tiktok
Logo

البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)

"أنا أفكر، إذا أنا كائن

2026-04-19

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)

إن أولى تلاميح التفكير التي تُعطي علامة بدء البلوغ عند الإنسان هي أن يَعي إن كانت شخصيّته من المخلّفات الماضية أم من المَولودات المُتوالدة نحو المستقبل. من تلك العلامات أن يطّلع الشبان والفتيات، بدءا من عمر الصفوف الثانوية، على ما قاله جبران خليل جبران عنهم لأهلهم: "أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء وبنات الحياة..."، ويعوا أنه موجّه أولًا لكل منهم كي يُدركوا أنهم مَولودون من أهلهم وليسوا مخلَّفين منهم.، وأنهم مستقبل أهلهم وليسوا ماضيهم، وأن ذاك الماضي بات في المستقبل، والمستقبل والماضي هما في حاضرهم.[1] عندها يعي ويدرك الأهلون أيضًا أن أولادهم ليسوا منهم، بل هدية الحب المطلق لهم، وأن "من كانوا خلفَهُم في الحياة باتوا أمامَهُم"،[2] وبات بالتالي لشخصية  أولادهم أن تنمو، ولشخصيتهم هُم، لا أن تنقص أو ينتقص منها بالمعنى السلبي، إنما أن ترتبط بنمو من ولّدوهم للحياة، متخلين لهم، إراديا في بعض الأمور، وطبيعيا في أمور أخرى، عن بعض الفسحات الحيوية إلى أن يتخلوا لهم، على أمل أن يكون بملء الرضى، عن كل الفسحات.[3]

عندها  يكون قد حان  وقت طرح كل كائن عاقل الأسئلة الثلاث الوجودية بِحَيرة، وحَرقة، وشَوق، على نفسه: "مَن أنا؟ مِن أين اتيت؟ ما الهدف من حياتي؟" وذلك لكي يتمكّن من وَضع رؤيةٍ ما لحياته. إنها الأسئلة البَديهية التي على أساسها يبدأ الكائن البشريّ إعلان رؤيَته الدينامية، أي كل يوم بيومه، لشخصيّته، لحياته، ليأخذها كل من هم حوله بعَين الاعتبار في التعامل معه.[4]

سبق وذكرنا بأن الشخص البشري، طالما هو في عمر دون الوَعي، قد يُعتبر، ككل الموجودات غير العاقلة، موجودًا لمن هو عاقل. ولكن علينا أن نضيف تمييزًا يحفظ كرامة قوَّة النطق التي تواكب الإنسان منذ الحَبل به، ألا وهو أنه كائن ديناميٌّ، في حركة ولو صامتة، تَنقُله مما هو عليه بـ"القوَّة" إلى ما يجب أن يكون عليه بـ"الفعل" حتى ولو كان هذا الفعل لا يتمّ سوى في واقع ما بعد واقع البشرية الملموس.

وبينما يدرك العقل أن الموجودات غير العاقلة هي كائنات لا تغيير ولا تبدُّل في أنماط حياتها، نجد الشخص البشري عكسها، وليدا كان أم طفلا، وحتى معوّقا، إنسانًا يغيّره الحب ويبدل في حاله، يُحِبُّ ويُحَب،[5] وفي هذا كل معنى الدينامية والأمل.[6]

ونضيف مباشرة نقطة نوّهنا إليها سابقا وتُلزم أخذها بعين الاعتبار. إنها تعود إلى مفهوم "التكاؤن" الذي يتخطّى الواقع المادي المحسوس physique إلى واقع ما بعد المادي metaphysique،[7] والكينونة المحدودة définie إلى الكينونة اللامحدودة indéfinie ، إلى أن ينطبق هذا على المقولة الدينية القائلة: "كما في السماء كذلك على الأرض". ولكن العكس أيضا صحيح، ولو كان بطريقة "مختألفة" (يقال فيها: طريقةٌ "غَير")، إذ إن اكتمال التحوّل من الحالة بـ "القوّة" إلى الحالة بـ"الفعل"، إن لم يكن ممكنًا في واقع النسبيات المحدود، يتمّ في واقع الكمال اللامحدود، "الواقعُ الآخرُ المطلق". بمعنى أدق، إن الكينونة بـ"الفعل" في الزّمان والمكان تحتفظ بما كانت عليه بـ"القوّة" التي أتت منها، لتعود وتكُونَها بالفعل في ما بعدِ الزّمكان الذي هو من غير نوع واقعنا، والذي نَصِفُه في مؤلّفنا الخلق من الحب بالـ "مُختألِف" كتعريب للمفهوم DifférAnce للفيلسوف جاك دريدا.[8] وهذه النقطة تُفسِّر لغويا قوَّة الأيمان إذ إن المفاهيم "كَأنَ" و"كائن" و"تكاؤن" هي نفسها التي لِصِفَة العزّة الإلهية، الكائن المُطلق، متولّدةً منها، وإليها تشير، تدلّ، وتعود. وهذا ما ينعكس أيضا على الروح الناطق، الـ"أنا" في الشخص البشري، الذي "يَكأنُ" نفسه كائنًا من الكائن المطلق وفيه، قبل الحَبَلِ به وأثناءه وبعده، حتى العودة إليه، إلى ذاك المصدر، والذي بحسب نظريّتنا في الخلق، هو، بالإسم الصريح، الحب المطلق، وليس العَدم. (إنا من الله، ولله، وإليه راجعون)

فروح النطق، ما أن يُعطى مع نبض الحياة للجنين في حشا الأم، حتى يستمرّ فيه بعد الولادة، بـ"الفعل" في الموجود، وبـ"القوّة" في الصيرورة نحو الإدراك، إلى أن يتحقق بـ"الفعل" في الوعي والإدراك، ويعود إلى الكينونة بـ"القوة" بالنسبة إلى الماوراء، في الكمال اللامحدود، في الآخر المطلق. عندها، يتّخذ استمرارُ روح النطق هذا منحى "التكاؤن" النسبي إلى أن يتمكّن من القول: "أنا أفكر، إذا أنا كائن" (Je pense, donc je suis).

وما فِعلُ هذا الوعي والإدراك للذات الناطقة سوى توصيفٍ لبدء حالة ترابط الأنا مع مصدر الكينونة التي عليها أن تترابط معه كسبب بدئي (أنطولوجي) لوجودها في المخلوق (هي التي من الله)، وسبب وسطي لسلوكياتها فيه (تحقيق إرادة لله)، وسبب نهائي لعبورها منه إلى ما بعد المخلوق (إلى الله)، إلى الكائن المطلق التي هي منه. إن اكتمالها  وكمالها ليسا إلا فيه، هو الحب المطلق، فتنجذب تَوقا، وعفويًّا، للعودة إليه في ظاهرة تكاؤنية تجاوزية. (Phenomène synesseral transcendental)

هذه هي الرؤية التكاؤنية لكرامة الشخص البشري، ذكرا وأنثى، مهما كانت حالته ومهما ضلَّ ومهما تكبّر أو انسحق أو سُحق، مع اعترافنا المطلق بعدالة الحب الخالق والذي بيده نواميس الكون، كلّ الكون، الذي ينبثق اسمه من صفة خالقه "الكائن" اللامحدود، والمستحيل تحديده بأيّ اسم غير "الحب".

وفي هذا السياق لا بد أن نلفت إلى دور عامل "الزمكان" المذكور أعلاه، حيث يتفاعل التكاؤن ليفعِّل الكينونة المدرِكة لما يتخطى بشكل عام الأنا، كضمير منفصل، ليحوّلها إلى ضمير متّصل. كيف؟  

في كتابنا "الخلق من الحب"، وبعد تحليل الفرق بين الموجودات والكائنات في عالم الواقع Réel، ومثيلاتها في العالم الـمَعادي (Transcendental, ou Metaphysique)، لمسنا وجود نطاق مخصّص للوعي والإدراك اللذين هما أساسَي التكاؤن مع الذات ومع الآخر. إنها فسحة "الضمير" الذي معناه بالفرنسية la conscience. هنا، لا نعني الضمير الأدبي الذي هو أساس قدرة التمييز الأخلاقي بين الخير الأمثل والخير الدون، أو التأنيب على الذنب وعلى عمل الشر وأذية الآخرين،[9] إنما الوِجْدان , داخِلَةُ الإنْسانِ أو باطِنُهُا أي ما نفهمه عندما نعود إلى المثل القائل: "إن اللبيب من الإشارة يفهم"، أي أن الضمير هنا هو "لبّ الأنا " في الشخص البشري أي نواة تأنسنه. ومن هذه القدرة التطويرية أتت أسماء العَلَم مثل "لبيب"، "أديب" "فهيم" إلخ. إلى أن نصل إلى "حكيم" (Sage). والحكمة هنا، على ما يقوله المثل "زيادتها أو نقصها في التكلم"، في النطق. لذا، هذه القدرة "الإدراك – النطق) لا تنموا وتتحقق عند الناس تلقائيا وبالتساوي. إنها ترتبط بتكوين العقل المادي الذي قيل فيه "العقل السليم في الجسم السليم". إذا بقدر اختلاف تركيبة الأجسام وصحتها البيولوجية، بحكم اختلاف الحمض النووي بين شخص وآخر، ما يُسمى الفرادة،[10] يُبنى تقييم الأداء البشري، سواء من جهة الذكاء في التحليل perception، والذاكرة في الحفظ mémoire، والقدرة الإضافية على الفهم والتفهيم والتفاهم (comprendre, se faire comprendre et sentendre). وهذه الأخيرة sentendre، التفاهم، هي حاضنة "التكلّم" الذي منه يُعرف لبّ الإنسان، أي قلبه وفكره ومدى اختمار سجيته في التعامل مع الآخر، حتى الآخر المطلق. وبالفعل، تُظلَمُ الحكمة المنشودة كثيرًا عندما يُتهم الخالق بأنه هو من يعطيها للبعض ويحرمَ منها البعض الآخر إذ، بالرغم من صحة الاعتبار بأن كل مواهب الإنسان هبة من خالقه له منذ ولادته، ولكنها تكون في "سكينة" فعليّة فيه، ويعود لأهله ومجتمعه ومدرسته وجامعته وعمله، وعلاقاته كافة أن يساهموا في اختبار تلك المواهب وتنميتها واكتشافها والتعرّف على قدراتها المكمّلة لشخصيته، بخاصة مَلِكَة تلك المواهب، الحكمة، التي رأسها، يحسب الكتاب المقدس، "مخافة الله".[11] وما أن يصل المرء إلى الحالة الكينونية لإنسانيته، بعد الانتقال إليها من الحالة الوجودية، حتى يتأهل لأن يدّعي أنه يعرف نفسه، وقد تعرّف عليها بنفسه، محقّقا فلسفيا دعوة سقراط له :"أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك".

بالتالي، أكان توصل الإنسان فلسفيا إلى "صداقة الحكمة" أو دينيا، تبقى فسحة الضمير تلك، النطاق المخصّص للوعي والإدراك، مركونة في جوهر الروح الذي يجعل الإنسان حيوانا ناطقا يدرك من أين أتى وإلى أين يعود.  و على الرّغمِ من أنه توصل للوعي والإدراك بأنَّ "البشرَ كافة"، أي أترابه، هم في مركزيَّةِ الكَونِ الذي يُرى كما الذي لا يُرى، المَخلوقِ كما غيرِ المَخلوقِ، وليس الله، عزّ وجل، بالمعنى الألوهي Théocentrique، كما أنهم، هم أيضًا، لغويًا، خلفَ كل ضميرٍ مُتَّصلٍ أو مُنفصِلٍ، بخاصّةٍ الضميرِ الفاعلِ ‘أنا’، فإن تمييزًا يفرِضُ ذاته عليهم ألا وهو التمييزُ بينَ المرحلةِ العَدنيَّةِ والمرحلةِ ما بَعدَ "عَدن"، إذ في المرحلتَين، إنهم همُ البشريّون أنفسُهُم، وعلى الدّوامِ، من يقفُ خلفَ تقييمهم لبعضهم، لعلاقتهم بالماورائيات ومَن يكتُبُ عنها. عليهم أن يُميِّزوا بينَ سيرتِهِم في عَدن، وسيرتِهِم خارجَها. فالبشريَّةُ التي بَلغَت بلوغَها السليمَ، من خلالِ خِبرتِها الزمنيَّةِ، خرجت من عَدنِ التي تقعُ تحتَ صِنفَي ألا-مكان، والا-زمان، لتشتغِلَ الكَونَ الذي يقعُ تحتَ قوانينِ المكان والزمان. ومنذُ بعض الوقت، فُرض عليها تحوّل جديد من قبل نسبية “الزَّمَكان”. وهذا العامل الأخير، ما إن تحوّل بفعل تجسّدِ "الحب الخالق" فيه بولادة الإنسان العدَني من امرأة عدَنية، حتّى تبدّل إلى بُعدٍ غير، "مختألفٍ"، لا هو الثالث، ولا الرابع ولا الخامس، إلخ.، إنما هو "زمكان" الحب الأبوي، الأمومي، البنوي، الودي  الفيلانتروبي، وبشكل عام التكاؤني، أي الحب القائم على التضحية، ليس بما أمكن من الأنا فحسب، بل بأقصى ما يمكن من مما هو الصالح الخاص إلى ما هو الصالح العام، المجاني، غير المشروط، خير الآخرين، الخير العام.

نستذكر هنا من جديد ملهمنا جبران خ. جبران في قوله عن العطاء: إنّك إذا أعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك. ولكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك..."[12]

إن التكاؤن الشخصي حتى التوصل إلى وعي المعادلة "أنا أفكر إذا أنا كائن"  يفرضُه العبورُ منَ الطفولةِ إلى البلوغِ، من الوجود إلى الكينونة ومن الأنانية إلى الأخروية السليمة، وقد نبَّهَت شرعة حقوق الأطفال والقوانين الدولية كافة، إلى جانب التعاليم السماوية، من خطورة تعطيل هذه المسيرة، وأذيّة الطفولة في نموّها واكتشافها لذاتها، وفي بنائها كمواطنة صالحة لمستقبل الإنسانية. ولكن، وللأسف، كل التكنولوجيا الحديثة توضَع بهدف استعمال الأطفال لها (من عمر 3 سنوات وما فوق) ووضع برامج أمام عيونهم تجذبهم جذب النور لفراشات الليل، للوقوع في حالة الإدمان على الشاشات الصغيرة، ما ينذر الأهالي كافة بمستقبل غير أكيد لترابطهم مع أولادهم، وبالتالي فقدان التكاؤن العائلي، فيتحول البيت العائلي إلى مضافة avoir))، والأم إلى خادمة avoir))، والأب إلى صرّاف آلي avoir)) وحتى البلدة والوطن إلى مرتع للأهواء avoir)). وماذا يبقى من الكيان être))؟  

وكي لا يتعقّد موضوعنا الذي نريد له أن يدخل لبّ الكبار المؤتمنين على توعية الأصغر منهم عمرا، إدراكا وحكمة، نقترح على المنظمات الدولية التي تعنى بالطفولة وتربيتها ما يلي: مراقبة وتوجيه كافة الإنتاج الرقمي المصنوع للأطفال من عمر نفسي âge psychologique ثلاث سنوات إلى خمسة عشرة سنة، ليخدم وعيَهم وإدراكَهم، ويُنمي فيهم ما ذكرناه أعلاه من مواهب وخبرات، وترابط عائلي، كي يتوصّل كل أطفال العالم إلى أن ينالوا، من خلال مدارسهم، شهادة تخرّج من الطفولة إلى البلوغ برتبة "إنسان تكاؤني يَعرف نفسه، وقادر على الاستمرار بالتعرّف على نفسه، بنفسه".[13]

على الكائن البشري، مع ولوجه سن البلوغ النفساني، أن يصبح مدركا أناه وذاته، ومدركا أنه مدرك لهما ولأهمية الآخر في حياته، فيدخل في الفكر التكاؤني الذي نعوّل عليه لبناء مستقبل الوطن والجماعة البشرية المصغّرة. هذا ما يوصله إلى مصاف من ارتقوا قبله إلى مصاف معرفة ذواتهم حق المعرفة. وبالتالي لا بد لهذا الاقتراح، متى تم تطبيقه، أن يؤثّر على الأداء الإنساني للبشرية ككل، حربا وسلما، تجارة وتعاونا، زيجات وإنجابا طبيعيا.

بالنتيجة ما هي الإنسانية؟ هل هي غير ما  يترسخ، أوَّلًا، في عقول الأطفال في السنوات الثلاث من سن الرضاعة، ثم من هذه السنوات الخمسة عشر، مجتمعة، من تربيتهم على احترام قواعد الضمير؟

نحن نريد لهذا الترابط (Intrication - Entanglement) أن يكون تكاؤنيًا synesseral وليس فقط تعايشيًا أو ذات عيش مشترك coexistentiel، فيَرتسِم تصوّر الترابط –وحتى التشابك– بينَ الخصوصيَّات البشريَّة، أي الحريَّةُ في الفعل من الأنا والآخر بطريقةٍ تحفَظ حريَّة الضمير الإنسانيّ إلى المُنتهى. ومتى أقدم البشر على كسر هذه المعادلة باتّخاذ قرارات صادمة أحيانا كونَهم كبارًا فقدوا الطفولة، تماما كما يحدث في غزّة وفلسطين منذ ثمانين سنة، عليهم أن يتوقعوا شيئا مما يتحضّر اليوم من جيل فلسطيني لم يُترك له أي امل بالثقة بالآخر، إلا إذا عدّلت ثقتهم بالله مأربا. ولكن هل هذا أكيد؟ أليس أعداءهم يثقون أيضًا بإلههم ويستغلونه لقتالهم واستئصالهم؟ عن أي إله نتكلّم؟

فلنكتشف كيفية تأثير هذه التربية على وعي الذات (être conscient) كما على وعي التكاؤن العائلي، والعبور منه إلى التكاؤن الاجتماعي والوطني، في مساحة الضمير (la conscience)، مرفقة بالتحليل والتقييم لتصحيح المسيرة (reconciliation).

 

[1] راجع مقولة الشاعر العالمي دجون إليوت في كتابنا الخلق من الحب - جسر منير بين العلم والدين، تورونتو – كندا، 2023، ص. 276:

الزَّمنُ الحاضرُ والزَّمنُ الماضي

قد يكونُ كلاهُما حاضرًا في مُستقبلِنا

والزَّمنُ الآتي مُدرَجٌ في الزَّمنِ الماضي.

لو أن الزمانَ كلَّه أبديُّ الحاضِرِ

لكان كلُّه غيرَ قابلٍ للخلاص.

[2] يو 1، 15 (بتصرّف) : إن الذي يأتي بعدي صار قدامي، لأنه كان قبلي.

[3] يو 3، 30 (بتصرّف): ” وله ينبغي ان ينمو ولي ان انقص “

[4]  https://thmanyah.com/post/458_1jhggnmybp (accessed Feb. 20, 2024)

[5] والكراهية والحقد هما "الحب" منتكسا، معكوسا. لذا هما عرضيان والحب وحده جوهري.

[6] ولا ننكر أنه، بحسب علوم البيئة والحيوان والنبات، كل المخلوقات تتأثر بحب الإنسان لها وتعيد له بعضا مما يعطيها، عرفان جميل أو رفض. ولا ريب أن يكون هذا التفاعل هو ما دفع كاتب المزمورين الأخيرين من المزامير أن يصف طريقة عرفان جميل المخلوقات كافة لخالقها الذي لا يحرمها شمسه ودفأها، والهواء والمطر والقمر والخصوبة إلخ.  

[7]  Et Jean Guitton introduit la nécessité d’un méta-métaphysique.

[8] كان الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (Jaques Derrida) ينظر إلى أي عبارة "كلمة" على أنّها تصوّر ما، أو مفهوم معيّن (Signe)، مبني على سلسلة من الحروف يمكن فكفكتها والتعامل مع كل حرف منها بمعزل عن الحروف الأخرى فتنفتح هذه العبارة على مدلولات في اللغة أكثر دقة. وهكذا، من الممكن مثلًا أن يصبح الحرف «E»، بعد تعديله في لفظة «différence» والتي تعني اختلاف، حرف «A» في لفظة «différance» وقد اخترعنا لها، خدمة للغة العربية، كلمة "اختئلاف"، الأمر الذي من شأنه تمكين استحضار مدلولات أخرى لا يدل عليها حصرًا المعنى الأوّل، فنحصل على نوعين من الاختلاف يتميزان بتميّز واقع المدلول إليه أكان ملموسا أو مجازا او حتى ماورائيا. بعض الأبحاث أعطت مثلا كلمة "ماء" كدالة تدلّ إلى الماء الطبيعي. ولكنها في الوقت نفسه قد تدل إلى الثلج والغيوم وحتى أنها، نظرا لارتباط الحياة بها، اتخذت كدالة على رحمة الله إلخ. فهل الاختلاف بين الماء والثلج والغيمة هو نفسه كالاختلاف بين الدالة والمدلول إليه عندما نتحدث عن رحمة الله. حتى المجاز لا يصح هنا. (حاولنا، بأمانة لقصد الفيلسوف دريدا، أن نوضّح الأمر قدر الإمكان. اما استيعابه فقد يتطلب مهارة مميزة واكن سرعان ما يكتشف المفكر أهمية هذا لتمييز لأنه يتعرف على ضعف لغة أحرجته فاضطر مثلا أن يستعمل كلمة "غير" ليدل على ان الاختلاف غير عادي إلى أن أتينا بكلمة اختئلاف كمساعد لغوي.)

[9] فيمدحنا الضمير أو يؤنّبنا، ويدفع بنا، طالما الأنانية والكبرياء يتركان له المجال، إلى التوبة والاعتذار والمصالحة (réconciliation) تحت طائلة المسؤولية... فوصفه الفيلسوف جان جاك روسو بـ"الغريزة الإلهية" (Instinct divin). سنعود إلى هذا المفهوم فيما بعد بالنسبة للعلاقات التكاؤنية مع الآخرين، والمسؤوليات المهنية والوظيفية الخاصة والعامة، والعلاقات بين الدول، إذ يبيت هذا المفهوم أساسا لا بد منه في العمل والسياسة والاجتماع.

[10] ما من إنسان له بصمة الأصبع نفسها لأي إنسان آخر، ولا نبرة الصوة ذاتها، وهذا ما يذهل في الخلق ويفرض نفسه تحت مسمى التنوع. وعلى هذه الفروقات الدامغة تعمل اليوم التكنولوجيا المتطوّرة، والذكاء الاصطناعي التابع لها، لملاحقة الأشخاص والتعرف إلى امكنة وجودهم مع نسبة خطئ لا تتعدى ال 10%. وهذا ما تستخدمه الدولة الهجينة إسرائيل لاغتيال من تريد ولإنقاذ المخطوفين إن استطاعت...

[11] بحسب الكتاب المقدس، سليمان الحكيم طلب من الله أن يهبه الحكمة، وبالتالي يصف مطولا، وبتباه، اختبارات حياته كلها ومنها عديد زوجاته وتعرفه على كل أنواع الالهة حتى اكتملت حكمته، وعند اكتمالها كتب في سفر الجامعة قائلا "باطل الأباطيل وكل شيء باطل ... حتى حكمة البشر باطلة... وفي الختام تقدم بأهم وصية منه للأجيال: " اتَّقِ اللَّهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ لأَنَّ هَذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ." (جامعة 12، 13)، وقد رددها بعده سفر ابن سيراخ قائلا: "رأس الحكمة مخافة الله" (سي 1، 16).

[12] راجع كتاب النبي. والحقيقة تقال، لو كان جبران خليل جبران "فحمة سوداء" لا تليق إلا بجهنم لنار، لكان كتابه النبي حجّة خلاصه وتبوّقه عرشا صغيرا في جنة الحب الإلهي.

[13]  Une personne relationnelle qui se connaît, et est capable de continuer à se connaître, par lui-même.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

آخر الأخبار

الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

"التكاؤن"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM