مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"
مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"
2026-04-19
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"[1]
ابتدأ كل شيء في يوم من سنة 1985 إثر الأحداث الخطيرة التي دارت منذ 1982 لغاية 1985، الاحتلال الإسرائيلي ودخول الجيش الصهيوني بيروت ومُحيطها والمتن الشمالي، وبيت مري، مسقط رأس الكاتب ضمنًا، واضِعًا مصير لبنان على كفّ عفريت.[2] كان الشك قد بات كبيرا في إمكانية صمود كيان الدولة اللبنانية في صراع دام بين من يريد التقسيم وتأسيس دويلة مسيحية، وبالتالي القبول بالدويلات الطائفية والعنصرية (مشروع كيسنجر)، ومن يصرّ على استمرار لبنان على النمط المفترض فيه أن يكونه، دولة مثال في العيش المشترك (حسب التعبير السائد)، والديمقراطية، وحريّة التعبير، تُرفع علمًا بنموذجيّتها بوجه كل عُنصريّة وبخاصة الدولة المستحدثة إلى جنوبها: "إسرائيل".
ومن كثرة الغَيرة على هذا الوطن والصراع على إبقائه واحدا موحّدا ولو بالظاهر، وإثر الانسحاب الإسرائيلي سنة 1983 من الداخل اللبناني، لم يتوان بعض القادة الميليشياويين في محاولة التوافق، تحت ما سُمّي حينها بالاتفاق الثلاثي، على إلحاق لبنان كليّا بالسلطة المركزية للدولة السورية المفترض بها أنها علمانية، وبالتالي، بنظرهم، صالحة لتسلُّمِ الحلّ في "شبهِ دولةِ لبنان" الذي حوَّلت ميليشياتهم الطائفية سيادتَهُ إلى دكتاتوريات حزبية، وحريّة التعبير والإعلام فيه إلى سلاح تشهيريٍّ تقسيميٍّ كيديّ، والديمقراطيةَ المنصوص عنها في الدستور إلى مركانتيليّة انتخابية.[3]
في الفترة ذاتها، ورغم وجودي في الجامعة في روما، ونزرة المعلومات عن هذا الاتفاق الذي بقي سريًّا إلى أن تمّ الإعلان عنه كأمر واقع مفروض على اللبنانيين كافة، في 28 كانون ثاني 1985،[4] كنت أعمل، منطلقا من زاوية مختلفة، في البحث في المراجع الفلسفية والعلمية على أنواعها، لإيجاد حلّ يحقّق السلام الدائم بين الطوائف والمواطنين، جماعات وأفراد على حد سواء. فبدا أنه، بنظر الفلسفة واللاهوت، والحكمة الإنسانية بشكل عام، لا شيء كالعدالة يؤسس لحلّ معضلة تاريخية كالتي تدك وحدة لبنان منذ تأسيسه، لأن وحدته التي أسست على عيشٍ مشتركٍ بين مسيحييه ومسلميه ويهوده باتت، وللأسف، مختلّةً، فاقدةً لبساطتها التقليدية بخاصة مع ظهور التيارات العقائدية العالمية، والأحزاب اليسارية الملحِدة، واليمينية المتطرّفة، وارتفاع عدد الأغراب المقيمين الدائمين على أرضه، بخاصة الفلسطينيين، واشتداد الخط العلماني، إلى درجة لم يعد يُعرف من الذي يتعايش مع من، ولا لمن، أو لما، أولويّة الانتماء: أللحزب، للطائفة، للزعيم، أم للوطن؟ وماذا لو اختلطت الأحزاب بالطوائف، وغُيّبت الدولة، وفُقدت قدوة المسؤولين السياسيين الصالحين، والروحيين المنزّهين عن الباطل، وبشكل عام، الحكماء المدافعين عن الحق؟ سؤال مفصليّ!
على أنه، وبالرغم من كل الخلل الذي ساد تلك الفترة، والدم الذي هدر والعوائل التي تشرّدت وهاجرة، ورغم المناشدات من الشريك المسلم في الوطن للمشاركة العادلة في الحكم، لم تؤخذ ضرورة التعديل الدستوري، أو أقلّه تبديل أعرافٍ واكبت دولة الاستقلال متذ 1943، بعين الاعتبار. بالعكس، وللأسف، إثر حرب 1967، بدل اتخاذ القرارات الدستورية المناسبة لإعادة هيكلة الدولة وتمتين بناء المواطنة السليمة القائمة على القيم والأخلاق والانتماء لوطن واحد موحّد، والحد من تأثير الأغراب على المواطنين، والخارج على الداخل، تمّ اتفاق القاهرة عام 1969ضاربين به اتفاقية هدنة 1948 بين لبنان وإسرائيل. وقد سُلم، على أساس ذاك الاتفاق، الأمن القومي اللبناني إلى منظمة فتح والفلسطينيين، من نهر البارد شمالا إلى الحدود جنوبا حتى باتت طريق القدس تمرّ بجونيه والأشرفية إلخ. وكان عدد الفلسطينيين، آنذاك، قد بلغ حوالي ثلث عدد الشعب اللبناني، مسلّحين بما يفوق قدرة الجيش والأمن الداخلي على احتوائهم، يُحيطون بكثافة، وكأحزمة بؤس، بالمدن التي استقبلت مخيَّماتهم باسم الإنسانية عام 1948.
بعد 1969 تحوّل لبنان إلى ساحة صراع بين إسرائيل ومنظمة فتح، وكثرت نشاطات المخابرات والجواسيس والاغتيالات والتعديات الأمنية داخل المدن اللبنانية، والعسكرية في جنوب لبنان، ففقد لبنان توازنه وبرزت تهمة "الانعزالي" بوجه كل من ينتقد ويرفض الحركة اليسارية والعروبة المزيّفة، ما تسبب بخسارة سيادة الدولة على أراضيها وشعبها لصالح الأغراب. في المقابل، برزت تهمة "يساري" بوجه كل من يرفض سلوكية الميلشيات اليمينية "المسيحية" التي حافظت على خضوعها للرؤساء الروحيين لمدّة السنتين الأوليَّتين من الحرب، إذ بُرّر كنسيًّا آنذاك وجودُها وتسلّحُها بحجّة "الدفاع من النفس، دينيا وقوميا". إنما سرعان ما تحوّلت تلك الميليشيات، "بسحر ساحرٍ"، للأسف أيضا، إلى سلطة طائفية مستقلة غير خاضعة لتعاليم الدين المسيحي الصحيحة، بل المستغلة له بحكم تركيبة لبنان الطائفية والحزبية، فباتت تصنّف المسيحي مسيحيًا بالهوية ومقدار تعصّبه الحزبي اليميني خارجا عن الحاجة للخضوع لرؤسائه الروحيين وتعاليم كنيسته.
وتميّز الموارنة بهذا المنهج لأسباب لن ندخل في متاهتها هنا، إنما لا يخفى على أحد السبب الأساس، وهو أن عُرْفَ التربّع على كرسي رئاسة الجمهورية قد حُفظ لهم منذ الاستقلال، فبات هذا الكرسي شريكا مارونيا مضاربا للكرسي البطريركي المُعتبر المرجع الأساس للكيان اللبناني ولتحديد شخصية رئيس الجمهورية. عليه بات حتى الموارنة ضائعين بين أولوية علاقتهم ببطريركيتهم وبعضهم البعض دينيا وإيمانيا، وأولوية خضوعهم لأحزاب مسلحة، متضاربة، خاضعة لإملاءات سياسية خارجية واعدة برئاسة الجمهورية لرئيس كل حزب في الوقت نفسه. فسقط دور البطريركية في التوجيه لاختيار رئيس الجمهورية وفقدت القضية الكيانية التي تحتاج وحدةً حول الرأس، وبالتالي وحدةً في الرأي والرؤية غير قابلة للنقاش.
أعتذرُ إذ عُدت إلى بعض من التاريخ الأليم كما عايشته شخصيا وأشهد عليه، وقد أقول إنه كان أليما عليّ، أكثر من غيري، لأني عُرفت، على ما انتُقدت عليه مع بداية حرب 1975 التي لها عندي وصف خاص، بالفكر الجبراني الناقد لكل ما يسيء للبنان، وللحياة التي يتمناها جبران لأجيال لبنان، والتي سبق ذكرها أعلاه.
هذا الفكر التحليلي جعلني، أنا ورفاق عديدين من المدرسة نفسها، نرفض الانخراط بأي حزب وميليشيا، ونندفع بالمقابل أكثر نحو البحث عن أسباب الحرب الدائرة وأساليبها الوصولية، وما نراه يتبعها من تدريب الشباب المسيحي على العنف والإجرام المبرَّرَين بالحقد على الفلسطيني واليسار، خارجا عن كل تعليم مسيحي، وعن أي رؤية أبعد من الوصول إلى كرسي رئاسة الجمهورية. فتبيّنَ واضحا لنا، فيما بعد، أنها جزء من الحالة الماكيافيلية التي باتت معضلة الشرق الأوسط بأسره، إذ كانت في أساس مشروع كيسنجر. إنها الخطة الصهيونية الجاري تنفيذها بهدف سيطرة الكيان الإسرائيلي على ما أسموه "مملكة داود"، من النيل إلى الفرات، ووضع اليد على ثرواته الطبيعية كافة. وهذا ما نوّه إليه العلامة ميشال شيحا، واضع دستور لبنان، بما معناه: "حلّت إسرائيل، الويل للشرق".[5] فأدركنا حينها أن من يريد أن يجد حلا للمعضلة اللبنانية عليه أن يأخذ هذه الحقيقة ومثيلاتها بعين الاعتبار.
نتابع باختصار مسوّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأنَ".
وكان السؤال الذي كبُر معي، منذ صبائي، أمام مشهد الصراعات الدموية التقسيمية المستمرّة على ساحة الوطن، والمنطلِق من القيَم الإنسانية التي اتعمّق بها فلسفيا ودينيا في الجامعة، إضافة إلى القيَم الحقوقية التي توصلت إليها الإنسانية مع نشوء منظمة الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان: أي لبنان نحتاج يكون قادرًا على أن يؤمّن لأجياله سلاما أهليًّا دائما فلا تكون فلذات أكباد شعبه، المولودة في كل سنة، محكومةٌ بمواجهة مذبحة لها، أو بين بعضها، ما أن تصبح على أبواب الجامعات؟[6]
ولما كان شعار العيش المشترك قد سقط للأسباب التي أتينا على ذكرها أعلاه والتي تضخّمت أضعافا بحكم وجود الجيش السوري، والاحتلال الإسرائيلي، ووصول الشيخ بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية، ومن ثم استشهاده باغتيال اهتزّت له الإدارة الأمريكية، تبعته مجزرة صبرا وشاتيلا التي اهتز لها أيضا العالم، ما عاد من الممكن إلا وضع أسُس جديدة تأخذ، كما سبق وذكرنا، كل هذه المستجدات بعين الاعتبار، ليُبنى عليها لبنان ما بعد العيش المشترك، لبنان الألفية الثالثة.
أما المفهوم الأول والأهم الذي استوحيناه مما كتبناه أعلاه عن مقولة جبران في الأولاد والحياة وأهمية الإدراك والوعي ووحدة المواطنين هي أن الوطن "أمّة"، الأمة اللبنانية، أمٌّ لكل مواطنيه. وقد شدّد جبران على هذه العلاقة في قوله: "أمي أمتي". ومن مقدار حبه للبنان الذي قال فيه: "لو لم يكن لبنان وطني لاخترته وطنا لي" لم يترك شكا بأنه لم يعن بـ"أمتي" لا كنيسته المارونية ولا القومية السورية، وبالكاد العربية... إنما لبنان، مع احترامه للقوميات والأمم الأخرى التي تربطه بها اللغة والكرامة. فهل تقوم العلاقة بين أولاد الأم الواحدة على عيش مشترك ظرفي بينهم أم أن رابط الرحم يؤول بهم إلى أن يكونوا في السرّاء والضرّاء كيانا موحدا، وقلبا واحدا، ورؤية واحدة؟
ولما بات الأمر يرتبط بإعادة بناء وطن على أسُس فكرية علمية تؤمّن العدالة والكرامة للمواطنين أفرادا وجماعات، بعيدا عن كل تمييز مناطقي وطائفي،[7] كان لا بد من الأخذ بعين الاعتبار بُعدي الكيان والكينونة مع اللجوء إلى شرعة حقوق الإنسان والشُرَع التابعة لها في ضوء ما أتى به الفلاسفة، بخاصة فلاسفة الحداثة، والثورة الفرنسية، والجمهورية التي وُضع دستور لبنان في ضوئها.
ولكي لا نُتّهم بعَدَم الحداثة، سنؤكد أيضًا على ضرورة الاعتراف بوثيقة "الأخوّة الإنسانية" وتبنّيها بعُمق، لأنها قيمة إضافية لشرعة حقوق الإنسان، وخطوة متقدمة في حقل تخطي العيش المشترك نحو البنوّة لأمٍ مشتركةٍ هي الإنسانية. إن هذه الوثيقة، بنظرنا، ملزمةً إلى جانب شرائع الأمم المتحدة، وسنبيّن لماذا.
كل ما ذكرناه لغاية الآن يشكل ركيزة المسوّغات التي دفعتنا شخصيا، من دون أن ننكر فضل أحد ممّن عاونونا، لاكتشاف نظريّة "التكاؤن" التي سنعتمدها بابًا تَلِجُ منه أجيالنا الصاعدة إلى حياةِ أفضل، وكي تشكّل مفهوما بديلا عن "العيش المشترك" في إعادة بناء وطن يليق بها، ذكورا وإناثا، وبالمجتمع الدولي.
لننتقل إلى كيفية اكتشاف هذه النظرية.
[1] راجع كتابنا الخلق من الحب وليس من العدم، تورونتو – كندا 2023، ص. 405؛
[2] لسنا بصدد تعداد أحداث لم تغب ذكرياتها الأليمة لغاية اليوم عن ذهن أحد.
[3] نظام انتخابي يعزز مصالح الأحزاب السياسية والمرشحين على حساب المصلحة العامة.
[4] ما أوقع الشرخ الدموي، غير المنتظر، في الجسم الماروني، وأضعف القرار المسيحي بما يخصّ مستقبل الدولة اللبنانية وما يجب أن تكون عليه.
[5] راجع مقتطف من كتاب «فلسطين» لميشال شيحا: للمقاومة أسباب جلّى، جريدة الأخبار، موقع إلكتروني https://al-akhbar.com/Lebanon/335540 (1 تموز 2024)
[6] ومن الضروري للأنظمة الإقطاعية أن "تشحل السياجات" كل جيل كي لا يستفيق أي منهم ويطالب بحقه بتقرير مصير وطنه ومستقبله خارجا عن كي لا تستفيق الأجيال وتطلب حياة تضطرهم إلى الانزواء.
[7] البند "ط" من مقدمة الدستور اللبناني.
لا توجد تعليقات بعد.
آخر الأخبار
الباب الأول: ظروف اكتشاف نظرية "التكاؤن".
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
مسوِّغات وضع نظرية "التكاؤن" والفعل "كأن"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
"التكاؤن"
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
ما هو الحب؟
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
سياسة المهل في الحروب الممتدة: من إدارة الصراع إلى هندسة نتائجه في الشرق الأوسط
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
وطن الأرز
بقلم لميس شقير ( كاتبة ومنتجة )
حكاية وطنٍ
الدكتور هشام الأعور
الأم في الديانات والحضارات: قراءة تكاؤنية في أصل الوجود ومعناه
بروفسور فريد جبور: رئيس مجلس أمناء جمعية التكاؤن
إهداء إلى العلامة إميل يعقوب بمناسبة تكريمه من الحركة الثقافية أنطلياس
الأب ميخائيل روحانا الأنطوني
Copyrights © 2025 All Rights Reserved. | Powered by OSITCOM