tiktok
Logo

"التكاؤن"

أساس عائلة ومجتمع ودولة

2026-04-18

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

مقدّمــة:

كي نثمّن نعمة "الكينونة" كأساس دستوري للبنان الذي يجب أن يكون، وليس فقط ما يريده كل منا له أن يكون، علينا أن نتعمَّق في نعمة الإدراك لمقولة جبران خليل جبران في حَمَلةِ الإرث البشري، الأولاد: "أولادكم ليسوا لكم، اولادكم أبناء الحياة... والحياة لا تقيم في منازل الأمس" إذ، بالنتيجة، إن لم تكن دساتير الأوطان وأعرافها موضوعة كما لو أنها من أب صالح لأولاده، فأي خير منها؟

"التكاؤن" كتيب تعريفيٌّ بنظريةٍ لغويّة حديثة موجّهة أوَّلا إلى الناطقين باللغة العربية، قناعةً منا بأن في كل منهم ومنهنّ، صَديق للحكمة وصديقةٌ لها، هي التي تأبى

 

أن تستمرّ قابعةً "في منازل الأمس" أي في غياهب الماضي والمحدودية.[1]

لو لم يَقصد جبران خليل جبران بالـ "حياة"، في مقولته هذه، سوى تفلّت الأنا العقلية والعاطفية من التقاليد والعادات والتراث لكانت كل أجيالنا تعيسة، وقد باتت بالفعل تعيسة، ولو بنسب مختلفة.

لماذا؟

لأنها لم تَفهم قصد جبران كما يريده هو، فاستمرّت عالقةً بين مِطرَقة التطوّر اللُغَوي لوسيلة التخاطب، وسِندان العلاقات العائلية والاجتماعية المُعلّبة في تعابيرَ حُبلى بالأحكام المسبقة المتبادلة بين الأهل وأولادهم حول إشكالية الملكية والتملك: أولادنا ملكية لنا، وإلا...

يضاف إلى ذلك جديد التنمّر ومخزون الأحقاد التي لا زالت تؤجّجها وسائل الإعلام المحلية والعالمية، المرتبطة، مثلًا لا حصرًا، بالتحرّر الجنسي وبالعنصرية الطائفية التي من شبه المستحيل تخطّيها بخاصَّةٍ متى ارتبطت بالمصالح الفردية، والعائلية، والمناطقية، والقَومية.

أما كاتب هذه الأسطر وواضع هذه النظرية، فقد اقتنع، ولا يزال، أن المقصود  بـ"الحياة" من قبل جبران، هو الوعي الشخصي للذات و إدراك أعماقها، ماديا، جماليا، روحيا، اجتماعيًا وقوميًا. وقوام هذا الوعي هو في التنقية الدائمة لوسائل التعبير الفنية منها والكلامية، العامية والفصحى، بخاصّة المبنية على اللغة العربية.

لماذا العربية؟

أولا لقوة جذبها العاطفي الذي استساغه جبران من كلمات أمه المعزية لأولادها في ذروة الحرمان الذي عبروا فيه،

وثانيا لغناها المميّز، لكثرة ما تمازجت به مع اللغات الساميّة المساوية لها في القِدَم كالآرامية والسريانية، دون أن نغض النظر عن الفارسية،

وثالثا، وهذه نقطة سلبية، لأن تنقيتها وتحريرها من الرواسب التاريخية التي فرضت عليها، بخاصة الدينية والمذهبية والعشائرية والاجتماعية والعائلية، وفكفكتها،

 

[1] أنعم الله علي بأن أقرأ هذه الحالة الإنسانية بين أسطر اللغات الأوروبية والسامية، بخاصة الفرنسية والسريانية، خدمة للغة العربية، وللسلام في لبنان. استشفّيت كلماتها من خلال الكتب المقدسة وجبران خليل جبران (1883 – 1931) و الفيلسوف الألماني هايدغر (1889 – 1976)، وكتبتها بدماء شهداء شعبي الذين سقطوا منذ بداية حرب 1975، بخاصة الأمهات والأطفال، ودموع العين، وصلوات السهر المضمّخة بالبخور المرتفع أمام صليب الألم والأمل.

الباب السادس.

وتحويلها، وتطويرها، أمر صعب للغاية، ولم تتم المحاولة لتحقيقه إلا نادرًا، ومؤخّرًا.[1]

لذلك نؤكّد بأن جبران قصَدَ بـ"الحياة" تحرير التعبير، أي كل ما ينطق به الإنسان، ما يُعبّر به، ومن خلاله، عن اختلاجات روحه من تفاعلات جسدية (body language)، وأساليب أدبية، ورسوم وفنون (Gestalt) وحتى الصلاة.[2]

 تحرير التعبير من ماذا؟

من قيوده وترسباته التي تُحجّر العقول وتمنع الأنا التصاعدية، على حدّ قول الفيلسوف ’كانْتْ‘،[3] من تخطّي منازل أمسٍ ما، إلى منازل مستقبل يرتقي بها إلى مشتهيات الإنسان المدرِكِ لنفسه، والمدركِ أنه مدركٌ لما يدركُه عن نفسه في ارتباطها بعائلته ومجتمعه ووطنه الأم، ومن ثم بذاك الكائن الماورائي، الكائن المطلق، الذي يتم الارتباط به بالإيمان الحرّ ، أي بالمعرفة الإرادية الغيبية إلى أن يتم التعرف إليه قلبيا، بالتسليم العاطفي، أي بالحب. .

إنها معرفة الذات الشخصية والعاطفية والاجتماعية التي نادى بها الفلاسفة، وليس بأقل منهم الأديان. وقد اختزل جبران كل هذا القصد بقوله: "قد يُمكنكَ أن تقيِّد يديَّ ورجليَّ وترميني في سجن مظلم، أما حريَّتي فلا يمكنك أن تستعبدها،"[4]  متحدّيا بقوله هذا المظالم التي عاناها على مدى حياته، وليس فقط الحُرم الكنسي الذي ضُرب به، أو مَنعِ طباعة كتبه من قبل السلطات العثمانية آنذاك.

ولمّا لم يكن جبران قد حدّد، تحديدًا عِلميا، أيّةَ حياةٍ يقصد بقوله "أولادكم أبناء الحياة..." قامت النظريات النفسانية، الاستهلاكية، الا-دينية منها والا-اجتماعية، كنظريات المِتَع المهلكة بالإدمان المتنوّع على الكحول والمخدرات، والتعاليم الإيزوتيرية، والتحرّر الجنسي، باستغلال هذا المجال لتضلّل جوهر الأنا بجناحيها العقلاني والعاطفي، وإغرائها بمعنى الحياة المفيد فقط لنظام سوق الاستهلاك العالمي. إن هذا، وللأسف ما رافق جزءًا كبيرًا من مجتمعنا اللبناني منذ الستّينيات، وبالتالي عطل المعنى الذي قصده جبران بـ"الحياة" الذي استَبسَل للدفاع عنه، وكادت العائلة أن تتفكّك كليّا وأن تسقط معها قيمة كل قدوة، بخاصّة تلك التي "للوالدَين" اللذين أوصى الله أولادهما بتكريمهما، وبخاصة الأم التي ممَّا قاله جبران فيها:

إن أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة "الأم"، وأجمل مناداة هي: يا أمي... الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف، هي ينبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران، فالذي يفقد أمه يفقد صدرًا يسند إليه رأسه ويدًا تباركه وعينًا تحرسه. 

فإن كان جبران مقدِّسًا للأم والأمومة والعائلة إلى هذا الحد، فهل تكون الحياة التي قصدها كمنزل للأجيال غير ما تقدّمنا به من الحاجة لوعي الذات، لإدراك الذات في مجتمعها ووعي دور الأبوة والأمومة والقدوات الأدبية والتربوية والروحية السليمة فيها. هل تكون في التمرّد على العائلة في عمر الشباب، أو الاستقالة من تحمل مسؤولية دورها عند البلوغ لما في تلك المسؤولية من خدمة إلزامية للحفاظ على مجتمع سليم وثقافة كريمة؟

هذا، ولا يغيبن عن أحد ما ذكرناه عن دور اللغة والتعابير في تحقيق التحرّر والتطور بخاصة لغة القلب، اللغة الأم، لغة العاطفة الإنسانية والوطنية والثقافية إلخ. على أن هذا لا يتم بمجرد تعلم اللغات الأجنبية واتباع أهواء فنونها حتى يدخل الإنسان الحياة المنشودة من جبران، إنما، وبشكل خاص، وعي لغة "الكائن الأسمى" الناطقة بها كل الكائنات بخاصة ما حمله معه جبران من طبيعة مسقط رأسه، بلدة بشرّي، العاصفة شتاء، والهادرة ربيعا، والهادئة صيفا مع نسائمها وأصوات الغنم والماعز، ومجوز الراعي، وناي الحالم المغرم، وأنغام الصلوات المتصاعدة من وادي قاديشا نحو خالق الكل ومعطي النطق لكل حسب نوعه، بخاصة بني آدم وحواء الذين ميّزهم بقدرة نطق هي منه وله، لكي "يتكاأن" معهم...

ما معنى تكاأن؟ وما الجديد الذي نأتي به من خلال نظرية "التكاؤن" هذه، وهل تخدم ما أتينا على الدفاع عنه من ملكية، وأولاد، وحرية، وحب وحياة؟

لتقريب الفكرة من ذهن الراغبين، وقبل التوسع في مراحل وضع هذه النظرية والحاجة الماسة إليها لتطوير اللغة العربية، سنطرح سؤالًا نتركه لتأمل القارئ وتحسّسه لما يمكن أن يُحدثه تبديل كلمةٍ واحدةٍ من تغييرٍ في حياة عائلة وحياة وطن بأسره. السؤال هو، وبكل بساطة:

ما نوع الحياة التي تعيشها عائلتكم؟ عيش مشترك أم تكاؤن؟

وبشكل أكثر حصرية: "ما علاقة الرجل والمرأة في الزواج؟ عيش مشترك أم تكاؤن؟

وينسحب السؤال ذاته على قطاعات الحياة كافة...  متى يكفي أن تقوم العلاقة على العيش المشترك (conviviality)، أو على التواجد المشترك (coexistence)، أو على "التكاؤن" (Etre ensemble = To be together)[5]؟

لن نتوسّع بتفسير هذا السؤال كي لا يُفقَد المرتجى من وَقعه، إنما لا يمنع أن يعكسه القرّاء الكرام على حالات التعليم، التطبيب، الأمن، العسكر، القضاء، الحياة الرهبانية، العلاقة مع الله، إلخ. ليصلوا في النهاية للتساؤل الأهم: أي من الحالات الثلاث نفضل لإعادة بناء وطننا كلبنانيين في المستقبل، "العيش المشترك"، "الوجود المشترك"، أم  "التكاؤن"؟

عليه، ومع أننا متأكدون، على ما اعترفنا به في مطلع النص من نعمة الإدراك والفهم عند القارئ، وبأن اللبيب من الإشارة يفهم، سنتابع شرح وتفصيل هذه النظرية لغويا وفلسفيا نظرا لأهميتها لحلّ المعضلة اللبنانية دستوريًا ومؤسّساتيًا، وسنقاربها متّبعين العناوين التالية:

  • مسوّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأنَ".
  • الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".
  • الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كأنَ".
  • الباب الثالث: التكاؤن الشخصي. أنا أفكر، إذا أنا كائن.
  • الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والملكية.
  • الباب الخامس: التكاؤن الديني بين حَرفية الدين والعلمنة.
  • الباب السادس: العلاقات الدولية من العيش المشترك إلى التكاؤن.
  • الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل القضية الفلسطينية.

خلاصة.


[1] مع أدب المهجر بخاصة انتاج الرابطة القلمية التي كانت طليعية في التجديد والتغيير وكأنها حالة قرطبية إسبانية جديدة (Cordoba). ثم مع افتتاح مجامع اللغة العربية التي كان أولها في دمشق 1919، وثانيها في لبنان سنة 1928، وأخيرها في السعودية "مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية" سنة 2020. أما اليوم فيبدو، نظرا لعدد المباريات التي تطلق بواسطة الإنترنت، تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة الأنشط دوليا بالاهتمام باللغة العربية.

[2] كتاب النبي، في الصلاة.

[3] Apperception (Kant), noun, the mental process by which a person makes sense of an idea by assimilating it to the body of ideas he or she already possesses.

[4]  “You may chain my hands, you may shackle my feet; you may even throw me into a dark prison; but you shall not enslave my thinking, because it is free!” K. Gibran. (Courtesy of the internet)

 

[5] سنحدد، خطوة بعد خطوة، معنى وأبعاد هذه النظرية التي تجد ملأها في بداية

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM