من الأمم المتحدة إلى لبنان: حين يتحوّل التوافق إلى فيتو ضد الدولة
وهل ما نسمّيه في لبنان «ديمقراطية توافقية» ما زال يحمي التوازن الوطني، أم تحوّل إلى نظام تعطيل دائم،
2026-06-18
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
من الأمم المتحدة إلى لبنان: حين يتحوّل التوافق إلى فيتو ضد الدولة
بقلم الأب الدكتور ميشال روحانا الأنطوني، واضع نظرية الجمهورية الخامسة وعضو مؤسّس في جمعية اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية
/2026/13 حزيران
في مئوية الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926، لا يكفي أن نحتفل بالنص الدستوري بوصفه وثيقة تاريخية. الأهم أن نسأل: هل ما زالت البنية الدستورية والسياسية القائمة قادرة على إنتاج دولة؟ وهل ما نسمّيه في لبنان «ديمقراطية توافقية» ما زال يحمي التوازن الوطني، أم تحوّل إلى نظام تعطيل دائم، حيث يصبح كل فريق قادرًا على منع القرار، ولا يستطيع أحد أن يصنع الدولة؟
تبدو المقارنة بين الأمم المتحدة ولبنان، للوهلة الأولى، بعيدة. فالأولى منظمة دولية تضم دول العالم، والثاني وطن صغير يبحث منذ عقود عن انتظامه الدستوري. غير أن العطب البنيوي في الحالتين متشابه: آلية وُضعت في الأصل لحماية التوازن، تحوّلت مع الزمن إلى أداة تعطيل. في مجلس الأمن، وُجد حق النقض لكي لا تُفرَض القرارات الكبرى على القوى الكبرى. لكنه في حالات كثيرة منع العدالة الدولية من أن تأخذ مجراها، وحوّل المأساة الإنسانية إلى مادة مساومة بين مصالح الدول. هكذا صار «الفيتو» قادرًا على إسقاط حق الشعوب في الحماية، لا لأنه يقدّم حقًا أعلى، بل لأنه يملك قوة المنع.
في لبنان، لا يحمل التعطيل الاسم نفسه دائمًا، لكنه يمارس الوظيفة نفسها. فالديمقراطية التوافقية، التي كان يُفترض أن تحمي التعدد اللبناني وتمنع غلبة فريق على آخر، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى فيتو داخلي دائم. لم يعد التوافق بحثًا عن الخير العام، بل صار في أحيان كثيرة حقًا غير معلن في الشلل. وحين يصبح كل قرار وطني محتاجًا إلى رضى القوى نفسها التي تستفيد من بقاء النظام على حاله، تصبح الدولة رهينة الذين يملكون القدرة على تعطيلها.
هنا تكمن خطورة الالتباس اللبناني. فالمشكلة ليست في التعدد، لأن التعدد غنى إذا انتظم في دولة عادلة. وليست المشكلة في الطوائف بوصفها مكوّنات ثقافية وروحية وتاريخية. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل الطوائف إلى ممر إلزامي للسلطة، وعندما يصبح التمثيل السياسي أسير المال والخوف والعصبيات وشبكات الزبائنية والوراثات الإقطاعية. عندها لا تعود الانتخابات وحدها كافية لإنتاج إرادة شعبية حرّة. قد تُجرى الانتخابات في موعدها، وقد تُحصى الأصوات بدقة، ومع ذلك تكون النتيجة السياسية مشوّهة إذا كان الناخب محاصرًا بالخوف أو الحاجة أو الولاء المفروض أو الذاكرة الجريحة.
من هنا تظهر حدود الديمقراطية العددية عندما تعمل داخل بنية اجتماعية وسياسية غير محرَّرة. فالاقتراع لا يصنع تلقائيًا مواطنًا دستوريًا. والصندوق لا يحرّر الدولة إذا كانت القوى التي تدير الوصول إلى الصندوق هي نفسها القوى التي ورثت النفوذ والمال والسلاح والزبائن. الديمقراطية، في هذه الحالة، تحتاج إلى هندسة دستورية تحميها من تزوير معناها، لا فقط من تزوير أرقامها.
وهنا تبرز أهمية المشروع الذي يعمل عليه اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية. فهو لا يكتفي بتشخيص الشلل اللبناني، بل يذهب إلى جذره: الخلط بين التمثيل السياسي والضمانات الميثاقية. فحين يُطلَب من مجلس واحد أن يكون في الوقت نفسه مجلسًا للشعب ومجلسًا للطوائف، تضيع وظيفة كل مؤسسة. يصبح النائب ممثلًا لطائفته أكثر مما هو ممثل للمواطن، وتصبح القوانين العامة أسيرة الحسابات المذهبية، ويصبح الوطن عاجزًا عن الانتقال من تجميع القوى إلى بناء الدولة.
إن مشروع اللقاء الدستوري، في دعوته إلى الانتقال من نظام المجلس الواحد إلى بنية دستورية ذات غرفتين، يفتح بابًا جديًا للتفكير في الخروج من هذا المأزق. فمجلس النواب يجب أن يكون مساحة التمثيل السياسي للمواطنين، على قاعدة البرامج العامة والمحاسبة الوطنية. أما الضمانات المتعلقة بالمكوّنات الطائفية والثقافية، فينبغي أن تُنظَّم في مجلس آخر، أو في هيئة انتقالية تمهيدية، لا لكي تُكرَّس الطائفية، بل لكي تُخرَج من مجلس النواب وتوضع في إطارها الدستوري الصحيح.
غير أن الانتقال لا يمكن أن يُترك للانتخاب وحده، لأن الانتخاب نفسه واقع تحت ضغط القوى التقليدية والمال السياسي والوراثات الإقطاعية. لذلك تصبح الحاجة ماسة، في المرحلة التأسيسية أو الانتقالية، إلى حكماء مستقلين، لا يأتون من لعبة التعبئة الانتخابية، بل يُختارون لما يمثلونه من حكمة وخبرة ونزاهة واستقلال. هؤلاء لا يحلّون محل الشعب، ولا يصادرون الديمقراطية، بل يساعدون على تنظيم المرور بين نتائج انتخابات قد تكون مخترقة، وبين قوى تقليدية لا تزال تتحكم بالمجتمع والدولة.
في مئوية الدستور، السؤال ليس كيف نحفظ النص في الاحتفال، بل كيف ننقذ روحه من التعطيل. فلبنان لا يحتاج إلى فيتو جديد، بل إلى عقل دستوري جديد. ولا يحتاج إلى توافق شكلي يحمي الشلل، بل إلى مؤسسات تضمن أن يتحوّل التعدد إلى خير عام، وأن تتحوّل الديمقراطية من أداة بيد القوى القديمة إلى طريق نحو الجمهورية.
© جميع الحقوق محفوظة
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
من الأمم المتحدة إلى لبنان: حين يتحوّل التوافق إلى فيتو ضد الدولة
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
في سياق رسالة البابا لاون XIV "الإنسانية الرائعة"
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الشعر التكاؤني: من عاطفة الشعب إلى ولادة «نحن» جديدة
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM