعاب الشرح، وبكل هدوء سألتها: هل حضرتك متزوجة وأم لأولاد؟ فأجابت بالإيجاب. فألحقت عندها سؤالي الأول بسؤال ثان: "هل أنتم كعائلة في حالة تكاؤن أم في حالة عيش مشترك؟  فزاغ نظرها لبرهة واستلقطت نفسها لتجيب بشكل عفوي "تكاؤن"، مفضلة هذه العبارة على العيش مشترك. إنها قضية حدث. فقلت لصديقي المستصعب قبول الناس لهذه المفهمة الجديدة: أرأيت؟

بالتالي: ما هو الأفضل قوله في مكونات الوطن الأساسية:

عائلة متعايشة ام متكائنة؟ طائفة متعايشة أم متكائنة؟ حكومة متعايشة أم متكائنة؟ دولة متعايشة أم متكائنة؟ وقد يطرح السؤال حتى على الصعيد الشخصي: هل هو/هي متعايش/ة مع ذاته/ا أم متكائن/ة بذاته؟

 

 

[1] Cf, Davies Paul. The Mind of God, The Scientific Basis for a Rational World. New York , London , Toronto , Sydney , ed . Touchstone.  Simon & Schuster1993, F.N. 47. معربة في كتابنا "الخلق من الحب وليس من العدم" ص.318

[2] Apperception(Kant), noun, the mental process by which a person makes sense of an idea by assimilating it to the body of ideas he or she already possesses.

 

[3]  يو10، 10: الكتاب المقدس، طبعة كتاب الحياة. https://www.albishara.net/bible/chapter/H/43/10?mstmr=0&tshkeel=1

[4]  من هنا قوة الكتابة: l’Écriture التي تحدث عنها

[5] راجع كتابنا الجمهورية الخامسة: الحل للمعضلة اللبنانية، تورونتو – كندا 2022، ص.19.

Synesseration, Cf. Rouhana Michel, Creation out of Love,

[6] لسنا بصدد تعداد أحداث لم تغب ذكرياتها الأليمة لغاية اليوم عن ذهن أحد.

[7]  وقد قال العلامة سعيد عقل في الموضوع: " لا يمكن أن يستمرّ على هذا الشاطئ من المتوسط جبلان متناقضان، فإما جبل صهيون وإما جبل لبنان."

 

[8] يذكر الصحافي وسام ناصيف ياسين  بالمقال الذي نشره جبران خ. جبران تحت عنوان "لكم لبنانكم ولي لبناني"، الذي يرفض فيه إعلان دولة لبنان الكبير قائلا: " لبنان البلد الصغير الهادئ الآن، سيكون مسرحاً لمجزرة هائلة، يذبح فيها المسلم المسيحي والمسيحي الدرزي، وسوف يذبح المسيحي أخاه المسيحي، ومن يعش يرَ".  ويزيد الكاتب للأمانة التاريخية، بأن جبران حذّر من تعدّد الجماعات غير المتجانسة في الكيان الناشئ، ما يجعل منه مخلوقاً غريباً متعدد الرؤوس والرئاسات. ولَعلّ أنصع تجليات تلك "النبوءة"، عبارته "لبنانكم دولة ذات رؤوس لا عداد لها... وماذا عسى أن يبقى من لبنانكم وأبناء لبنانكم بعد مئة سنة؟". يبدو أن كل ما توقعه جبران هنا، حصل، والعبرة الآن بما سيلي... أي لبنان يجب أن يكون؟ وهل نحققه نحن أم نبقى أعجز من أن نحققه؟

Cf. https://www.almayadeen.net/articles/blog/1419928/

[9]  ثلاث مؤتمرات في جامعة الروح القدس، الكسليك، حول هذا الموضوع، تحت العناوين التالية:

 
 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

آخر الأخبار

لكيما نعرفَ ذواتَنا جيِّدًا،

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

من القصر الجمهوري إلى الحقيقة الدستورية:

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

الصيد العجيب وسرّ الرقم 153

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

The Miraculous Catch and the Mystery of the Number 153

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

When Christian Symbols Are Attacked:

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

من الأمم المتحدة إلى لبنان: حين يتحوّل التوافق إلى فيتو ضد الدولة

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

في سياق رسالة البابا لاون XIV "الإنسانية الرائعة"

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

الشعر التكاؤني: من عاطفة الشعب إلى ولادة «نحن» جديدة

الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM