الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)
الحب. حب الذات، حب الآخر، حب العائلة، حب العشيرة، حب الأمة، حب الوطن...
2026-04-19
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)
الحب. حب الذات، حب الآخر، حب العائلة، حب العشيرة، حب الأمة، حب الوطن...
مع العائلة ندخل قدس أقداس التكاؤن لأنه يقوم على ثلاثة أنواع من أسمى أنواع الحب المُعاش والملموس من كل إنسان وهي: الأبوّة، الأمومة والأخوّة. أما "البنوّة" فهي حكما جزء لا يتجزأ من الأبوّة والأمومة إذ لا أبٌ ولا أمٌ ما لم يولد ابنٌ أو ابنة. عليه، في تحليلنا هذا، حصرا، ذكرُ حب البنوّة يشكّل تكرارا للأولَين. لذا وبما أن في العائلة البنوّة تترجَم أخوّة، أوردنا حب الأخوّة، حب التضحية الأوّل بامتياز، تجاه آخر مُميّز، أكان أخًا أو أختًا لا تختار الأنا أي منهما إنما يُفرض عليها، ويُفرض معه عليها أن تتعلَّم كيف تقبله كمحك أول لجوهر الأنا لتصبح نحن، كيف تتخطّى كونه شريكا مضاربًا على الأنا الذاتية، على مملكتها، على ملكيّتها، ملكيّة الوالدين وأفضل ما يُستفاد به منهما، من حليب الأم وحنانها إلى ضمانة الوالد وخيراته، لكي تتحول الملكية الفردية إلى كينونة جماعية.
حب الأخوَّة رافعة يتخطّى بموجبها الابن البكر الطبعَ ويلبس تطبُّعًا ما عَرِفَت البشرية صعوبة التوصّل إليه إلا من خلال أول جريمة عرفها تاريخ البشرية: قتلُ قايين لأخيه هابيل.[1]
من هذه الحادثة الرمزية والسؤال الخارق للزمان والمكان: "أين أخوك؟"، واكتشاف قايين، متفاجئًا، بأن هناك كائن ماورائي "مسؤول" يتدخّل في الزمن ليطالب بالدم، بكينونة الشخص البشري وليس فقط بوجوده وإلا لكان ما كلّف نفسه العلية، واعتبر أن الأمر انتهى إلى أمر واقع من ضرب فيه ضرب، ومن مات انتهى في الوجود.
من هذه السردية الكتابية يتضّح العلاقة بين ثلاثية أطراف الحب القائم إما على الملكية المادية l’avoir، وإما على الكينونة الجوهرية l’être: قتلت أخاك، كينونتك مقتولة. فأنت قد خسرت الأخوّة، وبهذا تكون قد خسرت أيضًا البنوّة إذ كيف تكون ابنا لمن قتلت ابنه، فأنت قد قتلت الأبوّة، خسرت كل شيء، بتّ نكرة يَقتُلك كل من يلتقي بك. [2]
شَعرَ "قايين" بهذا مباشرة فارتعب وطلب راجيًا عدم مَحوِ كيانه بدَوره، بموت أناه، فوضع ذاك "الطرف" الثالث من الحب الرابط بين السماء والأرض وبين الإنسان والآخر، أخيه، علامةً على جبين قايين كي لا يقتله أحد ويعدُم وجوده. فإن قُتِل القاتل –وبحَسَبِ رمزية الكتاب المقدس– انتهت ذرية آدم وحواء، وبالتالي من سيبقى في الكون ليَذكُر الخالق ويكتب اسمَه؟[3]
لهذا أتت الوصايا الخمس الأولى المؤسِّسة لـ"مخافة الله" وأولوية ملكيّته لكل حيّ ناطق: "أنا هو الرب ألهك لا يكن لك إله غيري..." لغاية الخامسة، "لا تقتل"، ضمنها في الوصية الرابعة، إكرام الأبوة والأمومة، وقد اختُصرت هذه الوصايا الخمس، في التعليم اليهودي، بـالوصية العظمى التي تُبرِزُ، وهذه المرّة على لسان السيد المسيح، أولوية أبوّة الله لكل مولود من امرأة وليس ملكيته له كسيد لمسوده قائلا لمجرّبه: " وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى. وثانية مثلها هي: تحب قريبك كنفسك. ليس وصية أخرى أعظم من هاتين." [4] لهذا دخل حب الآخر، الإنسان الآخر، الأخ خصيصا، كجزء لا يتجزأ من هذه الوصية الكبرى كإثبات للوصية الخامسة "لا تقتل" إذ بقتل أي آخر، وهو أخ بالإنسانية لأب واحد هو الله، تسقط كل المعادلة القائمة على الحب ليعود الله ويتحوّل إلى سيد، وابن آدم وحواء إلى عبد، غير أهل سوى لشفقة سيده، إن رأى السيد هذا مناسبا. وعلى هذا الأساس ستأتي سرديات لا عد لها في العهد القديم ومنها الطلب من إبراهيم بالتضحية بابنه الوحيد، وطوفان نوح وسفر أيوب إلخ.
ويتضمّن مفهوم "الآخر" هذا، أيضا وحكما، الوالدين اللذين لهما أولوية بعد الله فأتت الوصية الرابعة "أكرم أباك وأمك". وما يجري عليهما يجري على مقام الله –رضى الله من رضى الوالدين– ومعادلة ثلاثية أطراف الحب بما معناه أن إلغاء الأبوة، أي الأب، يلغي كل مقومات العائلة وبالتالي، الإنسانية.
ولا يمكن ان تُفسِّر حَصرية حب الله هذه سوى الشراكة التي خَلَق الله الناس على أساسها، "ذكرًا وأنثى خلقهم" صورةً عنه بالقدرة على النطق والحب والحكمة خلقهُم، مؤسّسًا معهم شراكةً أبدية، مباركا إياهم، وآمرهم بقوله: "انموا واكثروا واملأوا الأرض... وتسلطوا على كل موجودات الخلق،[5] وموصياً إياهم بالوصايا العشر.
ورغم هذه المعاهدة وتلك الشراكة بالتسلط على كل الموجودات الأخرى كان لا بد من التأكيد على الأولية الملزمة بالعودة إليه في كل ما هو عدالة، بإخضاع القلب، اللّب، والإرادة، له وحده من دون منازع ولو بنسبة واحد بالمئة. وقد أضيف على الإلزام، هذه المرّة، فدية دم الضحية التي تمّ فداء الإنسان به، دم البنوّة "الوحيدة" أي "المطلقة" الذي سُفك على خشبة، والذي كان من المفترض أن يضحي بها إبراهيم الخليل، على خشبٍ أيضا ولو من نوع آخر، واضعًا بأضحيته هذا نهاية لأبوته وأمومة زوجته وكل تركيبة الحب العائلي كما سبق ذكره. فأتت الوصية القاطعة في هذا الموضوع على لسان الكلمة المتجسد الُمجلي لأولوية أبوّة الله قائلا: "من أحبّ أبا أو أما أكثر مني فلا يَستحقُّني، ومن أحب ابنًا أو ابنةً أكثر مني فلا يَستحقُّني"، وهذا التنبيه يسري أيضا على حب الأخوَّة والصداقة والزواج والقبيلة والعشيرة والأمة، وأي نوع كان من الحب التملّكي، بخاصة حب المال، عدوّ كل عدالة. بالنتيجة، يتّخذ التحذير هذا من أي حب خائن لحب الله مِلءَ معناه ما أن يُفهم كطلبِ استعدادٍ للتضحية القصوى، أي شهادة الدم في سبيل "الحبيب". عند المسيحيين يُعبّر عن هذا الاستعداد بحمل الصليب: "ومن لا يحمل صليبه ويتبعني فَلا يَستحقُّني"،[6] وهذا قد يعني يحمل دمه على يده، يحمل نعشه على كتفه... على ألا يخالف أولوية حُبّه لله الأوحد والعمل بكلمته.
ما هو هذا الحب إذا؟ هل هو عبودية؟
هنا تأخذ سيرة عيد الأضحى كامل مغزاها، أكان المطلوب التضحية بإسحق أم بإسماعيل، طالما أنه مكتوب في الحالتين، "ابنه الوحيد".
مع "كلمتَي "ابن" و"وحيد" تتّخذ التضحية بُعدًا أكثر بنيويّةً إذ لا يعود من سيُضحّي به إبراهيم شيئًا من أملاكه يعوّض عنه، إنما يضحّي بكل استمرارية كينونته نسلًا وذِكرًا. والأمر هذا، من زاوية أخرى، إذا ما عدنا إلى الأخوين إسماعيل وإسحق المنفصلين بحكمة إلهية عن بعضهما وكأن كل واحد منهما وحيد أبيه، يعني أن ما يجري على الأول يجري على الآخر. فمتى فُقد الابن فقد الأب، والعكس صحيح، وإن تمَّ العكس وفُقد الأب، فَقد كل ابن بنوته، في أي مكان وجد، إذ كيف توجد كلمة أب إن لم يكن هناك كلمة ابن. يستحيل التمحيص بهذا الواقع لأن الأبجدية تتعطل.
لذا نقول: يستعد إبراهيم، حتى بالنيابة عن أم الولد التي غُيبت عمدًا لإثبات سلطة الرجل على عائلته كحق إلهي، كمُلك من دون منازع، للتضحية بدم ابنه الوحيد، أي بدمه هو، بكل ما هو كيانه، عائلته، عشيرته، أمته التي تركها على أمل أن ينال أكثر مما ترك، وكأنه، وهو بعمر العجز، يؤكّد لله الذي لا يزال يجهله، والذي أعطاه كل الأمل بوحيده الذي ولد له، إيمانه المطلق بأنه هو وحده المالك الحق، والحي القيّوم، وثقته به بأنه هو القادر أن يعيد له حياته، لا بل كلُّ كينونته التي سيضحّى بها بمجرّد تضحيته بوحيده. وهنا، مع النبي إبراهيم، تحتسب تضحيته بابنه الوحيد، أيا يكن من الاثنين، إيمانًا مطلقًا دُعّم بسؤال الضحية عن الكبش ليتم التأكيد على أن قلب ابراهيم توقف عن النبض، وسلّم بطاعة غير قابلة للنقاش بعدالة من آمن به كعبد أمام سيّده.
هل الإيمان إذا عبودية؟
نعم، لولا الحب لكان الإيمان عبودية، بخاصة حب الأبوة الموَرِّثة، التي تحمل الحمض النووي في السلالة، والذي يوازيه الحب الأخوي الوارث للحمض نفسه. ثم يلي كل حب مجاني يتغذى من التضحيات مهما كانت مؤلمة بخاصة الأمومة. لهذا لم تكن الوصية العظمى لكل منا، على لسان كلمة الله المتجسد، نحن إخوَة الكلمة السواء: "تؤمن بالرب إلهك من كل قَلبكَ... وتؤمن بقريبك كنفسك"، بل كما وردت أعلاه: "تحب الرب إلهك... وتحب قريبك كنفسك". وهذا ما يُجلي التحدّي في التمييز بين حبّ الجَوهر وحبّ العَرض في أنواع الحب كافة، مع التركيز على حب الأخوّة الوارثة، الأكثر إشكالية، والذي عبّرت عنه أفضل تعبير الكتب الحكمية على وسع البشرية، وفي ذروتها وثيقة الأخوَّة الإنسانية التي باتت حجر زاوية بيننا.
تتجلى إشكالية التمييز، في الحب الأخوي، بين حب العَرَض وحب الجَوهر، بمَثَل الابن الضال الوارد في الإنجيل المقدس،[7] أكثر منه في سيرة إسماعيل وإسحق المنفصلين عن بعضهما، بحكمة إلهية، حتى جغرافيًّا، والملغي الواحد للآخر بجهل عنصري من البشر وكأن كلاً منهما بكر أبيه ولا وجود حسيّاً للآخر بالمطلق. في هذا المثل الولدان موجودان تحت سقف واحد، والوالدة واحدة، ولو مغيّبة، إنما أخلاقية ابن الجارية وابن الحرّة تكمن في نفسية كل من الاثنين بحكم طبع وُلِدَ، لا إراديا، مع كل من الاثنين.
والدٌ أحب الجوهر في ابنيه. أما حب الابنين لبعضهما البعض ولوالدهما فلا تُعرف حقيقته إلا عند تحقيق الذات وتقاسم الميراث. فـ"الصغير"، الابن الشاطر أو الضال، الواثق من نفسه، والذي من اختباره نعتبره ابن الحُرّة التي أحبت زوجها وارتبطت بجوهر رسالته حتى امحائها، ولم تنفصل عنه أبدا، تجرّأ، وتشاطر لتحقيق ذاته، وضلّ، وأضاع كرامته لكنه لم يُضع مصدر كينونته الأصيلة وعرف أين يستعيدها: "...فرجع إلى نفسه وقال... أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبت إني خطئت إلى السماء وإليك ولست أهلا بعد لأن أدعى لك ابنا، فاجعلني كأحد أجرائك"... أما الكبير، الخاضع للشريعة، ونشبهه بابن الأمة التي لا حب ولا رابط مصيريًا بينها وبين والد ابنها، هذا الابن لم يتشاطر ولم يغامر ولا حتى تكارم من ملكه وملك والده على من يعمَلون معه (فما أعطيتني جديا واحدا لأتنعم به مع أصدقائي)، وتمسّك بكل فلس، وشاة، وشبر أرض، بحكم أن أخاه رحل، وبأن كل ما هو لأبيه بات له وحده دون الحاجة لانتظار التوريث، (كل ما هو لي هو لك) وعودة أخيه الضال الذي سيقدّر سوء عودته بمقدار الخسائر التي ستصيب ملكيته المادية، فبات يحاجج والده بسببها، (ولما قدم ابنك هذا الذي أكل مالك مع البغايا ذبحت له العجل المسمن). لم يكترث من كانت نفسيته نفسية ابن الشريعة العمياء لقلب والده وحبه الملوكي الأصيل لأولاده (الحلة والخاتم والحذاء والعجل المثمن) الذي دفعه للانتظار يوميا عودة ابنه لتعود إليه كينونته كاملة (وكان لم يزل بعيدا إذ رآه أبوه، فتحرّكت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلا... لأن ابني هذا كان ميتا فعاش).
لم يكترث، أولا، لأن هذا النوع من الحب تغذيه الأم بين الوالد والولد، ويبدو أن الأم لم تنجح مع هذا الولد، البكر، بقدر نجاحها مع الأصغر بسبب اختلاف الطبع، وثانيا لأن والده كان أيضا "ميتا"، ما معناه أنه لم يكن شاعرا بحضور ابنه البكر الذي ربطته به علاقة اقتصادية بحتة: "رفض أن يدخل إلى الاحتفال وعاتب والده قائلا: "ها إني أخدمك منذ سنين طوال، وما عصيت لك أمرا قط"... ويكرّر الوالد قائلا له: "يا بُني، أنت معي دائما أبدا، وجميع ما هو لي فهو لك، ولكن قد وجب أن نتنعّم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد". وهنا الطامة الكبرى التي تجلي لنا أهمية الفرق بين الرابط المادي والرابط الجوهري، بين العيش المشترك، والتكاؤن. وهذا عنوان فصلنا، فللنهي بتوضيحه ثماره وحسن قطافها في سبيل خير العائلة العام، وبالتالي، العشيرة والوطن والأمة وكل أنواع العلاقات التي تتغذى وتحيا إلا من الحب، كما ذكرنا أعلاه.
في الختام، نلاحظ في مثل "الابن الضال" أو "الابن الشاطر" هذا، المعادلة الأساس التي يُبنى عليها تقييم الكينونة العائلية واستمرارها ونجاحها: الانتماء الأصيل المؤسَّس على الحرية في الحب البنوي-الأبوي بعيدا عن كل وصولية، والتربية على يد أم حرّة أصيلة تعود دائما بأولادها مع بلوغهم سن الرشد إلى والدهم ليتفاهموا معه بعزّة وكرامة حول مستقبل العائلة والحفاظ على خيرها العام قبل خير أفرادها، ووضع رؤية صالحة لمستقبلها، وبخاصة للحد من الأنانيات التي تعمي القلب والعقل، وتعطّل جريان الحب بكل أبعاده، وتشوه صورة العائلة.
وبما أن العائلة هي نواة المجتمع والوطن والأمة، كما أنها، بشكل عام، نواة البشرية وتأنسنها،[8] يقع على المرأة، باعتراف كل العلوم والديانات، المسؤولية الأولى بتربية المواليد الجدد على التأنسن الذي يكون قد توصّل إليه مجتمعها، أو دولتها. ولدقّةِ وعظمة هذه المسؤولية في الأمانة، أوجدت المجتمعات أنماط تعاون الوالدة مع الوالد –بقدر ما هو قادر– والمجموعات المؤتمنة على العقائد الدينية والمبادئ التربوية والسياسية الموضوعة من القائمين على سلامة المجتمع، أكان قبيلة، أم عشيرة، أم دولة، وقد باتت من الضروري واليوم، إضافة الأحزاب السياسية لما لها من تأثير مباشر وإعلامي على عقول الشبيبة الصاعدة بدءا من عمر اثني عشر عاما. وهذا التعاون يقوم على تشكيل وجدان مُشترك (Esprit collectif) يبني إدراك الطفل (ذكرًا وأنثى) على أنماطه، لغاية التأكد من بلوغه المرحلة الكافية لتمكين "أناه" الذاتية في تطوير وجدانها الشخصي من خلال التحكّم بميولها الغريزية (id) ودخولها في مدار المواطنة الصالحة والعلاقات الاجتماعية القائمة، بخاصة الزواج وإنشاء عائلة جديدة، واحترام كينونة الآخر والحاجة الإنسانية إليه، وليس إلى ما يَملكه ويساهم في استغلاله.[9]
ننهي هذه النبذة عن الحب في التكاؤن العائلي، والعدالة التي يفترضها بين مكوناتها، بالحكمة التي نستشفها من رتبة الإكليل في الطائفة المارونية، والمفترض فيها أن تصلح لكل قوانين وشرع الزواج الطبيعي، بين رجل وامرأة، لأن جذورها ضاربة في عمق العهد القديم حيث نجد أن ما كُتب في سفر التكوين عن ترك الرجل لأبيه وأمه والالتصاق بزوجته،[10] يقابله ما كُتب في سفر المزامير: "اسْمَعِي يَا ابْنتي وَانْظُرِي، وَأَمِيلي أُذُنَكِ، وَانْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ، فيَشتَهيَ المَلِكُ جَمالَكِ..."[11]، أما الملك فهو بعد الله، وباسم الله، زوجها، ما يجعل منها أيضا ملكة، أما الجمال فهو حكمة المرأة الفاضلة التي تبني مملكة عائلتها،[12] وأما تاجَي مُلكِهما فهما العدالة في إعطاء الحب حقه، والمحبة حقوقها.[13]
وبما أن الحكمة نفسها قادتنا من التكاؤن الشخصي إلى العائلي، وبما اننا شعوب، كما سبق وذكرنا، متديّنة بشكل أساس، وقد ربطنا كل ما يخصّ أحوالنا الشخصية، الحياة، والرزق، والملك، والخصب، والإنجاب، والموت، بإله نؤمن بأنه هو الكائن الأزلي الذي منه وفيه كل كينونة، ولا كينونة خارجا عنه لاستحالة وجود خارجٍ عنه، وبأنه المُعطي لكل نسمة حياة، والمُعتني بها والمُستردّ لها،
وبما أننا، لحكمة تفوق تصوّرنا، لم نرض إلا بإشراكه معنا، مباشرة وغير مباشرة، بالمسؤولية الكاملة عن كل ما يفوق طاقتنا على الاحتمال، وبخاصة الأمانة له، والثبات فيه، هو الخالق الذي علّمنا إما مباشرة بالكلمة المرسلة من فمه إلى أذُننا (اسمع يا شعبي...)، وإما بالكلمة المقروءة بواسطة أبجديته في الكتب المقدّسة التي أوحى بها لعقلنا وقلبنا بواسطة الفلاسفة والأنبياء والمرسلين (اقرأ بالذي خَلق...)، وإما بالحكمة البيّنة للبصيرة في خلقه (الطبيعة والبيئة) بأنه هو الكمال والجمال والاعتدال والحب المطلق الذي خلقنا، بفعل أخرَويَّتِه، لا من العدم، بل منه وله، وفيه، لتبادُل الحب وعيش السعادة،
وبما أن تديّننا، أي اعترافنا بأننا مَدينون له، وله فقط لا غير، هو الكامل الأوصاف، بكل ما نحن عليه من خير، كما على سهره علينا سهر الأب الصالح على أولاده وكرامتهم وصحّتهم ورزقهم وسعادتهم، "فلا يكلّف نفسا إلا وسعها"،[14] ويدعو الذين ثقلت أحمالهم، وأتعابهم، أن يأتوا إليه وهو يريحهم،[15] فلنستجلي كيفيّة تشابك (intrication) حالنا مع حاله في التكاؤن الديني المتجاذّب بين قطبي حَرفية النص والعَلمنة المادية.
[1] تكوين 4، 1-15
[2] تكوين 4، 13-14. قالَ قايينُ لِلرَّبّ: "عِقابي أَشَدُّ مِن أَن يُطاق. ها قد طَرَدتَني اليَومَ عن وَجهِ الأَرض ومن وَجهِكَ أَستَتِر، وأَكونُ تائِهًا شاردًا في الأَرض، فيَكونُ أَنَّ كُلَّ مَن يَجِدُني يَقتُلُني."
[3] مزمور 30، 9
[4] مرقس 12، 30-31
[5] تك 1 ، 28
[6] متى 10، 38
[7] لوقا 15، 11-32
[8] المادة 16من شرعة حقوق الإنسان، البند 3: "الأسرةُ هي الخليةُ الطبيعيةُ والأساسيةُ في المجتمع، ولها حقُّ التمتُّع بحماية المجتمع والدولة.
[9] الوصايا العشر، حتى من الباب الاجتماعي الوطني، تشكل أهم شرعة إنسانية لحماية قلب الإنسان من الشطط وترشيد وعيه الاجتماعي، وحتى السياسي.
[10] تكوين 2، 24.
[11] مز 45: 10 – 11 ومن المفسرين من يقول إن هذا المزمور وضع لخدمة تكليل الملك سليمان الحكيم.
[12] أمثال 31، 10 – 31.
[13] ويختصر بولس الرسول هذا التكامل بين الرجل والمرأة في الزواج في رسالته إلى أهل أفَسُس حيث يقول: " أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، ... أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا..." (أف 5، 22 - 23)
[14] سورة البقرة286: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.﴾
[15] متى:11، 28:"تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والرّازحين تحت أثقالكم وأنا أريحكم".
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
"التكاؤن"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM