tiktok
Logo

الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ"

الرجال أربعة أنواع:

2026-04-19

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ".[1]

الرجال أربعة أنواع:

رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عاِلم فاتبعوه،

ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه،

ورجل لا يدري ويدري انه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه،

ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه."[2]

كونفوشيوس

 

"التكاؤن" نظريّةٌ لغويّةٌ ككل النظريات لها مقاربتان: فلسفية ونفسانية، وسنُقدِّم النفسانية على الفلسفية لأسباب بيداغوجية.

    1. المقاربة النفسانية:

ما ان يصل الشخص البشري، السليم العقل والجسم، إلى عُمر الرشد والوعي، حتى تتبرعم لديه رؤية كينونته وسببياتها الثلاث: من أنا؟ من أين أتيت؟ وإلى ماذا يهدف وجودي؟  وأن يبدأ بفرضها بوعي مميّز على كل من هُم حوله، بخاصة على كل مرافقيه منذ ولادته الذين لعبوا دور الأنا العُليا (Super ego) بالنسبة له، وراقبوه لغاية اللحظة التي قد بلغ إليها.[3]

مع هذه المرحلة العمرية، الفتوّة (12-18 سنة) يُفترض، بحسب علم النفس أن يبدأ الشخص برفض استمرار معاملته كوَلد مشكوك في قدرته على اتخاذ قراره، ويبدأ بالدفاع عن كرامته في بدء وعيها لسببيات وجودها في هذا العالم وكأنها وصلت به إلى ملء ذاك الوعي. إضافة، يبدأ بالتماهي مع الأنا المطلقة رافضا أي إرادة دينية فوقية، وهذا فقط لأن "الكلمة" باتت مُلكه، نثرا وشعرا، لتُلبّي عواطفه، واشتدّ عصبُه وبلغ عضلُه بما يكفي ليلبّيا رغباته وشهواته، غير آبه بالحذر من قلة الخبرة، ومن دون أي  تقدير لعواقب غياب الحكمة التي لا تَختَمِر إلا بالمعرفة والشّورى والاختبار ... ولولا اكتشاف الفتى والفتاة لوجع العار والذل بحكم الصدمات العاطفية والحوادث التي في بعض الأحيان تكون قاضية، واستنارتهما بنعمة فوق اعتيادية لأهمية التوبة والعودة إلى حكمة الأبوّة، مصدر كرامتهما الأساس، كما تُحدثنا عنه سيرة "الابن الضال" في الإنجيل المقدس، لاستمرّا في تغرّبهما نحو الحالة الحيوانية إلى أن ينسيا أصلهما ويخسرا كليّا ثمرة اختبارهما .[4]

الإشكالية إذًا هي في الأنا الغرائزية وحسن التصرف بـ"الكلمة"، أي بالقدرة على النطق.

فمتى سكنت الكلمة في الغريزة، أو العكس، من دون فسحة حِكَمية تمنع الدمج والخلط والإلغاء بينهما، تبدأ كل منهما برفض أي حكمة عُلوية تعيق وحدتهما الدونية، وهذا ما يمرّ به كل امرئ وُلِدَ من امرأة.  وعلى "الكبار"،[5] مع بلوغ الولد سن الرشد، أن يحترموا دفاعه عن رشده الناتج عن التفاعل بين ميوله الدونية المولودة معه وتأثيراتهم، هم، عليه، تغذيةً وتربيةً وتعليمًا ومعاشرةً مهما كانت نسبة هذا الرشد. من مسؤوليتهم أن يراقبوه عن مسافة معيّنة لا تعيق حريّته، ولكن في الوقت نفسه تحميه من أذى ذاته الجسدية والمعنوية وخسارة كرامته، بخاصة كل ما يصيبه بالإحباط وبالتالي، سلوكه في ما هو ثقافة الموت.

وهنا تتّخذ مقولة كونفوشيوس، وما يشابهها، كل أبعادها، فيوصف الشخص البشري الذي أدرك ذاته إلى درجة من الإدراك والوعي الرفيعين بـ "الرّجل"، أي بالإنسان المدرِك، الحكيم، السيد على سلوكيته تحت طائلة المسؤولية. وهذا ما بات من واجب بعض العقليات، في زمننا، أن تحترمه لدى "المرأة" أيضا، بدءًا بالمرأة نفسها، مع بدء عمر بلوغها، كي تصبح سيدة سلوكياتها. على أنه، في الحالتين، للرجال كما للنساء، مهما تسيَّد الشخص، يبقى الكمال لله، والمشورة أساس.

لقد احترم القانون الوضعي المنبثق من شرعة حقوق الإنسان هذه الحقيقة النفسانية وحدّد عمر الثمانية عشر لاعتبار الإنسان، ذكرًا كان أو أنثى، سيّدا وسيّدة، شخصية اجتماعية، قانونية، كريمة، لها حقوق وعليها واجبات، توضع الشرائع والقوانين لخدمتها كي تضع هيَ ذاتها، بالمقابل، في خدمة "الصالح العام"، أي الخير العام للأوطان كما للإنسانية. ولا نشك أبدا بأن هذه القيمة الإنسانية للكائن البشري ومدرجاتها كافة، مغروزة في جوهر الخليقة وبخاصة في حسّها الضميري، ووعيها، وبأن الالتزام بها واحترامها هو من واجب كل تشريع عام للإنسانية ككل، مهما اختلفت الشعوب والأمصار.

إنها مسؤولية "الكبار" الأكثر بلوغًا وإدراكا ووعيًا وحكمة أن يتقبلوا الآخر في ما هو عليه إبان نموّه حتى يبلغ إلى ما يحسن أن يكون عليه بـحكم خِلقَته على صورة الله، فتستوي العدالة الاجتماعية وتكتمل إلى أقصى درجات قيَم الجمال والتناغم والسعادة بين مكونات البشرية على أنواعها وألوانها ولغاتها. ولا يمكن لهذا المشهد ان يتحقّق من دون الاحتكام إلى مقياس التماهي بين الأنا المدرِكة لذاتها والأنا المرجوّة من خلال الشروط الكينونية بخاصة التكامل بين ما هو بـ"القوّة" (potentiel) وما هو بـ"الفعل" (en acte).

فالكل، برأينا، ومن خلال نظريّة "الخلق من الحب"،[6] يستقرّ في مصدر واحد هو الحب، ذاك الُمعطى التكويني العصيّ على كل وصفٍ وكل تحديد، والذي حركتُه منه وفيه، وبها يُحرِّك كل شيء جذبًا، ودفعًا، ودورانًا، ليصُبّ، بالنتيجة، في فردوسٍ واحد هو الكرامة.

إلى كل هذا تستند، تطبيقيا، رؤيتنا لكرامة الكائنات على أنواعها وبخاصة الشخص البشريّ الذي يعود إلى "عقله" أن يعقُلَ ويفهم ويحلّل ويميّز ويبيِّن ويوَصِّف ويصنّف وفي الختام يستخلص ليؤكد لنفسه أنه كائن بكل ما للكلمة من معنى، وبأنه ليس فقط خليقة موجودة كباقي الخلائق غير الناطقة. الفرق كبير، وركائزه الأحرف المشتركة بين الكائن، الخالق الأزلي، والكائن المخلوق حتى ولو لم يكن أزليًا، إلا أنه أبديّ. هكذا شاء خالقه أن يكون على صورته كمثاله،[7] وبأنه مهما عَرِفَ وعَلِمَ وأدرك، يبقى أهم إدراك مؤكّدٍ لديه هو أنه ما من معرفة في المخلوق تخلو من النقص والشكوك،[8] ومعرفتنا كلها نسبية، وقد يستنتج العقل الفلسفي بأنه “لا يعرف شيئا".

والمفت اليوم، هو بأن النظريات العلمية الأخيرة، المتأتية من الرياضيات والفيزياء، باتت تؤكد بأن حتمية معادَلات النسبية ليس شرًّا، ولا نقصًا في قدرة الخالق الذي لا تناقض فيه، إنما هي بالذات إثبات ذروة كمال خلقه. إن النسبية في المقاييس العلمية هي متنفّس الأخروية، وهامش الاختلاف الذي بدونه لا تجاذب، ولا تباعد، ولا تحاور، ولا تنافر. ومثالا على ذلك ما نجده في الطبيعة، في حالة الطاقة الكهرومغناطيسية، سلبيتها وإيجابيتها الفيزيائية (e+, e-)، واللتين لو لم تتباعدا بشكل نسبي لانعدم وجود الكون المادي. هذا ما تثبته فيزياء الكمْ، كما أوردناه في كتابنا المذكور أعلاه. أما بالنسبة للكائنات البشرية العاقلة، وادب الأخلاق والمعاملة، فلولا القول بالنسبية،[9] لا حُريّة ولا خيار، ولا قرار، وبالتالي انتفاء المسؤولية التي عليها يُبنى العدل والقضاء والعقاب والثواب في الدنيا والآخرة.

 الحريّة الشخصية في نظرية "التكاؤن" التي نحن بصدد إبرازها، هي شرط لا بد منه للحب والحركة المفعِّلة للعمل ولتنفيذ ما يكون قد شاءه العقل من قرار بعد التفكير والتحليل والتمييز بين ما هو الخير الكامل والخير الدون. فإن اختلّت موازين وشرائع هذه الحريّة ومجال خياراتها، اختلّت الإرادة، وتعطّل دور "القلب"، هذا "اللبُّ" المزروع في الكائن العاقل والذي هو بوصلة الضمير، وجهاز التمييز والتواصل مع الكائن المطلق، فيتحوّل الحب إلى "خوف" و"قلق" و"حقد".

 هذا، بشكل عام ما نقصده بـ"التكاؤن"، فحاش للحب أن يستغل لقتل العلاقات السامية بين الإنسان وأخيه الإنسان وبالتالي، حكما، بين الإنسان وخالقه. هذا الحب، ومنه المحبة، هو الذي على أساسه نطالب بالترقي بالعلاقات الخاصة والاجتماعية والوطنية من مفهوم العيش المشترك إلى التكاؤن، مؤيدين بهذا قول العالم تيار دو شاردان "كل ما ارتقى التقى، أو أقله اقترب من الالتقاء في النقطة "أوميغا"،[10] ونطرح بالتالي السؤال الأساس على كل عائلة، إن كان من الأفضل القول فيها إنها "متكائنة" أم فقط في حالة عيش مشترك بين أفرادها او متعايشة؟

من قناعاتنا أيضا، عَمَليًا وتطبيقيًا، أن نظرية التكاؤن هي الحاضنة الأفضل لكرامة الشخص البشري وطمأنينته، ذكرًا وأنثى، مهما كانت حالته ومهما ضلَّ ومهما تكبّر أو انسحق أو سُحق لأن الآخر المطلق، ألله –الحب، المحبة– يبقى مقياس الأنا في تطوّرها.

هذه قناعتنا بحكم اعترافنا الإيماني بعدالة الحب الخالق، المتفق عليه في الدين كما في العقل بأنه الوحيد الذي إن قال "كن فيكون"، الذي بيده نواميس الكون، كلّ الكون، هذا الكون الذي ينبثق اسمه أيضا من صفة خالقه "الكائن" إنما اللامحدود، الذي ندعوه "الله"، العصيّ على التحديد بأيّ اسم آخر غير "الحب"، لأن الحب أيضا لامحدود.
 فلننتقل الآن إلى المقاربة الفلسفية للنظرية.


[1] It is a kind of repercussion to the Heideggerian theory of Dasein, Mitsein and Suzammensein which preoccupied the postmodern European philosophy, mainly the linguistic branch. We created a noun for it in European languages which sounds “Synesseration” composed of the prefix Syn for synergy and together, and the Latin verb Esse under its Italian form “Essere”. We forged a specific verb to this theory, “to synesserate”, just to say “to be synergistically together or not to be at all”.

Cf. Rouhana Michel, Creation out of Love vs Creation out of Nihil, Amazon, Toronto 2022, p.16.

[2] The Analects are a collection of Confucius’s sayings brought together by his pupils shortly after his death in 497 BC.
 Cf. https://www.goodreads.com/quotes/328538-he-who-knows-not-and-knows-not-that-he-knows [Accessed March 22, 2024], translated by the author.

[3]  وفي الثقافة العربية تقليد يَعتبر أن الفتى، إن لم يُشعِر مع دخوله سن البلوغ، لا يكون أصيلا.

[4] لوقا 15

[5]  “The well grown persons” as said by Antoine de Saint-Exupéry in his book The Prince.

[6] عنوان كتابنا اللاهوتي – الفلسفي - العلمي الذي قمنا من خلاله ببناء جسر منير بين العلم والدين.

[7] تك 1، 26. الترجمة المشتركة. وقد ورد في ترجمات أخرى "شبهنا" مكان "مثالنا"

[8] باستثناء الموحى بها والمثبتة بما يعود إلى ما بعد الإثباتات العلمية، وهذه بالدين، وليس موضوعنا الآن.

[9] الإشكالية اللاهوتية في هذا المجال هو عدم التمييز بين relativité et relativisme، حيث المغالاة في التسامح والتساهل في الأدبيات يؤدي إلى خراب المجتمع.

[10] Le Point Oméga est un événement futur théorisé au cours duquel l'ensemble de l'univers converge vers un point ultime d'unification.
Cf. https://www.ac-sciences-lettres-montpellier.fr/academie_edition/fichiers_conf/GIRON-2014.pdf (visité le 24 fév.. 2025)

 

-2. المقاربة الفلسفية

فلسفيا كان الهدف الأول من خلال هذه النظرية حلّ معضلة تعريب معادلة الفيلسوف ديكارت القائل: Je pense, donc je suisوالمعرّبة "أنا أفكر إذا ان موجود".

ولما لم يكن في اللغة العربية فعل يوازي الفعلين Être  و To be احتجنا إلى تطوير فعل كانَ، الماضي الناقص، كي يتماثل مع الفعلين المذكورين وما يوازيهما في اللغات الأجنبية، بخاصة في صيغة المضارع الدينامية، بما يَسمحُ بتعريبٍ أدقَّ للمُعادلةِ المذكورة أعلاه بـ "أنا أفكر إذا أنا كائن" وليس بعد أنا موجود، وبالتالي تدعيم قدرة الناطق باللغة العربية لإدراك ذاته في كينونة دينامية كاملة تشبه، مثلا لا حصرا، ما يعنيه التعبير الفرنسي  Je suis.

ففي الفرنسية، القول Je suis  الموازي لـ sum " باللاتينية، والذي هو من الفعل  esseالمشتقّ منه فعل (essere) في الإيطالية، يعني "أنا كائن" وليس أنا موجود jexiste، أو أقلّه هكذا يجب أن يعني، وإلا لما كان نطق هذا "الموجود".

عليه، يكون التعريب المُعتمد حاليا لهذه المعادلة الفلسفية “أنا أفكِّر، إذًا أنا موجود" غير دقيق وغير كاف لأن القصد، بنظرنا، من معادلة الفيلسوف ديكارت، التي أسّست لكل الفلسفة الحديثة، فلسفة الوضوح والتمييز (clarté et distinction)، هو إدراك الذات وحيثيّتها في المخلوق: أنا أفكر، إذا أنا كائن عاقل مُدرك لذاتي، ولحَيثــيَّة كَينونتي في الوجــود بالنسبة إلى الكــائن المُطلق le Tout Autre l’Être Suprême، الله عزّ وجلّ، الذي يُستنتج من فلسفة ديكارت النقدية بأنه "إن لم يكن موجودًا لوَجَبَ علينا إيجاده".

هناك إذًا وجوبٌ لوجود ذاك المبدأ الأوَّل، الكائن المطلق الذي هو أساسٌ للسببيات في منطق الخلق وتراتبية الكائنات والموجودات. إن هذا ما يفرضه الاسم الذي اتخذه لنفسه في الكتاب المقدس والذي يمكن إيجازه بـ"أنا هو الذي هو، أو، أنا الكائن الأزلي".  وإلزامية وجود هذا المبدأ الأول كرّرها بعد ديكارت، بشكل واضح، الفيلسوف فولتير Voltaireمتحدثا صراحة عن ضرورة إيجاد مفهوم الله هذا لصحة المنطق: "Si Dieu nexistait pas il faudrait le faire exister ".[1] 

هنا أيضا نلفت إلى الإشكالية التي يفرضها استعمال الاسم "الله"، أي الكائن المطلق، في حين لا يزال الفيلسوف فولتير مشكِكًا، متسائلًا عن وجوده. أما يعني هذا أن فكرته، عزّ وجلّ، مغروزة  في مكان ما في عقل الإنسان، في لُبّه، في وجدانه، وما عليه سوى، عملًا بفن التسآلية السقراطية maïeutique،[2] سوى استيلاد فكرة وجوده  existence،[3] ووعيُ السببيات التي تربط الذات "je" بذاته "Je"، وإدراك ارتباط الكينونة être بكينونته Être، وبالتالي إلى توازن نموّ القامة المعرفية بمعرفته،[4] والقلب (الحب) في قلبه، ما جعل الكتاب المقدس يأتينا بآية مفادها: "يا بني أعطني قلبك..."،[5]  وللإنجيل أن يَعِدَ الإنسانَ بإمكانية أن يأتيه الله ، وعنده يجعل مقامه،[6] وللقرآن الكريم بأن يصف قرب الله من الإنسان بمثابة حياته.[7]

وإن أوردنا هذه المراجع الدينية في خضم تحليل فلسفي، فليس لننكر بأن أساس معرفة الله هي فلسفية، حتى وإن وردت فيما بعد، من باب الوحي، في النصوص الدينية. إنه لِحكمةٍ عنده، عز وجل، هو العارف بالبشر، كما أتى في الآية القرآنية الكريمة (ق:16)، أراد لتلك المعرفة العقلية أن تتخذ صفة الخلود والإلزام الأدبي والوجداني تحت طائلة الدينونة ما بعد الموت، وخضوع النفس البشرية للعقاب والثواب. إن هذا البعد هو ما دفع بالفيلسوف فولتير للقول بوجوب وجود الله، وبالتالي "مخافة الله"، أي كأساس لمحاربة الفساد في المجتمع والدولة على الأصعدة كافة. ومَن في هذه الحالة يكون يستَوجِدُ الكينونة في حاضر الآخر؟ ألله أم الإنسان"

بنظرنا، الفرق شاسعٌ بين الوجود وكينونة الحضور، ولا يجوز للفعل الذي يرتبط، وبدرجة أولى، باسم الكائن المطلق الذي هو الله، أن يكون "ناقصا" كفعل كان. كما لا يجوز، لغويا، ألا يكون اسم الذي منه كل كينونة عاقلة، وكل كائن مُدرِك لذاته، دالةً تدلُّ إلى المدلول إليهم، فمن الكائن، الكائنات، وهي بدورها تصبح دلالاتٍ لكينونة الدال إليها والتي، متى كانت عاقلة ومدركة لذاتها العاقلة، دلّت إلى كائن عاقل هي منه وله، هو الوحيد القادر أن يقول عن ذاته "أنا هو الذي هو"، ما عُرّب "أنا الكائن" أي الحاضر المطلق.

من هذا المفهوم يكتسب الضمير المنفصل "أنا"، قوَّةَ حضور قد تصل إلى التأليه، ولو ضِمنَ نسبيات الخلق في الزمن، أي الإنسان المخلوق "على صورة الله كمثاله"،[8] فسَلَكَت أدبيات اللغة العربية تفرض على المتكلّم أن يضيف كلما قال "أنا"، "سترنا الله من الأنا". هذا أمر يدل على وعي عميق من الإنسان لذاته وبالتالي على قدرته بالتصرف بالأبجدية والكلمات.

3-2. اختراع الفعل "كَأنَ"

لحلِّ معضلةِ هذا الفرق في الدلالة بين المخلوقات غير العاقلة، أي الموجودات التي لا تدلّ بذاتها إلا إلى ذاتها،[9] والعاقلة منها، أي الكائنات التي تدلّ إلى الكائن العاقل، والتي تربط الموجودات كلها بحكمته، استنبطنا الفعل الثلاثي "كَأَنَ يكأَنُ" من تمازج فعل "كان" العربي مع فِعلَي "هْوُا" و"كايِن" (ܗܘܐ  ܘ ܟܰܝܶܢ) السريانيَّين، المرتكِز إليهما اسم العزّة الإلهية العبري "إهيه آشير إهيه" أو "يَ ه وِ ه" (YHWH). وما ليس بالغريب عنهما هو التعبير العربي الإسلامي "الله هوْ" الكثير الاستعمال من المتصوّفين.[10] وبحسَبِ معجم "المعاني"، للفعل "كأن" وجود في اللغة العربية إنما نادر الاستعمال، ويَعني اشتدَّ وصَعُب. أضفنا إليه المعنى الذي يحتاجُه التطويرُ اللغوي المذكورُ أعلاه، المعبِّر بشكلٍ أدقّ عن الإدراك الشديد والصعب للذات، للأنا وللآخر في آن، عائدِين بهذا المعنى إلى المقصود باسم "الله" أي "أنا هوَ الذي هو" وكأنّه يقول "أنا من هوَ أنا"، أنا المدرك لكينونتي الذاتية، أنا لستُ أنت، والعكس صحيح.

العكس هو أن أدرك أنا البشري، أن "أنايَ" في الكون حاضرة، كائنة، مدركة لذاتها لأن هناك آخر، أي بحكم كينونة الأنا الأُخرى، الآخَر الذي بيني وبينه حدود يفترض تخطيها للوصول سويًا إلى الآخَر المطلق. وفي هذا ذروة إدراك الكائن العاقل لذاته ولحَتمية تكاؤنه – الإنساني هذه المرة وليس بعد البشري – مع الآخر المخلوق، وتوقه إلى مصدره، الآخر المطلق، لذا يؤكد الصوفيون على أنواعهم، وبشكل خاص، فلسفي وروحي، العالم تيار دو شاردان، بأن "كل ما ارتقى التقى"، أنورا كان أم موجات مادية، وحتى المتوازيَين، اللذين تحددهما العلوم التقليدية بأنهما "لا يلتقيان إلى ما شاء الله"، تم الاكتشاف اليوم بأنهما يلتقيان حكما عند خط الاستواء حيث قد تُشبَّه الحرارة بحرارة الحب المطلق: النار.

"كَأنَ" إذًا فعل لازم ماضي كامل التصريف (كأنت، كأنتما، كأنتم، كأنتن، نكأن، يكأنون، إلخ) ويعني أَدرَكَ المرءُ ذاته عاقلا وأدرك أنه مدرك لذاته في ضوء كائن خالق عاقل يستمدّ منه سببيّات وجوده: من أنا؟ من أين أتيت؟ إلى أين وجهتي؟[11] وبالتالي يأتي الرباعي منه "تكاأن" ليُكمِل فعل التكامل في الإدراك والوعي على ما لَفَتت إليه مقولة "كونفوشيوس" أعلاه، بين شخصين أو أكثر من البشر.

 يتّضح من هذا أن المرء يدخل الكينونة من خلال الإدراك، ولا فرق بين ذكر وأنثى، ولا عُنصر، ولا لون. ولا ريب أن ضمير المتكلم "أنا" سيستمرّ حكما في الاستعمال المعتاد إنما يخضع، بحكم نظرية "التكاؤن"، إلى تمييز بين من يقول/تقول "أنا" انطلاقا من فعل كان الماضي الناقص الذي لا يدلّ ولا يشير حتى إلى الكائن العاقل الخالق، أو انطلاقا من فعل "كَأنَ" الذي يشير مباشرة إلى "تكاؤن" عاقل بين الدالة والمدلول إليه، بين الناطق ومصدر نطقه، وهكذا في كل ما يعود للحُب والعدالة.

إن كان من صفات الله عزّ وجل، أنه الكائن المطلق الذي يدركُ ذاته ويدرك أنّه مدرِكٌ لذاته، ومدرك أنّه مدرك لإدراكِهِ لذاته، ولا يحتاج لآخر لكي يجعلهُ يدركُ ذاتَه، هذا يعني أن فيه، عزّ وجلّ، يكمُن المعنى المُطلق الذي يحتاجُه كل عاقل ليدرك حقيقة ذاته الثالوثية.

يبقى على الكائن العاقل المُدركِ لمحدودية عقله ووعيه وإدراكه، واجب السعي إلى التخطّي الذي يحتاجُه للمحدود كي يُدرك مدى كينونته في الوجود، وإدراك أن التكاؤن الفردَوسي، إن لم يبدأ في الآن والمكان بين المخلوق والخالق –الذي نزل إلى الجنة عدّة مرات ليتسامر مع آدم وحواء– لن يبدأ بعد فوات الأوان، وهذا ما ينحو الدين التنبيه إليه.

 

 أما اليوم، فما عادَ يخفى على أحدٍ أن للفلسفة والعلوم أنبياءهما ورسلهما، وبأن السعادة هي في معرفة الذات في ضوء معرفة الكَونَين، الكبير كما الصغير (Macro-univers and Micro-univers)، ما يسمح أيضا بالدخول في السعادة والسلام مع الآخرين، من دون تضارب مع الدين. إن العلم السليم كما الدين السليم، في رقيّهما، يخدمان الحقيقة الواحدة، أي معرفة الحق الذي يحرّر.[12] وهل من سعادة أفضل مما يعطيه الشعور بالتحرّر من أي قيد معرفي أو ضميري أو إرادي؟

إذًا، مَفهوم "التكاؤن" يعني أن أكون مدركًا كينونتي الشخصيّة المُشتَركَة مع العاقل الآخر، والمتماهيةِ به ومعه في الكائن المثال المطلق، القائم بذاته، لينتهي الكل في المحبة.[13] والمحبة تعني هنا، ولو لم يكن حصرًا، الترابط (Intrication - Entanglement) مع الآخر والاعتراف له بالفضل الذي لأناه على أناي، والعكس صحيح، إلى أن ينتهي الفضل كله في المطلق (الله). فلولا وجود ذاك المطلق التكاؤني لما تمكّن أحد من تفضيل الآخر على ذاته، ولولا قبول الآخر لما أقدِّمُه له من ذاتي، لما تم تعرُّفي على سعادتي بما أنا عليه. ففي عمق المحبة وذرة الالتقاء، لا يعُد يُعرف من الحبيب، ومن المحبوب، ومن البادئ ومن الخاتم (إن كان هناك من خاتم). في عمق أعماق المحبة العدل، وفي عمق أعماق العدل تفضيل الصالح العام على الصالح الخاص مهما علا شأن المُطالِب به، ومهما غَلَت التضحيات لردع الأنانيات القاتلة، لأن الترابط الإنساني في المصير، والمسار، نحو المطلق ملزم. ومن دون هذا المسار  لا كينونة لأحد.

نكرّر، قد يكون العاقل موجودًا، غير مدرِكٍ أنّه كائنٌ، وغير مدركٍ لعدمِ إدراكِه كينونتَه وسببيّاتها. في هذه الحال يكون العاقل موجودًا نسبةً لغيره الذي يراقبه،[14] إنّما ليس كائنا لذاته. كيف نتعامل معه إذا؟ أنهمل كل المعوَّقين أو من شُلت قدرتهم العقلية لسبب أو لآخر؟

صحيح أن النقطة الرابعة من معادلة كونفوشيوس قد تنطبق على هؤلاء الأشخاص، ولكن التحول في مفهوم "الله" من الجبار إلى الرحمان الرحيم، من خلال تأنسُن روح الله بعيسى من مريم، ودخول فعل "أحبب" معه إلى فلك المدرِكين والمدركين أنهم مدركين: "أحبب الله من كل قلبك وفكرك وقوتك، واحبب الآخر، المحدود، كنفسك"،[15] فَرضَت على تلك المعادلة أن تنفتح على المطلق وأن يعمل المدرِكون، والمدرِكون أنهم مدرِكين، على "فداء" الموجودات غير المدرِكة، بخاصة الإنسان الذي، لأي سبب كان، وجدَ غير مدرك، وذلك بأن يتبنوها ويضفون عليها شيئا من روحهم العاقلة كي لا يبقى لا بشر  ولا حجر  خارجا عن الاعتراف بالكائن الخالق، وهذا ما يعبّر عنه أفضل تعبير  ما نقرؤه في نصوص بعض الأديان، وبشكل مميّز مثلا، المزمور 148 من الكتاب المقدّس.[16]

وبمعنًى آخر يفي البعدَ الاجتماعْسياسيّ حقَّه، تقتضي فلسفة التكاؤن، استنادا إلى مفاهيم الفيلسوف رودولف أوتو (Rudolf Otto)، “إدراكَ الذات إدراكًا كاملًا في ضوء كَينونةِ الآخرDas Andere، والآخر المطلق Das Ganz Andere"، فيدخل الذين باتوا مدركِين لذواتهم ولبعضهم البعض في حالة ترابط (Intrication) تعيدهم إلى نظرية الفيلسوف هايدغر في الكينونة معا Mitsein, Suzammensein.

لا يَكفي التواجد معا، جنبًا إلى جنب (koexistieren[17] لنصبح متكائنين، ولا المعيّة المعيشية (Modus vivendi)، بل يلزم التوصّل إلى الاعتراف بأن كل آخر هو جزء من طريق كل منا إلى نفسه، إلى ان نصل إلى الآخر المطلق الذي هو طريق كل واحد منا إلى الآخر إلى أن نعود كلنا إليه. فما العمل إذًا إن كان هناك آخر مقفل على ذاته، متقوقع، محصَّن خلف أصنام لها عيون ولا ترى، لها آذان ولا تسمع؟ ألا يعطل هذا الآخر سُبُلا كثيرة على أناس كثيرين يحتاجون إلى الدخول في الإدراك العام والتأنسُن؟

تقول معادلة كونفوشيوس: "فذلك جاهل فارفضوه". ولكن الحُكمَ بالرفض وتنفيذه ليس بالقضية السهلة على من آمنوا بأنه ما من إنسان معدوم القدرة عن التواصل والترابط.  فكل إنسان هو مولود من امرأة، ومختبِر لرابط حبل الخلاص. والأمومة وروابطها لا تموت. عليه، لا بد من إعطاء كل إنسان فرصة، إن لم يكن من باب الإحسان والرحمة والتوعية المدنية، أقله من باب العدالة "الإنسانية"، أي بعض العقوبات الإيجابية التي تنص عليها القوانين الدولية الحديثة التي تحرّم الإعدام.

بهذه الطريقة، وليس بعيدا عن الفلسفة التي ركزت، مع التسآلية السقراطية، على شيءٍ من التوليد لاستكشاف المعرفة الباطنة والولوج إلى الإدراك، ينجَلي الفرقُ بين الكينونة الإراديّة المدرِكَة التي تتكاثر توليدًا، والوجودِ العَرضيّ الذي يتكاثر تخليفًا إذ، بالنسبة للترابط التكاؤني، الفرق شاسعٌ بين فعل ولَّد وفعل خَلَّف. فكيف ينعكس هذا كله على التكاؤن الشخصي؟[18]

 


[1] Cf. https://www.histoire-en-citations.fr/citations/ voltaire-si-dieu-n-existait-pas-il-faudrait Le faire exister.

[2] https://www.hindawi.org/books/74839792/5/

[3] يشابه هذه العملية حدثا مماثلا إنما من نوع غير (مختألف)، وهو حوار النبي موسى مع "الله" في العليقة المشتعلة وغير المحترقة.

[4] (أفسس 4، 13) "إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ." (

[5] آية (أمثال 23، 26): يا ابني أعطني قلبك ولتلاحظ عيناك طرقي.

[6] يوحنا 14، 18-26. إنْ أَحبَّني أَحدٌ يَحْفظُ كَلِمَتي، وأَبي يُحبُّهُ، وإِليهِ نَأْتي، وعِندَهُ نَجْعلُ مُقامَنا.

[7] "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" (ق: 16).

 

[8]  تك 1، 27

[9] نعود بهذه الحقيقة إلى جوهر سيرة "حَي بن يقظان" للفيلسوف ابن طفيل والمؤسّسة بدورها على رمزية سيرة "أهل الكهف" الأفلاطونية.

[10] Cf. Sandri Hage, Samia. Mar Maroun la Résonnance du Christ – Mar Maroun et le Vent, 9 février 2010, Beyrouth, Ed. Samia Sandri, pp p 12-16. ( Traduction faite par l’auteur)

ألله هو هذا النفس، النسمة، ألـ "آه"... التي كلما اندهشن أو تألمنا نقولها  "آه"... وحتى الطفل لا تبدأ رئتاه بالعمل إلا عند صراخه "آه". تقول الدكتورة --- الحاج--- التي هي من مؤسسي العلاج النفسي بالموسيقة، بأن اسم الله أتى نت صرحة آه، "أل آه" الذي تشفي وتعزي وتدفع بالحماس وترفع المعنويات. جميل ها التحليل التي أتى عن إنسانة صاحبة صوت رائع وعقل تحليلي خلاق.

[11] كأن، كأنا، كأنوا؛ كأنتَ، كأنتما، كأنتم؛ كأنتِ، كأنتما، كأنتن؛ كانتم ، كأنا...

[13]  وأهم مثال على هذا التماهي هو، بخاصة في الثقافة العربية، إدخال إرادة الله في كل شاردة وواردة، التحية، والوداع، والقرار بأي فعل أو وعد بفعل: ألله معكن، السلام عليكم ورحمة الله، بإذن الله، ان شاء الله، إلخ. الأمر الذي تعيِّرنا به الثقافات الأجنبية وكل من بات مقتنعا بمفاهيمها الإلحادية، بخاصة في مضمار السياسة ووعود السياسيين... 

[14]  وقد أتت نظرية علمية في فيزياء الكمْ لتحدثنا حتى عن أهمية مراقبة المراقب، ومراقبة المراقب للمراقب... إلى أن نصل إلى المراقب المطلق. (An observer observed universe.)

[15] لوقا 7، 21 و متى 22، 37.

[16] المزمورين 148، 3-10: " 3 سبحيه يا أيتها الشمس والقمر. سبحيه يا جميع كواكب النور / 4 سبحيه يا سماء السماوات، ويا أيتها المياه التي فوق السماوات / 5 لتسبح اسم الرب لأنه أمر فخلقت / 6 وثبتها إلى الدهر والأبد، وضع لها حدا فلن تتعداه / 7 سبحي الرب من الأرض، يا أيتها التنانين وكل اللجج / 8 النار والبرد، الثلج والضباب، الريح العاصفة الصانعة كلمته / 9 الجبال وكل الآكام، الشجر المثمر وكل الأرز / 10 الوحوش وكل البهائم، الدبابات والطيور ذوات الأجنحة.

 

[17] To be together and not to exist together …

[18]  En tant que personne et non en tant qu’individu.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

آخر الأخبار

الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

"التكاؤن"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM