لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟
إن مئوية الدستور اللبناني يجب أن تكون مناسبة لهذا التفكير الشجاع
2026-06-18
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟
بقلم الأب الدكتور ميشال روحانا الأنطوني، واضع نظرية الجمهورية الخامسة وعضو مؤسّس في جمعية اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية
15 حزيران 2026
إذا كان المقال السابق قد بيّن أن لبنان، في مئوية دستوره الصادر سنة 1926، يعاني عطبًا بنيويًا شبيهًا بما تعانيه الأمم المتحدة حين يتحوّل التوازن إلى حقّ تعطيل، فإن السؤال التالي يصبح أكثر إلحاحًا: ما الدواء المؤسساتي؟ وكيف يمكن للبنان أن يخرج من ديمقراطية توافقية مشلولة إلى جمهورية دستورية قادرة على القرار؟
ليست المشكلة في الديمقراطية من حيث هي مبدأ. فالديمقراطية، في معناها النبيل، هي الطريق الطبيعي إلى مشاركة المواطنين في صنع القرار العام. غير أن الديمقراطية لا تعمل في الفراغ. فهي تحتاج إلى مواطن حرّ، ومؤسسات عادلة، وقانون يحمي الاختيار، وثقافة سياسية تفصل بين الولاء للوطن والارتهان للزعيم أو الطائفة أو المال أو الخوف. فإذا فُقدت هذه الشروط، قد تتحوّل الانتخابات إلى آلية شكلية تعيد إنتاج القوى نفسها التي عطّلت الدولة، بدل أن تفتح الطريق أمام تجديدها.
لهذا لا يكفي أن نقول: فلنحتكم إلى الصندوق. فالصندوق مهم، لكنه لا يكون حرًا إذا كان الناخب محاصرًا بالحاجة، أو بالخوف، أو بالزبائنية، أو بذاكرة الحرب، أو بسيطرة الزعامات التقليدية. ولا يكون الصندوق وطنيًا إذا تحوّل إلى استفتاء دائم على العصبيات بدل أن يكون اختيارًا بين مشاريع إصلاحية. عندها لا تلغي الانتخابات الإقطاع السياسي، بل تمنحه شرعية جديدة؛ ولا تكسر احتكار السلطة، بل تعيد تدويره باسم الإرادة الشعبية.
من هنا تنبع أهمية المشروع الذي يعمل عليه اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية. فهو لا ينطلق من العداء للديمقراطية، بل من الحرص عليها. ولا يريد مصادرة إرادة الشعب، بل يريد حمايتها من التشويه. فالديمقراطية التي تُترك وحدها في مجتمع ممسوك بشبكات النفوذ والمال والخوف قد تصبح أداة بيد الذين يملكون القدرة على توجيهها. لذلك تحتاج الديمقراطية اللبنانية إلى هندسة دستورية جديدة، لا تُضعفها، بل تنقذ معناها.
جوهر هذه الهندسة هو الانتقال من مجلس واحد ملتبس الوظيفة إلى بنية دستورية بغرفتين: مجلس نواب يمثّل المواطنين سياسيًا على أساس البرامج والمحاسبة والمساواة في الكرامة الوطنية، ومجلس شيوخ يوفّر الضمانات الميثاقية والثقافية والطائفية في إطار دستوري واضح. بهذا الفصل، لا نلغي تعدد لبنان، بل ننظّمه. ولا نطرد الطوائف من الواقع، بل نمنعها من ابتلاع الدولة. ولا نترك المواطن وحيدًا أمام بنى تقليدية ضخمة، بل نمنحه مؤسسة سياسية صافية تستطيع أن تتكلم باسمه كمواطن، لا كملحق بجماعته.
إن مجلس النواب، في هذا التصور، يجب أن يكون مجلس الشعب، أي المجلس الذي تتنافس فيه البرامج الاقتصادية والاجتماعية والإصلاحية، لا الولاءات المذهبية. أما مجلس الشيوخ، فيكون مساحة الضمانات الكبرى التي تمنع الخوف بين المكوّنات، وتحمي التوازن الوطني، وتسمح في الوقت نفسه بتحرير العمل التشريعي العام من الابتزاز الطائفي اليومي. فإذا أُنجز هذا الفصل بحكمة، يصبح ممكنًا أن ننتقل من دولة تُدار بالتعطيل المتبادل إلى جمهورية تُدار بتوزيع صحيح للوظائف الدستورية.
لكن السؤال الدقيق هو: كيف نصل إلى ذلك؟ وهل يمكن أن يولد مجلس الشيوخ مباشرة من انتخابات تقع تحت التأثير نفسه الذي أصاب مجلس النواب؟ هنا تظهر ضرورة المرحلة الانتقالية التي تحدّث عنها اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية. فالانتقال من غرفة واحدة إلى غرفتين لا ينبغي أن يكون قفزة مفاجئة، بل مسارًا تربويًا ومؤسساتيًا. يمكن أن تبدأ التجربة من هيئة تمهيدية، أو لجنة دستورية موسّعة، تشكّل نواة عملية لمجلس الشيوخ، وتساعد اللبنانيين على فهم وظيفته قبل انتخاب أعضائه لاحقًا وفق قانون مدروس.
حكماء الجمهورية:
في هذه المرحلة بالذات، تبرز الحاجة إلى حكماء مستقلين، يسمَّون ولا ينتخبون. وقد يبدو هذا الكلام، للوهلة الأولى، مخالفًا للمنطق الديمقراطي. لكنه في العمق ليس كذلك. فالتسمية، إذا ضُبطت بمعايير صارمة من النزاهة والخبرة والاستقلال والصفة المرجعية، لا تكون بديلًا من الديمقراطية، بل ضمانة انتقالية لها. إن الذين يُسمَّون في مرحلة تأسيسية لا يأتون ليمثلوا أحزابًا أو زعامات أو مصالح انتخابية، بل ليمارسوا دور التحكيم الأخلاقي والمؤسساتي بين نتائج انتخابية قد تكون مشوّهة، وبين وراثات تقليدية لا تزال تمسك بقرار الناس.
في هذا المعنى، لا يكون الحكماء فوق الشعب، بل في خدمة الشعب. ولا يكونون بديلًا من النواب، بل عونًا للانتقال من مجلس نواب مثقل بالطائفية إلى مجلس شعب حرّ من القيد الطائفي، ومن طوائف خائفة داخل البرلمان إلى ضمانات ميثاقية منظمة في مجلس شيوخ. إنهم يشبهون الجسر بين واقع مأزوم ومستقبل دستوري مأمول. والجسر لا يسكن مكان أحد، بل يسمح للجميع بالعبور.
إن مئوية الدستور اللبناني يجب أن تكون مناسبة لهذا التفكير الشجاع. فبعد مئة سنة، لا يكفي أن نكرر العبارات نفسها عن الوفاق والميثاق والشراكة أو العيش المشترك. لقد استُعملت هذه الكلمات كثيرًا حتى كادت تفقد معناها. المطلوب اليوم أن نعطيها جسدًا مؤسساتيًا جديدًا: مجلس شعب للمواطنة السياسية، ومجلس شيوخ للضمانات الوطنية، وحكماء مستقلون يساعدون على تنظيم الانتقال بينهما.
ليست الغاية أن نضعف الديمقراطية، بل أن نمنع تحويلها إلى غطاء لسلطة قديمة. وليست الغاية أن نكرّس الطوائف، بل أن نضع ضماناتها في مكانها الصحيح كي تتحرر الدولة من هيمنتها اليومية. وليست الغاية أن نخترع فيتو جديدًا، بل أن ننهي ثقافة الفيتو باسم دستور أكثر عدالة.
في مئوية الدستور، ومن قلب وطن منازع، لا نرفع الصوت فارغي الأيدي. فاللقاء الدستوري من أجل الجمهورية يتقدّم بمشروع دستوري واضح لهذه الخطوة الانتقالية، البسيطة في ظاهرها والحاسمة في نتائجها، والتي يعرف الأمين العام للأمم المتحدة، السيد غوتيريش، أنها قد تكون خشبة خلاص لوطن خُطفت إرادته، وسُلبت أمواله، وأُهينت كرامة شعبه.
ومن هذا المنطلق، يضع اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية نفسه في تصرّفه، من أجل مؤازرة لبنان، بأفضل الطرق الدبلوماسية والدستورية الممكنة، على الانتقال من جمهورية الشلل إلى جمهورية القرار.
ولكن، خدمةً للرأي العام، لا بدّ من الانتقال من النداء إلى الخريطة العملية: ما النقاط المفصلية التي يقترحها اللقاء الدستوري من أجل الجمهورية لمؤازرة الأمم المتحدة في حلّ المعضلة اللبنانية؟ هذا ما سنعرضه في المقال التالي.
© جميع الحقوق محفوظة
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
من الأمم المتحدة إلى لبنان: حين يتحوّل التوافق إلى فيتو ضد الدولة
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
لماذا يحتاج لبنان إلى مجلس شيوخ يحرّر الديمقراطية من التلاعب الانتخابي؟
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
في سياق رسالة البابا لاون XIV "الإنسانية الرائعة"
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الشعر التكاؤني: من عاطفة الشعب إلى ولادة «نحن» جديدة
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)
الأب د. ميشال روحانا الأنطوني مبتكر مفهمة التكاؤن لغويُا وفلسفيًا
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM