الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.
هذا الكتيب موجّه أولا، كما ذكرنا في المقدّمة، إلى الناطقين باللغة العَربية، أي مواطني لبنان والبلدان العربية العزيزة، حيثما وُجدوا
2026-04-19
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.
نُذكِّر، بداية، بأن هذا الكتيب موجّه أولا، كما ذكرنا في المقدّمة، إلى الناطقين باللغة العَربية، أي مواطني لبنان والبلدان العربية العزيزة، حيثما وُجدوا، إنما لا يُضِرُّ نظريّتنا، بل يغنيها، إن أضفنا إليهم، احتراما لعِلم المجتمعات المتخالطة، كل من نَطق تاريخيًا ولا يزال يفكر بالذهنية "السامية". إنهم الشعوب المنحدرة من الآراميين والسريان والعبرانيين سكان هذا المشرق القديم، المتشارِكين نزعة التديّن نفسها ولو بألوان مختلفة، وبعض الأحيان متناقضة، والذين اندمجت معظم أنماطهم اللغوية باللغة العربية الأوسع انتشارا وتطوّرا.
ونظرا لنمطية التفكير الديني عند أكثرية هذه الشعوب، لا يكون من المستغرب أن يُكتب، وفي زمن بات يدور حول تاريــخ "7 أكتوبر 2023" وعملية "طوفان الأقصى“، بأن الطبع يغلب التطبّع وبأن من وقعت عليه مَظلَمةٌ من قِبَل المجتمع الدولي المفترض به، عملا بشرعة حقوق الإنسان، أن يكون عادلا ومحترِما لمكوّناته كافة، أفرادا وجماعات، يعود إلى الدين، بحسب النظرة التي لديه عن الله، في اتخاذ قراره للدفاع عن حياته وعِرضه وحقوقه وكرامة أجياله، وهذا أمر بديهي. ولكن المؤسف في الموضوع هو أن تعود مجموعة ما إلى حرفية كتابها المقدس، المعتمد من ملّتها، كي تعتدي على حقوق الآخرين طمعًا بممتلكاتهم وأبواب أرزاقهم. قد يبدو هذا الأمر أيضا بديهيًا إذ يدخل ضمن معادلة "الطبع يغلب التطبع"، إنما التسامح الدولي بهذا الأمر، تحت أي ذريعة كان، يعطّل شرعة حقوق الإنسان وتبيت محدودة جدا لجهة الوقوف في وجه هذه السلوكية الشريرة من حيث المنطق السليم القائل بأن حقوق المرء تنتهي عند بداية حقوق الآخر. وقد برزت هذه المحدودية بوضوح، منذ التاريخ أعلاه، في حربٍ اختلط فيها الدين بالدنيا على أوسع نطاق. فبينما استنجد المظلوم بالله، بحسب حرفية كتابه المقدس، ليستعيد حقوقه وكرامته مبررا قتل من تسبّب بظلمه إلى أن يستأصله من الوجود، قام الظالم، في الوقت نفسه، بالاستنجاد بالله نفسه، إنما بحسب حرفية كتابه المقدس الخاص به، على طريقة "ضربني وبكى سبقني واشتكى"، ليبرّر لنفسه قتل من يطالب باستعادة حقوقه منه، بيوته، أرضه ملكه. الذريعة عند سالب الأرض، هي أن الله هوَ، وبموجب حرفية نص كتابه، من وَهبه إياها لآلاف سنين خلت، وإلى الأبد. فبات كل طرف يذكّر الله، عزّ وجل، بعدله، وبوعوده له، وبإلزامية تنفيذه لما هو لمصلحة قَوميّته، وبواجب معاقبة الآخر، حتى ولو احتاج الأمر إلى إبادته.[1]
إنها إشكالية إقحام الله، عزّ وجل، بموضوع العدالة البشرية الواجب حلّه من قبل البشر أنفسهم.[2] أما كانوا قد أسّسوا لهذا الغرض، إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وقبيل حدوث ذاك النزاع على ملكية الأراضي المقدسة بالذات، منظمة الأمم المتحدة لتثبيت الاعتراف بـ "حق الشعوب بتقرير مصيرها"، وإضافة شرعة حقوق الإنسان التي وافقت عليها معظم الدول المعنيّة بالفصل بين ما هو للدين وما هو للدول؟
بالفعل، تحركت منظمة الأمم المتحدة في السابع من تشرين الأول 2024، كما تحركت في عامي 1948 – 1949، لنزع فتيل الدِّين من المعركة وإعادتها إلى منطقها الإنساني، ولكنها وجدت نفسها مكبلة الأيدي بسبب انقسام العالم بأسره، بخاصة الدول العظمى، إلى مؤيدٍ لإدخال الدين في السياسة، ورافضٍ لهذا المبدأ والمتمسك بتطبيق القرارات الدولية بحرفيَّتها، وبالتساوي من قبل جميع الأطراف.
اختلط الحابل بالنابل وراح الشهر يلي الشهر والقتلى المدنيون العُزّل، نساء وأطفال وخُدَّج بنسبة كبيرة، يسقطون بالألوف تحت وابل القنابل والصواريخ والمدافع، تتبعهم أعداد مضاعفة من الجرحى والمشوهين والمصدومين، من دون أن ينجح أصحاب القرار، حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر، أن يُعيدوا الأولويّة للعدالة البشرية وحكمتها بوجه حرفية الدين الخارجة عن منطق البشر... والتي تجعل من الله متطرّفا لا شفقة لديه ولا رحمة.
انكشف تواطُؤ حلفاء الأمس، إبان الحرب العالمية الثانية، ومؤامرتهم لتأسيس الكيان الصهيوني على الأراضي "المقدسة" التي لطالما استوطنها الفلسطينيون بالمشاركة مع اليهود، منذ كتابة سِفر القضاة (حوالي سبع مئة سنة قبل الميلاد) والذين يتم ذكر الفلسطينيين فيه بخاصة في سيرة "شمشون ودليلة".[3]
تكشَّف أيضا، فيما بعد، الهدف من إنشاء دولة يهودية، صهيونية العُمق، مغلّفة بغلاف "الحق الإلهي"، الحَرفي، لتمليك أرضٍ لشعب على حساب شعب آخر، فأثار هذا موجة غضب عالمية هزّت أهم جامعات الدول المعنية إذ أفاق طلابها، وبالتالي مجتمعاتها المثقفة، على عمق خيانة دولهم لثقتهم بها، وبخاصة لجهة استغلالها لأموال ضرائبهم في تمويل الحروب وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية.
أثبتت تلك المجموعات الثائرة، والتي على وَعيها يُبنى مستقبل البشرية، رفضها إذلال الأمم المتّحدة وقراراتها من قبل دولهم التي أسستها وتموّلها، والتي لا حقّ لها مطلقا في استغلالها لمصالحها الفئوية. فكانت صرختها الراقية صرخة حقٍ عمَّ صداها العالم، أن أوقفوا الجرائم ضد العُزل والأطفال والأمهات، أوقفوا حمام الدم المفجع، ولتخضع كل الدول، بما فيها الدولة الصهيونية –وليس اليهودية حصرا– لقرارات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية و"لتحيا فلسطين" لشعبها الذي أقرّت له معظم الدول المعتدلة بدولته الخاصة على الأراضي التي تواجَدَ عليها، منذ سردية شمشون ودليلة.
إثر كل هذا، انفضحت المؤامرة الصهيونية - البترولية المستغلة لحرفية الكُتب الدينية للوصل إلى مآربها السلطوية، إلى الربحية الربوية، مسخّرة لها الله والعباد، غير آبهةٍ بقدسية حياة ولا بحقوق مدنية محلية أو دولية. وأتت الفضيحة مثبتة من خلال الوثائق التي تمّت مراجعتها من قبل الاختصاصيين بعد أن فُتحت أرشيفات "الخمسين عامًا" و"الخمسة والسبعين عامًا" على نكبة الفلسطينيين (1948)، ودخل المجتمع العالمي حالة الوعي لما أخفاه عنه التاريخ المزوّر، وذلك بفضل وسائل التواصل الاجتماعي الذي حرّر العقول من توجيه وسائل الإعلام التقليدية المتخصّصة بالعَصف بالأدمغة وتزوير الحقائق.
ثار الشباب المثقف، عالميا، على جامعاته الداعمة فكريا وماليا لتلك الفئات الوصولية الُمخضِعة أحدث اختراعات جامعاتهم لمصالح شركاتها القابضة، ودولها، وأهدافها الاستهلاكية غير المشروعة. أدرك الشباب العالمي المصدوم من التناقض البارز بين الإعلام الرسمي وما يصله من معلومات حقيقية وآنية من أرض المعارك، والظلم الحاصل فيها، والقياس بمقياسين، واحد للحرب على الأوكرانيين وآخر للحرب على الفلسطينيين. انتفض الناخبون في دول القرار من خطورة ما يخضعون له من فبركة الكذب المنمّق لتوجيه الرأي العام العالمي والتأثير في أي انتخابات يقال عنها ديمقراطية، كي لا يُحكم العالم إلا ممّن هم يؤيدون حق الأقوى، أي سنّة غاب الأسهم التجارية والتداول بها، دولا كانت أم شركات قابضة عابرة للحدود. تحسّست الإنسانية الشفافة الضمير، الصاعدة من على مقاعد الجامعات، والتي ترهن حياتها بالديون الطلابية لكي تؤمّن أقساط جامعاتها، من أن هناك من يحوّل مركزية العالم للمال، وليس أبدا لله أو للإنسان. فبات "المال" ذاك الرب الرهيب الذي أصرّ "الكلمة المتجسد" بأن يقارن بينه وبين الله، هو من يحكم العالم ويتحكم بالمستقبل وبالضمائر،[4] إذ كما للإنسانية المتديّنة ضمير، أقام خدّام المال للسوق ضمير، لصناعة الأسلحة والتجارة بها ضمير، لسوق التسليع والتشييء والكومسيونات ضمير، لسوق استغلال الشعوب الفقيرة لخدمة التسابق التجاري ضمير إلخ.، ومن يخاصم تلك الضمائر يُسخَر منه على أنه متخلّف.[5]
في كل هذا، لم يعد يأبه أي من هذه الضمائر المتخصّصة، بحسب التخصّصات الجامعية التكنولوجية العظمى، برأي الله الموصي كل البشر بعدم القتل، وبعدم الإساءة إلى عزّته الإلهية في الوجدان الإنساني، ولا حتى بالنقل الإعلامي لمشاهد العنف المتسببة بالصدمات النفسية عند فئات واسعة من الأطفال والأبرياء... عليه، باتت البشرية المتديّنة فعلا، بأسرها، منتظرة متى وكيف سيتدخّل الله ويضع حدا لهذه الشرور، بخاصة المجازر الجارية على الأراضي المقدسة، ولمصلحة من؟
هذا من جهة. ولكن، من جهة أخرى، وقفت أيضا البشرية، العقلانية –العلمانية–، على اختلاف مفاهيم العَلمنة، المتَّفِقة مع نفسها ومع عدالة القوانين الدولية التي تأمر بأن يُعاد، بكل احترام، لكل إنسان حقه ولكل شعب حق تقرير المصير، تنتظر كيف ستتدخّل منظمة الأمم المتّحدة ومؤسّساتها ومحاكمها الدولية لحلّ النزاع، ولردع مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، وهل ستكون قادرة على تنفيذ قراراتها؟ وهذا الشرخ في التوقعات أعاد إلى الأذهان إشكالية قديمة جديدة بين الدين والعقل كما بين الأنظمة الدينية والأنظمة العلمانية في الحكم، وعليه، صحّ التساؤل: لو أن الأمم المتحدة تمكّنت من تنفيذ قراراتها منذ 1948 وتوصّلت لاتفاقٍ يضع حقوق الإنسان في مركزيّة الحل، أما كان لدينا اليوم لا شعبَان فقط، انما شعوب - أقله - متعايشة، على أرض واحدة، "دولة الأراضي المقدسة"، مهما اختلفت روابط كل منها بتلك الأرض من معابد ورموز ونصوص؟ أما كانت الحاضرة الدينية –أورشليم والقدس ضمنها– عاصمة لها، تشبه حاضرة الفاتيكان، مفتوحة للبشرية بأسرها وتؤمّن مداخيل سياحية هائلة للدولة الحاضنة لها.[6] أليس هذا ما نوَت عليه فعليا الأمم المتحدة في أول قرار لها رقم 181 (أ) لعام 1947؟ لكن، للأسف، واستنادا إلى ما ذكرناه أعلاه، فتيل القرار النهائي في النزاع لم يكن في يدها. كان في يد مصالح الدول التي أقرّت شرعة حقوق الإنسان نفسها، والتي تخفّت خلف التطرّف الديني اليهودي المدعوم منها، بخاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، فتم اغتيال مبعوث الأمم المتحدة الأول لها، الكونت برنادوت في 17 سبتمبر/أيلول 1948 على يد المنظمات الصهيونية المكلفة رفض أي حلول تعطل المشروع الأساس.[7]
واستنادا إلى مراجع الأرشيف التي فتحت مؤخرا، يتأكد أن هذه الحادثة الأليمة، كما عدّة حوادث سبقتها، تمّت حينها عمدا من قبل الميلشيات الصهيونية، لإفهام المسؤولين في منظّمة الأمم المتحدة، الناشئة لتوّها، بأن مصالح بعض الدول العظمى ومخططات التفافها على إلغاء الاستعمار القديم، واستبداله باستعمارات أكثر لباقة وأشد تصويبا على منابع الطاقة، تعود لها أولوية القرار في مصير شعوبها.[8] أما التبرير فكان: كيف تقرر شعوب مصيرها وهي غافلة عما تحتوي بواطن أراضيها من كنوز وخيرات، حصرا النفط، الذي شكل العمود الفقري لتطوير الصناعات المدنية والعسكرية وتحقيق رفاه شعوبٍ لا رابط بين مكوناتها سوى الملكية الخاصة (Landlords) وحمايتها؟ أما حماية الملكيات الخاصة بحسب ما تنص عليه القوانين الأمريكية بالذات التي حافظت على قدسية امتلاك كل أمريكي لبارودة حربية يدافع بها عن ملكيته الخاصة، وبالتالي تشريع تجارة الأسلحة المفتوحة لأي كان، فإن لم تكن حسب القانون الوضعي، تكون حسب سلطة الأمر الواقع، وبقوة السلاح، كما عرفنا ها في أفلام هوليود.
هذه هي، بشكل عام، النفسية الجماعية لدول الهجرة والعمل، وذلك منذ حوالي ثلاثة قرون. لقد طوّرتها جدا القوانين الدولية الحديثة المركِّزة على القوميات، ورسم الحدود، والدفاع عن الحدود وعن الأسواق التجارية إلخ.، أي عن كل ما يخدم رضوخ حركة الهجرة والمهاجرين لتوجيهات الدول المانحة للإقامات والجنسيات، والتهويل بالحروب التجارية عند كل شروق شمس. ولما كان كل هذا غير كاف لسيطرة مجموعة ما على حركة الهجرة، كما على دول منشأ المهاجرين ونموّها الاقتصادي، أضيفت سطوة العملة الدولية الحصرية "الدولار" كما حصرية التعامل به من خلال مصارف "وُال ستريت" (Wall Street) الأمريكية، فاكتمل المشهد.
أما فلسفة الُملكية الخاصة وحق الدفاع عنها بالسلاح فقد نقلتهما بريطانيا إلى فلسطين، بحكم الانتداب، تسهيلا للمستوطنين اليهود حينها، المذهّنين صهيونيا لتملك الأرض والاستعداد العسكري للدفاع عنها. وما أن تم الاعتبار، من قبل المنظمة الصهيونية العالمية، بأن اليهود قد اشتروا ما يكفي من أرض فلسطين ليحق لهم احتلال الباقي، وسوّقوا حينها بأن الفلسطينيين باعوا 90% من أرضهم خاضعين للشهوات الجنسية (وهذا ما سمعته منذ طفولتي)،[9] فكان القرار بالبدء بالإبادة. [10]
واليوم، ومع الوعي لكل هذا المتاهات حول حق الشعوب بتقرير مصيرها، أو تقرير مصير شعوب مغفلة بالإنابة عنها مع حفظ بعض من حقوقها لتعيش بكرامة مع اختلاف المقاييس، برز أن هناك من الدول من راح يطمع كليا بأرض الغير بدلا من مساعدته على تقرير مصيره، ويقهره إلى أن يسلمه مصيره صاغرا وحصرا، وأفضلُ مثلين على هذه الحالة هما سلوكية الانتداب البريطاني في الهند والتحرّر منه من قبل "غاندي"، كما في جنوب إفريقيا ووقوف الرئيس مانديلا بوجه الفصل العنصري. إنما، وللأسف، وُجد أيضا من سمح لنفسه بالتفكير، انطلاقا من حق إلهي، بإبادة شعب بأسره وتملك أراضيه كملكية خاصة لا تراجع عنها؟ وهذا ذروة ما يصب في التعريف بأزمة الضمير.
ونعود للتساؤل: أي مرجعية لها السلطة القانونية بأن تردع سلوكية القوي الإجرامي تجاه الضعيف؟ أما استمرّت وتستمر أمام أعيننا، ليس فقط الحالة الفلسطينية الصارخة، إنما السودان، وكردستان، وصحراء المغرب، وغيرها أيضا؟ واليوم، وبعد "الربيع العربي" المشؤوم، من الذي يقرر مصير الدول النفطية البائسة المتروكة من دون رؤوس، ليبيا، والعراق، وسوريا، وحتى لبنان؟ هل الأمم المتحدة أم سنة الغاب على حد قول الشاعر الفرنسي لافونتين "حجة الأقوى هي الأمثل".[11]
على هذا الأساس، الإشكالية بين حرفية النص الديني، والعَلمنة المادية، والعدالة الدولية القائمة على الحكمة والضمير، بات الشرخ في الرأي الدولي حول أي، من العناصر الثلاثة، تكون له المركزية: الله بحسب الأديان الإبراهيمية وما يتصل بها من "الوصولية الدينية"، أم العَلمانية المادية وما يتصل بها من الوصولية الاقتصادية الاستهلاكية، أم حقوق الإنسان بحسب ما تم التوقيع عليه في تأسيس الأمم المتحدة مهما كانت تضحيات الدول القديرة في خدمة كرامة الإنسان في الدول الناشئة والدول الفقيرة؟ ولأي هدف يتم الاختيار؟ أليس للتخفيف من الفروقات الشاسعة بين البلدان الصناعية وبلدان العالم الثالث، وكل ما يصب في خانة خير الإنسانية العام؟ وقد حصل بعض من هذا الأمر فعلا مع بلدان أمريكا اللاتينية، بضغوط من دولة الفاتيكان والرسائل البابوية استنادا إلى تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني، وبخاصة رسالة البابا بولس السادس التي تبعته وهي "ترقي الشعوب" Populorum Progressio, 26 mars 1967)) وقد أتى فيها ما معناه: " المسألة الاجتماعية قد اكتسبت بعداً عالمياً يدخل في نطاق النظام الخلقي ويستند إلى التحليل الموضوعي للأوضاع الراهنة. بالتالي "يجب على كل إنسان أن يعي" هذا الواقع، وذلك لأنه يمسّ، وبطريقة مباشرة، الضمير الإنساني الذي هو منبع القرارات المسلكية".[12] وأهم من استفاد من هذا التعليم، المحترم دبلوماسيا لأنه يُعتبر صادرا عن دولة الفاتيكان، البرازيل، وذلك في الثمانينيات من القرن الماضي، ما جعلها تصعد اقتصاديا، خلال عشرات السنوات فقط، لتدخل نادي الدول الاقتصادية الكبرى.
برأينا، لم يتم التغاضي عن إشكالية خير الإنسانية العام عند وضع شرعة حقوق الأنسان الأساسية التي تبنَّت حكما ما تقرّر في جوهر معاهدة فرساي التي وُقعت بعد الحرب العالمية الأولى، ألا وهو "حق الشعوب بتقرير مصيرها". إنما، ولشسوع المعضلة الإنسانية التي كان يتم التداول بها بعد الحرب العالمية الثانية، فات المؤتمرين ما تَبطَّن خلف القرارات السابقة، بخاصة مصالح من هم المستفيدون الأولون من "كارثتي" الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، ومن تبنّي نظرية الدول القومية وترسيم الحدود استنادا لحق الشعوب بتقرير مصيرها. تلك الغفلة التي نؤكد، بخاصة مع السيناريو الذي نعاينه بعين العقل قبل عين القلب على غزّة، بأنها لم تكن بريئة بالنسبة للتطور التاريخي لبرتوكولات صهيون، ستساهم بتصاعد الفكر القومي السلطوي ومنه النازي. غريب كيف أن قراءة التاريخ قد تحتاج أحيانا إلى قرن من الزمن حتى تنجلي بأكثر وضوح ممكن، ولا يمكننا على هذا الصعيد إلا أن نثمن القوانين الدولية التي ترغم الأرشيفات الدولية على فتح ملفاتها بعد نصف قرن على الحدث، ثم بعد ثلاثة أرباع القرن، ورغم هذا يبقى البعض من المعلومات مطمورا إلى أن يقصدها بعض البحاثة. الأمثلة كثيرة في هذا الصدد وأكملها صورة قضية النكبة الفلسطينية بالذات التي يجوز القول إنها بدأت مع تأسيس الصهيونية، ولكن لم ينكشف الهدف الأساسي الذي يقف خلف ذاك التأسيس إلا اليوم، مع المجازر التي تحدث في غزة بتغطية من دول الكارتل النفطي بهدف إبادة الانتهاء من إبادة الغزاويين والاستيلاء على أرضهم التي تبدو، بعد البدء باستخراج الغاز سنة 1999من آبار شاطئ فلسطين المحتلة، وبخاصة من بئر "نُوا" (على اسم النبي نوح Noah ،36 كلم من شاطئ غزة -ثلاثة تريليون قدم مكعب من الغاز)[13]، أغنى شاطئ بالغاز الطبيعي، [14] وقد أسمت إسرائيل معظم آبار الغاز بأسماء بيبلية.
ما الذي فات مؤسّسي منظمة الأمم المتحدة لكي يجعلوا منها أداة قادرة على تنفيذ قراراتها المستندة إلى شرعتها وكل ما تبع تأسيسها من تشريعات؟ لماذا بقيت مكبّلة بصندوق النقض الدولي ومجلس الأمن الدولي المرجع الوحيد القادر تحت "الفصل السابع" على التدخل العسكري لتحقيق العدالة والسلام في الظروف التي يستحيل فيها حلها سياسيا ودبلوماسيا؟ ما هو الأمر غير الممنوع على الأمم المتحدة اللجوء إليه، وله قدرة تتخطى قوّة الجيوش كافة؟ إنه الدِّين. فالضمير الذي ركزت عليه رسالة "ترقَي الشعوب" لا تحكمه شرائع وضعية ولا قوانين أدبية كشرعة حقوق الإنسان.[15]
لن نتوقف عند مقولة كارل ماركس السلبية الشهيرة: "الدين أفيون الشعب" إنما نعود إلى جان جاك روسو، متمّم فكرة "العقد الاجتماعي" سنة 1762 والذي، رغم تأكيده على أن "وحده العقد الاجتماعي يجعل من الممكن إعطاء كامل الحقوق للإنسان"، لم يتوان عن القول: "الضمير، الضمير، ذاك الغريزة الإلهية، الصوت السماوي الذي لا يموت، الدليل الموثوق به لكائن جاهل ومحدود إنما ذكي وحرّ في الوقت نفسه، الحَكَم المعصوم للخير والشر، الذي يجعل من الإنسان شبيها بالله."[16] وبالتالي، نستنتج، لا بد للعقد الاجتماعي أن يحتاجه كي يصحّ تطبيقه.[17] وهذا ما احتاجت الأمم المتحدة وكافة شرائعها الانتظار، لغاية الرابع من شباط (فبراير) 2019، حتى يتم لها، حين وقّع رأسا الديانتين، بابا الكنيسة الكاثوليكية فرنسيس، والإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيب، "وثيقة الأخوة الإنسانية" بين الإسلام والمسيحية، برعاية من دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بموافقة المذاهب الدينية كافة من الطرفين. وهذان الطرفان المهيبان يمثلان شعوب الدول الشرق أوسطية المعنية، بكاملها، باستثناء صهاينة الدولة العنصرية إسرائيل.[18]
نعم، هذه الوثيقة هي ما فات مؤسّسي الأمم المتحدة من قاعدة تحمي الضمير وتحافظ عليه بواسطة المؤتمنين عليه من قبل الله، بالإنابة. ورغم أن رب هذا الضمير هو الإله الواحد الذي لا إله غيره، شاء هو، نظرا لاختلاف الأعراق والثقافات ونوعية العواطف الدينية (الوجدان) أن يكون له ممثلين مختلفين من بني آدم على الأرض، وكلفهم، كرعاة صالحين، تحت طائلة أشد العقوبات في حياة الآخرة التي يؤمنون بها، في حال أضلّوا شعبه وأي من المؤمنين به من أي ديانة كانوا، وبدّدوا ميراثه.
كلفهم خالق الكون على نقاء الدين من "العالم"، وبرعاية الضمير في كائناته العاقلة المؤتمنة بدورها على خلائقه كافة كما على البيئة فيه. وإذا ما خصّص هو البشر بهذه القدرة غير القابلة لا للتعديل ولا للمحو، فلكي لا ينسى بنو آدم خالقهم كما كي لا تنسى "الصورة" أصلها، فهي من الله وإليه حكما تعود، للدينونة. لذلك على البشر أن يلتزموا، دينا ودنيا، تعاليمه الصحيحة السليمة المكتوبة لا بحبر على ورق، إنما المحفورة في قلوبهم،[19] في كل ما اؤتمن آدم وحواء عليه "يوم سلمهما الجنة وامرهما بأن يعتنيا بها عناية الخادمَين الأمينين.
إذا لا بد من التعاون الوثيق بين المؤسّستين،[20] الأمم المتحدة وباقي فروعها من جهة، المحاكم دولية والصناديق المالية مثلا لا حصرا، ومؤسّسة نشر ورعاية تحقيق وتطبيق وثيقة الأخوة الإنسانية التي باتت على المستوى الدولي وتضم أهم المرجعيات الدينية والإنسانية العلمية، وقد انضم إليها مؤخرا الحاخام بروس لوستيغ كبير الحاخامات في المجمع العبري بواشنطن.[21]
عليه ننتقل إلى مستوى الدول، في خضم التهويل بالحرب الذي نعيشه إثر انقسام العالم حول حق الفلسطينيين بوطن سيد مستقل لهم مع أرضهم التاريخية مع القدس القديمة عاصمة له، لنسكب من معين نظرية التكاؤن الطليعية ما يناسب العلاقات الدولية وإشكالياتها.
[1] هذه الظاهرة التي عاش لبنان مثيلا لها في سني الحرب الأولى 1975-1982 والتي اشتبكت فيها الديانات الثلاث اليهودية والإسلام والمسيحية دفعت بأحد الصحفيين المعتمدين من البطريركية المارونية، جوزيف خريش، بوضع كتاب توعَوي تحت عنوان "حروب الآلهة".
راجع: خريش، جوزيف. حروب الآلهة، المركز الكاثوليكي للإعلام، لبنان، 1985 - 1984
[2] لوقا 12، 13-21 "من أقامني عليكما قاضيًا أو مقسّما؟" إلخ.
[3] لمدينة غزّة عدة مراجع في الكتاب المقدس، العهد القديم، منها في سياق الحروب التي جرت بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كانت غزة واحدة من مدن الفلستيين، وهم شعوب كانوا يعيشون في الساحل الجنوبي لفلسطين. في سياق سِفر القضاة، يُذكر أن شمشون قد زار غزة وقدّم أحداثا مرتبطة به هناك. (راجع برنامج Chat – GPT)
[4] مت 6: 24): لا يقدر أحد أن يخدم سيدين لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال.
[5] راجع في هذا الموضوع وثائقيات المخرج الأمريكي الشهير مايكل مور بخاصة: Capitalism: A Love Story
[6] ولكن، أليس في هذا التفصيل يقطن الشيطان؟ ما الأهم حصرا في مدينة القدس – أورشليم بالنسبة للشركات الاستثمارية الدولية، أبعدها الديني أم بعدها الاقتصادي؟ فلنعد في هذا الموضوع إلى إنجيل طرد المسيح لتجار الهيكل. (يوحنا 2: 12-17)
[7] https://www.aljazeera.net/culture/2022/5/16/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-60-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%87-%D9%87%D9%84-%D8%AD%D8%A7%D9%86-D9%88%D9%82%D8%AA#:~:text=
[8] ليس صدفة أنه كان من الواجب على واضعي شرعة حقوق الإنسان التي كان سفير لبنان وممثله العلامة شارل مالك، في لجنتها، بأن تخضع النص النهائي قبل الموافقة عليه على المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي لا يزال هو، لغاية اليوم، قلب مكونات الأمم المتحدة كافة. https://ecosoc.un.org/ar/about-us
[9] أما بالفعل فقد أثبتت الأبحاث بأن ما بيع من أراضي للجمعيات اليهودية لا يتعدى العشرة بالمئة وقد باع معظمها لهم عائلات إقطاعية بيروتية تملك تلك الأراضي وهي تعيش بين بيروت وباريس، بخاصة عائلة سرسق.
[10] وهذا جوهر ما استغلّته الصهيونية منذ 1946للخروج من تحت ولاية المملكة البريطانية المنتدبة على أرض فلسطين، وتمييز أولَوية حقوقها على حقوق الدول العظمى، فكيف بالأحرى على الفلسطينيين بجميع طوائفهم. فراحت تقيّد المملكة بالديون وتفسد رجالات القرار فيها لتستغلها كي تصل إلى مأربها التوراتي ألا وهو فوقية اليهود وقيام ملوكهم هم، وحصريا من سبط يهوذا الذين كان الملك داود أساسهم، بحكم العالم بأسره دون استثناء. هذا ما هو منصوص عنه، بحرفية الكتاب المقدس، لصالح ملوك اليهود الذين لا يكونون إلا من جبل صهيون. وقد تردّدت هذه النقاط في كتاب بروتوكولات صهيون. على هذا الأساس تبنّت حركة العودة إلى أرض الميعاد التوراتية اسم "الصهيونية" لما فيه من عمق ملوكي، من حق إلهي.
ولم تتوان الصهيونية بإدخال مفاتيحها في تأسيس الأمم المتحدة التي أنشئت خصّيصا كي لا تعاد حادثة "الهولوكوست" مرة ثانية في التاريخ. أدخلت الصهيونية مفاتيحها وأموالها في تأسيس منظمة الأمم المتحدة كي تسخّرها لمصالحها حين تشاء. وهذا ما عادت الولايات المتحدة وحلفائها لتشتمّ رائحته في قرار إبادة شعب غزة المتمرّد على السلطة الإسرائيلية، ومحاولة إسرائيل جرّ حلفاءها، في بداية حربها الانتقامية، بالحيلة والكذب، لحمايتها، لتعود وتتمرّد عليهم، وبخاصة على الولايات المتحدة التي قامت دولة إسرائيل على أموال ضرائب شعبها. وهذا ما بدأ الشعب الأمريكي بإدراكه.
[11] من قصيدة الذئب والحمل:
Le Loup et l’Agneau: La raison du plus fort est toujours la meilleure.
[12] https://peregabriel.com/saintamaria/1897/
[13] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D9%82%D9%84_%D9%86%D9%88%
D8%A7_%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2_%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D9%8A
[14] https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/mnst-alghaz-albhryt-alasrayylyt-balqrb-mn-ghzt-tstanf-alantaj
[15] البابا بولس السادس، 1967.
[16] Conscience ! Conscience ! Instinct divin, immortelle et céleste voix ; guide assuré d'un être ignorant et borné, mais intelligent et libre ; juge infaillible du bien et du mal, qui rend l'homme semblable à Dieu.
Voir sur https://citations.ouest-france.fr/citation-jean-jacques-rousseau/conscience-conscience-instinct-divin-immortelle-27065.html
[17] هنا لا بد ان نثني على أمر في الدستور اللبناني، الذي رغم كل الانتقادات له، يؤمن هذه المعادلة، ولو بحدها الأدنى، بين الله والدولة اللبنانية ومواطنيها. إنها المادة التاسعة من الدستور القائلة، ولو بشكل غير منطقي قانونا، إنما منطقي دينيا: "والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى..." أي تأخذ الشأن الضميري بالحسبان كمكوّن أساس في نظام الجمهورية. وهذه النقطة حفظتها أيضا نظرية التكاؤن المنصوص عنها في كتاب "الجمهورية الخامسة: الحل للمعضلة اللبنانية".
[18] وكم من حروب ومجازر جرت بين التاريخين، ليس أقلها الحرب اللبنانية واستئصال منظمة فتح من لبنان، ثم عملية 11 أيلول 2001 في نيو يورك، ومقتل ما يزيد عن 3000 مواطن بريء وجرح عدد مضاعف، وما تلاها من حروب ومجازر رهيبة على وسع الشرق البترولي ومحورها نفط العراق، ثم "الربيع العربي" و "فلسفة الفوضى البناءة" ما تسبب به من ملايين القتلى والجرحى، خدر إبانها لضمير وقضي على هيبة الحكام والحكماء وساد الكذب الإلكتروني كل العقول، فما عاد يعرف من يكذب على من، من السياسيين المحليين والدوليين؟
[19] 2 كور، 3- 3. أجل، إنه لبيّن أنكم رسالة للمسيح، قد أنشأناها نحن، وكتبت لا بمداد، بل بروح الله الحي؛ لا في ألواح من حجر، بل في ألواح من لحم، في قلوبكم.
[20] وكأنهما، بالمعنى الدستوري، غرفتين لحكم العالم، البيت المشترك، ديمقراطيا برعاية تيوقراطية، مجلس الشعب ومجلس الشيوخ أي مجلس حكماء العالم. ونلاحظ خطورة فقدان هذا التوازن من الجدليات التي تبرز ضمن البرلمان الأوروبي الذي لم ينجح لغاية اليوم بإثبات وحدة الدول التي تشكله حول مفهوم العلمنة ومدى التسامح مع الرموز الدينية – المسيحية خصيصا–. فبينما أنشأت أوروبا المتحدة برلمانا يصدح صوته في العالم بمفاهيم الثورة الفرنسية، لم تؤسس مجلس شيوخ –مجلس حكماء–أوروبي يصلح ذات البين.
[21] https://www.vaticannews.va/ar/world/news/2019-09/higher-committee-human-fraternity-rabbi.html
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
"التكاؤن"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM