tiktok
Logo

الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.

طالما جارك بخير أنت بخير. الجار قبل الدار.

2026-04-19

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.

طالما جارك بخير أنت بخير.

الجار قبل الدار.

جارك القريب ولا خيّك البعيد.

(أمثال شعبية)

ملاحظة: كان على هذا الفصل أن يكتب، ويختم كتابنا التكاؤني هذا، في شباط 2024 إنما، أخرنا الأمر لشدة اهتمامنا بما ستؤول إليه حرب مجموعة الدول السبع G7،[1] الداعمة لإسرائيل، المصدر الجديد للغاز إلى أوروبا، ولمشروع "بنيامين نتنياهو" لإبادة شعب غزة ووضع اليد على ثروتها الغازية التي كُتم أمرها إلى أن انفضح فيما بعد.

 كان التطبيع يجري بخطى حثيثة من خلال اتفاق "أبراهام" الذي وضع رؤية اقتصادية من الهند إلى تل أبيب مع فتح قناة بحرية موازية لقناة السويس، ولكن وللأسف، وحسبما أظهره رئيس حكومة إسرائيل من على منبر الأمم المتحدة، لم يكن بعد من اسم لفلسطين على خريطة ذاك المشروع. ولمن لا يعلم، نفيد، بحسب المراجع، بأن إسرائيل كانت قد ضربت بعرض الحائط أي اتفاق، حتى من السلطة الفلسطينية، وحفرت منذ سنة 2000، ضمن المياه المعتبرة إقليمية لغزة، بئر غاز هو الأكبر لديها اليوم، وأسمته بئر "نوح Noah". أمر سيصبح له رمزية ملفتة فيما بعد.  هذا الشاطئ خاضع لدولة فلسطين ومن غير الجائز لإسرائيل، قانونيا، أن تتصرف به من دون الاتفاق المسبق مع الحكومة الرسمية الفلسطينية.[2] هل كانت حركة حماس، السلطة المحلية لقطاع غزة، على علم بذلك يوم أطلقت "طوفان الأقصى" لتلفِتَ إلى بئر نوح، وإلى ارتباط الاسمَين ببعضهما في الكتاب المقدس؟ "طوفان نوح"؟ الاحتمال كبير.

ما يشي بهذا أنه كان هناك خلافٌ بين قانوني بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية الممثلة بالرئيس عباس حول هذا التعدي، كما أوردنا في المسند أدناه. إذًا، لم تكن الأمور على ما يرام، كما يصوّرها البعض، والخلاف حول وضع يد إسرائيل على آبار غاز شاطئ لبنان وفلسطين المحتلة بكامله لم يكن فقط مشكلة لبنانية بدأت سنة 2014. من هنا يمكن فهم التقارب الزمني بين خطاب نتنياهو في 27 سبتمبر 2022 في الأمم المتحدة وعرضِهِ لمشروعه اللاغي لدولة فلسطين أرضًا وشعبًا وساعة الصفر لانطلاق الطوفان في 7 تشرين الأول 2023، أي حوالي السنة، إنما مع ربط "نوح" بـ الطوفان" قد نستشف بان الإعداد للسابع من تشرين الأول  2023 بدأ منذ العام ألفين، سنة فتح بئر "نوح".

ما كان جوهر الخلاف الذي عبر بمعارك عدّة واحتلال قطاع غزة بالكامل وتحويلها بكليّتها إلى سجن مرير، بحكم أن حماس والمنظمات المقاوِمَة فيها هي إرهابية؟ ما هي الذريعة لذي اعمدتها الدولة الصهيونية لتحكم الخناق على الشعب الغزاوي بأسره إلى أن انفجرت؟  

الجواب واضح: حب تملك الأراضي l’avoir، والغطرسة، وشهوة وضع اليد عنوة على الثروات الطبيعية للدولة الفلسطينية، غزة بالذات، ولذلك يجب إلغاء كل المعوقات، وكل من ليسوا من اليهود الصهاينة باتوا مجرد معوّقات...

ألم يكن من الممكن أن يتم الاتفاق مع الدولة الفلسطينية "الرسمية" لاستخراج الغاز وبيعه للدول الأوروبية، كما تم تزوير الأمر في لبنان، ثم ينال كل فريق حصصه من الغاز وغيره فيزداد الشعبان كينونة كريمة، ويتكاءَنَ الجميع لما فيه خير الدولتين والشعبين والسلام بينهما وفي الشرق بأسره؟

نعم، كان من الممكن...

كان من الممكن جدا لو أن رئيس حكومة العدو مع أعضاء حكومته فضَّلوا، متعقّلين، خارجين نوعا ما عن العنصرية العمياء، أو عن المهمة القاتمة التي كُلفت بها دولتهم منذ تأسيسها،[3] وأدركوا أن الزمن تبدّل، والعالم تغيّر، وبات العصر، عصر تمتين الكيان بالكينونة الأفضل l’être، بالعلاقات العادلة مع الجيران، ورفض مبدأ السلب والاحتكار l’avoir, la possession.

إن الدوَل المجاورة، دول الطوق وما بعدها، والتي قبلت بالتطبيع مع إسرائيل إبان الحكم الأول للرئيس ترامب واعتماده صهره  اليهودي جاريد كوشنر لتطبيق ما سمي بـ"صفقة القرن"، وعن يد نتنياهو بالذات، قبلت بتخطي القضية الفلسطينية واعتبار القطاع والضفة وكأنها جزئين من دولة إسرائيل لا وجود قانوني لهما كدولة في الأمم المتحدة.  وفي الوقت نفسه، وخدمة لمصالح إسرائيل الاقتصادية الاستعمارية، تنازل نتنياهو ومنظومته عن عنصريّتهم العرقية ليقبلوا، ملتحفين قناعة لا يمكن تصديقها، بأن الشعوب المطبّعة معهم مساوية لهم بالكرامة، ويربط بينهم جميعًا إيمان إبراهيم، الأب الأعلى للإيمان بالله، وبأن مقولة "ابن ست" وابن جارية" التي استند إليها بولس الرسول انتهت.[4] لماذا تم القبول من العرب المطبعين باستثناء الفلسطينيين العرب المسلمين من بنوتهم لإسماعيل نفسه وضاقت هذه البقعة الصغيرة من الكوكب الأرضي بعين نتنياهو وحكومته حتى يلغيها من الخريطة. أما يكفي أن فلسطينييها يؤمّنون 90% من اليد العاملة الزراعية لدى جيرانهم اليهود. أليس أن كمية الغاز التي مهما كبر شأنها وعظم، ستستثمرها بالنتيجة شركاتهم وشركاء شركاتهم المعروفين في العالم؟ أليس الأمر نفسه يجري على الغاز اللبناني والذي لن يستخرج إلا من الشركات نفسها.

نعم كان من الممكن أن يتم الاتفاق مع الدولة الفلسطينية وشعبها الإسماعيلي،[5] ولا يزال من الممكن، بترسيخ قناعة بأن البشر كلهم متساوون في الجوهر البشري وكلهم يولدون أحرارا، لهم حقوقهم وعليهم واجبات في هذا العالم،[6] وباتخاذ قرار ضمني وثابت على ثلاث محاور:

الأول:

محور العودة إلى الله في ما أوحاه هو في كتبه وليس إلى ما استوحاه أصحاب المصالح منها واستغلالها لخدمة مآربهم ووصولياتهم التملكية والاستعمارية والعنصرية والفوقية إلخ.[7] فإن جوهر ما أوحى به الله في كتبه الثلاث يرتقي بالبشر من حالة الغرائزية إلى حالة الرقي الإنساني الذي كلما ارتقى، التقى، التقى بالآخرين المرتقين لقاء إشعاعات النور في نقطة "الياء" (Omega)، كما لفَتَنا إليه الفيلسوف تيار دو شاردان، وقبله، وبعده المتصوّفون بشكل عام.

محور العودة إلى الله يدعو ابن آدم الترابي للتخلي عن الزمنيات والتطلع إلى رضى خالقه، إله الخير والحب والجمال. فالإشكالية بين الله (الكائن الأزلي الأبدي) والمال ليست جديدة، وإخضاع ثروات الأرض كلها لخدمة الإنسان الآخر، الأكثر حاجة، بالحق والعدل والاحترام والمحبة، ولوجه الله، أساس كل الديانات، الابراهيمية وغيرها. وبالتالي لا بد من الاعتراف بأن خيرات الأرض هي مشتركة لكل البشر دون استثناء،[8] توزع ضمن نظام اقتصادي عالمي عادل من قبل الدول الأكثر غنى على الدول الأقل حظا.  هذا إذا كان هناك بالفعل بلدان أقل حظا إذ، سرعان ما يكتشف العلم بأنه ما من قطر أو بلد أو أرض إلا وهي مرزوقة ممن كونها، بثروات يمكنها أن تتبادل بها مع غيرها من البلدان، وكل ما ينقصها هو العلم والثقافة وإدراك ثرواتها المادية والبشرية. فهل تستغل أم تثقف ويحفظ للشعوب حقوقها؟ هنا يكمن دور الضمير والعدالة ومخافة الله التي تعتبرها كل الأديان والفلسفات رأس الحكمة التي تؤكد بأن "لملك لله" وبخاصة في التورات اليهودية.

الثاني:

محور الأمم المتحدة وحقوق الشعوب بتقرير مصيرها، وحقوق الإنسان وكل ما يدور في فلكها من نتاج الحكمة الإنسانية للحفاظ على السلام العالمي وعلى كل ما هو لشعب وإنسان من حقوق استنادا إلى مقولة الحاكم الروماني الذي قال، مرّة واحدة وللأبد: "ما كتب قد كتب".  والمقصود هنا هو خريطة الدول في العالم وحدودها كافة المعترف بها دوليا. كفى استهتار الدول العظمى بمشاعر الشعوب الوطنية لأن الوطن، كما يتم تركيز ثقافة الانتماء والمشاعر حوله، يوصف بالأم وليس بالأب: "الوطن الأم"، خسارته أو التلاعب بمصيره هو بمثابة إهانة والدة المواطن الأمين، المولود فيه، بالشخصي، لهذا الجريمة ضد إهانتها مخفّفة في القانون الجنائي، إن لم يعفُ عنها كليا لاحتسابها "جريمة شرف". أليس على هذا الأساس تتمّ تنمية مشاعر الجيوش تجاه عَلَمِ وطنها وحتمية الذود عنه حتى الاستشهاد؟ والشعور نفسه نجده عند كل إنسان بالنسبة لوطنه أكان وطنا غنيا أم فقيرا، على خط الاستواء أم في الأقطاب الباردة أم في البلدان المعتدلة المناخات. فكيف بنا إذا أضفنا ارتباط الأوطان الجوهري وشعوبها بالكرامة الدينية كما هو عليه وضع الفلسطينيين واليهود في اختلافهم على مدينة القدس؟ إن أي إله يسمح بالمساس بكرامة الإنسان التي هي كرامة خالقه فيه، وحرمانه حقوقه، لا يجوز الاستمرار باحتسابه الله، عز وجل، ولا بد إلا أن يوصف بالصنم. وما أخطر الأصنام والصنميات وازديادها في عالم اليوم، ومنها الآتي حتما: الروبوتات.

ولا بد أن نُذكّر بما أوردناه سابقا عن التكامل بين شرعة حقوق الإنسان المدنية ووثيقة الأخوة الإنسانية التي تؤكد، بتشديد مطلق، على ما قلناه لجهة العودة إلى الإيمان ومخافة الله كي لا يتحوّل الدين إلى "أفيون للشعب" ويجرّه إلى الويلات.

الثالث: الحل البراغماتي

  واليوم، وبعد أن هدّأت القدرة الإلهية "الطوفان" من جديد، وعادت حمامة نوح حاملة غصن الزيتون إلى "أرض الزيتون"، ومعه نسمة سلام، وبدأ سكان فُلك الأسر بالخروج منه زرافات، زرافات، نترك ما قلناه للتأمل ونقترح ما استوحيناه بروح الحق والعدل من الحرب الانتقامية المشينة، المرعبة، التي فُتحت على غزة وشعبها بهدف إبادتهم.

إن ما استوحيناه هو قيمة إضافية على خطة "خارطة الطريق" التي وضعت سنة 2003 بهجف حل القضية الفلسطينية نهائيا تحت سقف معظم دول العالم العظمى، الولايات المتحدة، روسيا، أوروبا، والأمم المتحدة، والمتممة للقرار الأممي الأول بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وهو قرار الجمعية العامة رقم 181، دولة يهودية ودولة عربية – مع وضع مدينة القدس تحت إدارة دولية.

رغم كل الشوك الذي زرع على طريق هذا الحل، برز الأمل من نظرية الأرض مقابل السلام التي حكمت كل المحادثات إثر حرب 1967، والتي توصّل فيما بعد الرئيس الإسرائيلي يهود أولمرت بوضع خريطة واضحة المعالم لها، بعد أن سلّمَ الفلسطينيون، والدول العربية المساندة لهم، بحتمية وجود دولة إسرائيل وحقها بالعيش بسلام مع دول الجوار.

خريطة حل الدولتين حسب ما قال أولمرت

رسم 1: إيهود أولمرت عارضا الخريطة الحل بهدف السلام الدائم.

من حينها والحديث العاقل يدور حول حدود "السبعة وستين"، وراح التطرف من الجانبين يتلاعب بهذه المسلمة مع أنها لا تزال تمثل الحل الوحيد والأفضل. إن رافضي هذه المسلّمة هم أعداء السلام بالجَوهر والعَرَض. والملفت، إذا ما ربطنا بين كيلومترات الأنفاق المذهلة التي تم حفرها تحت غزة لاحتماء المقاومة فيها من سطوة الطيران المعادي، والنفق الذي ورد الحديث عنه إبان المحادثات غير الرسمية حول مشروع الرئيس إيهود أولمرت للربط بين القطاع والضفة وطوله لا يتعدى الأربعين كيلومترا، ما يساعد في تقوية الروابط والوحدة الجغرافية للدولة الفلسطينية، لنجد أنه كان من الأفضل ألف مرة لو قبل آنذاك بخطّط الرئيس أولمرت، وافتتاح أربعة انفاق من ذاك بدل الواحد، مع سلام وحسن جوار. متى تعي الدولة العنصرية بأنه خفض مستوى العنصرية وفتح أنفاق السلام وبناء جسور العلاقات الاعتراف بالآخر وبحقوقه  الاقتصادية والإنسانية والسياسية ضمن دولته السيادية أفضل من كل حيطان الفصل العنصري وأنفاق الحرب المذهلة الهندسة والكلفة والجهود البشرية المحرَّكة من عشق الحرية والكرامة والسيادة.

 أن وحدة الأراضي لدولة فلسطين بجناحيها أمر أساسي لوحدة الرأي والرؤيا لدى الشعب الفلسطيني ولاعتبار العلاقة الجيدة مع الدولة الجارة إسرائيل أمر مفروغ منه ضمن معادلة "رابح، رابح = win, win". فلماذا استمرار العداوة والكيل بمكيالين من قبل الولايات المتحدة وإحباط جهود أممية ودولية، صارخة بالحكمة، منذ النكبة إلى اليوم. لا بد، بعد كل ما رأت الإنسانية من فظائع في غزة وصلابة الشعب الفلسطيني بالتمسك بأرضه أن تدخل القضية الفلسطينية مرحلتها الأخيرة بتطبيق القرار 181 الشهير والذي كلف لغاية اليوم، عدا حياة شهيده الأول، الكونت برنادوت، مئات الألوف من القتلى من الطرفين.

A person holding a map

AI-generated content may be incorrect.

رسم 2: النفق المقترح – 40كلم تحت الأرض– ، والذي سيكون له دورا أهم من قناء السويس.

إذا ما استوحينا ضرورته من خلال المصائب العظمى بين حركة حماس وإسرائيل مؤخرا، هو هذا النفق على عمق يحدد بين الدولتين تحت رعاية الأمم المتحدة مدعومة من دول الـ G8 كاملة. ولكن هل هذا كاف بالنسبة للفلسطينيين الذين تم تقسيمهم على بعضهم، من قبل عدو لا ينام ولا يرتاح ما لم يكونوا متقاتلين ببعضهم بشكل لا رجعة فيه؟

كلا وهاكم النقطة الأخيرة من اقتراحنا الذي ما استوحيناها فقط مما شاهدناه في حرب إبادة غزة، بل مما عشناه ونعيشه كلبنانيين منذ النكبة الفلسطينية ولغاية اليوم، وبخاصة حالتين:

الأولى، المعروفة بالصراعات المتتالية بين مأجورين في لبنان لمصلحة الصهيونية "الكسنجيرية" والمطالبين بالتقسيم على أساس ديني ومذهبي وحتى إقطاعي، وقتل مثال "رسالة العيش المشترك" أو "العيش الواحد" الذي يشهد له لبنان، وقد رفعه الشعب اللبناني كعَلَم مميز ضد العنصرية من أي نوع.

الثانية: المحاولة الفاجعة التي أُقنِعَ بها ياسر عرفات، رئيس منظمة فتح، بعد أن تمكن من وضع يده على أمن لبنان واقتصاده بسبب اتفاق القاهرة الغبي، بأن يضع يده على لبنان مستبدلا به فلسطين، ونسيان الباقي. وما شجعه على ذلك هو ما بدت عليه تركيبة الشعب اللبناني من هشاشة لا أمل من إصلاحها. فكانت حرب 1975 التي لم تنته فصولا بعد والتي، لسوء تطبيق اتفاق الطائف وعدم تفعيل بنوده الأساسية والأهم، كتحقيق مجلس الشيوخ لتخطي الطائفية السياسية، ازدادت العنصرية الثقافية والدينية بين اللبنانيين، وبات انقسامهم على بعض قائم على الشبه والرائحة.

أما النقطة المفصلية للحل النهائي هو ما توصلت إليه مجموعة تبنت نظرية هذا الكتاب، فلسفة وسياسة تطبيقية، وقررت بعد دراسة معمقة لأسباب الانقسامات والفساد الخارق لمؤسسات الدولة اللبنانية كافة، لغاية العظم، بأن العطل الأساس هو في الدستور، وفي كثرة المستفيدين من نواقصه، المصطادين بالماء العكر، إلى أن تم إفلاس لبنان مع عشرات بلايين الدولارات من الديون التي قد يعجز عن سدادها بالمطلق إن لم يُرحم من الدول المتصهينة ويُسمح له باستخراج الغاز الذي عند شواطئه.

اليوم وقد بات الشبه كبيرا بين تعقيدات الشعب الفلسطيني وطبيعة أرض دولته المرجوة، وكميات الغاز التي تبيَّن وجودها عند شاطئ غزة، ناهيكم عن استراتيجيه الدولة الفلسطينية الجغرافية الممتدة من النهر إلى البحر والتي ستسمح لها كدولة مستقلة بلعب دور الجسر بين الأردن والبحر الأبيض المتوسط، ونقطة التقاء سياحية على المدار: مصر – الأردن – والأراضي المقدسة، تماما كما يلعب لبنان دور المركز السياحي على مدار: سوريا – الأردن – الأراضي المقدسة، نؤكد ان كل ما يلزمها هو دستور صحيح سليم  يتحكم بمفاصل الدولة، يحمي ثرواتها البشرية والطبيعية ويرفع قيمتها السيادية والسياسية العالمية، ويعطي الصالح العام وكرامة الإنسان الأولوية على كل ما هو مناطقي، طائفي أو شخصي خاص، أكان الشخص مادي او معنوي. نعم أن ما سيأتي بالسلام لفلسطين، ويثبت السلام، هو وحدة الأراضي، ووحدة الرأي والرؤية، وحسن الجوار، ودستور مميّز يغطي أدق مفاصل الدولة ويحميها من الفساد، ويضعها عند مصاف الدول الريادية في العالم.

وبهذا الكلام نكون قد وصفنا الدولة الفلسطينية العتيدة  انطلاقا من وصفنا لوضع لبنان وحاجاته، ونأمل لها بدستور كالذي وضعته المجموعة التكاؤنية تحت عنوان: "مراجعة في الدستور اللبناني تفعيلا واستكمالا". ونحن بهذا نؤكد على أنه لا الحروب، ولا المقاومات، ولا المساحة الجغرافية، ولا نقاوة عنصر الشعب القائم عليها، ولا اختلاف مصادره ومشاربه، هو ما يبني الأوطان ويحمي الكرامات ويؤمن سلاما دائما. إنه الدستور الذي في الصيغة العلمية لقيام كيان أي دولة هو العنصر الأساس في ثالوثية تكوينها من "أرض وشعب ودستور". هذه بنظرنا هي مسلمات قيام أي دولة على مستوى المجتمعات البشرية المتفقة على أن تترقى من عيش القبائل والعشائر والطوائف والمذاهب إلى دولةٍ الاحترامُ فيها أولا، وفي الأساس، وفوق كل اعتبار، للصالح العام، للخير العام، لكرامة الإنسان، لحقوق الأطفال والأمهات والمرضى والمهمشين، حيث كرامة عَلمِ الوطن وعزته هي من كرامة كل مواطن، أيا كان، بخاصة الأكثر استضعافا.

ختــــــــــــــــام

لدينا "كتاب" كان يردد المغفور له الرئيس فؤاد شهاب، واليوم نحن نردد معه وبكل فخر، بات لدينا  دستور للبنان التكاؤن على الصعيدين الداخلي والخارجي، فلم لا تتبناه الفصائل الفلسطينية وتطبقه في سبيل وحدتها وخير علاقاتها مع جيرانها. أما لإسرائيل الدولة، فمن الصعب ان نتوقع استلهامها لأي دستور بسبب العنصرية القائمة على أساسها والتي تعيق تطبيق أي دستور يساوي بالكرامة والحقوق الكاملة من ليس يهوديا من مواطنيها. فكل ما نتمناه لها، بحكم ارتباط تاريخها ونصوص توراتها بأرز لبنان وجبال لبنان بياض لبنان ومياه لبنان،  هو أن يخرج عقائديوها من عنصرية العهد القديم و"الغيتوية التاريخية المشؤومة" كما حدث مع الشعب اليهودي في أوروبا إثر حركته التحررية ((émancipation في القرن الثامن عشر على يد ابن أسباطها الفيلسوف موسى مندلسون (Moses Mendelssohn (1729-1786).

إلى ذاك الحين، ما على لبنان وبخاصة أصحاب الإرادة الصالحة فيه، إلا أن يستمر بالمحاولة الحتمية للانتقال بعيشه المشترك المؤسّس على "الكلأ والماء والموروثات العثمانية" إلى التكاؤن المؤسّس على "الوعي والإدراك والعدالة والتراحم والاقتناع بأن إدراك كينونة "الآخر" لذاته هي الطريق لإدراك كينونتي، أي مدى إدراكه لذاته ولكرامة خالقه فيه هو الطريق لإدراكي للأمر نفسه، والعكس صحيح إلى أن يدخل الجميع   في إدراك كرامة الخالق فيهم جميعا، في الإنسانية التواقة إلى السلام والمحبة والارتقاء نحو الأسمى. وهذا، كما فصلنا على مدى الأبواب السبعة من هذا الكتاب، صحيح وملزم للجنسين من البشر، الإناث والذكور، أكان هذا الآخر أخا، أختا، زوجا، زوجة، رفيقا، صديقا، جارا، وبخاصة خصما، عائلة، قبيلة، عشيرة أو دولة... كل هذا ينطبق عليه مبدأ التكاؤن لأن ما من كائن بموجود في الكون لا تربطه علاقة الرحمة بمن خلقه، الكائن الأسمى، إله المحبة والعدالة والجمال، عز وجل.


[1] أي مجموعة الثمانية G8 من دون روسيا، الدولة المستهدفة.

[2] وإجاب برنامج Chat GPT على سؤالنا عن اسم هذا البئر ووضعه القانوني الدولي فأكد بأن اكتشافه تم سنة 2000، لا يستبعد أن يكون اسمه على اسم النبي نوح، وبأن هناك العديد من النزاعات القانونية والسياسية المرتبطة بحقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك مفاوضات مع الفلسطينيين والجهات الأخرى حول حقوق الاستكشاف والإنتاج. هذا يشتمل على قضايا تتعلق بالتملك، والموارد الطبيعية، والحقوق الاقتصادية".

[3] بدء تصاعد السباق إلى النفط واحتكاره لخدمة السباق الصناعي وبخاصة صناعة الأسلحة على أنواعها، المساهمة في احتكار الأسواق ووضع اليد على مصادر الطاقة الأخرى في العالم ومنها الأدمغة المطوّرة لعلوم الفيزياء والميكانيك والذرة وفنون الاقتصاد كالمصارف والتلاعب بالذهب، والعملات ... كل هذه إضافة إلى ما هو العكس، أي إحباط ومنع أي تطور لدى الدول الأخرى ذات الإمكانية في التسابق، بخاصة الدول النفطية – العربية حكرا- واليوم إيران... وهذا ما نرى المعضلة الكبرى في العالم تقوم حوله اليوم: إمكانية تملك إيران للسلاح النووي، أي سلاح الدمار الشامل الذي أن أرغمت عليه إسرائيل المصنعة للرؤوس النووية خارجا عن كل رقابة، تضطر لاعتماد الحيلة الشمشونية المنصوص عنها في الكتاب المقدس: "علي وعلى أعدائي يا رب". (قضاة 16، 30)

[4] سبحان الله ما أقدر المال في التأثير على الدين. هنا صار الاعتراف من نسل إسحق بأن نسل إبراهيم ليس فقط من إسحق الذي انتقل الوعد له بتأسيس شعب الخلاص، بل أيضا من اسماعيل أبي العرب (حسب حرفية الكتاب)] وبالتالي، وعملا بخطاب الرئيس لنكولن الشهير الذي حرّر به الناس من العبودية -عملا بتعاليم الإنجيل والقرآن-، يجري الأمر تاريخيا بمفعول رجعي، وتعود الكرامة للأخوين وشعوبهما كما أرادها الله لهما عندما سهر على كل خطوة من خطوات حياة إسماعيل ووعد إبراهيم بأن ابنه هذا سيكون أبا لشعب كثير (تكوين 20، 17). لخدمة المال والسلطة يسهل ما هو مستحيل على العقائد الدينية.

[5] إلا إذا كان قد قام أحد علماء المتخصصين بالأعراق كما كان يحصل أيام النازية والبحث عن العرق الأسمى، ورفع دراسة بأن الفلستيينيين (الاسم التاريخي لشعب فيليستو) ليسوا عربا ولا علاقة لهم لا بإسحق ولا بإسماعيل. ولذا تجوز إبادتهم كإبادة الحيوانات الضارة. وهذا، وللأسف ما سمعه العالم بأسره من صفات ألصقها نتنياهو وربعه بالفلسطينيين الحاليين من على شاشات التلفزة العالمية.

[6] البند الأول من شرعة حقوق الإنسان

[7] استغلال نتنياهو لسردية حرب اليهود بقيادة الملك شاول على "عماليق" ملك غزّة ذاتها التي تجري فيها الأحداث اليوم، وشعبها الفلستيني الموصوف بالعمالقة. ولكن، وللأسف، ورغم اعتراض بطاركة الشرق الكاثوليك المجتمعين في سينودس حول البابا فرنسيس على هذا التصرف الشائن باستغلال نص من الكتاب المقدس للدعوة إلى الانتقام والإبادة والتهجير، لم يقرأ نتنياهو كيف أن الحرب على عماليق انتهت بسحب الله الملكية من شاول لأنه لم يطيعه حرفيا، وطمع بالحفاظ على مكاسب الحرب (avoir) من بقر وغنم، ولم يُبِدها مع مالكيها كما امره الله الذي عليه أن يكون وإياه بتفاهم تام (être). فقال له الله على لسان صموئيل: «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. (آية 28). فإن كان نتنياهو قد اعتمد هذا النص لتنفيذ ما لم ينفذه شاول من حوالي ثلاثة آلاف سنة، أما كان يجب عليه أيضا ألا يطمع بآبار غاز غزة ولا بشاطئها الذهبي؟ هل نيته كانت بأن يقدمها ذبيحة لإلهه؟ حتى هذه يرفضها اله إبراهيم وإسحق ويعقب، فلأي إله بنيته أن يقدمها؟

[8] مراجعة رسالة (Redemptor Hominis)، التي أطلقها البابا يوحنا بولس الثاني في عام 1979.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد.

أضف تعليقك

آخر الأخبار

الباب السابع: في العلاقات المميّزة مع الدول المجاورة وحل محتمل للقضية الفلسطينية.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب السادس: العلاقات الدولية بين العيش المشترك والتكاؤن.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الخامس: التكاؤن الدينيّ بين حرفية النصّ والعَلمنة المادية.

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الرابع: التكاؤن العائلي بين الكينونة والمُلكية. (l’être et l’avoir)

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

البا ب الثالث: التكاؤن الشخصي. (أنا أفكر، إذا أنا كائن)

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الثاني: التعريف بنظرية "التكاؤن" والفعل "كَأنَ"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

"التكاؤن"

بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن

Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM