tiktok
Logo

الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".

الظروف التاريخية.

2026-04-19

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".[1] 

أولا– الظروف التاريخية.

مع تاريخ توقيع الاتفاق الثلاثي في كانون الثاني 1985 الذي تمّ بسريّة لم يكشِف عنها إعلاميا سوى الانقسام المفاجئ لحزب القوّات اللبنانية على نفسه، الحزب الأكبر والأكثر تنظيما وتسلحا، وفَتحِ معركة دموية لا هوادة فيها بين إخوة السلاح الموارنة، كان قد بات لي ثلاثة أشهر فقط في المدرسة الأنطونية، في بلدة حصرون من قضاء بشري... 

كنت قد عُدت لتوي من مدينة العِلم، روما، لأُسام كاهنا، حاملا معي، عدا شهاداتي العلمية، مسوَّدة مشروع الحلّ الدائم للمُعضلة اللبنانية الذي سأنشره سنة 1987 تحت عنوان "الجمهورية الثانية – مشروع الأنسان من أجل السلام في لبنان"،[2] بعدما انتهيت من مناقشته مع نخبة من الأصدقاء والمراجع الحقوقية والدستورية، وتدقيقه اللغويّ.

A white and red book cover

Description automatically generated                 

نسخة 1987 -------------------------  نسخة 2006

كانت تلك المدرسة قد تأسّست سنة 1976، مع بداية الفتنة الطائفية والقتلِ على الهويَّة عند مداخل طرابلس، بإدارة محليّة،بعدَد يفوق الألف تلميذ، معظمهم من تلامذة مدارس "الفرير" و"الطليان" في طرابلس، وقام بتدريسهم أساتذتهم الذين، مثلهُم، علِقوا في بلداتهم في ختام الصيف.

ولكن، إثر مجزرة إهدن المشؤومة التي نفذت في عيد مار أنطونيوس البادواني 13 حزيران 1978، والصيف الأسود الذي تلاها وانتهى بدخول قوات الردع السورية إلى كامل قضاء بشري ونزوح معظم اهله أسوة بالميليشيات اليمينية الكائنة فيه، إلى المناطق الصديقة لهم ولها، عادَ عددُ التلامذة والأساتذة وهبط هبوطا دراميا مع مطلع العام الدراسي التالي.[3]

استلمت الرهبانية الأنطونية المدرسة سنة 1983 بطلب من آل فَرَح الحصارنة الذين كانت قد بدأت تخدُمهم، رعويًا، في مدينة وندسور، في كندا، بهدف واضح هو تثبيت من تبقّى من أهالي المنطقة في أراضيهم وحقولهم واملاكهم، ودعم اطمئنانهم إلى مستقبل أولادهم العلمي. وفي تلك المرحلة الخطيرة، ما كانت تمرّ فترة وجيزة من دون أن تُصفّي، وللأسف، قوّات الردع السوري شابًا أو أكثر ممَّن يتمرّدون عليها، ومعظمهم من أقارب التلامذة، ما جعل العملية التربوية أكثر تعقيدا من العادة.[4] عليه، بات من الضروري تربية مجتمع بأسره، قابع تحت حكم عسكريّ مُعاد، يحتاج إلى التمييز بين التمرّد والمقاومة، بين الحريّة العمياء والمسؤولة، بين التخبّط بفوضى التجييش العاطفي الانتقامي الآتي من خَلف حدود المنطقة والالتزام برؤيةٍ وسلوكيةٍ واضحَتَين تساهمان، ولو على المدى البعيد، بخرق الأسوار الديماغوجية، وتحطيم القيود الفكرية على ما قال به جبران: " الحياة بغير الحريّة كجسم بغير روح، والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة، الحياة والحرية والفكر، أَقَانِيْمَ ثلاثة في ذات واحدة أزليّة لا تزول ولا تضمحّل".[5]

 في خِضَمّ هذا الواقع، وبحثا عن قاسم مشترك يفتح ذهن أهالي تلك المنطقة على أهمية التحوّل من الانتماء المناطقي، الطائفي، الضيق، إلى الانتماء لما يخدم مستقبلهم ومستقبل أجيالهم، أي إلى لبنان الوطن والمواطنة، والمؤسّسات، والعدالة، والأخلاق الحميدة، وكرامة الإنسان بالمطلق، خارجا عن أي تمييز باللون والدين والعنصر إلخ، طَرحتُ مع النخبة من أساتذة الصفوف الثانوية، ومن بينهم المغفور له العلامة وهيب كيروز، حافظ متحف جبران آنذاك، أسئلةً كانت قد باتت هاجسا لكل لبنانيٍّ، وبخاصة لكل ماروني: ما الذي برأيكم يتسبّب بهذا الكمّ من الانقسامات العامودية في لبنان ويكاد يبطل مثالية "العيش المشترك" التي لطالما تمسّك بها الفاتيكان، وكنيستنا المارونية، كنمط لإمكانية عيش الأخُوَّة والسلام في أوطان متعدّدة الأديان والثقافات؟

  1. منهم من أصرَّ على أولوية انتماء المسلمين الديني وتفضيلهم لأخيهم المسلم على شريكهم المسيحي في الوطن، الأمر الذي برز بشكل مقلق إثر تأييد قياداتهم، بخاصة رؤساء الحكومات المتتالية، لحركة فتح على حساب سيادة لبنان،

  2. ومنهم من صوّب على التمييز الطائفي الذي تتسبب به رئاسة الجمهورية المحصورة بالموارنة، وتطاحُن زعمائهم، بخاصة قادة الأحزاب، للوصول إليها،

  3. ومنهم من وضع الاختلاف في شرائع الأحوال الشخصية وتأثيرها على التوازن الديمغرافي، وبالتالي خسارة التوازن في الديمقراطية العددية واستغلال هذه النقطة للسيطرة السياسية وأسلَمة لبنان.[6]

وكان في كل مرة تُذكر كلمة "أسلَمة لبنان" في اللقاءات، كانت تستفيق في بواطن عقول المجتمعين سِيَر الأجداد عن مذابح المماليك والعثمانيين والمجاعات الماضية إلخ.

  1. ولكن منهم أيضا، ممّن هم أكثر اطلاعا سياسيّا وتاريخيّا على تأسيس الجمهوريات في بداية القرن العشرين، اعتبر أن الخطأ الاستراتيجي كان في القبول بتأسيس وطن تعدّدي في الوقت نفسه الذي كان يُعَدُّ من قبل الدُول المُستعمرة، بضغط من الحركة الصهيونية العالمية، لتأسيس وطن عنصري لليهود.[7]

  2. وبعد تحليل الأسباب كافة في ضوء المراجع التاريخية الموضوعية، بعيدا عن الأساطير والسَرديات الموجّهة لشدّ العصب والتهويل على الناس لإخافتهم من بعضهم، حتى ضمن الجماعة الواحدة و"العائلة" الواحدة، أو قل العشيرة، كان الاستنتاج بأن السبب الأساس هو في النفوس، ومستشرٍ في التقاليد، والعادات، واللهجة، والألفاظ، وحتى التكوين الجسدي والتعبير الذي يرافقه (the body language). وهو ذاك الخوف من الآخر، ليس بالضرورة البعيد أو الذي من غير طائفة ودين، والحكم المسبق عليه، الكامن في العقل الباطن لمجتمع المنطقة، وبالتالي للمجتمع اللبناني ككل، على مختلف مكوناته. هو ذاك الخوف المتوارَث منذ أيام الصليبيين والمماليك، والمستمرّ طالما لم يتم التوَصّل عِلميًا وتطبيقيًا وتربويًا إلى المصالحة النفسانية (psycologique) معه وتخطّيه.[8]

كل هذه المفاهيم المُصاغة والمصانة في التخاطب الاجتماعي والخطاب الشعبوي، المسمّى زورًا "سياسي"، شكّلت الرافعة الاجتماعْ-سياسية لسكان الدولة اللبنانية المميَّزة طبيعتها بالجبال والوديان والأنهار، والتي شكّلت بدَورها الحدود الطبيعية، ليس للدولة اللبنانية وحسب، كما ورد في الدستور – الحدود الطبيعية– إنما للعَقليات، ومراكز سطوة "البيوت السياسية" لكل عائلة وعشيرة وطائفة. ولم ينحصر هذا السلوك في اختلاف الدين والطائفة فقط، بل كان أيضا أساسا للتباعد بين العائلات والعشائر من الطائفة ذاتها، على قاعدة "بحبك يا إسواري بس متل زندي لأ". فكان الاستنتاج الأخير، الأليم، بان العِلّة ليست في الاختلاف الديني، إنما:

  • في انعدام وعي خطورة هذه الحالة "المتوارثة" في وضع اجتماعي لم تخضع جميع المكوّنات فيه إلى قانون واحد يساوي في حقوق وواجبات الجميع تجاه الصالح العام،

  • في عدم تمكّن الدولة، منذ تأسيسها، بوضع برامج تربوية للمواطنين كافة ونهوضها بالمدرسة الرسمية لتؤمن أقله، لستين بالمئة (60%) من تلامذة الوطن، تعليما مجانيا يساعدهم، من خلال كتابَي التاريخ والتربية المدنية الموَحَّدَين، على التوصل إلى رؤية وطنية مشتركة وردود فعل شعبية متناسبة على الحدث الواحد، والانتماء للوطن الواحد انتماء الولد لأمه، دون منازع من أي انتماء آخر. وتقاعس الدولة هذا كان سببه:

    1. إما اتكالا على المنتدِبَين، الفرنسي والبريطاني، اللذين أتيا بمدارسهما وجامعاتهما وجمعياتهما الدينية كما هي، إلى بلدٍ يشتهي شعبه بأسره العِلمَ إلى أعلى المستويات، يعلّمون ويدربون الأدمغة اللبنانية بلغاتهم هم، ويهيئونها لخدمة سوق عمل بلدانهم أينما يريدونهما في العالم،

    2.  وإما بقرار سياسي متعمَّد، بخاصة بعد تحوُّل المدارس الإرسالية إلى مدارس خاصة لا تخلو من البعد الربحي،

    3. وإما بضغط "Lobby" القطاع التربوي الخاص –بشكل عام– على الوزارات المتتالية كي تعوّق نموّ المدرسة الرسمية، والجامعة اللبنانية، وتحسين مستواها الأكاديمي لصالح القطاع الخاص بذرائع عديدة لن ندخل الآن في متاهاتها، ولكن نخصّ بالذكر السبب المشؤوم وهو إضعاف القطاع العام من خلال التوظيف السياسي وإبطال المراقبة والمحاسبة فيه، وذلك لصالح القطاع الخاص، فالنظام الاقتصادي في لبنان ليبرالي ولا يناسبه كل ما هو "دولة"...[9]

أما الخسارة الكبرى فكانت بحق بناء مواطنة سليمة مبنية على كتابَي التاريخ والتربية المدنية الموَحَّدَين، وبحق التوصّل إلى رؤية وطنية مشتركة وردود فعل شعبية متناسبة على الحدث الواحد، والانتماء للوطن الواحد، وتفضيله على أي

 


[1] Synesseration, from the verb to synesserate. Cf. Rouhana Michel, Creation out of Love vs Creation out of Nihil, Amazon, Toronto 2022, p.16.

[2] وفي السنة نفسها قمت بترجمته إلى اللغة الفرنسية وقدمته للسفير الفرنسي Paul Blanc.

[3] لمن يريد أن يعرف أكثر عن تلك المرحلة المرّة من شمال لبنان ان يعود إلى المراجع التاريخية.

[4] ولم يكن بعد من عداوة بين حزب القوّات الذي يضم عددا كبيرا من شبيبة هذا القضاء والجيش اللبناني الذين يضم عددا مماثلا، ومعظمهم، من الطرفين، أخوة وأولاد عم.

[5]  العواصف، الرؤيا، ص.60.

Cf. https://www.arab-books.com/wp- content/uploads/ 2020/06/85258647.pdf

[6] أما العلّامة وهيب فأسرَّ بألم بأن ما يُرعبه هو تصاعد العنصرية الطائفية في وطن صغير كوطننا والمتمثّلة بتعبير رنّان مثل "الأمن المسيحي فوق كل اعتبار" الذي سيقابله حتما أمن سني وأمن شيعي وأمن درزي وما لا نهاية من أنواع الأمن... وكان قوله قول المدرك، والمدرك أنه مدرك بما يحاك للبنان، وبمن يحيك بهذه المسلّة حتى يتحقّق مشروع كسنجر الرامي، بالنتيجة، لضرب ظاهرة لبنان "العيش المشترك" المؤذية جدًا للكيان العنصري الصهيوني، بخاصّة وأن هذا المثال رفعه الكرسي الرسولي منذ اليوم الأول لإعلان دولة إسرائيل، ومَعمَعة القرارات الدولية آنذاك، مع ما طُرح من حلول.

[7] ويبدو أن العلامة شارل مالك، استنادا إلى مرافعته في الأمم المتحدة، لصالح المثال اللبناني في تعددية مذاهبه، كان مدركا لهذا التناقض وقلقا عليه.

[8] إنه يصبّ صريحا في خدمة النظام السياسي التقسيمي السائد، القائم على العشائرية والعائلية والأنواع كافة من الإقطاع الاجتماع-سياسي المؤتّمن على خير جماعته المنغَلِقة حياتيا على تقاليدها ومصالحها مهما كبر عددها وتوسّع اقتصادها، حتى آخر تفاصيل تركيبتها السياسية الاجتماعية، الانتخابات الديمقراطية ضمنا. لذا نرى النظام الإقطاعي، سواء الديني أم العرقي، قلق من تعليم الأجيال وتثقيفها بما لا يتناسب وحفظ التقاليد والعادات والأعراف المتوارثة على أساس معادلة "العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم" مثلا، و"اللي بيِطلَع من تيابو بيبرُد" و"قيراط واحد علم و23 قيراط تهذيب"، أي طاعة عمياء للمتوَلّين عليها.

 

[9] وقد كانت الخصخصة من المنطلقات الأساسية التي تم الاتفاق عليها في كواليس اجتماعات الطائف تحت عنوان "إعادة الإعمار" وكانت العلامة المميّزة للمرحلة الحريرية من الحكم.

انتماء آخر. يضاف إلى الأسباب السابق ذكرها أنه، من الأساس، ومع انطلاقة الجمهورية الفعلية سنة 1943، لم توضع برامج تثقيفية سياسية وخطوط توجيهية يلتزم بها الإعلام الناشئ وكل الأحزاب الموجودة منذ حوالي 1930، والتي ستؤسَّس لاحقا، عملا بالمقولة الشهيرة للدكتورة تيّان، رحمها الله، بأن "الأحزاب هي أفضل مثقف على المواطنة"،[1] لا بل استمرّت الأجيال يتعلّم قسمٌ منها كل ما هو لفرنسا وينشد نشيدها الوطني (وهذا وضع كاتب هذه السطور ورفاقه لغاية 1962)، وقسمٌ آخر يتعلم كل ما هو لإنجلترا... إلى يوم صَحَت الدولة –أول الستينيات من القرن الماضي–، ووضعت البرنامج اللبناني وفرضت إنشاد النشيد الوطني أقله مرّة في الأسبوع في المدارس كافة، والخدمة العسكرية التي، للأسف العميق، تم إلغاؤها سنة 2005، فكان آخر  مسمار يُدق في نعش الدولة التي نسير اليوم في جنازتها.

    1. في عدم استباق ما تخبئه "لعبة الأمم" ووضع رؤية واضحة للدولة على مراحل، معتمدةً أفضل المقاييس الإدارية للدُوَل، (الأمر الذي لم يكن من الصعب لا على مؤسّسي الكيان اللبناني معرفته، ولا على من تبعهم من رؤساء جمهورية وحكومة وبرلمان)

وبالتالي، لا يمكن لأحد أن يقنعنا بأن أمر تأسيس الدولة العنصريّة اليهودية كان خفيًا على الجميع، أقله بعد ظهور مفكّرين مطلعين وبعيدي النظر مثل جبران خ. جبران، وأنطون سعادة، وشارل مالك، وميشال شيحا وأترابهم، ومَن سَلَك مثلهم بفَضحِ مخطّط الصهيونية والعمل على إفشاله. فماذا يحدث بوَطن لا برامج تثقيفية فيه تُحرّر الوجدان التاريخي لأبنائه وبناته، ولكل من ارتضى أن يحمل هويّته كلبنان كبير، يسعُ الكلَّ وللكل، ويثق بحقيقة الوطن والمواطنة والدولة العادلة القائمة على مثال مثلث الثورة الفرنسية "حريّة، أخوَّة، مساواة، " مع التميّز بعدم فقدان ركيزة مخافة الله فيه.

على العكس، كل ما حدث هو أن استمرّت الزعامات الدينية والبيوتات السياسية، ولغاية 1975، تلعب دور المراجع التربوية والقضائية والاستشفائية التي لا يُردّ لها طلب طالما هي تُرضي المندوب السامي، أو الحاكم العسكري، أو مصالح المتنفّذين ضمن النظام الجمهوري الأوليغارشي الطائف-قراطي، وليس الديمقراطي، واستمراريتها كسيّدة النظام الحديث، وكأن حقوق الناس المكتسبة والقضاء والعدالة كلها استنسابية لصالح تلك المراجع الدينية و"الزعامات".

وحفاظا على مكتسباتها التقليدية تستّرت بعض العائلات الإقطاعية، أو المحظوظة بتملّك الحصص الوازنة من الاحتكار التجاري، في تأسيسٍ حزبيٍّ يحمي مصالحها ومصالح من يموِّلها ومن يتحزّب معها، على حساب الصالح العام. وهكذا انبَرَت شبكة من الإقطاع السياسي-المالي الذي يحمي بعضه البعض ويتشارك ملكية خيرات الدولة في دوائر ضيقة ليحافظ على تجديد دوره السياسي وتوريثه لأولاده، وكل هذا على أساس المبدأ الشهير: "من نعم الله عليكم حاجة الناس إليكم". فكيف يمكن إقناع هذه المراجع بالقبول بقيام دولة مدنية عادلة قويّة تفقدهم إلى حدٍّ ما الإمساك بـ"شارعهم" الحامل لذواتهم النرجسية على أكتافه، والهاتف لهم ولأولادهم من بعدهم: "بالروح، بالدم، نفديك يا ..."؟ فشارعهم هو أساس ثروتهم ورفاههم، ومعنى وجودهم.

ولم تتوان بعض العائلات الإقطاعية والأحزاب عن استغلال التناقضات على مساحة الشرق الأوسط، والدَور المعطى للدولة الصهيونية المعادية لكافة حقوق الإنسان، التي رمت في أحضان لبنان حوالي مئتي ألف لاجئ فلسطيني خلال سنة 1948، من التوجّه إلى تلك الدولة "العدو الشرس للصيغة اللبنانية" للتسلّح بوجه اللاجئين الفلسطينيين الذين، كما ذكرنا أعلاه، بعد اتفاق القاهرة، كانوا قد تسلّحوا بما يفوق قوّة الجيش اللبناني بحجة الدفاع عن النفس ضد إسرائيل والعودة إلى بلادهم.  هكذا تحوّل لبنان إلى أرض معركة غريبة، قلّة هم من سبروا غورها. فبينما اعتبرها البعض حرب الغير على أرضه، وبدماء شبابه، منقسما على ذاته بين معاد للفلسطينيين ومؤيّد لحقوقهم، بخاصة من ناصَروا الفلسطينيين مظلوميتهم كاليسار اللبناني، رآها البعض الآخر، محليا ودوليا، ونحن منهم، بأنها حرب صيغة الدولة العنصرية على صيغة الدولة التعددية والعيش المشترك. نجحت هذه الحرب في قبرص على يد هنري كسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك، وبات المخطط يدعى "قبرصة الشرق الأوسط".  تمسكت البطريركية المارونية (البطريرك خريش وكل من تبعه)، والفاتيكان حكما، بصيغة "التعددية الحضارية و"العيش المشترك" وقد رفع البابا القديس هذه الصيغة إلى مصاف "الرسالة العالمية"، يشهد لها لبنان أمام العالم بأثره لما فيها من ضمانة لمستقبل الشعوب ضمن بعد إنساني كوني.[2]

عليه، وللأسف الشديد، ما كان من الأحزاب المؤيدة لتقسيم لبنان وقيام دويلة مسيحية عنصرية إلا  تخطي سلطة الدولة والحلول مكانها. وليت الأمر توقف عند هذا الحد لكان الرؤساء الروحيين تمكنوا من إدارة كفة التكوين اللبناني ووقف الحرب إثر سنتيها الأوليتين، لكن المؤامرة على الصيغة اللبنانية دعت حتى إلى تخطي الرؤساء الروحيين، وتسييس الطوائف. فأتمت الأحزاب وسياسيوها إخضاع بعض رؤساء الطوائف للمخطط ولو كان كل منهم لسبب مختلف عن الآخر، ما عطَل كل حوار يميني-يساري، إسلامي مسيحي، سني ماروني، سني شيعي، شيعي ماروني، وماروني - درزي، ناهيكم عن انقسام كل طائفة على ذاتها، ما أوصل المواطن الحالم بوَطن سليم منظورٍ عالميا إلى حالة من اليأس لجهة تحرّره، مما أسماه جبران خليل جبران "منازل الأمس"، فتفاقمت هجرة الأدمغة والكرامات.

على أنه، منذ الأربعينيات، ومحاربة البطريرك عريضة للاحتكار الذي حاول المندوب الفرنسي دو مارتيل (De Martel) تأمينه في لبنان قبل انسحاب فرنسا منه، كانت قد أُقفلت شهية أجيال التأسيس عن النقد البناء. ليس فقط نقد الاعوجاج في أسس صَرح الدولة وعدالتها وقضائها، بل حتى نقد التقاليد المرتبطة بـ"الهويات القاتلة" والنظام التربوي الذي كرّس، كما ذكرنا أعلاه، باسم حريّة التعليم الخاص، الديني والمدني، تعدّدية اللغات والمناهج والسباق في خدمة سوق العمل الذي يعجز لبنان عن استيعابه، ما دفع حكما معظم المواهب الشبابية للهجرة والعمل في الدول التي يتكلّمون لغتها، لا بل بات هذا حلم كل فرد منهم. فصحيح أن اللغة أُم، إنما لا يستهان بـ"الخالة" المضاربة لها، وإغراءات بلدانها التي تتخطّى بالكثير إغراءات الوطن الأمة.

لم يتسن للجمهورية اليانعة، المفتشة عن هويّتها، أن تساهم بشكل فعال وهادف، في تنقية الذاكرة من الرواسب العالقة في ذهن مكونات شعبها التي لم تكن بعد قد بردت دماء المجازر بينها (بخاصة أحداث 1860 المفتعلة...)، كي تتسع لذكرياتٍ وطنية حديثة بنّاءةٍ لشعبٍ واحد ورؤية موحّدة. فراحَت كل من المكوّنات تحلم برؤية الوطن في ضوء ثقافتها المحدودة، وانتماءاتها التي ما بعد الحدود، مستندة باسم مؤيّديها على مقولة جبران "لكم لبنانكم ولي لبناني"... [3] وها الموّال نفسه يطفو على سطح المستنقع من جديد، منادٍ بالتقسيم على أساس التمييز في الشبه: "بيشبهونا أو ما بيشبهونا"... فهل نستسلم لما تنبأ به جبران خليل جبران بحسب ما أتى في مقال الصحافي وسام ناصيف ياسين الذي أوردناه في أسفل الصفحة أم نصرّ على تثبيت عنوان عريض أعطاه البابا القديس، ورجل الإنسانية المميّز، يوحنا-بولس الثاني في متن الإرشاد الرسولي الذي وقّعه بعنوان "رجاء جديد من أجل لبنان": «إن لبنان هو أكثر من وطن، أكثر من بلد، أنّه رسالة، رسالة العيش المشترك السوي بين المسلمين والمسيحيين، ورسالة للغرب الأوروبي والأميركي مثلما هو رسالة للشرق العربي والإسلامي، أي إنّه رسالة عالمية؟»[4] ننتقل إلى إظهار رأينا في الموضوع.

    1. هل، في سنتي  1920 و 1943، كانت مكونات دولة لبنان الكبير فعلا على خطأ، أم كما أوردنا أعلاه كان إنشاء دولة ذي وحدة تعددية على كتف دولة عنصرية أمرا مقصودا؟

لا نبرئ المكوّنات اللبنانية التي اتفقت على تأسيس لبنان الكبير من ذنب الوصول إلى ما بات لبنان عليه اليوم لأنها لم تكن في درجة من الجهل لتبرئتها. إذا ما عُدنا إلى تاريخ الثورات التي ظهرت لدينا في القرن التاسع عشر وبداية العشرين، يتأكد بأنه كان لديها الاطلاع الكافي، من خلال نخب المنظمات السرية، الماسونية حصرا، التي ارتبطت عضويا بالصهيونية، والتي كان لها الدور الأساس في كافة البلدان الممكن استغلالها لإسقاط "الرجل المريض"، أي السلطنة العثمانية، ووضع اليد على كافة بلدان الشرق وإفريقيا تهيئة لتأسيس الكيان الصهيوني. والفرق شاسع بين التخطيط لدولة بريئة لليهود المجروحين من محرقة النازيين والتخطيط لكيان استعماري، غيتَويّ، فوقي، يكره شعوب المنطقة ولغاتها وأديانها، يتحوّل إلى قاعدة عسكرية متقدّمة أمينة لشركات النفط ودولها (الحلفاء) بصفته شريكا أساسيا لها. الهدف الأساس إذا من تلك القاعدة العسكرية، التي تجلّت قدُراتها، ودعمها من أوليائها، بأخطر أشكالهما العنصرية اليوم بحربها على غزة، كان ولا يزال وضع اليد على ثروات دول المنطقة النفطية (نضيف اليوم... وغيرها من الثروات...) بعد تأسيسها وإعطائها استقلالها، عملا بالاتفاق الدولي الذي نصّ على أعطاء الشعوب المستعمَرة حق تقرير مصيرها وبالتالي، ضمان استثمار النفط حصريا لتلك الشركات ودولها.[5] ومَن أكثرُ من علماء اليهود معرفةً بوجود النفط في الشرق الأوسط إذ قد ذُكر في كتابهم المقدس بدءا من سفر المكابيين والسبي إلى بابل، وسفر دانيال.[6] ناهيكم عن معرفتهم بمناجم الذهب والفضة وغيرها في الأراضي، بدءا من سفر التكوين. [7]

كان لتلك النُخب، بخاصة التي أمسكت بزمام الإعلام آنذاك، ما يكفي من الوعي للتمييز بين بناء الدولة المدنية الصالحة لأجيالها إلى أمد طويل، والمحافظة على القيود الدينية والتقليدية التي تربطها بقواعدها خارج الوطن الصاعد، وبالتالي تمنعها من الوحدة مع مكوّنات الوطن الأخرى. هل كان خوف المكوّنات التاريخية من بعضها البعض مبرَّرا؟ ألم يكن اتفاقها على عدوّ مشترك يداهمها من الخارج، وهو السلطنة العثمانية، بكاف لكي تتوحّد حول ما يتخطّى حلقاتها الضيّقة؟ نعم، وأكبر إثبات على ذلك هو اتفاق شهداء عام 1916الذين، رغم تنوُّعهم، وحّدت أرواحهم بين مكوّنات الجغرافيا اللبنانية من دون استثناء، وكرّست وحدةُ دمائهم بيروتَ عاصمةً خالدةً ليس للبنانيين فقط، بل لكل مطالب بحرية الرأي والحق بتقرير المصير.[8]

عليه، ومن باب إيجاد عذر مبنيّ على طيبة قلب تلك الأجيال، نتساءل عمّن مِن أجدادنا، وحتى من آبائنا في الأربعينيات، مثقفين وأميين، سأل عن برنامج المدرسة التي يسلّم عقول أولاده لها، وإن كانت ستعلّمهم حبّ وطنِهم الجديد، وحب رايته، ونشيدِه، وتاريخِه، وجغرافيته؟[9] الخيار كان فقط عند من اتبعوا الحركات الغربية، وبخاص الماسونية، بين مدارس "اللاييك" والمدارس الدينية على انواعها.

كاتب هذه الأسطر مثلا، وكل من هم من جيله من الذين تعلّموا لدى الإرساليات الفرنسية، درسوا تاريخ وجغرافية فرنسا وتعلّموا نشيدها الوطني (La Marseillaise) لغاية 1962، وكان أهالينا ممتنّين لها جدّا بالرغم من ضعف اللغة العربية لديها. فقط في عام 62، طالعتنا المدرسة بإدخال النشيد الوطني اللبناني وتاريخ وجغرافية لبنان في البرنامج كما ذكرنا أعلاه.

 صحيح أن الدولة التقَطت أنفاسَها ووضعت حوالي عام 1963برامجا إلزاميا للتثقيف الوطني العام، بدءًا من المنهج الدراسي والامتحانات الرسمية إضافة إلى برامج أعياد وطنية ملزمة، إنما هذا لا يعذر الخطأ في الأساس الذي بنيت عليه العقائد الجزبية من 1930. فقد كانت الأحزاب الانتدابية المتأثرة بقوميات الحرب العالمية الثانية  قد سبقت الدولة إلى برامجَ تثقيفية حول القومية اللبنانية والقومية السورية والقوميّات الشيوعية والاشتراكية والعربية، ناهيكم عن موجة التحرّر الأخلاقي والجنسي التي أدخلتها السينما الأجنبية على وسع شاشات الوطن بدءا من السنة ذاتها، فبدأ جيل بكامله يتحوّل نحو نمط المجتمع الاستهلاكي الساعي إلى صنميات العنف السياسي والملذات والخدمات ذات الربح السريع (منها شبكات الدعارة المنظمة والاتجار بالمخدرات )، فخجلت الكنائس والجوامع من قلة قاصديها نسبة إلى قاصدي دور السينما والبارات... ورحنا كشبيبة متديّنة، في عزّ فتوَّتها وتفتّحها على الجنس، نتساءل إن لم تكن هناك مؤامرة هادفة لإفساد أخلاق مجتمعنا. اتُهمنا حينها بالتعقيد النفسي وتصديق وسواس المؤامرات، وكان الجواب: من يعش يرَ... نعم واليوم بات كل شيء مكشوفا ونؤكد بأن "المصيبة" كانت عند من جهل ولم يتنبه للأمر متفاعلا مع شعارات الحرية والسيادة والاستقلال، وكانت أكبر عند  من كان عالما بأمور تهيئة المنطقة لتأسيس الكيان الصهيوني وكرس نفسه بوصولية تامة لخدمة تحقيقها. فهل من خط رجعة إلى رؤية أفضل وبعيدة المدى للدولة اللبنانية؟

 

    1. البحث عن مفهوم جديد يشكّل رافعة من التيهان إلى الوعي المنشود.

إن عدم وحدة مشارب الثقافة والعلم للشعب اللبناني طبقيا ومناطقيا وطائفيا أودى إلى عدم انتماء اللبنانيين لبعضهم البعض وبالتالي عدم انتماء الجميع لمفهومٍ وطنيٍ موحّد، ولُغةٍ أمٍ موحَّدة. فتقدّم نَسَب الطائفة والمنطقة على النسب اللبناني، وكثرة الوصوليات على أشكالها، ما منع تحقيق أبسط مطالب الشعب بوحدة وطنية تمنع التحارب ينهم كل فترة جيل، أي خمس عشرة سنة. وإثبات هذه الرغبة تم في انتفاضة سنة 2019.[10]

تلك كانت الخطورة الدامغة التي جعلت من أجيال لبنان، منذ 1860، عندما سَلّمَ من خَلُصوا من المجاعة والمجازر أدمغة أطفالهم، صاغرين، إلى إحدى الفئتين: إما إرساليات الانتداب الفرنسي، وإما إرساليات الانتداب البريطاني -الأمريكي، ومنهم للروسي. والأنكى، بشهادتنا، وهذا ما لاحظناه إبان دراساتنا الابتدائية، هو أن الانتداب الفرنسي، الخارج مُلحِدا من الثورة الفرنسية، بخاصة إبان الجمهورية الثالثة، قد موّل المؤسّسات التربوية الكاثوليكية على أنواعها كي تُخضع عقول من تُعلّمهم، باسم الدِّين المسيحي (كي لا نقول، مستغلّة إياه)، لمحبة فرنسا العادلة، حامية المسيحيين الكاثوليك، فكانت لُعبة الكرة الشهيرة "Pomi Pomalla" التي تعلّمَتْها أجيالنا بالفرنسية عن ظهر قلب، والمقصود بها إخضاعنا البَنَويّ-الدينيّ للدولة الفرنسية "الأم الحنون".[11] ولا شك أن أمورا مماثلة كانت تحدث لدى المدارس الأنغلوسكسونية، ما حجّر الوجدان اللبناني بشكل عام، الفردي كما الجماعي، في مقاطعات ثقافية فرنسية أو إنجليزية أو عربية، على ما عبّر عنه جبران خليل جبران أفضل تعبير في ويلاته التسع التي نستل منها التالي، بتصرّف:

  1. ويل لأمة تكثر فيها المذاهب (المسيّسة) وتخلوا من الدين،
  2. ويل لأمة يكثر فيها منطق التذاكي لصالح المنفعة الخاصة، وتخلو من الحكمة التي تؤسّس للصالح العام البعيد المدى،
  3.  ويل لأمة سياستها المتّاجرة حتى بأصول الوطن، وفلسفتها شعوذة التوقعات، وأفضل الحلول للمشاكل لديها الترقيع...
  4. ويل لأمّة عاقلها مَكموم الفم، وقويّها مُقيّد اليَدين والرجلَين مَنهوب الأموال، وحاكمها من بيده المال والإعلام.

ويختم كاتب "النبي" ويلاته بالتاسعة منها قائلا: "ويل لأمّة كل قبيلة فيها أمّة"، تاركا الويلة العاشرة لمن ستكون لديه القدرة على تحديدها.

وهل يمكن اعتبار المقولة: "ويل لأمة تعلّم تلامذتها كتب العالم كافة ولغاته، ولا تعلمهم كتابها ولغتها"، الويلة العاشرة؟

وهذه الويلة العاشرة، ألم يشهد لها جبران نفسه بعودته خصيصا من بوسطن إلى لبنان ليتعلم، في مدرسة المطران (الحكمة)، من كتاب وطنه ولغته العربية؟  ولولا هذه النزعة اللبنانية العربية التي تملّكت تفكيره، أما كانت الخسارة الثقافة العالمية كبيرة للّغة العربية؟

نعم. اللغة أم، والأم تُعلِّم أولادها، أولا، لغتها ثم لغات العالم. على هذا الأساس يمكن اعتبار مسيرة تكوين جمهورية لبنان الكبير التي تمّ تقرير المصير على وسعها وتنوعها خطوة انفتاحية سباقة على ما وصفها به العلامة شارل مالك في بعض مداخلاته في الأمم المتحدة. لا، لم يكن مؤسّسو هذا الوطن على خطــأ رغم وسع المغامرة التي أقدموا عليها سنة 1920 والتي تشهد لها المناظرات الفائقة الغنى عام 1926 إبان اتخاذ القرار حول ما أن يقوم دستور هذه الدولة على التشارك الطائفي أم على العلمنة المطلقة. لم يكونوا على خطأ  إنما لم يكن بمتناول بعضهم وعي الرسالة التي ضمنتها "العناية الإلهية" إياه، ونحن نؤمن بهذا لأن لبنان الجغرافيا والتاريخ وقف الله، كما لم تكن واضحة فيما بعد أيضا، سنة 1943، لمن تسلموا زمام مؤسسة الدولة اللبنانية وذلك للصراع المستمرّ مع الانتداب الذي كل ما كان في نيّته هو أن يخرج من الباب ليدخل من الشباك. وأكثر ما تألم من عدم الوعي هذا هو اللغة العربية، التي رغم الإصرار المتأخر على اعتبارها اللغة الرسمية الوحيدة في لبنان (نص الدستور) وتأخر اعتراف نصف لبنان الذي كان معترضا على عروبة لبنان بأنه دولة  عربية بكل ما للكلمة من معنى (اتفاق الطائف)، لا يزال البرنامج التربوي في الدولة مستمرًا بالتضحية بها لصالح لغات سوق العمل العالمي حتى بات اللبناني مشهورا بالتكلم بجملٍ من ثلاث لغات مرّة واحدة، وبالكاد نسمع خطابا باللغة الفصحى أو نقرأ مقالا صحافيا من دون أخطاء؟    

العِلّة إذًا لم تكن فيمن أسّسوا، إنما في خامات العقول التي رافقت قيام الدولةِ خدمةً لشعبٍ لم يعرف طوال تاريخه مِنَ الدولة سوى أنها خصم وعدو يحتمي منها بزعمائه. ولا ينسيَنّ أحد بأن حتى اللغة العربية طُورت على يد المسيحيين –موارنة سريان ويونانيين– كسلاح ضد الدولة العثمانية، ضد التتريك من جهة، ومن جهة أخرى وسيلة لتقاربهم من بعضهم في الدول ذات الأكثرية العربية فيفهمون على بعضهم ويفهم الشعب على رعاته، كما أيضا يسهل فهم المسلمين العرب لهم ولدينهم.[12] على أنه برز من تلك الوجهتين تناقض خطير يتمثل بثقافة عالية لدى نخبة معينة من الشعب تحتكر المال والعَمَل والوظيفة على شعب فقير أميّ، ما دفع بالفقراء بتوجيه أولادهم نحو العلم من دون إي رؤية لهم، ولا قدرة على إدراكٍ فرديّ أو جماعيّ لمخاطر العلم قبل أهميته للانتماء للأمة وللكيان، فأتت الويلات الجبرانية التسع لتوصّف الواقع آنذاك وبخاصة ما هو انعدام القرار الضمني الشامل للشعب الموحّد، بتصحيح البوصلة والانتفاضة الراقية للتغيير.  فبالرغم من ازدهار العِلم والمعارف في لبنان، بقيَ الانتماء سطحيّا، تشرذميّا، عملا بنظرية "فرِّق تسُد"، ولم يَنغَرِز هذا الانتماء في العقل الباطن إلى حدّ تحريره من الرواسب الصليبيّة، المملوكيّة، العثمانيّة، والتي تَشي كلها بأن الدولة هي العدوّ الذي يجب الاحتيال عليه وسرقته والاحتماء من "ظلمه" بالزعماء ورؤساء الطوائف ورجال الأعمال المتمكّنين من التدخل في الإدارات العامة وفي القضاء على أنواعه، وكل ذلك استنادا إلى المسلّمات الشعبية المشتركة عند الجميع ومنها "الشاطرْ ما يْموت"؛ "الكِذْب ملح الرجال"؛ و "بعدْ حماري ما ينبُتْ حَشيش"، وعلى ما قاله جبران بالفصحى: "سارق الورد مزموم ومحتقر، وسارق الحقلٍ يُدعى الباسل الخَطِر". [13]/[14]

أما اليوم، وبعد مرور خمسين سنة على بداية حرب الـ" 1975"، فلا احتماء سوى بالأحزاب الحاكمة، المتسلّطة على الدِّين والمال والقضاء، الأبعاد الثلاثة لدولة الأمر الواقع، المحصِّنة حولها بأسوار وسائل إعلامها الخاصة والموجّهة، والتي لا فرق لديها بين مُستعمِر، ومحتل، ودولة، مهما تحلّت تلك الدولة بالسيادة والحريّة والاستقلال. الأهم لديها هو من يدفع أكثر، وأن يستمرّ كل "الزلم" والأتباع الذين اكتسبتهم الأحزاب إبان سني الحروب، بالخضوع لسيادتها الحزبية وسلطتها المكانية غير المتنازع عليها من سلطة أخرى، ولا حتى الدولة.  فكان التساؤل الذي تهابه الأحزاب التي تصنع الحكومات: "أي سيادة ينادون بها لوطن كل حزب فيه دولة يتمسك بسيادته على القطاع العام خاصته؟" (الكهرباء، الأشغال، الصحة، المال، القضاء إلخ.)

في هذا اللغط، بالنسبة لرؤية جبران خليل جبران، يكمن حائط المبكى... كيف يتمّ التوصّل إلى تحرير العقل الباطن، الفردي والجماعي للمواطنين، من سيادات الأمر الواقع وتراكمات قرون من الاحتلالات واستعمار العقول ولقمة العيش؟ كيف يتم إيقاف آلة استغلال الشعب بإيمانه ومواهبه وحِمضه النوَوي لخدمة "تاجر" دوَليّ متجوّل (قِوى عُظمى) يزاحمه "تاجرٌ"  آخر شبيه به، كلاهما متخفٍّ خلف إما حزب محليّ بيده أحدث وسائل الإعلام من هنا، أو تاجر مسترزق يشتري أحدث الوسائل الإعلامية من هناك؟

إن اعترفنا بأن العلّة هي في التغفيل وانعدام الوعي نجعل الحلّ يكمُن حِكما في التنوير وتحقيق درجة من الإدراك الفردي والجماعي عند كلّ لبناني ولبنانية، وكلّ اللبنانيين واللبنانيات، بهدف الدخول، وَلَو لمرّة أولى، في مدار الوطن والمواطنة.[15]

الرؤية مُرعبة لكثرة أخصامها، بل أعدائها، من معظم المكوّنات اللبنانية وأكبرها حجمًا، ولا نغفل أيضا عمّن هم غير لبنانيين ومستفيدين. إنها رؤية تحتاج أشخاصا خرجوا من الصندوق ورأوا وفكّروا وصمّموا أن ينقذوا وطنا لا يريد له أحد، إلا قلة قليلة من أقرب أصدقائه وأحبائه الدوليين، وقد يكونون مغلوبين على أمرهم، أن يكون وطنا بكل ما للكلمة من معنًى.

أما التنوير وتنقية الذاكرة فلا بد لهما من أن ينطلقا من اللُّغة وآدابها، والذوق في استعمالها، حيث إن اللغة تُعتبر العمود الفِقَري لعمليّة التواصل ونقل المعاني والأفكار بأكثر ما يمكن من الوضوح والدقّة. إنها الأداة الحَيوية في بناء العلاقات الإنسانية إذ تعزّز الفهم والتفهيم المتبادلين، والتفاهم المفترض أن يليهما، وتُعمِّق التواصل على مستوى رفعة الوطن وإنسانه. ويعلّم علم النفس في مادتي التواصل والإعلام، عن مدى تَأثير نبرة الصوت، واختيار الكلمات ولفظها، أكان بالفصحى أم بالعامية، ولغة الجسد، على الطريقة التي يتلقّاها الآخرون بها، ويتفاعلون إيجابا أو سلبا معها.[16] بهذا يبرز الدور كاملا لأساليب ووسائل الإقناع الممنهج، وقوّة الخطابة في العصف الفكري الذي تقع تحت وطأته أدمغة المجموعات العاطفية الممسوكة بلقمة عيشها واحتياجاتها المتأتية من مُركَّب الخوف لديها. كل ما سبق يدعو الذين فكروا ويفكرون "خارج الصندوق" أن يبحثوا عن مفهوم جديد يشكل رافعة من التيهان إلى الوعي المنشود.

إذا الضرورة ماسّة للبحث في المفاهيم، في الفصحى والعامية، التي تحرّر العقل من رواسب باتت خانقة، وهويات باتت قاتلة. على هذا الأساس كان تدخّلنا، منذ الثمانينيات، في نقد مفهومَي التعايش والعيش المشترك اللذين، منذ ما قبل 1975 وُصِفا بعيش التكاذب للأسباب الواردة أعلاه وأهمها التخويف من الآخر. لقد بُنيت عليهما مؤامرات الطامعين بلبنان كي يصلوا إلى مآربهم لما يجدون في استغلالهما من سهولة في تمكين المسؤولين الرسميين من خيانة شعبهم مقابل كومسيونات على كل المستويات، وجرّ اللبنانيين، بشكل عام، إلى التقاتل فيما بينهم طلبا للفوقية والتشاوف، وليس بالضرورة بين من هم من أديان مختلفة، ففَقَدا كل تأثير لهما حتى غَدَيا وكأنهما معطِّلان للتركيبة العائلية الحميمة بذاتها، كما للجماعة الدينية الواحدة، من دون استثناء، والتي هي، بمجموعها، نواة المجتمع والوطن.  

وما رفع منسوب القناعة اليوم بأن هذين الشعارين اللذين اختزلا في اتفاق الطائف والدستور الحالي بـ"العيش المشترك" فقط، مع إسقاط استعمال "التعايش"، لا يبنيان دولة هي أنهما، ما أن حُوّلا، تحديدا "العيش المشترك" منهما، من ميثاق أدبي يحترم حريّة من تواثقوا عليه وإمكانية تطويره مع تطوّر المجتمع، وأدخل "العيش المشترك" كبندٍ ملزم في اتفاق الطائف مع "الّا" الناهية، ومن ثم في مقدمة الدستور، البند (ي) منها،[17] حتى تحوّلت قوته التعطيلية من ميثاقية إلى دستورية، فتعطل الدستور.

ولزيادة تعطيل الدولة تعطيلا دستوريا من قبل من تمّ اتفاق الطائف بينهم، وهم قوى الأمر الواقع التي لم يكن هدفها الأساس حينها خير الدولة وقيام الوطن بتجردهم عن مكتسباتهم والعودة إلى مخافة الله وإحقاق الحق، أدخل في دستور يُفترض فيه أن يكون غايةً في الدقّة والوضوح والنهائية، عامل الانتظار: البند (ح) مثلا من مقدمة الدستور (والخطة المرحلية...)، والمادة 22- تأسيس مجلس الشيوخ (مع انتخاب أول مجلس نيابي على أساس وطني غير طائفي)، والمادة 95 (وفي المرحلة الانتقالية). وهل من مادة حدّدت تلك المرحلة الانتقالية وألزمت بالحد الزمني للمهل حيثما تدعو الحاجة؟

لو كانت أرادة المشترع في الطائف أن يُبنى لبنان الآتي على الأسس الديمقراطية الصحيحة، لكان توقّف عند الإشكالية التي اختصرناها في المقدمة بالسؤال: ما الأفضل أن يقوم عليه لبنان الناهض من كبوته: على الملكيات الخاصة والمصالح المشتركة، و"الستة بستة مكرّر" –أي العيش المشترك والتسابق على تقاسم المراتب والمكاسب والمآدب ... والتحاسد إلخ. –، أم على الكينونة المشتركة في السراء والضراء وأولويّة الانتماء الوطني الُمخلِص للرسالة التي يفترض أن يشهد لها وطن التنوع المميّز هذا، أي "التكاؤن"، والتي تتحقّق في أولويّة الصالح العام، والكرامة العامة، واحترام القوانين والقضاء، والحفاظ على حق الآخر مهما كانت التضحيات؟  واستنادا إلى الجواب المقنع والخيار الأفضل يوضع الدستور، وتنبع منه المواثيق الملائمة لتأسيس المواطنة والوطن الحديثين، المواثيق التي تجيب على سلسلة من الأسئلة المتوالدة من المثل أعلاه، مثلا لا حصرا: ديانات متعايشة أم متكائنة؟ سلطة تنفيذية متعايشة مع رئيس الجمهورية أم متكائنة معه ومع بعضها (التضامن الوزاري)، كما مع السلطات الأخرى؟ كيانات اجتماعية متعايشة على حدود بعضها البعض، متسابقة على الملكيات، متحاسدة على الولادات والمكتسبات السياسية والاجتماعية والتوظيفية، أم متكائنة على أساس المثل الشهير: "الجار قبل الدار؛ إن كان جاري يخير أنا بخير؛ جارك القريب ولا خيَّك البعيد" إلخ. لذلك ابتكرنا مفهوم "التكاؤن" المتولّد من الاسم الإلهي الذي أعطاه الناطق من "نار العليقة المشتعلة" للنبي موسى عند سؤاله عن اسم مخاطبه قائلا: أنا الكائن.

نعتذر على الإطالة في هذا الباب من الكتاب، ولكن للكرامة بكل أبعادها، ضروراتها. وتبيان الظروف التي دفعتنا، منذ مقاعد الوعي في المدرسة، ثم الجامعة، ثم إدراك الإدراك للدفاع عن حقوق الفرد ضمن الجماعة، وإيجاد التناغم بين حقوقه وحقوق الجماعة التي ينتمي إليها، أدينية - طائفية كانت أم عائلية أم مناطقية، أم الثلاثة مجتمعة، هو أساس غير قابل للجدل لبناء وطن كريم فخور بمكوناته، وبالتالي حرّ وسيد، فأي قيمة للحرية والسيادة من دون كرامة؟

لقد شكل غياب كل هذه الكرامات، والتناغم بينها، وعبور جيلنا بأزمات لا عدّ لها للمطالبة بها، ما يكفي من الظروف المؤلمة كي ننتفض لكرامتنا وكرامة شعبنا ووطننا بوجه قيود العبودية المنمّقة، ونَخترع "ميثاقية" جديدة هي "التكاؤن" ليُبنى عليها الوطن دون غش ورياء:[18]

فإما أن "يكون" اللبنانيون متساوين بالكرامة الذاتية والجماعية والحقوق والأخلاق وكرامة وطنهم العامة، عربيا ودوليا، أو لا يكونون لا هم ولا لبنانهم؟

ننتقل الآن للتعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ" المشتقة منه.

 

[1] تيّان، ندى. محاضرات في القانون الدستوري. أمانة شؤون المطبوعات في الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، 1977، ص 101 .

[2] عدد من الحاخامات الكبار مثل اليميني المتطرف "إسرائيلي كروسمان" وهو حاخام شلومو عمار، الذي كان يشغل منصب الحاخام الأكبر في القدس يعتبر الصيغة اللبنانية ألد عدو للكيان الإسرائيلي. كما حزب شاس أيضا إذ من عقيدته  بشكل عام أن يروج لأفكار تتعلق بالهوية اليهودية والعنصرية... (الإنترنت)

[3] يذكر الصحافي وسام ناصيف ياسين بالمقال الذي نشره عن جبران خ. جبران تحت عنوان "لكم لبنانكم ولي لبناني"، الذي يرفض فيه إعلان دولة لبنان الكبير قائلا: " لبنان البلد الصغير الهادئ الآن، سيكون مسرحاً لمجزرة هائلة، يذبح فيها المسلم المسيحي والمسيحي الدرزي، وسوف يذبح المسيحي أخاه المسيحي، ومن يعش يرَ".  ويزيد الكاتب للأمانة التاريخية، بأن جبران حذّر من تعدّد الجماعات غير المتجانسة في الكيان الناشئ، ما يجعل منه مخلوقاً غريباً متعدد الرؤوس والرئاسات. ولَعلّ أنصع تجليات تلك "النبوءة"، عبارته "لبنانكم دولة ذات رؤوس لا عداد لها... وماذا عسى أن يبقى من لبنانكم وأبناء لبنانكم بعد مئة سنة؟". يبدو أن كل ما توقعه جبران هنا، حصل، والعبرة الآن بما سيلي... أي لبنان يجب أن يكون؟ وهل نحققه نحن أم نبقى أعجز من أن نحققه؟

Cf. https://www.almayadeen.net/articles/blog/1419928/

[4] الإرشاد الرسولي، 1997.

[5] في ضوء هذه المعطيات المتكشفة مؤخرا تفهم معضلة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بكاملها.

[6] 2 مكابيين 1، 36. وسَمَّى نَحَمْيا والَّذينَ معَه هذا السَّائِلَ ((نِفْطار)) أَي تَطْهير. ولَكِنَّه يُعرَفُ عِندَ كَثيرينَ بِالنَّفْط. دانيال 3، 46 الترجمة القبطية. ناهيكم عن أن البابليين كانوا يستعملون هذا النوع من الزيت، والذي نجده تحت اسم قطران أيضا لإنارة شوارع المدينة والقصور والمنازل، وهكذا أيضا العرب في مينة بغداد في القرن الثامن.
نضيف إلى أن قلة كانت تعرف بأنه قد تم اكتشاف قدرات النفط في الولايات المتحدة سنة 1861 وتشكلت أول شركة لاستثماره... وفيما بعد تعرّف علماء الألمان على كميات النفط الهائلة الموجودة على أراضي السلطنة العثمانية فتحالفوا معها بهدف تثبيت يد السلطنة عليها والبدء باستثمارها.

[7] تكوين 2، 11 – 12. اسم الواحد ٌ[النهر] فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب.12 وذهب تلك الأرض جيد. هناك المقل وحجر الجزع. وكلمة ذهب جاءت في العهد القديم 350مرة واستخدم الذهب ليس للنقود، بل للزينة والحلي (تك22:24) واستخدم لبناء الهيكل وخصيصا للمذبح فاشتهر في هذا الصدد أهمية القسم بذهب المذبح إذ هو ملزم، وليس فقط بالمذبح – مما سيستدعي تدخل السيد المسيح فيما بعد للفصل بين الاثنين مذكيا القسم بالمذبح الذي يقدس الذهب. وليس العكس. (متى 23، 16 – 17)

[8] أسماء شهداء عيد الاستقلال في 6 أيار 1916 والذين أعدموا شنقا في بيروت على يد الحاكم جمال باشا السفاح: (يومها كان عمر جبران خ. جبران 33 سنة وكتب مقالته الشهيرة "مات أهلي")
ــ بترو بن بترو باولي (1886ـ 1916) ــ جرجي بن موسى حداد (1880ـ 1916) ــ سعيد بن فاضل بشارة عقل (1888ـ 1916) ــ جرجي بن موسى حداد (1880ـ 1916) ــ سعيد بن فاضل بشارة عقل (1888ـ 1916) ــ عمر بن مصطفى حمد (1893ـ 1916) ــ عبد الغني بن محمد العريسي (1891ـ 1916) ــ عارف بن محمد سعيد الشهابي (1889ـ 1916) ــ أحمد بن حسن طبارة (1871ـ 1916) ــ توفيق بن أحمد البساط (1888ـ 1916) ــ سيف الدين بن أبي النصر الخطيب (1888ـ 1916) ــ علي بن عمر النشاشيبي ( ـ 1916 ) ــ محمود جلال بن سليم الآمدي البخاري (1882ـ 1916) ــ سليم بن محمد سعيد الجزائري الحسني (1879ـ 1916) ــ أمين لطفي بن محمد عيد قسومة الحافظ (1880ـ 1916) 

[9] فقط العائلات المنتمي الوالد فيها لتلك المنظمات كانت تعرف ماذا تعلم المدرسة التي تضع أولادها فيها...  ما سيؤسس منذ القرن التاسع عشر لخصومة شعبية بين مدارس "المطران" التي تصرّ على تعليم اللغة السريانية ومدارس "اللاييك" (Laïques) التي لا تلزم بالسريانية، بل تعلم الفرنسية.

[10] في انتفاضة سنة 2019، يوم تعمد الشبان والشابات اللبنانيون، بنصيحة ناصح،  شبك أيديهم من دون أي تفرقة وتمييز صانعين حبلا إنسانيا لبنانيا محضا من عكار إلى صور...

[11]  Pomi, pomalla, belle France, équitable, mettez la main sur le front, sur la poitrine, sur l’épaule gauche, sur l’épaule droit, au genou, au pied sur la terre. Ainsi nous nous signons du signe de la croix, symbole de notre foi Maronite, pour finir à genoux par gratitude à la France équitable.

[12] فأضيفت بالتالي على "البسملة"، أي باسم الآب والابن والروح القدس، عبارة "إله واحد"، الأمر الذي هو غير موجود في النصوص الأصلية القديمة ولا في كنائس الغرب.  

[13] "فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر
وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ ". (قصيدة المواكب)

 

[15]  مؤتمرات عديدة أقيمت في العقود الثلاث الماضية حول المواطنة ووحدة الأديان الابراهيمية القائمة على وحدة الإله المعبود من ثلاثتها وهو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.  شاركت في إحداها تحت عنوان " عن المواطنية ومشروع الدولة مقاربة للوضع اللبناني" سنة 2007. راجع https://archive.assafir.com/ssr/1439423.html

[16] وليست بنادرة الأمثال الحكمية التي تنبه من خطر اللسان على حياة الإنسان: "لسانك حصانك، صنته صانك وخنته خانك"؛ "وكم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان"...

[17] لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. (وما أدراكم كم من الجرائم تمت ضد حقوق الإنسان كعائلة وكفرد، بخاصة في التوظيف والعمل والسكن، لإلغائها لصالح المجموعات الحزب-طائفية؟ أما كان هذا هو السبب الأساس في دفع الأدمغة والكفاءات للهجرة؟)

[18] بخاصة ما ذكرناه عن وطئ أرض عاصمتنا بيروت والمدن الأخرى بأحذية عساكر تبقى مهينة ومحتقِرة مهما حسُنت نوايا قادتها ومن اتّفق معهم من الداخل، ناهيكم عن الانقسامات العامودية بين الأحزاب التي تسلمت الحكم بعد الطائف وعلى رأسها القيادة السورية فوصل التكاذب المشترك أوجه مقابل أثمان باهظة راكمت على مواليد لبنان ديونا لمُدَدِ حياتها قبل أن تولد. وهل يمكن لمديون أن يكون كريما؟

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM